Blog Utama Saya :-

Isnin, 18 Mei 2026

الأربعين في أصول الدين - 14 | طلب الحلال (3)

 






الأربعين في أصول الدين - 14 | طلب الحلال (3)


Video


الدرس الرابع عشر للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي . القسم الثاني: مواصلة شرح الأصل السابع: طلب الحلال (3)

 ضمن دروس الدورة الصيفية الثانية بمعهد الرحمة بالأردن.

فجر الثلاثاء 25 صفر 1447هـ

يعرض قاعدة استصحاب الطهارة والحِلّ في المعاملات والعبادات، وينبّه إلى حدود الفتوى أمام حكم القلب "استفتِ قلبك"، مع استحضار التحذير النبوي من التنطّع والوسوسة "هلك المتنطعون"، ويوضح في شرح فصل: الأموال المُشتبهة بأن الناس في حقّك 6 أقسام..

 

نص الدرس مكتوب: 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

"الفن الثاني: أن تراجع قلبك وإن أَفْتَوْكَ، فإن الإثم حَواز القلوب، فالذي يضرك ما حاك في قلبك، ولذلك قال رسول الله ﷺ: "استفتِ قلبك وإن أَفْتَوْكَ وَأَفْتَوْكَ". وهذا السر يطول ذكره، ولكن اعلم على الجملة أن المحذور من الحرام إظلام القلب، والمطلوب من الحلال تنويره، وذلك يتشعب من اعتقادك لا من نفس المعتقد؛ فمن وطئ امرأة على ظن أنها أجنبية فإذا هي منكوحته.. حصل إظلام القلب، ولو وطئ أجنبية على ظن أنها زوجته.. لم يحصل. 

وكذلك في النجاسات والطهارات المؤثرة في تنوير القلب بهمِّك واعتقادك؛ فما أُمرتَ بأن تصلي وثوبك طاهر، بل أن تصلي وأنت تعتقد أنه طاهر، فاستشعار الطهارة مؤثر في إشراق القلب وإن لم يكن على وفق الحال، ولذلك نقول: إن من صلى ثم تذكر أنه كان معه نجاسة.. فليس عليه الإعادة على الأصح؛ لأنه ﷺ خلع نعليه في أثناء صلاته لما أخبره جبريل -عليه السلام- بأن عليهما قذراً واستمر فيها. ولذلك يُشدَّد الأمر على الموسوس؛ فإنه ما لم يطمئن قلبه باعتقاد الطهارة.. فيجب عليه الاستقصاء والمعاودة، وأولئك قوم شددوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فهلكوا باستقصائهم؛ كما قال ﷺ: "هلك المتنطعون"، فكذلك في الحلال، أنت مُتعبَّدٌ بما يطمئن إليه قلبك، لا بما يفتي به المفتي، فاستفتِ قلبك وإن أَفْتَوْكَ".

 

نعم، الحمد لله مكرمنا بالبيان لما نتناوله ولما نَدَع في كل شأن، على لسان سيد الأكوان عبده المختار محمد ﷺ وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على دربهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل العرفان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

ذكر أنه يجب على أمثالنا القاصرين أن نجتهد في تحقيق الدرجة الأولى من الورع وهي درجة العدول، لكن مع ذلك نضيف شيئاً. فذكر أن لا نغتر بمواقع الغرور في مثل ما أشار إليه من مثل وهب الزوج زوجته والأخ أخيه والجار جاره ماله قبل حلول الحول لإخراج الزكاة، وذكر مقصود الزكاة وما إلى ذلك. 

ثم قال: "الفن الثاني" أنه مع ذلك ينبغي أن لا تغفل عن مراجعة قلبك، فإن ما فيه الحرام وما فيه الإثم يكون للقلب به ظلمة وكدر، فلبتعد عما ترى قلبك به يتكدر وينفر منه ويتغير، فإن الإثم "حواز القلوب" أو "حَزَّاز القلوب"، في رواية أي: يصير عليها كالران يؤثر فيها فيحوزها إلى ظلمته، فحينئذ ينفر طبع المؤمن من مثل ذلك ويرى للذي قاله أو فعله أثراً سيئاً في قلبه، فهذا علامة أنه إثم، لأن لكل معصية ولكل ذنب نكتة سوداء في القلب كما أخبر عليه الصلاة والسلام، إن تاب صاحبها صُفيت، وإلا انضافت نكتة إلى نكتة حتى يسود القلب كله -والعياذ بالله تعالى- ويطلع عليه الران. 

