Blog Utama Saya :-

Isnin, 18 Mei 2026

الأربعين في أصول الدين - 11 | ذكر الله (2)

 





الأربعين في أصول الدين - 11 | ذكر الله (2)


Video


الدرس الحادي عشر للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي . القسم الثاني: مواصلة شرح الأصل السادس - ذكر الله - (2)

 ضمن دروس الدورة الصيفية الثانية بمعهد الرحمة بالأردن.

فجر الإثنين 24 صفر 1447هـ

يوضح في الدرس كيف يرتقي ذكر الله من لسانٍ يلهج إلى قلبٍ يشهد، ويشرح مراتب السير: إيمان ثم علم ثم ذوق، ويجيب عن سؤال التفضيل بين التلاوة والذكر، مع إشاراتٍ لآداب الدوام على الذكر في جميع الأحوال، وما هو اسم الله الأعظم.

 

نص الدرس المكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبِسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

"وَاعْلَمْ: أَنَّ كُلَّ ذِكْرٍ يَشْعُرُ بِهِ قَلْبُكَ.. تَسْمَعَهُ الْحَفَظَة؛ فَإِنَّ شُعُورَهُمْ يُقَارِنُ شُعُورَكَ، وَفِيهِ شِرْكٌ خَفِيٌّ،حَتَّى إِذَا غَابَ ذِكْرُكَ عَنْ شُعُورِكَ بِذَهَابِكَ فِي الْمَذْكُورِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَيَغِيبُ ذِكْرُكَ عَنْ شُعُورِ الْحَفَظَة، وما دَامَ الْقَلْبُ يَشْعُرُ بِالذِّكْرِ وَيَلْتَفِتُ إِلَيْهِ.. فَهُوَ مُعْرِضٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَغَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْ شِرْكٍ خَفِيٍّ، حَتَّى تَصِيرَ مُسْتَغْرِقًا بِالْوَاحِدِ الْحَقِّ، فَذَلِكَ هُوَ التَّوْحِيدُ. 

وكذلك القول في المعرفة؛ فمن طلب المعرفة للمعرفة.. فقد قال بالثّاني، ومن وجدها كأنّه لا يجدُها، بل يجدُ المعروف بها.. فهو الذي استمكن من حقيقة الوصال، وحلَّ بحبوحة حظيرة القدس".

ما شاء الله لا قوة إلا بالله- الحمد لله عظيم النّوال، جزيل الإفضال، جُوده جارٍ بكلّ حال، لا إله إلا هو الكبير المُتعال، شرَّفنا وكرَّمنا ببِعثة خاتم الإنباء والإرسال، جامع الكمَال ومُفيد النّوال، صلى الله وسلّم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه خير صحبٍ وآل، وعلى مَن والاهم واتّبعهم ومضى على ذلك المنوال على مدى الأيّام واللّيال، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل القرب والوصول والإيصال، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصّالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

ذكر لنا الشّيخ حديث أبي يَعْلَى في مسنده والبيهقي في شُعَبه: "يَفْضُلُ الذّكر الخفيّ على الذّكر الذي تَسمَعُه الحَفَظَة سَبْعِينَ ضِعْفًا"؛ وبهذا نعلم أنّ المُراد بالذّكر الخفيّ في هذا الحديث ليس الذي يخفى عن النّاس، وليس الذي يخفى عن جليسك، ولكن الذي يخفى عن الحفظة؛ والحفظة الموكّلون بكتابة أعمالنا وما يصدر منّا غير رقيب وعتيد، رقيب وعتيد يكتبان الحسنات والسّيئات، وغيرهما من الملائكة يتعاقبُون فيكم ملائكة باللّيل وملائكة بالنهار، ومع كلّ فرد منّا عشرة يُرافقونه باللّيل وعشرة يرافقونه بالنّهار، يجتمعون في صلاة الصبح فيصعد ملائكة اللّيل ويبقى ملائكة النّهار، وفي صلاة العصر فيصعد ملائكة النّهار وتبقى ملائكة اللّيل، وهكذا؛ وهؤلاء الحفظة لهم شُعور بما يجري على ظاهرك وعلى باطنك وما يفيض في قلبك، فلهم شعور بذلك، ولكن الذّكر الخفيّ ما لم تسمعه الحفظة.

 قال: "وكُلَّ ذِكْرٍ يَشْعُرُ بِهِ قَلْبُكَ.. تَسْمَعَهُ الْحَفَظَةُ"، كلّ الذي جعل الله لهم سبحانه اطّلاع على النيّات، هذا يكتبون النّياّت ما تَنوي وما تَعزم عليه، فالأمر الحاضر في قلبك مُنكشف لهم، ولكن ما في باطن القلب وما في الرّوح وفي سرّك، هذا يبقى بينك وبين الرّحمن -جلّ جلاله وتعالى في علاه-.

قال: "حَتَّى إِذَا غَابَ ذِكْرُكَ عَنْ شُعُورِكَ"، أنت، "بِذَهَابِكَ فِي الْمَذْكُورِ بِالْكُلِّيَّةِ"، كما ذكر ما يسمّى بالفناء، قال: "فَيَغِيبُ ذِكْرُكَ عَنْ شُعُورِ الْحَفَظَةِ"، فما يدرون ما حقيقة ما بينك وبين المذكور -جلّ جلاله وتعالى في علاه-، وهذا الذي يتولّى هو جزاؤه -سبحانه وتعالى- وما يدخل في صُحف الملائكة وما يكتبون لكم من الحسنات، فهذا شأنه بينك وبينه -جلّ جلاله-، أجلّ وأكبر ممّا تقيده الملائكة. 

قال: "فيغيب ذكرك عن شعور الحفظة" إذا غاب عن شعورك أنت، غاب عن شعورك بذهابك في المذكور -جلّ جلاله-، "وما دَامَ الْقَلْبُ يَشْعُرُ بِالذِّكْرِ وَيَلْتَفِتُ إِلَيْهِ" قال: "فهو" من وجه "مُعرض عن" المذكور إلى الذّكر ولم يشعر به، وأمّا المقصود الذّكر الذي يُوصلك إلى المذكور وتفنى به، فتغيب عن الذكر وتغيب عن فنائك أيضًا في الذكر كما سمعت فيما مضى، قال: وهذا "وَغَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْ شِرْكٍ خَفِيٍّ، حَتَّى تَصِيرَ مُسْتَغْرِقًا بِالْوَاحِدِ الْحَقِّ"، كليّة، "فَذَلِكَ هُوَ التَّوْحِيدُ"، وأهل حقيقة التّوحيد هذه هم الذين يعدِل النَّفَسُ منهم بعمل الإنس والجنّ من غير أهل حقيقة التّوحيد، النَّفَسُ منهم يعدل عمل الإنس والجن عبر الثقلين لِحَالِهم مع الله -تبارك وتعالى- وشأنهم. 

وسمعتَ الوُصول إلى ذلك بالمُواظبة على الذّكر باللّسان والإرتقاء به إلى ذكر القلب بالتّكلّف بداية، ثم يَرسخ الذّكر ويسبق إلى القلب، ثم يأتي بعد ذلك الغَيبة عما سِواك بالفناء في المذكور -جلّ جلاله وتعالى في علاه-.

 

وإن رُمت أن تُحظــى بقلب منــورٍ *** نقيٍ عن الأغيار فاعكف على الذكر

وثابر عليه في الظّلام وفي الضياء *** وفي كــل حــال باللّسان وبــالسّـــرّ

فــإنـــك إن لازمــتــه بتـــوجــــــه *** بــدا لـك نــور ليس كالشمس والبدر

ولــكنـــــه نــــــور مـــن الله وارد *** أتــى ذكره فــي سورة النّور فاستقرِ

وأشغـــل القلــب ذكــرًا لا يُفارقـــه *** فإنّمــا الذّكــر كــالسّلطان فـي القُرَبِ

 

القُرَب والطاعات المُوصلة إلى الله سُلطانها الذّكر، فإنّما الذّكر كالسّلطان في القُرَبِ ، فهو في أنواع القرب، ويقول في الذّكر لله تعالى: 

  • بقلبٍ حاضر. 
  • وأدبٍ وافِر. 
  • وإقبالٍ صادق. 
  • وتوجّهٍ خارق.

فمَن لازم الذّكر بهذه الأوصاف أضمحلَّت عنه الحُجُب وانكشفت عنه السّتائر وبلغ إلى مراتب أهل القُرب، فالله يوفّر حظّنا.

قال: "وكذلك القول في المعرفة، فمن طلب المعرفة للمعرفة"؛ فإذًا مقصوده المعرفة غير المعرُوف، والمعرِفة شيء والمعروف شيء آخر، هو مثل الذي يطلب الذّكر للذّكر فيبقى مع الذّكر ما يصل إلى المذكور، حتّى يطلب الذّكر من أجل المذكور فقط؛ فيغيب عن ذكره في المذكور، كذلك المعرفة بالله -سبحانه وتعالى- تُقصد من أجل الغَيبة في المعروف -سبحانه وتعالى-.

 "فمن طلب المعرفة للمعرفة فقد قال بالثّاني"، وضع واحد ثاني مقصود مع الله، وهو المعرفة، إنّما تراد المعرفة من أجل تَضمحلّ أنت وتَفنى في المعروف -سبحانه وتعالى-، فليست المعرفة مقصودة لذاتها ولكن لِتَغيب بها في المذكور -جلّ جلاله-، وتغيب عمّن سواه، إذًا فلا يكون لك مقصود سواه كائنًا ما كان، فمن طلب المعرفة للمعرفة فقد قال بالثّاني، ولا تقدَّس مّن يقول بثانٍ، ما تطهر من عنده ثاني، لا يوجد إلّا واحد، كَوْنٌ واحد لواحد -جل جلاله وتعالى في علاه-، فتفنى واحديّتك الحادثة المنحصرة في واحديّته الأزلية الداّئمة الباقية المُحيطة. 

وبعد ذلك، وراء الاستغراق في الواحديّة مواهب في الغَيبة عنها استغراقًا بالأحديّة، والمُستغرق بالواحديّة له مطالعات الصّفات والأسماء، لكن المستغرق بالأحديّة ما عاد بقِي له متّسع إنّما استغراقه بالذّات، فيَسْتَغْرِق بالذّات الأحد -جلّ جلاله- 

  • (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص:1].
  • (هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ) [آل عمران:163]. 

وأهل الفناء والغَيبَة في الواحديّة درجات، وأهل الأحديّة كذلك درجات ومراتب، والكلّ من المقرّبين والصّدّيقين يحُومون حول بحور الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- في هذه المعارف والمدارج، والأنبياء يحومون حول بحر المصطفى ﷺ، والمخصوص بحقائق المعرفة السّامية الرّاقية هو عليه الصلاة والسلام؛ فما تعرَّف الله إلى شيء من كائناته وخلقه كما تعرَّف إلى محمّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم، فهو أعظم الخلق عبوديّة وعبديّة لله تبارك وتعالى.  

  • (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ) [الإسراء:1]. 
  • (فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ) [النجم:10]. 
  • (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ) [الفرقان:1].

صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومَن سار في دربه.

 

قال: "ومن وجدها كأنّه لا يجدُها، بل يجدُ المعروف بها.. فهو الذي استمكن من حقيقة الوِصال"، في فضل من ذي الجلال، "وحلَّ بحبوحة حظيرة القدس"، الحظيرة: الدار المحظورة، الممنوعة على غير أهلها، فلا يدخل حظيرة القُدس إلا مَن تقدّس عن الثّاني، فهم الذين يدخلون حظيرة القُدس.

وحظيرة القُدس: سُمّيت بذلك لكونِها لا يدخلها إلا أهل التقديس، وسُمّيت حظيرة: لأنها محظورة على غير أهلها، ما يدخلها سِوَاهم، وأهل حظيرة القدس: هم الذين يجتمعون في مقعد الصّدق. 

  • (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) [القمر:54-55]، عنده.
  • وَالَّذِينَ (عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) [الأنبياء:19-20]، عند ربّهم -جلّ جلاله-.

وهكذا كان الشيخ محمّد المجذوب، غاب عن أهلُه وأصحابه مدّة، أين الشيخ؟ أين الشيخ؟ وفي يوم كانوا جالسين مجموعة من أصحابه، إذا وَرَقة تُلقى عليهم من فوق، فتحوها إذا: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد المجذوب إلى أخوانه في الله، صدرت من حظيرة القدس، وقال: إنّه بقي لي كذا في مطالعة كذا وأعود إليكم في يوم كذا"؛ حتى عاد اليهم بعد ذلك، لاإله إلا الله!

 

وقال الحبيب عبد الله الشاطري: 

 

طَابَ لِي فِي حَضَائِرِ قُدْسِ مَوْلَايَ شُرْبِي *** فَانْفَتَحَ بَابِيَ المُغْلَقُ وسَامَرْتُ حِبّي -لا إله إلا الله-، 

اللّهمّ لا تحرمنا خير ما عندك لشرّ ما عِندنا، ولا عَيش إلّا عيش المُحبّين المخلَصين العارفين.

 

قال المؤلف -رحمه الله ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

 

"فإن قلت: فلم اختصت هذه المكاشفات بحال الفناء؟ 

 

فاعلم: أن هذه قصَّةٌ يطول فيها نظر الناظر، ولكن إذا تأمّلت.. لم تَقْصُر عن أن تُدركَ كون الحواسِّ وعوارض الّنفس وشهواتها جاذبةً إلى هذا العالم المحسوس؛ عالم الزُّور والغُرور، ولذلك ينكشف صريح الحقّ بالموت؛ لبُطلان سلطان الحواس والخيالات الموَلِّيَةِ بوجه القلب إلى عالم السُّفل. 