قال لسيدنا وابصة بن معبد: "استفتِ قلبك وإن أفتوك وأفتوك". فهذا فيه تنبيه منه ﷺ على أن لا يهمل المؤمن ضميره. ومن كان من مثل وابصة أو قريب منه فأن له نفس تنفر من الذنوب وهو يشعر بما ينال قلبه من ظلمة إذا قال أو فعل أو نظر ما فيه الاثم.

 

وقال: "واعلم على الجملة: أن المحذور من الحرام إظلام القلب، والمطلوب من -تناولنا- الحلال تنويره"؛ تنوير القلب، وهذا أيضاً "يتشعب من اعتقادك لا من نفس المعتقد".

وهذا لم يكلفنا الله تعالى ما وراء علمنا وإدراكنا من حقائق الأمور. وهكذا ذَكَر المثال: أُمر الإنسان في الطهارة عن النجاسات، بأن يكون في اعتقاده أنه طاهر فذلك يكفي؛ فإذا اعتقد أنه نجس -مثلًا ثوبه- ومع ذلك لم يبالِ وصلى فصلاته باطلة، وإن كان الثوب طاهراً ما فيه شي لأنه اقتحم الدخول وهو يعتقد النجاسة؛ وأما القول الذي ذكره في عدم الإعادة على من لم يعرف بالنجاسة ثم عرفها بعد الصلاة فهذا القول القديم للإمام الشافعي، والذي رجع إليه وعليه الفتوى أنه إذا تيقن أن النجاسة كانت موجودة وجب عليه أن يعيد الصلاة إذا كان الوقت باقياً أو يقضيها إن كان الوقت قد خرج.

قال: وبذلك يكون المتنطعون في تشديد على أنفسهم، وكذلك الذي يستسلم للوسوسة ويبقى اعتقاده مختلاً فلا يعتقد الطهارة إلا بعد شدة شديدة، فقد شدد على نفسه؛ "فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم"، ويقول ﷺ: "هلك المتنطعون"، "هلك المتنطعون"، كما جاء في صحيح مسلم، ٩: الذين يبالغون في الأمور ويخرجون عن مضمار المراد والمقصود. 

قال: "فكذلك في الحلال، أنت مُتعبَّدٌ بما يطمئن إليه قلبك، لا بما يَفتي به المفتي، فاستفتِ قلبك وإن أفتوك".

فبينك وبين الله تعالى علامة مايضيع الله للمؤمن الذي يقصد قربه من ربه ويقصد نيل رضا ربه، لا يضيع عليه علامة الشعور والإحساس بما ينبغي وما لا ينبغي، وما يحبه منهم هؤلاء وما لا يحبه وهكذا، وتتسع لمن صفا أكثر، حتى قال قائلهم: إنه إذا قُدم الطعام وفيه شبهة فأردتُّ مَدَّ يدي ضرب فيَّ عِرق، أعلم به أن في الطعام شبهة، فلمَّا ذكروه لآخر قال: يضرب فيَّ سبعين عِرق، ما هو عرق واحد؛ عند إرادة تناول ما فيه شبهة. 

فكذلك يجعل الله الفوارق، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا) [الأنفال:29]؛ نور تفرقون به بين الأمور، فالصادق مع الله تبارك وتعالى تتولاه عناية الله ويعينه على السير إليه -جل جلاله وتعالى في علاه-.

 

وقال -رضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

فصل

في الأموال المشتبهة، وحكمها

 

"وإياك أن تشدد على نفسك فتقول: أموال الدنيا كلها حرام!! وقد أخبثتها الأيدي العادية والمعاملات الفاسدة، فأقنع بالحشيش مُترهِّباً، أو أتناول من الجميع متوسعاً، لا أفصل فيه بين حلالٍ وحرام!! 