 

فإن قَصُر عنك سلطان الحواسّ بالنّوم.. طُولِعْتَ بشيء من الغيب على قدر استعدادك وقبولك وهمّتك، ولكن بمثال يحتاج إلى التعّبير، وما عندي أنك لم تُصادف من نفسك رؤيا صادقة اطّلعت بها على أمر مستقبل لكن بالمثال؛ إذ الخيال لا يفتُر في النوم وإن رَكَدَت الحواس، فلذلك يضعف الاطلاع ولا يخلو عن شوب المثال. 

 

وأمّا الفناء: فعِبارة عن حالة تركد فيها الحواس ولا تشتغل، ويسكن فيها الخيال فلا يُشوّش، فإن بقِيَت في الخيال بقيّة مغلوبة.. لم تُؤثر إلا في محاكاة ما يتجلّى من عالم القدس، حتى يتمثّل الأنبياء والملائكة والأرواح المقدّسة في قوالب الخيال. 

 

فهذه أمور نبّهتُك عليها؛ لتكون متشوّفا إلى أن تصير من أهل الذوق لها، فإن لم تكن.. فمن أهل العلم بها، فإن لم تكن.. فمن أهل الإيمان بها، و (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍۚ) [المجادلة:11].

 

وإيّاك أن تكون من المنكرين لها؛ فتلقى العذاب الشّديد إذا كُوشفت بالحق عند سكرات الموت الذي كنت منه تحيد، وقيل لك: (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق:22]".

 

الله أكبر!

 

فإذا تساءلت وخَطَرَ على بالك الإدراك للحقائق هذه، ومشاهدة هذه العجائب، لماذا لا يكون إلّا في حال الفَناء؟ ترتيب الخلَّاق المُكوِّن وحِكمته في تركيب الكائنات -سبحانه وتعالى-، قِصّة يطول النّظر فيها، لكن قَرِّب إلى فهمك شيء من المعنى، أنت لا "تَقصُر أنْ تُدرِك كون الحواسّ وعوارض النّفْس وشهواتها جاذِبَة إلى العالم المحسوس" المادّي الصُّورِي؛ وهو عالم الزّور والغرور، مُجرّد ظل للروح؛ فلذلك لَمّا يخِفُّ اتصالك بهذا العالَم المحسوس؛ تَبدو لك عجائب من خصائص هذه الرّوح، ومن الاتّصال بالعالَم الأعلى، ولذلك تَجِد في النوم انكشاف كثير من الحقائق، وتَجِد في النوم في خلال دقائق انتقالك من مكان لمكان، وسفرك من بلاد إلى بلاد، وربّما عَرَجْتَ إلى السماء، وربما في أوقاتٍ يسيرة، هذا ما يحصل في عالَم الحِسّ، لكنّ الروح شاهدت هذا لَمّا خَفَّت علاقتها بالحسِّيات والصُّوَر، استطاعت أن تنفُذ إلى هذه الحدود يقول: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) [الزمر:42]؛ فإذا نام الإنسان فأمّا الرّوح الحيواني هذا يبقى فيه، لكن الرّوح الأمْري هذا ينفصل عن هذا الجسد، ومنه تأتي المرائي والمُشاهدات، ومنه قد يُطاِلع أشياء ستكون أو ستحدث، ولكن في الغالب بمِثال؛ تحتاج إلى تأويل.

إنما يُبادَى بصريح الحقّ خاصّة من الخاصّة، و إلّا في الحقيقة كيف؟ وإلّا الأمور تُعرَض في قوالب تحتاج إلى التّأويل، فالشّاهد أنّه لمّا خَفَّت علاقة الرّوح بالجسد بواسطة النّوم، استطاعت الرّوح أن ترى ما لا ترى في وقت انشغالها بالجسد. إذًا فلا تنكشف هذه الحقائق إلا بعد انقطاع الرّوح عن العلائق التي تجذبها إلى أسفل.

يقول: "شهواتها"، تجذبها، "إلى هذا العالم المحسوس، عالم الزّور والغرور"؛ فلذلك تجد عند النّوم أثر، ولكن عند الموت، إذا جاء الموت السّتائر والحجب التي كانت تمنعها انتهت، وعلاقة هذه الرّوح بهذا الجسد والعالَم الحسِّي والصُّوري والمادّي؛ لذا عند الموت كلٌّ يؤمن حتّى الكافر، كلٌّ يَعلَم صِدق ما قال الله وقال رسوله، تنكشف الحقائق لهم. 

قال: لأنه بَطَل عنها "سلطان الحواس والخيالات الموَلِّيَةِ بوجه القلب إلى عالم السُّفل"، (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) [البقرة:148]، فإذا تَولَّت بِوِجْهَاتها إلى عالم السُّفل، بَقِي في الأسفل وما ارْتقى إلى الأعلى، إلّا أن تتوجَّه، التوجّه يصير: 

تَوَجَّه حيثُ شِئْتَ فَأَنْتَ مِمَّا *** لَهُ وُجِّهْتَ فَاخْتَر لِلْمَلِيحِ

 

(وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) [البقرة:148] 

 

وأنت آدمي جُعِلت، لا أنت ملك، ولا أنت حيوان، أنت في الوسط: 

  • إن توجّهت إلى فوق؛ التَحَقتَ بأُفُقِ الملائكة وصاروا هم أصحابك وهم أهل مُرافقتك ومُقارنتك، وعِشت بينهم فتترقّى إلى العالم الأعلى. 
  • وإن تَوجَّهت إلى تحت، ومُقتضى الحيوانيّة التي فيك نَزَلْت؛ تصير كالأنعام بل أضلّ -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

 فلهذا يقول: عند الموت ينكشف الغطاء للجميع، يقول: "فإن قَصُر عنك سلطان الحواس بالنوم.. طُولِعْتَ بشيء من الغيب على قدر استعدادك وقبُولك وهمّتك، ولكن بمثال يحتاج إلى التعبير" وهكذا.

قال قائلهم لِمُؤوِّل الرّؤيا ابن سيرين: إني رأيتُ أنّي أُأَذِّن، قال: تَحُجّ، قال الثّاني: إنّي رأيت أنّي أُأَذِّن، قال: أنت سارق، أمسكوه، هو الرؤيا ظاهرها واحدة، ولكن الرجل مُؤوِّل يُفرِّق بين الأمور، وقال: 

  • شاهِدُ الأوّل (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) [الحج:27]، 
  • وشاهِدُ الثاني: (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) [يوسف:70]، فَفَرْق بين هذا وهذا، وإن كانت صورة الرؤيا واحدة.

وجاءه آخر يقول: إن رجل تعرُض له رؤيا أنّه يكسر البيضة ويأخذ البَيَاض ويترُك الصَّفار، يُريد منّك التّأويل، قال: هذه ما نُؤوِّلها إلّا له صاحبها بنفسه، قال: سأبلّغه، قال له: لا، قال: أنا، أنت صاحب الرؤيا! متأكد أنت! قال: نعم. قال: ادعوا الشّرطي تعال امْسَكُوه هذا، ماذا به؟، قال: ذا يَنْبُش القبور ويأخذ الأكفان، قال: استغفرالله وأتوب إليه، قال: تُب؛ وتوَّبه، وكان كذلك هو يعمل، وهذه الرّؤيا فيها تأويل، بيضة يكسرها ويأخذ البياض ويترك الأصفر، لكن صاحب الرّؤيا عرَف يُعبِّرها ويؤوّلها، فهي بنوع من التّأويل تأتي فيها.

 ومنه ما جاء في القرآن من رؤيا الملك، (سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ) [يوسف:43]، يحلّ محلّها سبع يابسات. ولمّا عُرِضَت على يوسف: ( قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ) -وزاد أيضًا وراء الرؤيا- (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) [يوسف:47-49] هذه لا يوجد لها خبر في الرّؤيا لكنّه وزادها لأنه بما عَرَف من سنة الله تعالى أنه بعد الشدة يجيء الفرج والمَخرج، وكان الأمر كما أوَّل -عليه صلوات الله تعالى-.

وهكذا يقول: "إِذِ الخيال لا يفتُر في النّوم وإن رَكَدت الحواس، فلذلك يضعُف الاطّلاع ولا يخلو عن شُوب المثال، أما الفَناء" -فهذا أعظم من مسألة النوم-" فعبارة عن حالة تركد فيها الحواس" -ولا يكون لها تأثير على الروح من قريب ولا من بعيد" ويسكن فيها الخيال فلا يُشوَّش، فإن بقيَت في الخيال بقية" -وصارت- "مغلوبة لم تؤثر إلا في مُحاكاة ما يتجلّى من عالم القدس حتى يتمثّل الأنبياء والملائكة والأرواح المقدسة في قوالب الخيال"، ويَمْثلُون له بأنواع من الصّوَر، ولكن إذا بَعُد عن الخيال يَرَاهم على ما هم عليه، على نفس هَيْئاتهم، كما كان يحكي ﷺ عن ليلة الإسراء والمعراج ويصِفهم، يصِف ألوانهم ويصِف أشكالهم عندما لقيَهم في ليلة الإسراء والمعراج ﷺ.

يقول: "فهذه أمور نبهتك عليها لتكون متشوفاً" -متشوقًا- 

  • "إلى أن تصير من أهل الذوق لها". ما هو تَسْمُر بها هكذا، وتمُرّ على ذهنك، وتقول ما شاء الله وتذهب، قال: أريدك تتعلّق وتتقرّب وتتخلّق؛ حتى تتحقّق وتدخل مع أهل الذوق. 
  • "فإن لم تكن" -أقل شيء- "فمِن أهل العلم بها"؛ حتّى تُكرَم بعد العلم بالذوق. 
  • "فإن لم تكن" -فأقل درجة- "فمِن أهل الإيمان بها" والتسليم لأهلها. 

كن عالمًا أو متعلّمًا أو مُحِبًّا أو مستمِعًا، ولا تكن الخامس فَتَهْلَكْ، وفَرْق بين أهل الإيمان بها، وبين أهل العلم بها، وفرق بين أهل العِلم بها وأهل الذّوق لها؛ ولكن الذي لا ذاق ولا علِم ولا آمن ومازال يُنكر، هذا مِن أبعد الناس عن أن تنكشف له حقيقة أو أن يَقرُب من خِيار الخليقة، بل بإنكاره يزداد بُعدًا عن الله وعن إدراك الحقيقة وعن مواطن القُرب كلها -والعياذ بالله تعالى-. 

قال: "(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، في الإيمان والتصديق، ولهذا كان يقول الإمام الجنيد بن محمد في بغداد: التّصديق بعِلْمنا هذا وِلاية، وِلاية صُغرى، التّسليم والتّصديق هو نعمة. أمّا الإنكار هذا مشكلة (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) [يونس:39]، فيشتدّ الحِجاب عليهم والظّلمة والبُعد، لا ذَاقوا ولا عَلِموا ولا صَدَّقوا.

وإيّاك أن تكون من المنكرين لها؛ فتلقى العذاب الشّديد إذا كُوشفت بالحق عند سكرات الموت الذي كنت منه تحيد، وقيل لك: (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق:22]".

 

 "وإياك أن تكون من المنكرين لها؛ فتلقى العذاب الشديد إذا كُوشِفتَ بالحقّ عند سكرات الموت الذي كنت منه تحيد (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق:19-22]"، شوف انظر! ما الذي كان يقول للأنبياء؟ ما الذي كان يقول للأولياء؟ انظر ما قدّامك؟ لهذا عند البَعث يقول الكفّار يوم يخرجون من قبورهم: لما ما بَقِينا في الرَّقدة؟ يقصدون الصّعقة ما بين النّفختين، ما عاد رجعنا وقُمْنا لمشاكل الحساب، (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا)، تُناديهم الملائكة يقولون: (هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)، الكلام كلام الأنبياء والرُّسل، اترُكُوا الثاني الذي اغترّيتم به من كلام زيد وعمرو يذهب، انظروا كلام الأنبياء والرّسل (هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) أين طوائفكم وجماعاتكم وقَرْوَلاتكم وفلسفاتكم، ذهبت؟!  العِلميّين والعَلمانيّين أين هم؟ (وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) الخبر كلام الأنبياء وكلام الرُّسل، (هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)  [يس:52]، صلوات الله وسلامه عليهم. 

وقال المؤلف -رحمه الله ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"واعلم أن الإيمان والعلم والذّوق ثلاث درجات متباعدة؛ فإنّ العِنِّينَ مثلًا يُتصوّر أن يصدِّق بوجود شهوة الوِقاع لغيره؛ بأن يقبل ذلك ممن يُحسن ظنه به ولا يتهمه بالكذب، وذلك إيمان.

 ويتصور أن يعلم بالبرهان وجوده لغيره، وهو علمٌ، ومأخذه القياس؛ إذ ينظر إلى شهوته للطعام مثلاً، فيَقيس بها شهوة الوقاع، وكل ذلك بعيد عن إدراك حقيقة الشهوة بوجودها له. 

وكذلك المرض، يعرفه المعافى الصحيح ويؤمن به، ويعرفه الطبيب الصحيح بالبرهان، وهو علمٌ، وما لم يَصِرْ مريضًا.. لم يحصل له بالذوق. 

فكذلك القول في الفناء في التّوحيد؛ فالذّوق مشاهدة، والعِلْم قياس، والإيمان قبول بحُسن الظّنّ مع الانفكاك عن التهمة، فاجتهد أن تصير من أهل المشاهدة؛ فليس الخبر كالمُعاينة".

لا إله إلا الله!

يقول: عندك إيمان وعلم وذوق. 

واجْعَلْ العِلْمَ مُقْتَدَانَا بِحُكْمِ الذَّوْقِ***فِي فَهْمِ سِرّ مَعْنَى المَعِيَّة، يا الله!

يقول: "الإيمان"، تصديق، "والعلم"، بُرهان ومعرفة زائدة، "والذّوق"، وراء ذلك، يقول: فهي درجات مُتَبَاعِدة، ثلاث، وضرب مثل ب"العِنِّين": الذي فَقد شهوة الجِماع، عِنِّين لا يوجد عنده هذه الشهوة من أصلها وما يعرفها، بعد ذلك يقول: "يُتَصَوّر"، يمكن، "أن يُصَدّق بوُجود شهوة الوِقاع لغيره، يَقْبَل ذلك مِمَّن يُحسن ظنّه به ولا يُتّهمه بالكذب" 

يقول: أن الإنسان يشتهي الرّجل وِقَاع المرأة ويُعدّ ذلك من عظائم لذائذ الحسّ والدّنيا وما إلى ذلك، هذا فاقد الشّهوة لا يوجد عنده؛ لكنّه يُصدّق، لأنّ الذي يُكلّمه رجل موثوق، صحيح أنا ما أرى ما هو هذا، مَالَهُ معنى هذا الكلام كلّه، لكن ما دام يقولون كذا، لابدّ عندهم شيء، يُحسّون شيء، يَذُوقُون شيء، ومثل ذلك؛ لذا لمّا كتب بعضهم -وكان عِنِّين- لصاحبه يقول له: اشرح لي لذّة الوِقاع، كتب له، قال: كنت أظنّك عِنّين فقط، وإذا بك عِنِّين وأحمق، لأنّ هذه أمور ذوقيّة، طريقك بها التّصديق وانتهت مسألتك، أنت مِن أين نجيء لك بذوقها وأنت فاقد الأصل؟

فمِثل هذا المثال، قال: "يُتصور أن يعلم بالبرهان وجوده لغيره" كذلك شؤون المعارف والأذواق هذه، موجودة لأهلها، "ومأخذه القياس" هو ينظر مثلاً -الِعنِّين هذا- إلى شهوة الطعام ويرى لها لذّة، يقول هذه كذلك من الشّهوات لها لذّة، يقيس بها شهوة الوِقاع، ولكنّ الفَرق ما يقدر يعرفه لأنّه ما وصل إلى الذوق. 

قال: "وكذلك المرض" الإنسان "المُعافى يُؤمن" بالمرَض، هو ما هو مريض ولكن يؤمن المَريض ويُصدّق، الطبيب يعرف من المرض ما لا يعرفه هذا المُصدق، عالم بالمَرض، عنده علم بالمرض، الطبيب  العلّة التي أُصيب بها المريض، عنده بالمرض علم زائد على مجرد التّصديق، ما هو مصدّق أن هذا مريض فقط، مصدق ويعلم أسبابها وِمقدارها وكيفيّتها وما تفعل في الجسد وكيفيّة مُعالجتها، هذا عنده علم، لكن إذا مرض هو يَذوقه الحين، يَذوق المرض صدق، أوّل مصدّق، وبعدين عالم، لكن إذا نازله المرض يصير ذائق، يرى المرض صحيح، ومهما كان عالم بالمرض وما جرى عليه، ما يكون حاله مثل مَن ذاق المرض، الذي ذاقه شيء ثاني. 

وهكذا ولذا يقول: 

لَوْ كِلْتَ أَلْفَيْ رَطْل خَمْر لَمْ تَكُن *** لِتَصِيرَ نَشْوَانًا إِذَا لَمْ تَشْرَبِ 

قال: حتى إن  كِلْت ألفين رطل خمر، كِلْتها بس كلتها، ما تصير نَشوان وما تصير سَكران، إلّا إذا شَرِبت؛ وكذلك هذه الحقائق، إذا وَقَعْت فيها وذُقتها تعرف حقائقها ومعانيها ما لا تعرفه بمُجرّد العلم، وبالعلم تعرف ما لا تعرفه بمُجرّد التّصديق. 

يقول: "فكذلك القول  في الفناء في التّوحيد؛ فالذّوق مُشاهدة، والعِلْم قِياس، والإيمان قَبول بحُسن الظّنّ مع الانفكاك عن التّهمة، فاجتهد أن تصير من أهل المشاهدة؛ فليس الخبر كالمُعاينة"، وإن لا يوجد فأقلّ شيء تَعْلَم بها، وعَجَزْت فصدّق. 

وَإِذَا لَمْ تَرَ الهِلَالَ فَسَلِّمْ *** لِأُنَاسٍ رَأَوْهُ بِالأَبْصَارِ 

فلا يفوتَك التّصديق. 

  • فإذا لم يَفُتْك التّصديق، لم يفُتك إمّا نفحة من نَفحات تُلحِقك بهم، أو تدخل في شفاعتهم وتقرب منهم بإيمانك بعلمهم ومحبّتهم، وهذا أقل شيء. 
  • وأمّا لا ذوق ولا علم ولا تصديق، تذهب عند الفريق الثاني هناك، ولا عاد تَرَاهُم هؤلاء ولا ترى وجوههم في البرزخ ولا في الآخرة، ما عاد تراهم، تذهب مع الفريق الثاني المكذّبين -والعياذ بالله تبارك وتعالى- فلا أقلّ من التّسليم لأهلَها والتّصديق بذلك. 

 

وقال المؤلف -رحمه الله ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"فإن قُلتَ: لقد عظّمت أمر الذكر، فهل هو أفضل أم قراءة القرآن؟ 

فاعلم: أنّ قِراءة القرآن أفضل للخلق كلّهم إلا للذّاهب إلى اللّه، فهو أفضل للذّاهب إلى الله في جميع أحوال بدايته، وبعض أحواله في نهايته؛ فإنّ القرآن هو المشتمل على صُنُوف المعارف والأحوال والإرشاد للطريق.

فما دام العبد مُفتقرًا إلى تهذيب الأخلاق وتحصيل المعارف.. فالقرآن أَوْلى به، فإن جاوز ذلك واسْتَولى الذّكر على قلبه؛ بحيث يُرتجى له أن يُفْضِيَ به ذلك إلى الاستغراق.. فمُداومة الذّكر أَوْلى به؛ فإنّ القرآن يُجاذب خاطره، ويسرح به في رياض الجنّة، والمريد الذّاهب إلى الله تعالى لا ينبغي أن يلتفت إلى الجنة ورياضها، بل ينبغي أن يجعل همّه همًا واحدًا، وذِكره ذكرًا واحدًا؛ حتى يذوق درجة الفناء والاستغراق، ولذلك قال الله -عزّ وجلّ-: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت:45]. 

وكذلك مَن ينتهي إلى درجة الاستغراق ولا يُدَاوم ولا يثبت عليه، فإذا رُدَّ إلى نفسه.. فقد تنفعه تلاوة القرآن، وهذه حالة نادرة عزيزة؛ كالكبريت الأحمر يُتحدّث به ولا يوجد. 

فتكون تلاوة القرآن أفضل مطلقًا؛ لأنه أفضل في كلّ حال، إلّا في حال مَن شغله المتكلّم عن الكلام؛ إذْ لُبابُ القرآن معرفة المتكلّم بالقرآن، ومعرفة جماله والاستغراق به، والقرآن سائق إليه وهادٍ نحوه، ومَن أشرف على المَقصد.. لم يلتفت إلى الطريق".

القرآن مع كونه من أنواع الذكر لله -تبارك وتعالى- ولكن يتحدّث عن الذّكر الذي يجمع على الحقّ حتى يغيب الذّاكر عن شعوره وعن ذِكره وعن فنائه في المذكور -جلّ جلاله وتعالى في علاه-. 

 

يقول: عظَّمْتُم الذّكر هذا، ورفعُه لأهله إلى الدّرجات العُلى، فهل هو أفضل أم تلاوة القرآن؟ 

قال: تلاوة "القرآن أفضل للخلق كلّهم" وأفضل في أكثر الأحوال، لأنّه من أعظم الذّكر كما تقدّم معنا في الكلام؛ لكن في حالة الارتقاء الآن إلى الخروج عن الشّعور بالكائنات إلى الفَنَاء في المُكوّن -سبحانه وتعالى- في هذه الحالة يحتاج أن يتوقّف عن كلّ شيء إلّا عن مطالعة اسمه -سبحانه وتعالى- الأعظم؛ ثم ليَغِيب بذلك عن مُطالعته وعن ذكره فعند إشرافه على حال الفناء يحتاج إلى ذكر اسم الجلالة الله الله الله الله، ويكون مشتغلاً به. 

قال: ثمّ في نهايته إذا تمّ وصوله إلى حظيرة القدس، فيصير القرآن هو الأفضل له، لأن كل آية منه بل كل حرف يجمعه على الحقّ جمعًا ويُشاهد أنوار المتكلّم في كلامه -سبحانه وتعالى-، ولهذا كان يقول سيدنا جعفر الصّادق: إنّ الله تجلّى لِخَلْقِه في كلامه، ولكنّهم لا يشعرون، أولا يُبصرون؛ الله تجلّى لِخَلْقِه في كلامه.

يقول: "فما دام العبد مفتقراً إلى تهذيب الأخلاق وتحصيل المعارف، فالقرآن أولى به"؛ فإذا أشرف على حالة الاستغراق والفناء، فيَحتاج مُداومة الذكر، حتى لا يذهب خاطره إلى قِصص الأمم السّابقة وأخبار الآخرة وما إلى ذلك، فإنّه الآن يحتاج إلى مُساعدة لِيَدخل دائرة الفناء في الله تعالى إلى حظيرة القدس فَيَحتَاج إلى أن يستغرق بالذّكر، ومن هنا جاء: "أفضل ما قُلْتُ أنا والنّبِيّون من قَبْلي: لا إله إلا الله"، يقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

قال: "فمُداومة الذكر أولى به؛ فإن القرآن يجاذب خاطره، ويسرح به في رياض الجنة، والمريد الذاهب إلى الله تعالى" -ماعاد يتعلق بشيء غير الله لا في الدنيا ولا في الآخرة- "يجعل همّه همًا واحدًا، وذكره ذكرًا واحدًا؛ حتّى" -يُدرك- "درجة الفناء والاستغراق، (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت:45]."، يقول جلّ جلاله؛ 

فإذا انتهى "إلى درجة الاستغراق ولا يُدَاوم ولا يثبت عليه، فإذا رُدَّ إلى نفسه.."؛ فيحتاج إلى تلاوة القرآن، "وهذه حالة نادرة عزيزة؛ كالكبريت الأحمر يُتحدّث به ولا يوجد؛ فتكون تلاوة القرآن أفضل مطلقاً، لأنّه أفضل في كلّ حال إلّا في حال مَن شغله المتكلّم عن الكلام" ولم يصل بعد إلى التحقق بالفناء، فإذا وصل إلى التحقق بالفناء فلا شيء يجمعه مثل كلام الله -سبحانه وتعالى-، "إذْ لُبابُ القرآن معرفة المتكلّم بالقرآن"

لذلك يقول: "مَن شغله المُتكلّم عن الكلام إذْ لُبابُ القرآن معرفة المتكلّم بالقرآن، ومعرفة جماله والاستغراق به، والقرآن سائق إليه وهادٍ نحوه ومَن أشرف على المقصد لم يلتفت إلى الطريق"، ثمّ يرجع في جمعيّة على الله -تعالى- بأيّ شيء كان: بالأذكار، بالقرآن، بالصدقات، بأنواع الصّالحات، كل شيء يجمعه على الله تعالى بعد تمكُّنه ونَيْله النّصيب من معاني هذا الفناء في الله -سبحانه وتعالى-.

 

وقال المؤلف -رحمه الله ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

 

"فإن قلت: فأيّ الأذكار أفضل؟ 

فاعلم: أنّ الأفضل -كما ذكرناه- استيلاء المذكور على القلب، وهو شيء واحد لا كثرة فيه حتّى تختار أفضله، وذلك عَين الجمع والتّوحيد، وإنّما التّفرقة والكثرة قبل ذلك: ما دُمت في مقام الذكر باللسان أو القلب، وعند هذا قد ينقسم الذّكر إلى الأفضل وغير الأفضل، وفضلُه بحسب الصّفات التي يُعبّر عنها بالأذكار.

 والصفات والأسماء الواردة في حق الله -سبحانه- تنقسم: 

إلى ما هو حقيقة في حق العباد، ومُؤوّلة في حقه سبحانه؛ كالصّبور والشّكور، والرّحيم والمُنتقم. 

وإلى ما هو حقيقة في حقّه سبحانه، وإذا استعمل في حق غيره.. كان مجازاً. 

فمن أفضل الأذكار: "لا إله إلا الله الحي القيوم"، فإنّ فيه اسم الله الأعظم؛ إذ قال ﷺ: "اسم الله الأعظم في آية الكرسي وأوّل آل عمران"، ولا يشتركان إلا في هذا، وله سرّ يدِقُّ عن فهمك ذكره.