بلِ اعلم قطعاً: أن الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور متشابهات، كذلك كان في عصر سيدنا رسول الله ﷺ، وكذلك يكون أبد الدهر. 

فاستمد من السر الذي ذكرناه، فإنك غير مُتعبَّد بما هو في نفسه حلال، بل بما هو في اعتقادك حلال لا تعرف سبباً ظاهراً في تحريمه؛ فقد توضأ سيدنا رسول الله ﷺ من مزادة مشركة، وتوضأ سيدنا عمر -رضي الله عنه- من جرة نصرانية، ولو عطشوا.. لشربوا منه، وشربُ الماء النجس حرام، ولكن استصحبوا يقين الطهارة، ولم يتركوها لتوهُّم النجاسة.

وكذلك كل مال صادفتَهُ في يد رجل مجهول عندك حاله.. فلك أن تشتري منه، وتأكل من ضيافته؛ تحسيناً للظن بالمسلم، فإن الأصل أن ما في يده فهو حلال، وما تصادفه في يد رجل عرفته بالصلاح.. فهو أولى بأن تعتقده حلالاً". 

نعم؛ يجب الحذر مما تصادفه في يد سلطان ظالم، أو في يد رجل عرفته بالربا أو بيع الخمر؛ فيجب الحذر منه حتى تسأل وتستقصي، وتعرف أنه من أين حصل له ذلك؛ فإن ظهر لك جهة حصوله وأنه حلال.. فلك أخذه، وإلا.. فالاعتماد على العلامة الظاهرة وهي قرينة حاله.

وهذا إذا كان أكثر أمواله حراماً، فإن كان أكثرها حلالاً.. فلك أن تأكل منه، وإن تركته.. فذلك ورع؛ فقد كتب بعض وكلاء ابن المبارك -رحمه الله- من البصرة إليه يسأله عن معاملة رجل يعامل السلطان، فقال: (إن كان لا يعامل غير السلطان.. فلا تعامله، وإن كان يعامل غيره أيضاً.. فعامله).

 

وبالجملة، الناس في حقك ستة أقسام:

  • أحدها: أن يكون مجهولاً؛ فكل من ماله، والحذر ليس بواجب، بل هو محض الورع.
  • الثاني: أن تعرفه بالصلاح والخير؛ فكُل منه ولا تتورَّع؛ فالورع فيه وسوسة، فإن أدى إلى الإيذاء والإيحاش.. فهو معصية وحرام؛ لما فيه من الإيذاء، ولما فيه من سوء الظن بالرجل الصالح.
  • الثالث: أن تعرفه بالظلم والربا، حتى علمتَ أن كل ماله أو أكثره حرام؛ كالسلاطين الظلمة وغيرهم، فمالهم حرام.
  • الرابع: أن تعرف أن أكثر أمواله حلال ولكن لا يخلو عن حرام، كرجل له تجارة ومواريث، وهو مع ذلك في عمل السلطان، فلك الأخذ بالأغلب، لكن الترك من الورع المهم".

 

هكذا يتحدث عن الأموال المشتبهة وحكمها، قال لا طريقة إلى التشديد عن النفس وتقول إن الدنيا كلها أموالها اختلطت واخْتبطت فهي حرام، والربا من كذا والمعاملات من كذا والغش من كذا والنهب من كذا، فالمال كله في الدنيا حرام؛ أوه بعدين؟! قال: نكتفي بالحشيش مثل البرسيم والقضب، هذا الذي تأكله الحيوانات، تكتفي بها، قال هذا خلاص بنتغدى عليها هذه.

قال: فما الحل؟ 

"وقد أخبثتها الأيدي العادية والمعاملات الفاسدة، فأقنع بالحشيش مُترهِّباً، أو أتناول من الجميع متوسعاً، لا أفصل فيه بين حلالٍ وحرام!! -قال لا- بلِ اعلم قطعاً: أن الحلال بيّن، والحرام بيّن"؛ واضح كما ذكر ﷺ، أمور تكون أمام الناس ظاهرٌ شأنها ووضعها لا ينتابها الشك، "وبينهما أمور متشابهات ومشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام".

قال كذلك كان في عصر سيدنا رسول الله ﷺ ومن قبله ومن بعده وأبد الدهر، فهناك المرابون وهناك الناهبون وهناك السارقون في العصر النبوي وفيما قبله وفيما بعده موجودون، ولكن ما توضح لك حرمته يجب أن تبتعد عنه، وما توضح لك حله فتأخذ منه، وما أشكل عليك فتوقف فيه. 

قال: "فاستمد من السر الذي ذكرناه، فإنك غير مُتعبَّد بما هو في نفسه حلال، بل بما هو في اعتقادك حلال لا تعرف سبباً ظاهراً في تحريمه". وأشار إلى: "توضأ سيدنا رسول الله ﷺ من مزادة مشركة"، ويحتمل أن يكون الماء متنجّساً، ولكن هذا الاحتمال لم يبالِ به ﷺ، "وتوضأ سيدنا عمر رضي الله عنه من جرة"؛ إناء من الخزف  "نصرانية،-أو قربة- ولو عطشوا.. لشربوا منه، وشربُ الماء النجس حرام، ولكن استصحبوا يقين" -الأصل- "الطهارة" ولم يروا أن هناك علامة واضحة على حصول أو حدوث تنجيس لذلك الماء،  "ولم يتركوها لتوهُّم النجاسة".

قال: "وكذلك كل مال صادفتَهُ" -من المال- "في يد رجل مجهول عندك حاله.. فلك أن تشتري منه، وتأكل من ضيافته؛ تحسيناً للظن بالمسلم، فإن الأصل أن ما في يده فهو حلال، وما تصادفه في يد رجل عرفته بالصلاح.. فهو أولى بأن تعتقده حلالاً". 

"نعم؛ يجب الحذر مما تصادفه في يد"، معروف بالظلم من السلاطين- "سلطان ظالم، أو في يد رجل عرفته بالربا أو بيع الخمر"؛ فهو واضح عندك، "فيجب الحذر منه حتى تسأل و تستقصي، وتعرف أنه من أين حصل له ذلك؛ فإن ظهر لك جهة حصوله وأنه حلال.. فلك أخذه، وإلا.. فالاعتماد على العلامة الظاهرة وهي قرينة حاله". 

تلبسه بالمعاملة الربوية أو بيع الخمور والمسكرات والمخدرات ذا التي يحرص على نشرها أعداء الله بين أوساط المسلمين لفساد مسالكهم وأفكارهم كذلك.

"وهذا إذا كان أكثر أمواله حراماً، فإن كان أكثرها حلالاً" -وفيه بعض الحرام- .. "فلك أن تأكل منه، وإن تركته.. فذلك ورع"؛ -وقال عن سيدنا عبدالله بن المبارك أنه- "قد كتب بعض وكلاء ابن المبارك -رحمه الله- من البصرة إليه يسأله عن معاملة رجل يعامل السلطان" -ما يخلو مال السلطان من شبهة فهل نعامله؟-، "فقال: (إن كان لا يعامل غير السلطان -معاملته كلها مع السلطان- .. فلا تعامله، وإن كان يعامل غيره أيضاً.. فعامله)".

ففيه أنهم في القرون الأولى كانوا يرون مثل هذا المسلك.

 

قال: "الناس في حقك ستة أقسام:

  • أحدها: أن يكون مجهولاً؛ فكل من ماله، والحذر ليس بواجب، بل هو محض الورع.
  • الثاني: أن تعرفه بالصلاح والخير؛ فكُل منه ولا تتورَّع؛ فالورع فيه وسوسة".

تقول الانسان هذا خيِّر نعم ولكن يمكن..أيه يمكن؟! يمكن كذا شي وصل له قال: فالورع عن مثل هذا وسوسة، إنسان معروف بتقواه وتورُّعه عن المحرمات، أيش عادك تبغى؟! قال يمكن حد من أولاده جابه ولَّا شي دون أن يلحظ، هذه وسوسة؛ فأما إن وصلت إلى حد الإيذاء كأن قال: من أين هذا؟ فيه ذا.. آذاه وأوحشه فصار معصية، صار حراماً، لأنه فيه كسر لخاطر المؤمن واتهامه، فيه ظن يظنه من بعيد  يصير مأثوماً بهذا.