والقَدْر الذي يُمكن الرمز إليه: أن قولك: "لا إله إلا الله" يُشعر بالتّوحيد، ومعنى الوّحدانية في الذات والرّتبة حقيقيّ في حقّ الله تعالى غير مُؤوّل، بل هو في حق غيره مجاز ومُؤوّل. 

وكذلك (الحيّ) فإنّ معنى الحيّ: هو الذي يشعر بذاته ويعلم ذاته، -والميت هو الذي لا خبر له من ذاته- وهذا أيضًا حقيقيّ لله تعالى غير مُؤوّل. 

و(القيّوم): يشعر بكونه قائمًا بذاته، وأنّ كلّ شيء قيامه به، وهذا أيضًا حقيقيّ له عزّ وجلّ غير مؤول، لا يُوجد لغيره بل لا يُتصور لغيره. 

وما عدا هذا من الأسماء الدالة على الأفعال؛ كالرّحيم والمُقسط والعدل وغيره.. فهو دون ما يدلّ على الصفات؛ لأنّ مصادر الأفعال هي الصّفات؛ فالصّفات أصل، والأفعال تبع".

نعم، يقول: فإذا قلت هذا الذّكر يحتاج إليه السائر إلى الله تعالى في هذا الحال أكثر، وهو عظيم بالقرآن أيضًا، عظمة الذّكر بالقرآن الكريم:

  • (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:152].
  • (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت:45].
  • (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) [الأحزاب:41]؛ فهو عمل بما في القرآن. 

يقول: "فأيّ الأذكار أفضل" قال: الاستغراق في المذكور هو الأفضل، وعند ذلك ما عاد يوجد ذكر مقدم على ذكر في هذه الحالة، لكن ما دُمت في حال السير، فبعض الأذكار أفضل من بعضها لك وألزمها، وقد يكون التأثير في حقّ واحد دون الآخر، فما يجمع كلّ منهم على الوِجهة إلى الله وجمع الكلية عليه فهو أفضل في حقّه، وفي الغالب كما جاءتنا به السّنة أن "لا إله إلا الله" هو الأفضل، أفضل الأذكار (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [محمد:19].

قال: "وذلك عَين الجمع والتّوحيد -بالفناء- وإنّما التفرقة والكثرة قبل ذلك: ما دُمت في مقام الذّكر باللّسان أو القلب، -قبل الاستغراق- "ينقسم الذّكر إلى الأفضل" ودونه- وفضله قال: "بحسب الصّفات التي يعبر عنها بالأذكار"، الصفات للرّحمن والأسماء الواردة في حقه -سبحانه وتعالى-  تنقسم: 

  • إلى ما هو حقيقَة في حقّ العباد ولكن في حقّه -تعالى- مؤولة، مثل الصّبور ،الشّكور والرّحيم والمنتقم، هذا في حقّ العباد حقائق، وهي مُؤوّلة في حقّ الحق -تعالى- بما يليق بجلاله وعظمته.
  • والأخرى عكسها، رأينا العليم والحيّ القيّوم والسّميع البصير، رأيناها هي الحقيقة في حقّ الحق -تعالى- ومُؤولة في حقّ العباد بالمجاز والتّأويل الذي أُعطوه، قال: "فمن أفضل الأذكار: "لا إله إلا الله الحيّ القيوم"، (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة:255]. 

وأورد عندكم الحاكم في المُستدرك من حديث سيّدنا أبو أمامة أنّه قال: سمعت النبي يقول: "اسم الله الأعظم لَفِي ثلاث سور في القرآن: في سورة البقرة وآل عمران وطه"؛ قال: فالْتمست أين الأسماء الموجودة في البقرة وفي آل عمران وفي طه، قال حصّلتها 

  • في البقرة في آية الكرسي: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة:255]. 
  • وفي سورة آل عمران أوّلها: (الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [ال عمران:1-2] 
  • وفي سورة طه في أواخرها (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) [طه:111]-جلّ جلاله- وتعالى في علاه، لا إله إلا هو.

قال: "ولا يشتركان -يعني: السورتين-إلا في هذا -الإسم-  وله سر يَدِقُّ عن فهمك ذكره"، -فمنه: الذي يمكن- "الرمز إليه أن قولك "لا إله إلا الله" يُشعر بالتّوحيد، ومعنى الوّحدانية في الذات والرّتبة حقيقيّ في حقّ الله تعالى" -وما يُقال عن غيره "واحد" إلا بالتأويل- "بل هو في حق غيره مجاز ومُؤوّل"، فهو الواحد على الحقيقة.

وكذلك (الحيّ)، الذي يشعر بذاته ويعلم ذاته، والميّت هو الذي لا خَبَر له من ذاته"، والحياة في الحقيقة له -سبحانه وتعالى- لأنّ ما هناك حيّ سواه إلا بإحيائه، وكانت كلها عدم، فالحياة بالنّسبة له حقيقة وللخلق مجاز، يُحيِي ويُميت -سبحانه وتعالى-.

قال: "و(القيّوم): يشعر بكونه قائمًا بذاته،"-وقائما على كلّ شيء بذاته- "وأن كل شيء قيامه به"، وهذا حقيقي  بالنسبة لله -عز وجل- والقيّوميّة لغيره ما تُقال إلّا على سبيل المجاز والتّأويل.

كذلك قال: "وما عدا هذا من الأسماء الدّالة على الأفعال؛ كالرّحيم والمُقسط والعدل وغيره.. فهو دون ما يدل على الصفات؛ لأن مصادر الأفعال هي الصفات؛ فالصّفات أصل، والأفعال تبع"، ولذلك كان من أعظم الأسماء اسم الجلالة لأنّه يدلّ على الذّات مع جميع الصّفات، وبقيّة الأسماء منها ما يدلّ على الصّفات ومنها ما يدل على الأفعال، والتي تدل على الصّفات أشرف، فهي تختلف في فضلها من هذه الحيثيّة بالنّسبة للمبتدئ والسائر، وكذلك قد تختلف من واحد للثاني فيكون بعضها أكثر تأثير عليه، أمّا إذا وصل إلى الاستغراق فما عاد شيء أفضل من شيء، خلاص، هو مأخوذ بكليّته مع الله تعالى؛ فكلّ الذكرعنده شيء واحد، فذكره ذكر واحد يجمع معاني الذّكر المفرّقة للملأ الأعلى ومَن سِواهم، فهو جامع لأسرار الذّكر بفنائه في المذكور -جلّ جلاله وتعالى في علاه-.

اللّهمّ لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، وزدنا من فضلك ما أنت أهله، برحمتك يا أرحم الرّاحمين، أعنّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، بها يبتدئ المبتدؤون في سيرهم إلى الله "لا إله إلا الله"، وإليها ينتهي المُنتهون بعد مرورهم بالفناء ووُصولهم إلى البقاء، يرجعون إليها "لا إله إلا الله"، هي الأصل، وهي الخاتمة، والمرجع إليها. 

فثبّتنا الله عليها وجعلنا من خواصّ أهلها، لا إله إلا الله عليها نحيا وعليها نموت وعليها نُبعث إن شاء الله من الآمنين. 

اللّهمّ حققنا بحقائقها وثبّتنا على طرائقها واجْعلنا من أهل رَقائقها وأطلِعنا على أسرارها ودقائقها، ولا تحُلْ بيننا وبين ذلك يا حيّ يا قيّوم يا رحمن يا رحيم.

 

بسرّ الفاتحة

 إلى حضرة النبي مُحمّد 

اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه







الأربعين في أصول الدين - 10 | ذكر الله (1)

 





الأربعين في أصول الدين - 10 | ذكر الله (1)



Video


الدرس العاشر للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي . القسم الثاني: الأصل السادس - ذكر الله - (1)

 ضمن دروس الدورة الصيفية الثانية بمعهد الرحمة بالأردن.

مساء الأحد 23 صفر 1447هـ

حقيقة الذكر.. من حركة اللسان إلى حضورِ الرُّوح؛ يوضح الحبيب عمر بن حفيظ كيف يرتقي الذِّكر من جريان اللسان إلى حضور القلب تكلُّفًا ثم طبعًا، مع التنبيه أن كثرةَ الذِّكر واستدامتَه تكشف حُجُبَ المعاني وتفتح للقلب أبواب الملكوت، وأن الذِّكرَ مشروعٌ في كل حال: قائمًا وقاعدًا وماشيًا.

 

نص الدرس المكتوب: 

سأل بعضهم عن الفتح والفهم الذي ليس بالتفسير، وبين عدم الخوض في تفسير كلام الله تعالى مع توفر شروط  الاجتهاد؟

على كلٍّ الواجب علينا أن نتطلب الفهم في كتاب الله -تبارك وتعالى- وخطابه وكلامه على الأساس الذي شُرِع لنا؛ من خلال: 

  • تعظيمنا وإجلالنا لكلام الله تعالى، وتدبرنا لمعانيه.
  • وتصفية قلوبنا وتنقيتها.
  • ومعرفتنا بما قال الصحابة والتابعون وتابعو التابعين في التفسير. 

ثم بعد ذلك نطلب أن يفهِّمنا الحق -تبارك وتعالى- من مراده في كلامه، وما يحمله كلامه من معاني.

  • وكل ما جاءنا في ذلك أو وَرَدنا وهو متفق تماماً ومتناسق مع قواعد اللغة، ومع أصول الشريعة، ومع تفسير المفسرين المعتبرين، لم يتناقض مع شيء من ذلك، وصحِبَه مِنَّا إنابة وخشية وخضوع، فهذا يكون من جملة الفتح ومن جملة الفهم في كتاب الله -تبارك وتعالى-.
  • وما خالف التفسير الوارد عن المعتبرين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، أو ما صحبه كِبْرٌ وعُجب ورياء وما إلى ذلك، فهذا من جملة حديث النفس ووسوستها وادِّعاء بما ليس في القرآن.
  • وما كان عن هوى من أجل تأييد شيء مما تميل إليه النفس، فهذا هو القول في القرآن بالرأي بغير علم "ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار".
    • فلا يجوز أن نقول في القرآن برأينا، يعني: بأهوائنا ومرادات نفوسنا.
    • ولا يجوز أن نعتمد ما خالف قواعد التفسير وما فسره السابقون قبلنا.
    • ولا نقبل ما صاحبه غرور وكبر وغطرسة. 

وما سَلِمَ من كل ذلك فهو من جملة الفتح ومن جملة الفهم في كتاب الله والذي يختص الله به من يشاء. وقال سيدنا علي: "إلا فهمًا يؤتاه أحدنا في كتاب الله".

 

قال بعض العارفين: قرأت تفسيراً للقرآن وما شفى غليلي عما أجد من معاني القرآن.. قال: فقرأت الثاني وما شفى غليلي، وقرأت الثالث وما شفى غليلي، حتى قرأت مئة تفسير وما شفت غليلي، حتى فتح الله عليَّ ليلة في قوله تعالى: (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ) [الأعلى:3]، فشفى غليلي، لا إله إلا هو.. مئة تفسير! قال: قرأها لكن ما شفت غليليه، ما كذَّب بشيء منها ولا رد شيء منها؛ لكن ما شفت غليليه، عاد روحه تشعر هناك معنى للقرآن فوق هذا..؛  حتى فتح الله عليه. 

وكان الإمام أبو بكر بن عبد الله العطاس يقول: لو تكلمت على ما علّمني الله في قوله: (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ) [الأعلى:3] لأعجزت كَتَبَة الدنيا.

وهكذا كان يقول سيدنا علي بن أبي طالب: لو تكلمت على معاني البسملة لأوقرت سبعين جملاً -كُتُب من معاني البسملة-.

وهكذا كان يقول الامام عمر المحضار بن عبد الرحمن السقاف: لو تكلمت على ما علّمني الله في معنى: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة:106] وفي قراءة (أَوْ نَنْساهَا) لأوقرت منها حمل سبعين جملاً من معنى هذه الآية وحدها.

وهكذا، فالقرآن حمَّال معاني وفيه أمور يفتحُ الله بها على من يشاء؛ ولا سبيل للقول بالرأي، ولا تجاوز ما تقوم به حجة اللغة، وما تقوم به أيضاً حجة الشريعة؛ فلا يُقبل أي معنى مخالف لأي شيء من النصوص الواردة والسنة الواضحة، ولا يُقبل ما صاحبَه العجب والرياء والغرور. ولكن ما سلمِ من كل ذلك فمعاني كلام الله واسعات، والحق يخاطبك.

حتى مرّ بعضهم على قوله: (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ) [الأنبياء:10] ، قال: أنا ذكري في الكتاب؟ فأين ذكرني الله؟ لابد موجود! وأخذ يتأمل في القرآن، يمر على آيات المقربين والصديقين، يقول: ما أنا منهم. مر على آيات المنافقين والكفار يقول: إن شاء الله ما أنا هنا. قال: حتى مررت على قوله تعالى -جلّ جلاله- في سورة التوبة: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) قال: هذا هو ذكري هنا، أنا مذكور في هذه الآية: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) [التوبة:102] قال: عرفت ذكري في الكتاب. (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ)، قال: ذكركم موجود. ولهذا كان يقول بعض العارفين: لا تسأل عن نفسك أحد، بل اسأل القرآن فتعرف نفسك. اسأل القرآن أنت أين؟ الله يفتح علينا في القرآن ويجعلنا من أهل العمل بما في القرآن. 