"فإن أدى إلى الإيذاء والإيحاش.. فهو معصية وحرام؛ لما فيه من الإيذاء، ولما فيه من سوء الظن بالرجل الصالح.

  • الثالث: أن تعرفه بالظلم والربا، -يكون معروف- حتى علمتَ أن كل ماله أو أكثره حرام؛ كالسلاطين الظلمة وغيرهم".

قال فإذًا خلاص هذا أمر واضح بيِّن، من الحرام الواضح، ابتعد منه. 

  • "الرابع: أن تعرف أن أكثر أمواله حلال ولكن لا يخلو عن حرام، كرجل له تجارة -يغش فيها-  ومواريث -أخذه من والده، أو تجارة صحيحة بحلال، ولكن أيضًا-، وهو مع ذلك في عمل السلطان -الظلمة من السلاطين أو غيرهم-، فلك الأخذ بالأغلب، لكن -لايكون- الترك -إلا- من الورع المهم".

فهذه أقسام أربعة، بقي قسمان، نقرأ بسم الله:

 

وقال -رضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

  • الخامس: أن يكون مجهولاً عندك لكن ترى عليه علامة الظلم كالقباء والقَلَنْسُوة وهيئة الأتراك والظلمة، فهذه علامة ظاهرة توجب الحذر فلا تأكل من ماله إلا بعد التفتيش.
  • السادس: أن ترى عليه علامة الفسق لا علامة الظلم، كطول الشعر وانقسام شعر الرأس قزعاً، أو رأيته يشتم غيره أو ينظر إلى امرأة ليست له بمحرم؛ فإن علمتَ له مالاً موروثاً أو تجارة.. لم يحرم ماله بذلك، وإن كان أمره مجهولاً عندك.. فهذا فيه نظر؛ لأن علامة الفسق أضعف دلالة من علامة الظلم، ولكن الأظهر عندي أنه لا يحرم ماله لأن ظاهر اليد والإسلام يدل على الملك دلالة أظهر من دلالة هذه العلامة على التحريم، وليست هذه الدلالة أقوى من دلالة النصرانية المجوسية على نجاسة الماء ولم يلتفت إليها رسول الله ﷺ ولا عمر رضي الله عنه. 

أما علامة الظلم.. فتضاهي ما إذا رأينا ظبية تبول في ماء، ثم وجدنا الماء متغيراً، وأمكن أن يكون من طول المكث، وأمكن أن يكون من البول، فإنه يجب اجتنابه؛ إحالةً على السبب الظاهر.

 

ثم وراء هذا كله يجب عليه أن يستفتي قلبه، فإذا وجد في قلبه حزازة.. فليجتنبه؛ فالإثم حَوَاز القلوب وحكاكات الصدور. 

ولكن هاهنا دقيقة يغفل عنها أهل الورع؛ وهي أنه حيث يكون الترك من الورع أو من حزازة في النفس.. فلا يجوز الترك أو السؤال بحيث يؤذي، فالمجهول إذا قدم إليك طعاماً فإن سألته: أنه من أين.. استوحش وتأذى، والإيذاء حرام، وسوء الظن حرام، وإن سألت عنه غيره بحيث يدري.. زاد الإيذاء، وإن سألت بحيث لا يدري.. فقد تجسست وأسأت الظن، وبعض الظن إثم، وتساهلت بالغيبة والتهمة، وكل ذلك حرام، وترك الورع ليس بحرام، فليس لك إلا التلطف بالترك.

فإن لم يكن إلا بالإيذاء.. فعليك أن تأكل؛ فإن طيبة قلب المسلم وصيانته عن الأذى أهم من الورع، فإياك أن تكون من القراء المغرورين الذين لا يدركون دقائق الورع.

واعلم أن رسول الله ﷺ أكل من صدقة بريرة ولم يسأل عن المُتصدِّقِ، وكان ﷺ تُحمَلُ إليه الهدايا فيقبل ولا يسأل.