وأما ما يذكر في معاني التجليات فهذا الذي يسمى بالخاطر الرباني غير لمَّة الملك؛ فللقلب:

  • لمَّةُ مَلَك.
  • ولمَّةُ شيطان.
  • وخاطرُ نفسٍ.
  • وخاطرٌ رباني. 

والخاطر الرباني هذا الذي يكون فيه تجلِّي الرب وإرسال الخاطر من دون واسطة الملك، فهناك أيضاً معاني واسعة لمعاني التجليات، لأن التجلي ظهوره، ظهور ما كان خافياً يقال له تجلي، التجلي لشيءٍ: بروزه وظهوره وبُدُوُّه بعد أن كان خافياً مستتراً، هذا هو التجلي، ومن هنا يأتي الخاطر.

وكذلك يقول أهل السنة والجماعة أن الرؤيا في المنام -في تجلي الحق في المنام- الرؤيا هذه لا تُنكر، ولهذا يُذكر عن سيدنا أحمد بن حنبل أنه قال: رأيت رب العزة تسعاً وتسعين مرة، فقلت: إن رأيته تمام المئة لأسألنه. قال: فتجلى لي -هذا في النوم، أما في اليقظة فممتنع عنك (قَالَ لَن تَرَانِي) [الأعراف:143] كما تقدم معنا-، قال فقلت: يا رب، ما أفضل ما تقَرَّبَ به إليك المتقربون؟ فقال: بكلامي يا أحمد. قلت: بفهم أو بغير فهم؟ قال: بفهم وبغير فهم، كلامي خير ما يقربهم إليَّ، أمثال هذا.

وحتى معنى الرؤية في الآخرة ليس فيها إحاطة ولا فيها إدراك البصر للجبار -جلّ جلاله وتعالى في علاه- ؛ ولكن فيها تجلّي وقرب ومعرفة وانكشاف، عبّر عنها رسول الله بالرؤية وعبّر عنها بالنظر، فعبّر أهل السنة بما ورد في الحديث، وهم يوقنون أن ليس المعنى فيها لا صورة ولا شكل ولا جهة ولا شيء من هذه الأمور التي هي خصائص المخلوقين وصفات المصنوعين والمُكَوَّنِين، وجلَّ المُكَوِّنُ عن أن يُشبه كائناً -جلّ جلاله- (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11].

وما يذكره بعض الصالحين أن غالب فتوح أهل البيت كما يكون لبعض الأولياء في الغالب يكون في القرآن، والفتح: عبارة عن انكشاف الحجب وانتقال المؤمن من علم اليقين إلى عين اليقين، وإذا انتقل من علم اليقين إلى عينه لَفُتِح عليه، وهذا الفتح قد يكون في ساعة صلاح، وقد يكون في ساعة دعاء، وقد يكون في ساعة ذِكر من الأذكار، وقد يكون في ساعة صدقة من الصدقات، وقد يفاجئ بعضهم وهو يمشي في الطريق، وقد يكون في القرآن.  

ومن أعظم الفتح أن يكون في القرآن، فالفتح في القرآن من أعظم فتوحات الحق تعالى، فبعضهم من أثناء التلاوة، وهذا قلنا أن الأكثر من أهل البيت وكثير من أوليائه يكون فتحهم في القرآن، أي: يكون انكشاف الحجاب عنهم وانتقالهم من علم اليقين إلى عين اليقين بواسطة القرآن وتلاوتهم للقرآن، أو يكون بأي واسطة يأتي لمن سبقت له السابقة ولمن تهيأ وتأهل لذلك، يفاجئه الفتح في أي مكان كان وفي أي زمان كان. وكثيرًا ما يكون في مجالس الصالحين، أو عند التذكير والذِّكر، أو عند الذكر، أو في الخلوة، أو عند تلاوة القرآن، أو في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. كثيرًا ما يكون الفتح في هذه الأوقات، وقد يكون في غيرها.

وإذا فُتِحَ عليه، لم يزل يتلقى فتحًا بعد فتح، لكن الخروج من دائرة الانحصار في الماديات والحسيات وما يدرَك بالحواس الخمس إلى شهود علم الغيب؛  هذا هو يقال له الفتح. وبعد ذلك، الفتوحات مستمرة دائمة، ما قد خلص فُتح عليه انتهت مسألته، بل لو وقف لكان محجوبًا بواسطة وقوفه عند الفتح؛ بل لا يزال قال الله لأعلى من تجلى له بذاته وأسمائه وصفاته وعرفهم به على الاطلاق (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه:114] هو أعلم الخلق بالحق، وقال: (زدني)، اطلب الزيادة؛ فلا يزال ﷺ في زيادة.

ولوكان عاميًّا يفقه ما أوجبَ الله وما حرم ويمتثل الأمر ومطهّر القلب يأتيه الفتح بصدق التوجُّه، إذا هو مُصفّى السريرة ومُقبل بكليته على الله، ويعلم ويفقه ما الواجبات والمحرمات يجتنبها، يأتيه الفتح. 

وكان من كبار المفتوح عليهم من أهل البيت سيدنا عبد العزيز الدباغ، وكان أميًّا ما يقرأ ولا يكتب، ولكن يحل إشكالات فطاحل العلماء، إذا تكلم عن الآيات، جاء بكلام عظيم عنها، والعجيب لما جمع نبذة واسعة من كلامه تلميذه أحمد بن المبارك، في الأحاديث سألوه عما يصح وما لا يصح، فيجيب وهو ما قرأ مصطلح الحديث، ولكن عامة الذي ذكره، سبحان الله، متوافق مع ما يقوله المتخصصون. وبعد ذلك يقول له بعض الأحاديث، يقول: هذا ما قاله ﷺ، يقولون له: كيف تعرف؟ قال: الكلام الذي خرج من بين شفتيه ما يخفى، الذي يخرج من بين شفتي النبوة يختلف عن غيره. تجيب لي كلام ما خرج من بين شفتيه وتقول لي قال رسول الله! لا يقبل عقلي ولا يقبل روحي هذا الكلام، إلا إذا خرج من بين الشفتين صبغته ثانية، ما يخفى الكلام الذي يخرج من بين شفتي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

وكان واحد عندنا من العوام ما يقرأ ولا يكتب، ولكن يحضر حزب القرآن معهم. يقول: فإذا كان غفلوا أحيانًا غلط القارئ، إما قفز آية أو كلمة أو غيرها، يقول: ردوا عليه، غلط. يحصلون أنه غلط. طيب هذا ما يقرأ ولا يكتب، كيف يعرف؟ ثم قالو له: كيف تعرف أنت أنه غلط؟ قال: نور يخرج من فمه ينقطع، وإذا انقطع النور عرفت أنه قفز كلمة وإلا أبدلها بغيرها، قال أنه يرى على قارئ القرآن النور يخرج من فمه. والله يعطي فضله من يشاء -سبحانه وتعالى- ويفتح على من يشاء.

وأما ما يُذكر سواء في كتب التفسير أو غيرها، سواء من الإسرائيليات أو غيرها، قد يذكرونه لمجرد الاستشهاد أو للتنبيه عليه، فلا يكون كله مُقرّ أو معتمد، فينبغي عدم الالتفات إليه والتعويل عليه والتركيز عليه، وخصوصًا ما ظهرت مخالفته، مثل ما يذكرون أحيانًا عن بعض أمراض الأنبياء وأن هذا مما يُنَفِّر الطباع، وهم منزهون عن مثل ذلك، فهذا لا يُقبل.

 

والخطوات للاتصال بالقرآن: 

  • تحقيق التوبة بمعانيها 

  • وإخلاص القصد لوجه الرب 

  • والعمل بما ذُكر معنا من التعظيم والإجلال والتدبر والتأمل 

  • والاستعانة بتفاسير المعتبرين من أهل التفسير 

  • وصدق الوجهة إلى الله 

حتى يصلح بيننا وبين القرآن ويجعلنا من أهله.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

 

الأصل السادس

في ذكر الله تعالى في كل حال

 

"قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) [ال عمران:191]. 

وقال: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[الأنفال:45]. 

وقال لنبيه ﷺ: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا)[المزمل:8]. 

وقال ﷺ: "لَذِكْرُ اللهِ بِالغَدَاةِ والعَشِيِّ أفضلُ مِنْ حَطْمِ السُّيوفِ في سبيلِ الله، ومِنْ إعطاءِ المالِ سَحًّا". 

وقال ﷺ: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الوَرِق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟" قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ فقال: "ذكر الله عز وجل". 

وقال ﷺ: "سبَقَ المُفَرِّدون، سبَقَ المُفَرِّدون"، فقيل: ومن هم يا رسول الله؟ فقال: "المُسْتَهْتَرونَ بذكر الله، وضَعَ  ذِكر الله عنهم أوزارهم، فوَرَدوا القيامة خِفافًا".

 

واعلم: أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن الذكر أفضل الأعمال، ولكن له أيضًا قشور ثلاثة، بعضها أقرب إلى الُّلب من بعض، وله لبٌّ وراء القشور الثلاثة، وإنما فضلُ القشور لكونها طريقًا إليه.

 

فالقشر الأعلى منه: ذكر اللسان فقط.

 

والثاني: ذكر القلب؛ إذ كان القلب يحتاج إلى مراقبة حتى يحضر مع الذكر، ولو تُرك وطبعه.. لاسترسل في أودية الأفكار.

 

والثالث: أن يستمكن الذكر من القلب ويستولي عليه، بحيث يحتاج إلى تكلف في صرفه عنه إلى غيره، كما احتيج في الثاني إلى تكلف في قراره معه ودوامه عليه.

 

والرابع -وهو الُّلباب-: أن يستمكن المذكور من القلب، وينمحي الذكر ويخفى، وهو اللباب المطلوب؛ وذلك بأن لا يلتفت إلى الذكر ولا إلى القلب، بل يستغرق المذكور بجملته، ومهما ظهر له في أثناء ذلك التفات إلى الذكر.. فذلك حجاب شاغل. 

 

وهذه الحالة هي التي يُعبّر عنها العارفون بالفناء؛ وذلك بأن يفنى عن نفسه حتى لا يحس بشيء من ظواهر جوارحه، ولا من الأشياء الخارجة عنه، ولا من العوارض الباطنة فيه، بل يغيب عن جميع ذلك، ويغيب عنه جميع ذلك، ذاهبًا إلى ربه أولًا، ثم ذاهبًا فيه آخرًا".

 

الله أكبر..

 

يقول -عليه رحمة الله-: "الأصل السادس في ذكر الله تعالى في كل حال" -اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك- وقد أسلفنا أن أنواع العبادات تحتاج إلى اقتصادٍ وأخذ حد منها إلا الذكر؛ بل هو المصاحِب لكل أنواع العبادات، ولا يرتفع قَدر العبادات بأصنافها عند الله إلا بحسب الذكر، ويَشهد له ما صحّ في الحديث أي المصلين أعظم أجرًا؟ فقال: "أكثرهم لله ذكرًا"، أي المتصدقين أعظم أجرًا؟ قال: "أكثرهم لله ذكرًا"، قيل: يا رسول الله، فأي الصائمين أعظم أجرًا؟ قال: "أكثرهم لله ذكرًا"، قيل: فأي المجاهدين أعظم أجرًا؟ قال: "أكثرهم لله ذكرًا". لما أجاب السائل بهذا الجواب، وسيدنا أبو بكر قال لسيدنا عمر بجانبه: ذهب الذاكرون بخير الدنيا والآخرة، سمعه ﷺ قال: "أجل، ذهب الذاكرون بخير الدنيا والآخرة" أخذوه كله -اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك- وهو الذي لم يمنعه الله:

  • لا على جُنُب.
  • ولا على حائض.
  • ولا على صغير، في أي وقت تفوته أذن لك بذكره.

هذا من عظيم تفضُّله على خلقه، ومَن هو أهل أن يَذكُره سبحانه وتعالى؟ ولكن سمح حتى كان ﷺ  كُلَّما استيقظ من النوم يقول: "الحمدُ لله الذي رَدَّ عليَّ رُوحي وعافاني في جسدي، و أَذِنَ لي بذِكره". 

لأنه في عظَمته وجلاله وأزَلِه وأبَدِه، ولا يحيط به شيء، نذكره بألفاظ محصورة محدودة، ألفاظنا محدودة. من أين نجيب شيء غير ألفاظنا المحدودة؟ فهذا إذْن، اذكروني، هذا الذي تَقْدِرون عليه، اذكروني به وأنا سأذكركم، (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:152]، فضل العظيم مِن حضرةِ الله العظيم -جلّ جلاله-.

وإلا جَلَّ عن وَصْفِنا؛ وجَلَّ عمّا نقوله؛ وما نفعله؛ وفوق ذلك؛ ولكن هذا مقدورنا؛ ورَضِيَه مِنّا، وأَذِن لنا به، ووَعدَنا عليه:

  • أن يَرفع الدرجات
  • وأن يَكشف الحُجُب
  • وأن يَرفع الرُّتب
  • وأن يَهَب عظيم الهِبات 

-له الحمد كله، فضْلٌ منه-.

يقول: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فصار الذكر والفكْر أساسًا في السير إلى الله -تبارك وتعالى-، بكثرة الذكر تنْكشف الحُجُب ويَحصل الأُنس بالله، وبكثرة الفكْر الصافي تُنال المعرفة وتَزداد المعرفة بالله تعالى. 

وأولو الألباب في الآية هذه التي أشار إليها في الآيات، والتي كان يُكررها ﷺ كلما قام من النوم كل ليلة من بعد ما أُنزلت عليه، كلّما قام؛ حتى يستيقظ في بعض الليل مرتين، وثلاثًا؛ يكررها، كلما استيقظ يكررها: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [آل عمران:190-191]. 

فذَكَر أُولِي الألباب؛ العقلاء الذين عقلوا الحقيقة ووعوها فمَن هؤلاء أولو الألباب؟ وصفهم بالوصفين قال:

  •  الذاكرين
  • والمُفكرين

لهم ذكر وفكر؛ (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ).

ومِن هنا قالوا: "الذكر نُور البصيرة، والفكْر كُحْلُها"، كحل البصيرة، ثم أَورَد لنا نموذجًا مِن ذِكرهم وفكرِهم: ( رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ) مخزي كبير يدخل النار (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)، مهما طغوا وبغوا واعتدوا وظنوا ما لهم من نصير، فما لهم نصير، نصيرهم هون وبلاء وعذاب وجحيم وعقاب. (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا)، ذكروا القدوة والأسوة والمرجع والباب (سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ)، وبمحمد ﷺ (فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) عِلاقة القلب بالصالحين (وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) هذه مجاري ذكرِهم وفكرهم، وبهذا يُفكّرون وبهذا يَذْكُرون والنتيجة: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ[آل عمران:191-196]، كان يقرؤها ﷺ كلما استيقظ من النوم، وأول ليلة نَزلت عليه، كان يكررها، وجاء إليه سيدنا بلال يؤذِنه لصلاة الصبح، فوجد آثار البكاء عليه، قال: يا رسول الله، ما يبكيك؟ قال: "لقد أُنزلت علي الليلة آيات، وَيلٌ لِمَن قرأها ولم يتفكر فيها، وَيلٌ لِمَن قرأها ولم يتدبرها" وتلا: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ…).

وكانت تحكي السيدة عائشة هذه الليلة، لمّا سألوها بعد وفاته ﷺ"حدثينا بأعجب ما رأيتِ من رسول الله" قالت وبم أحدثكم  كل حاله عجب ﷺ، أقواله وأفعاله وهديه، ومعاملته وأكله، وشربه، ودخوله، وخروجه، كله عجب ﷺ، قالت: ولقد ورد عليّ في ليلة في ساعة متأخرة من الليل، فعَمَد إلى قربة فيها ماء فتوضأ، ثم قام يصلي، فلم يزل يصلي ويبكي حتى طلع الفجر، وجاءه بلال يؤذّنه فقال له: لم تبكي يا رسول الله؟ فقال: "أنزلت علي الليلة آيات..."، الله يجعلنا ممن يتفكر فيها ويتدبرها وينال نورها وسرها وبركتها، ونرتبها عند قيامنا من الليل، نقرأ هذه الآيات من آخر سورة آل عمران.

وقال: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[الأنفال:45]، وفي الآية الأخرى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الأحزاب- 41:42]، وقال لنبيه ﷺ: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا)[المزمل:8].  يعني انقطع انقطاع كامل إليه وحده وتبتل إليه تبتيلا.

وقال ﷺ: "لَذِكْرُ اللهِ بِالغَدَاةِ والعَشِيِّ أفضلُ مِنْ حَطْمِ السُّيوفِ في سبيلِ الله، ومِنْ إعطاءِ المالِ سَحًّا". 

فالذين ما عرفوا قدْر الذكر ولا حقيقة الذكر يتجاوزون حدودهم ويقولون: ما فائدة من هذه الأذكار؟ ما الفائدة من هذا الذكر؟ الواجب علينا كذا والواجب نخرجك بحال كذا، وبعد ذلك؟ وذا النبي يفتي، ثم تضع فتاواه وراء ظهرك؟ قال: "أفضلُ مِنْ حَطْمِ السُّيوفِ في سبيلِ الله، ومِنْ إعطاءِ المالِ سَحًّا" ﷺ، يقول: رواه ابن المبارك في (الزهد)، وابن أبي شيبة في (المصنف) موقوفاً على سيدنا عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، ورواه مرفوعاً من حديث سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما ابن شاهين في (الترغيب في الذكر).

يقول في الحديث الثاني الذي رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، يقول: "وقال ﷺ: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الوَرِق والذهب -أي: الفضة والذهب- وخير لكم من أن تلقَوا أعداءكم -أي: في الجهاد في سبيل الله- فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟" قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قالوا: بلى. أخبرنا، ما أفضل من هذا كله؟ فقال: "ذكر الله عز وجل". -اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك-.

 ويقول : "سبَقَ المُفَرِّدون، سبَقَ المُفَرِّدون"، فقيل: ومن هم يا رسول الله؟ فقال: "المُسْتَهْتَرون بذكر الله"، يعني: المستغرقون، استغرقهم ذكر الله -تبارك وتعالى- حتى غلبهم وطواهم "المُسْتَهْتَرون بِذِكْرِ اللهِ وضع ذِكْرُ الله عنهم أوزارهم، فَوَرَدُوا القيامةِ خِفافًا"، أصل الحديث عند مسلم وهذه رواية الترمذي.

 " سبَقَ المُفَرِّدون".

قال: "واعلَم أنه قد انكَشف لأرباب البصائر أن الذكر أفضل الأعمال".

 ولذا وجدناه يربطه بالأعمال كلها سبحانه وتعالى: 

  • (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [ طه:14].
  • (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ) [الجمعة:9].
  • (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) [الجمعة:10].
  • (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) [البقرة:198].
  • (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) [البقرة:199-200].

 مطلوب منا الذكر في كل شيء، وفي الطعام جعل لنا ذكر، وفي النوم جعل لنا ذكر، وعند القيام جعل لنا ذكر، وفي الطواف جعل لنا ذكر، وفي القيام ذكر، وفي الركوع ذكر، وفي السجود ذكر، وعند الخروج من البيت ذكر، وفي المشي ذكر، كل الأعمال ربطها بالذكر.

 لكن كما يذكر، قال: "واعلم: أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن الذكر أفضل الأعمال، ولكن له أيضًا قشور ثلاثة، -ووراءها اللُّب- بعضها -قشور- أقرب إلى اللُّب من بعض، وله لُب وراء القشور الثلاثة، وإنما فضلُ القشور لكونها طريقًا إليه"، فقط ما هي مقصودة لذاتها-.

  • "فالقشر الأعلى" الأول -منه الأبعد عن اللُّب-: "ذكر اللسان فقط" الذكر باللسان وحده؛ فهذا أول قشر، أبعده عن اللُّب.
  • الثاني: ذكر القلب، أقرب من الوسط هذا بين، ذكر القلب؛ "إذ كان القلب يحتاج إلى مراقبة حتى يحضر مع الذكر، ولو تُرك طبعه.. لاسترسل في أودية الأفكار"، واللسان يذكر والقلب في محل ثاني، فهذا ذكر اللسان فقط؛ لكن ذكر القلب هذا القشر الثاني أن يكون قلبك ذاكرًا له بإحدى الطريقين:
    • إما أن تُصغي إلى معنى الأذكار التي تقولها وتَستحضر معناها.
    • وإما في الحال الثاني: تسبق المعاني إلى قلبك قبل أن تنطق ثم ُتَترجم معناها.

قبل ما تقول سبحان الله، يَسبق إلى قلبك معنى التقديس والتّنزيه ثم تعبِّر وتقول: سبحان الله، قبل أن تقول: الحمد لله، يمتلئ باطنك بشهود الإنعام والجلال من الله، وتقول: الحمد لله، لكن الطريق الأول هو الذي يُكتسب ويُمكِن، وهذا وَهب؛ بعد ذلك إذا أَكرم الله العبد بالقوة، تصير معاني الذكر إذا أراد أن يتلو آية، سبق معناها إلى قلبه، فصار اللسان معبّر عن ما في الجنان. الحالة الأولى يتابع القلب ما يقول اللسان يترجمها؛ لكن الحالة الثانية اللسان يترجم عما في القلب، هذا القشر الثاني. 

  • والثالث: "أن يَستمكِن الذكر من القلب ويَستولي عليه، بحيث لا يحتاج إلى تكلُّف في صَرفه عنه -صرف القلب عن الذكر- إلى غيره"، بل لا يحتاج إلى تكلُّف في صَرف قلبه عن الذكر إلى أي شيء آخر؛ "كما احتيج في الثاني إلى تكلُّف في قرارِه معه ودوامه عليه".. 

لمّا دام ورَسخ عليه؛ صار الذكر حاضرًا في قلبه، ما يحتاج إلى تكلُّف في حضور القلب؛ بل إذا رَسخ في ذلك، يحتاج إلى التكلُّف في الحضور مع الخَلق. كما كان في البداية يَتكلّف الحضور مع الحق، يرجع في النهاية يستغرق شهود الحق عليه؛ فيحتاج إلى تكلُّف في الحضور مع الخلق -يشوف إيش قال؟!- يحضر معهم بتكلَّف؛ لهذا لما ردد السؤال مرة الشيخ أحمد الحساوي على شيخه الإمام الحداد؛ قال له: إذا أعطيناكم الجواب اليسير اكتفوا به منه، ولا تكثر السؤال، فإننا نتكلف الحضور معكم تكلفًا. لهذا لما كان مُستجمِع الحضور، يقول: إذا أحد معه لنا خبر أو سلام من أحد أو رسالة؛ لا يكلمنا ونحن خارجون إلى الصلاة؛ فإنّا نَخرج بكلِّيّة وهمة، حتى خرج مرة وكبّر، ولما كبّر انشق الجدار أمامه من التكبير. الله أكبر.. انشق الجدار.لا إله إلا الله -الله يَقسم لنا بنصيب من الذكر-. "أن يستمكن الذكر من القلب ويستولي عليه، بحيث يحتاج إلى تكلف في صرفه عنه -عن الذكر- إلى غيره، إلى غيره، كما احتيج في الثاني إلى تكلف في قراره معه ودوامه عليه". فهذه كلها قشور والرابع هو اللباب.

  • قال: "والرابع وهو اللُّباب: أن يستمكن المذكورُ من القلب"؛ شهوده وعظمته وجلاله وكبرياؤه وجماله وكماله سبحانه وتعالى يستولي على القلب "ويَنْمَحي الذكر ويَخفى"؛ فلا عاد يحس الذاكر بنفسه ولا بذكره، ويَفنى ولا يحس بفَنائه. لا إله إلا الله."بل يستغرقُ المذكورُ جملتَه"، حتى قال: "مهما ظهر له في أثناء ذلك التفات للذكر"، فقد حُجب، أو: "فذلك حجاب شاغل"، هو مع المذكور وليس مع الذكر. فيجري الذكر، ولكن هو مأخوذ بالمذكور. 

 

قال: "هذه الحالة التي عبر عنها العارفون بالفَناء"، مفتاحها: فَناؤه عن صفاته الذميمة، أن يَفنى عن صفاته الذميمة، فيتهيأ للفَناء عن شهود غير الله تعالى والشعور بما سوى الله، إذا فَنِيت صفاته الذميمة، وما دام فيه الصفات الذميمة التي ذمها الكتاب والسنة فيصعب أن يَفنَى في الحق تعالى؛ تحجزه عن أن يَفنَى في الله؛ لكن إذا فَنِيَ عن صفاته الذميمة وبقي بالصفات الحميدة استطاع أن يَفنَى في الله ويَبقَى بالله.

فهذا مقام الفناء الذي ذكره قال: "يفنى عن نفسه حتى لا يحس بشيء من ظواهر جوارحه، ولا من الأشياء الخارجة عنه، ولا من العوارض الباطنة فيه، بل يغيب عن جميع ذلك، ويغيب عنه جميع ذلك، -إلى أين؟- ذاهبًا إلى ربه أولًا، ثم ذاهبًا فيه آخرًا". قال سيدنا الخليل إبراهيم: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الصافات:99] فإذا صحَّ له الذهاب إلى الله، صار ذاهبًا في الله -جلّ جلاله- يعني تزداد معارفه وانكشاف أسرار جلاله وجماله وكماله له على طول فما هو خارج حتى يذهب إليه؛ ولكنه فيه. 

قال: "فإن خطر له في أثناء ذلك أنه فَنِيَ عن نفسه"، إذًا فقد حضَر مع نفسه، شهِد نفسه، انقطع عن شهود الله تعالى، إذا خطرَ على باله أنه فني عن نفسه بالكلية، فذلك شوْبٌ وكدورة، لأنه حضور مع غير الحق، والتفات لغير الحق -جلّ جلاله- "بل الكمال في أن يَفنَى عن نفسه" ويَفنَى عن فَنائه عن نفسه أيضًا؛ لهذا يقول الإمام الحسن بن صالح البحر الجفري -عليه رحمة الله- في قوله ﷺ في الصلاة والدعاء الذي علَّمنا إياه: "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا... إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي". 

"مَحياي": تَعلُّقي بأوصافه.

"وَمَمَاتِي": فَنائي فيه، وفَنائي عن شهود فَنائي فيه بوجوده. فَنائي فيه بشهوده، وفنائي عن وجود شهودي بوجوده. خلاص. 

وقالوا للإمام الحداد لمّا زار أول مرة شيخه الحبيب عمر بن عبد الرحمن العطاس: كيف رأيت الحبيب عمر بن عبدالرحمن؟ قال: رأيت قلبٌ ورَب. لا نفس ولا هوى، عبدٌ مع مولاه بكليته من رأسه إلى قدمه، -لا إله إلا الله-.

 قال: "بل الكمال في أن يَفنَى عن نفسه ويَفنَى عن الفَناء أيضًا، فإن الفَناء عن الفَناء غاية الفَناء".

قال هذا الكلام للذي ما طابت نفسه وَصَفت وتَذَوقت معنَى كلام أرباب الروح، يقول: الآن عن ماذا تتكلم؟! أي لسان هذه؟!  وأي لغة هذه؟ ما هذه..؟! .. ما ييجي عليها وما يجوب عليها - لا يفهمها-. 

الحمد لله رب العالمين، إلى أن قال: 

"وهذا قد يظنه الفقيهُ الرسميّ أنه طامات غير معقولة، وليس كذلك". 

فَناء عن نفسه، وفَناء عن فَنائه عن نفسه..، فيقول: كيف؟ كيف؟! لأنه في شيء رسميّ - ما معنى رسميّ؟ محبوس مع الرسوم، يَعرف الرسوم والظواهر فقط، ذا كذا وشرطه كذا وانتهى، ما يَعرف أسرار الطهارة ولا الصلاة ولا الصوم، ولا يعرف إلا الظاهر-، فإذا جئت تتكلم عن معانيها، يقول: كيف؟! ما هذا؟! ما يستدل عليها.  قال: "يظنه أنه طامات غير معقولة، وليس كذلك"

 

وقال -رضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه في الدارين آمين:

 "بل هذه الحالة لهم بالإضافة إلى محبوبهم كحالتك في أكثر أحوالك بالإضافة إلى محبوبك؛ من جاه أو مال أو معشوق؛ فإنك قد تَصير مستغرقًا لشدة الغضب بالفكر في عدوك، ولشدة شهوتك بالفكر في معشوقك، حتى لا يكون فيك متسَع لشيء أصلًا. فتُخاطَب فلا تفهم! ويُجتاز بين يديك غيرك؛ فلا تراه وعيناك مفتوحتان! ويُتكلَّم عندك؛ فلا تَسمع وما بأذنيْك صمم! وأنت في هذا الاستغراق غافل عن كل شيء، وعن الاستغراق أيضًا. فإن الملتفت إلى الاستغراق مُعْرِضٌ عن المستغرَق به"

 -لا إله إلا الله-.

قال: أنت تنكر هذا على العارفين والصالحين، وأنت بنفسك في قصورك وحبسك في الماديات، لك استغراق؟ لك استغراق ولك فناء؛ أي فناء!.

 حتى لو أنت مُعلّق قلبك حتى باللعب بالكرة وجيت تشاهد مباراة، تستغرقك بدقة تُتابع، يَدخل ولدك، يَخرج ما تراه. من دخل عندك؟ من دخل؟ ما دخل أحد، ما رأيت أحد! ناس دخلوا وخرجوا ويتكلموا عندك ما تسمع. قلنا لك: قال: متى قلتوا؟ وأنت مأخوذ بالمشاهدة حقك، هو إلا لَعب وأَخذ عقلك. وهؤلاء مع ربهم، -وما بَغيتهم يَغيبون؟ يا أبله، يا بليد!- أنت مع الكرة وغِبت، وهؤلاء مع الرب ما يَغيبون! ما الكلام حقك هذا؟ وأي شيء هكذا أنت تعشّقه؟! أخبارًا مهمة سياسية يستمعها، ومأخوذ عينه وقلبه وبصره، تَدخل حتى زوجته بالعشاء وأولاده وهو لا يدري، وَيبرد العشاء. متى جئت به هذا؟ بعد ما برَد متى جئتي به! تقول: وأنت ما فيك عيون؟! وأنا أدخل وأخرج! وهو مأخوذ بالحالة التي هو فيها. فإذا هذا في الماديات والدنيويات، وهؤلاء عشقوا ربَّ العالمين وتعلَّقوا به، ما تريدهم يَغيبون عنك وعن أمثالك؟ يا بليد! يَغيبوا عن كل شيء وهو أحقُّ بأن يُغاب فيه -جلّ جلاله وتعالى في عُلاه-.

وقال المصنف -رحمه الله ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

 "وإنّما سمُّوا هذه الحالة فَناءً وإن كان الشخص والظّلّ باقيين؛ لأن الأشخاص والأظلال بل سائر المحسوسات ليس لها حقيقة الوجود، بل الوجود الحقيقيُّ لعالَم الأمر والملكوت، والقلب من عالَم الأمْر؛ قال الله تعالى: (قُلِ الرُّوحُ مِنٍ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء:85]، والقوالب من عالَم الخَلْق.

 وأعنِي بالقلب: اللَّطيفة الذَّاكرة العارفة التي هيَ مَهبِطُ الأنوار الإلٰهيَّة، دُونَ القلب الظاهر؛ فإنّ ذلك من عالَم الخَلْق. ولا تَفْهم من هذا إشارة إلى قِدَم الرُّوح وحدوث القالب! بل هما جميعًا حادثان.

 وإنما أَعنِي بالخلق: ما تَقع عليه المساحة والتقدير، وهي الأجسام وصِفاتها.

وأَعنِي بعالم الأمر: ما لا يَتطرّق إليه التقدير.

 والعالَم الجسماني ليس له وجود حقيقي، بل هو من ذلك العالَم كالظلّ من الأجسام. وليس لظِل الإنسان حقيقة الإنسان، فليس للشخص حقيقة الوجود، بل هو ظِلّ الحقيقة. والكُل مِن صُنع الله تعالى. (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) [الرعد :15]. وسجود عالَم الأمرِ لله تعالى طَوع، وسجود عالم الظلال كُرهٌ، وتحته سرٌّ،  بل أسرارٌ تُحرِّكُ أوائلها سلسلة المجانين والحمقى، فضلًا عن أواخرها، فلنتجاوزها".

 

يقول -عليه رحمة الله تعالى-: "سمُّوا هذه الحالة فَناءً" مع أنه شخصه موجود وظِلُّه قائم، قال: لا الشخص ولا الظلال وأمثالها، "بل سائر المحسوسات" هي بنفسها ظِل؛ "ليس لها وجود حقيقي، بل الوجود الحقيقي لعالَم الأمر والملكوت، والقلب من عالَم الأمْر؛ قال الله تعالى: (قُلِ الرُّوحُ مِنٍ أَمْرِ رَبِّي)"، ويقول: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [الأعراف:54]. 

قال: والقوالب -الأجسام- من عالَم الخَلق، "وأعنِي بالقلب: اللَّطيفة الذَّاكرة" -ليست هذه القطعة التي بين الرئتين- "اللطيفة الذاكرة العارفة بالله، التي هي مهبط الأنوار الإلهية، دون القلب الظاهر، فإن ذلك من عالم الخلق. ولا تفهم من هذا إشارة إلى قِدَم الروح -أبدا- وحدوث القالب، بل هما جميعًا حادثان"، وليس من قديم موجود بذاته إلا واحد وهو الله، هذا الموجود بذاته فقط. "كان الله ولم يكن شيء غيره"، "كان الله ولم يكن شيء معه"، فهو الموجود بذاته هو وحده. كل الكائنات هذه أظهرها هو وأوجدها؛ لتدل عليه ورحمة منه -سبحانه وتعالى-.

 

لِذاتي بذاتي لا لَكم أن ظاهَرُ *** وما هذه الأكوان إلا مَظاهرُ

سبحان الله.

قال: "أعني بالخلق ما تقع عليه المساحة والتقدير"، هذا عالم الخلق، الأجرام والألوان وما يُدرك بالحواس الخمس، هذا عالَم الخَلق. "وعالم الأمر ما لا يَتطرّق إليه التقدير"، لا شيء فيه؟! لا ميزان ولا مسطرة، عقل وروح ما هذا؟ ليس له لون؛ لا يُدرك بالحواس الخمس، لا تُمسكه بيدك ولا تراه بعينك ولا تَسمعه بأذنك، أمر خارج عن التقديرات هذه، عالَم أمر. (قل الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)[الإسراء:85]. 

"والعالم الجسماني ليس له وجود حقيقي، بل هو من ذلك العالم -من عالم الأمر- كالظل من الأجسام"

  • فالأسماء والصفات للرحمن -سبحانه وتعالى- كالظل للذّات.
  • وجميع الروحانيات وعالَم الأمر كالظل للأسماء والصفات.
  • والقوالب والظواهر والأجسام ظِل لهذه الرُّوح. 

فما هي شيء؛ ولكن عالَم الأمر وعالَم الرُّوح له الشأن العظيم بإيجاد الحق له على وجه مخصوص ومَنزِلة لديه خاصة. 

قال: "وليس لظل الإنسان حقيقة الإنسان"، أبدًا، لا يمكن أن تَعتبر الظل حقيقة للإنسان، قال: وأنت ما لك حقيقة وجود لأن وجودك إلا ظل، ليس موجود إلا ذاك، فلا يمكن أن نَنسبك إلى حقيقة وُجود، لا موجود إلا الله. "بل هو ظِل الحقيقة، والكل مِن صُنْع الله"، الرُّوح، والجسم، والظاهر، والباطن، كله خَلْقه وكله إيجاده، بعضها أقرب إليه من بعض. (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم..) هُم والظلال، روحه، وقلبه والظلال حق ذا الجسد كله يسجد لله. (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).

 

قال: وعالَم الأمْر كله طَوع، كله سجود وطَوع لله تعالى. عالَم الظلال هذا كُره. 

فحتى الموجودون عندنا من الملحدين والكفار قاعدين في هذا العالم تحت سماء رفعها وأرض بسَطَها، لا اختاروا آباءهم ولا اختاروا أمهاتهم، ويجري لهم من الأحداث كل يوم ما لا يريدون؛ تشوفهم ساجدين، هم ساجدين له لكن كُرهًا، ليس باختيار منهم؛ ما معهم إلا الإنكار فقط، والمعاندة، وإلا هم ساجدون تحت قهره وتحت أمره -جلّ جلاله-، ولا يَقدر يُبدّل، لا يرُد السماء تحت ولا الأرض فوق، ولا يَقدر يُغيّر شيئًا من ترتيبات الحقّ، هو ساجد مسكين، ساجد لكنه كُرهًا، ما نفعه هذا. إنما ينفع السجود طَوعًا ومَحبة ورغبة -فالله يحققنا بحقائق السجود له.

 

قال المصنف -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-: "وسجود عالَم الأمرِ لله تعالى طَوعٌ، وسجود عالم الظلال كُرهٌ، وتحته سرٌّ،  بل أسرارٌ تُحرِّكُ أوائلها سلسلة المجانين والحمقى، فضلًا عن أواخرها، فلنتجاوزها"، فكيف بأواخرها؟" قال: خلاص بس، نتجاوز ويكفيه، ونسكت. "وليس هذا بِعُشّك فادرُجي"، "ولِكل مَقام مَقال".

 

وقال المصنف -رحمه الله ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"فقد أفهمناك ما أرادوه بالفناء، فدع عنك الغيبة والتكذيب بما لم تحط بعلمه، كما قال تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ)[يونس39]. وقال الله تعالى: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ)[الأحقاف:11]. 

فإذا فهمت الفناء في المذكور فاعلَم أنه أول الطريق، وهو الذهاب إلى الله تعالى، وإنما الهُدى بعده؛ أعني بالهُدى هُدى الله تعالى، كما قال الخليل عليه السلام(إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)[الصافات:99].

 

فأول الأمر ذهاب إلى الله، ثم ذهاب في الله؛ وذلك هو الفناء والاستغراق به، ولكن هذا الاستغراق أولًا يكون كبرق خاطف، قلما يثبت ويدوم، فإن دام ذلك وصار عادة راسخة وهيئة ثابتة.. عُرِّج به إلى العالم الأعلى، وطالع الوجود الحقيقي الأصفى، وانطبع فيه نقش الملكوت، وتَجلى له قدس اللاهوت.

وأول ما يَتمثل له من ذلك العالَم: جواهر الملائكة، وأرواح الأنبياء والأولياء في صورة جميلة، يَفيض إليه بواسطتها بعض الحقائق؛ وذلك في البداية، إلى أن تعلو درجته عن المثال، فيُكافح بصريح الحق في كل شيء.

فإذا رُدّ إلى هذا العالَم الحادث الذي هو كالظلال.. نظر إلى الخَلق نظرة مُترحم عليهم؛ لحرمانهم عن مطالعة جمال حضرة القدس، وتَعجب منهم في قناعتهم بالظلال، وانخداعهم بعالم الغرور وعالم الخيال، فيكون معهم حاضرًا بشخصه، غائبًا بقلبه، يَتعجب هو من حضورهم، ويَتعجبون هم من غِيبته.

 

فهذه ثمرة لُباب الذكر، وإنما مبدؤها ذكر اللسان، ثم ذكر القلب تكلّفًا، ثم ذكر القلب طبعًا، ثم استيلاء المذكور وانمحاء الذكر، وهذا سر قوله ﷺ: "من أَحَبَّ أنْ يَرتَع في رياض الجنة؛ فلْيُكثر ذكر الله تعالى"، بل سرّ قوله ﷺ: "يَفضُل الذكر الخفيّ على الذكر الذي تَسمعه الحفظة سبعين ضعفًا".

ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. 

 

قال: "أفهمناك" ما الذي يقصدونه بالفناء، أهل الله وأرباب المعارف؛ "فدع عنك الغيبة"، لا تظل تغتاب أرباب البصائر والنور لأنك قاصر الفهم عن إدراك ما يقولون. 

"فدع عنك الغيبة والتكذيب بما لم تحط بعلمه، كما قال تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ)". 

وإذا كنت بالمدارك غرٌّ *** ثم أبصرت حاذقًا لا تماري

وإذا لم تر الهلال فسلِّم *** لأناس رأوه بالأبصار

فإذا فهمت الفناء في المذكور، وقال الله تعالى: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ)، لأنهم ما اهتدوا به. (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) . فإذا فهمت الفَناء في المذكور فاعلَم أنه أول الطريق، وهو الذهاب إلى الله تعالى، والهُدى بعده: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ). 

فأول الأمر:

  •  "ذهاب إلى الله"؛ بالإيمان والعمل الصالح والعمل بطاعته، والترك للذنوب والمعاصي.
  • "ثم ذهابٌ في الله"؛ "وذلك هو الفَناء والاستغراق به؛ لكن هذا الاستغراق أولًا يكون كبَرق خاطف" يمر عليه بسرعة، يَرتفع عنه، قلّما يَثبت ويأتي بعد ذلك وقت أطول، ويأتي أطول، لحظة تصل إلى دقيقة، تصل إلى دقيقة ونصف، ويروح منه. والقوى العادية لو دام عليها هذا لاضمحلت، ولكن يتدرج الحق بعبده شيئًا فشيئًا فيقوّيه. لهذا يقول: العارفون يشتاقون إلى دوام الجَمع، والحقُّ يَنقلهم عنه رفقًا بهم ولطفًا لهم، لئلا تَضمحلّ قُواهم عن أن يقوموا بحقوق التكاليف التي كلّفهم بها.

قال: "هذا الاستغراق أولًا يكون كبرق خاطف، قلّما يثبت ويدوم -فإذا ترقى فيه- فدام ذاك وصار عادة راسخة وهيئة ثابتة.. عُرِّج به -أي بروحه- إلى العالَم الأعلى، وطالع الوجود الحقيقي الأصفى، وانطبع فيه نقش الملكوت، -(نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الانعام:75]- وتجلى له قدس -طهارة- اللاهوت" -الصفات الإلهية-

 

قال: "وأول ما يتمثل له من ذلك العالم: الأعلى جواهر الملائكة، وأرواح الأنبياء والأولياء في صورة جميلة، يَفيض إليه بواسطتها بعض الحقائق.."، فتكون سببًا لإفاضة المعارف عليه، فيدرك بعض الحقائق بواسطة من حوله من الملائكة ومن أرواح الأنبياء والأولياء، ".. وذلك في البداية، إلى أن تعلو درجته عن المثال؛ فيكافح بصريح الحق في كل شيء"، فيعرف معنى قوله: 

  • أَلا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا اللَهَ باطِلُ
  • و(كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص:88]. 

 

إذا رُدَّ إلى هذا العالم الحادث الذي هو كالظلال، نظر إلى الخلق نظرة مُترحم عليهم"؛ أين ذاهبون هؤلاء بعقولهم ومداركهم؟ ومحبوسون أين؟  لو يَعلم الملوك ما نحن فيه بالليل لجادلونا عليه بالسيوف. يَتعجب منهم ويَترحم عليهم "لحرمانهم عن مطالعة جمال حضرة القدس، وتَعجب منهم في قناعتهم بالظلال" ومحلهم هنا "وانخداعهم بعالم الغرور وعالم الخيال، يكون معهم حاضرًا بشخصه غائبًا بقلبه، يتعجب هو من حضورهم -مع هذه الظلال- وهم يتعجبون من غيبته" عن الظلال حقهم هذا.

 لا إله إلا الله.

لهذا يقول الإمام الحداد:

وَأَنِّي مُقِيمٌ فِي مَوَاطِنَ غُرْبَةٍ ***…………………….

-ما أجدُ الذي أُذاكرُه فيما انتهيتُ إليهِ من المعارفِ والشهود-

وَأَنِّي مُقِيمٌ فِي مَوَاطِنَ غُرْبَةٍ *** عَلَى كَثْرَةِ الأُلاَّفِ فِي جَانِبٍ وَحْدِي.

قَرِيبٌ بَعِيدٌ كَائِنٌ غَيْرُ كَائِنٍ *** وَحيِدٌ فَرِيدٌ فِي طَرِيقي وَ فِي قَصْدِي

لا إله إلا الله.

-ويود أن يجد من يسامره بأخبار هذا الحضور مع الحق. لا إله إلا الله-. 

يقول:

ظن الخَلِيُّ بأن البعد يؤنسني *** فكيف يؤُنسني طردي وإبعادي

أم كيف أسلو عُريباً صار قربهم *** أقصى مرامي ومطلوبي ومُرتادي

أم كيف أنسى لهم عهدًا وقد منحوا *** محض الوداد وجادوا قبل إيجادي

واتحَفوني بسرِّ لو أبوحُ به *** لشاع في الناس لُوّامي وحُسّادي

إنّي ليقلقني هذا النّسيم متى *** ما هبّ من حيث أغوار وأنْجاد

وما تمايل غُصنٌ في حديقته *** إلا تذكّرْت أوْقاتي وأعْيادي

ولا تغنّى بذِكر الغانيات شجٍ *** إلّا جرى الدّمع من عيني على النّادي

يعني كل شيء يذكرني به، كل شيء يجمعني عليه.

قد طال مُكثي بدارِ البُعد مُنتظِرًا *** إذن المصير إليهم طول آمادي

أُقبّل التُّرْب منْ أرضٍ بها نزلوا *** يوم اجتماعي بِهِم في حين إشْهادي

 

يتذكر ساعة الجمع لما مسح الرحمن ظهر آدم فأخرج الذرية كلهم في وادي نعمان وأشهدهم وأكرمهم وأسمعهم: "أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟".

قال:

أُقبّل التُّرْب منْ أرضٍ بها نزلوا *** يوم اجتماعي بِهِم في حين إشْهادي

يا هلْ ترى تجْمع الأيّام في دعةٍ *** بيني وبين أحْبابي وأسْيادي

وأرتوي من شراب القوم في زُمرٍ *** من عارِفين وأقْطاب وأوتادِ

وأُوقِدُ النّور في مصْباح واضحةٍ *** نورٌ على نورِ من فتْح وأورادِ

نورُ السُّلوك ونُورُ الجذْب قد جُمِعا *** فأشْرقا بين زُهّاد وعُبّادِ

 

يجيء يُلّخص الطريق لمن يرغب، يقول:

 

ها قد علِمتُ ولا شكٌّ يُخالِطُني *** أنّ الطّريقة في خرْقي لمُعْتادي

وترْك مألوف نفسٍ زانه خُلُقٌ *** أنْجو به بين أشْكالي وأضْدادي

وقد تحقّقْتُ أن الخير أجْمعهُ  *** ضمن اتّباعي لجدّي المُصطفى الهادِي

عليه أزكى صلاةِ الله يتبعها *** منه السلام بآزالٍ وآبادِ

 

صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه. حشرنا الله معهم.

وقال:

محبتهم ديني وفرضي وسنتي *** وعروتي الوثقى وأفضل ما عندي

وفي قربهم أنسى ورَوحي وراحتي *** ولست بشيءٍ إن بلوني بالبعد

ومهما سرت لي نسمة من ربوعهم *** يخالطها عرف البشامات والرند

وريح الخزامى والأراك تهيج بي *** شجوناً تدعني لا أعيد ولا أبدي

 

الله أكبر.

فيا سعد سر بي نحوهم وأبلغنهم *** بأني على حفظ المودة والعهد

ونبئهم عن لوعتي وصبابتي *** وكتمي لأسرار الهوى غاية الجهد

وإني مقيم في مواطن غربة *** على كثرة الألّاف في جانب وحدي

قريبٌ بعيدٌ كائنٌ غير كائن *** وحيدٌ فريد في طريقي وفي قصدي

أمورٌ وأحوال تعِنّ ولم أجِد *** عليها معينًا وهي تقعد بالفرد

فكن لي شفيعاً عندهم فلعلهم *** يمنّوا بجمع الشمل فضلاً على العبد

لا إله إلا الله.

أرجي ولي ظن جميل بخالقي *** تعالى عظيم المن مستوجب الحمد

إله البرايا كلها ومليكها *** تنزّه عن شبه ومِثل وعن ندّ

لا إله إلا هو. 

"فهذه ثمرة لُباب الذكر، وإنّما مَبدؤها ذكر اللسان، -هذا البداية- "ثم ذكر القلب تكلّفًا، ثم ذكر القلب طبعًا، ثم استيلاء المذكور وانمحاء الذكر. وذكر بحديث قوله ﷺ: "من أَحب أن يرتع في رياض الجنة فليُكثر ذكر الله تعالى"". 

قال للذي تَعلَّق بسورة الإخلاص وكان يَقرأ بها؛ مرة أَرسل سرية وأمّره عليهم، وكان إذا يُصلي بهم مغرب، وعشاء، وفجر، في كل ركعة -إذا قرأ ما تيسرمن القرآن- يختم بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ) [الإخلاص:1-2]. في الركعة الثانية كذلك، والعشاء والفجر، كلها يقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ). يقول له بعض الصحابة: لازم تقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، ما سمعنا النبي يفعل هذا. قال: أنا هذه صلاتي، وأنا أُحب أن أَختم بها، هل أحد منكم يُصلي...؟. قالوا له: لا، أنت أميرنا، أمّرك النبي علينا. نُصلي خلفك. ولكن لما رجعوا أخبروا النبي، قال: "قولوا له لمَ يَصنع هذا؟" قال: لمَ؟ قال: يا رسول الله، إنّي أُحبها لأنها صِفة الرحمن. قال: "حُبُّك إياها أَدخلك الجنة". حُبُّك إياها أدخلك -ليس سيدخلك الجنة؛ هو في جنة المعرفة، من الآن هو في جنة المعرفة-. "حبك إياها أدخلك الجنة". 

"إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا". -حِلَقُ الذِّكْرِ-. 

"من أَحَبَّ أنْ يَرتَع في رياض الجنة؛ فلْيُكثر ذكر الله تعالى" هكذا في رواية الطبراني في المعجم الكبير. 

ويقول ﷺ: " يَفضُل الذكر الخفيّ على الذكر الذي تَسمعه الحفظة سبعين ضعفًا". الذكر إذا استغرق القلب ما عاد تُدرِك معانيه الحَفَظة، الحَفَظة تَسمع ما في ظاهر اللسان؛ لكن إذا غاب وفَنِيَ عن ذكره، الحَفَظة ماعاد يقدرون يكتبون شيء؛ هذا بينه وبين المذكور جلّ جلاله.

 لا إله إلا الله.

نعم، الخطوات ما ذكره: 

  • البداية ذكر اللسان، والمحافظة على الأذكار الواردة في السنة الشريفة، وفي الصباح والمساء، وأخذ نصيب من الذكر، ويستغرق اللسان بالذكر.
  • بعد ذلك، يذكر بالقلب تكلفًا، يتكلف الحضور مع الله تعالى.
  • ثم يذكر القلب طبعًا وتلقائيًّا من غير تكلّف.
  • ثم يصل إلى استيلاء المذكورُ عليه وعلى ذكره وعلى فَنائه فيه. 

وهذا، نعم: كثيراً ما يَتعرضون له بالخلوات، وكثرة أذكار معينة، وقد يناسب منها بعد "لا إله إلا الله" والإكثار منها عند القُرب من الفَناء اسم الجلالة: " الله، الله، الله".

 ويَتَلقّون ذلك من المشايخ ومن المربين حتى يخرج من القشور هذه ويصل إلى اللُّب. 

الله لا يَحرمنا خير ما عنده لشر ما عندنا، ويزيدنا من فضله ويمُنّ علينا بِوَصلِه.

اللهم لا تجعل حظنا من هذا الكلام الهذيان ولا لقلقة اللسان، ووصِلنا إليك يا رحمن، وأصلح لنا كل شأن، وحققنا بحقائق ذكرك، وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا الفناء فيك وفي حبيبك محمد ﷺ، والبقاء بك فيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، على خيْر الوجوه، وأعلاها وأفضلها، في تمكين مَكين، وصلاح لأحوالنا وأحوال المسلمين. واجعلنا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، واجعلنا مذكورين في حضرتك وحضرة حبيبك في جميع الآناء واللحظات؛ بخير ما تَذكُر به المحبوبين والمقربين وأهل التمكين، في عافية تامة. وتحمُل الابتلاءات والامتحانات والاختبارات عنا وعجّل بتفريج كروب أمة حبيبك محمد ﷺ، وارفع البلاء والشر والسوء عنا، وعن أهل غزة والضفة الغربية، وعن أكناف بيت المقدس، وعن الشام، وعن اليمن، وعن الشرق وعن الغرب. واكشف كل كرب يا كاشف الكروب، وادفع البلايا، يا دافع الخُطوب، وعاملنا بما أنت أهله يا برّ يا رحمن، وأصلح لنا شؤوننا بما أصلحت به بشؤون الصالحين. بسرِّ القرآن ومَن أَنزلت عليه القرآن، وبسرِّ الذكر والذاكرين من أهل السماوات والأرضين، وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. 

بسرّ الفاتحة

 إلى حضرة النبي مُحمّد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه

 الفاتحة