نعم؛ يسألُ في أَوَّلِ قدومه إلى المدينة عمَّا حُمِلَ إِلَيهِ أَنَّهُ هديَّةٌ أو صدقة؛ لأنَّ ذلك ليس فيه إيذاء، ولأنَّ قرينة الحال كانَتْ تقتضي الإمكانَ في الصَّدقة والهدية على وتيرة واحدة.

وكان ﷺ  يُدعى إلى الضيافات فيجيب ولا يسأل، ولم يُنقَلِ السُّؤال إلا نادراً في محل الريبة.

فإن قلت: فإن وقع طعام حرام في سوق .. فهل أشتري مِنْ ذلك السُّوقِ؟

فأقول: إن تحققت أنَّ الحرام هو الأكثر.. فلا تشترِ منهُ إِلَّا بعد التفتيش، وإن علمتَ أنَّ الحرام كثير وليس بالأكثر.. فلك الشراء، والتفتيش مِنَ الورع، ولقد كان رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم يشترون في أسفارهم مِنَ الأسواق، مع علمهم بأنَّ فيهم أهل الربا والغصب وأهل الغلول في الغنيمة، وكانوا لا يتركون المعاملة معهم.

وهذا الباب يستدعي شرحاً طويلاً، فإن رغبتَ فيه.. فطالع (كتاب الحلال والحرام) من كتب (الإحياء)؛ لتشهد عند مطالعته بأنَّه لم يُصنَّف في فنّه مثله في التحقيق والتحصيل، والإحاطة بجميع التفاصيل".

 

يقول: 

  • "الخامس: أن يكون مجهولاً عندك لكن ترى عليه علامة الظلم".

ولكن تبدو عليه علامة من علامات الظلمة؛ بأن يكونوا في ذاك المكان وذاك الزمان لهم أزياء معروفة يُعرَفون بها، الذين يأخذون أموال الناس ويعتدون عليها ويسطون بغير حق، فترى فيه شيئاً من العلامات التي يُعرف بها في ذاك الوقت وذاك الزمان أن هذا من المتصرفين بالظلم، حينئذ هذه علامة ظاهرة توجب الحذر، فلا ينبغي أن تتناول شيئاً منه إلا بعد التفتيش، ولا تعامله بشيء إلا بعد التفتيش. 

  • "السادس: أن ترى عليه علامة الفسق لا علامة الظلم".

ما ترى عليه علامة الظلم لكن ترى عليه علامة فسق، يعني هناك علامة لا تتعلق بأخذ المال من غير حله، لكنها تتعلق بفسق آخر، بأن تراه يغتاب أو تراه يشتم ويسب غيره، أو ينظر إلى النساء الأجنبيات. فمثل هذا قال: "فإن علمتَ له مالاً موروثاً أو تجارة -صحيحة-.. لم يحرم ماله بذلك -ففسقه عليه لأنه لا يتعلق بنفس المال-، وإن كان أمره مجهولاً عندك.. فهذا فيه نظر؛ لأن علامة الفسق أضعف دلالة -على الحرام- من علامة الظلم".

علامة الظلم إذا ظهرت فهي أوضح وأجلى في الدلالة على أنه ممتلك للحرام، بخلاف علامة الفسق التي لا تتعلق بأخذ حق الغير.

قال: "ولكن الأظهر عندي أنه لا يحرم ماله لأن ظاهر اليد والإسلام يدل على الملك" -وإن كان عليه علامة فسق في شيء من المعاصي والذنوب التي لا علاقة لها بكسب المال- "ظاهر اليد والإسلام يدل على الملك دلالة أظهر من دلالة هذه العلامة -وهو وجود علامة الفسق عليه ودلالتها- على التحريم، وليست هذه الدلالة أقوى من دلالة النصرانية المجوسية على نجاسة الماء ولم يلتفت إليها رسول الله ﷺ ولا عمر رضي الله عنه. كما سمعنا.

"أما علامة الظلم"  لا؛ تختلف.. "فتضاهي ما إذا رأينا ظبية تبول في ماء، ثم وجدنا الماء متغيراً، وأمكن أن يكون" -التغير- "من طول المكث، وأمكن أن يكون من البول، فإنه يجب -عليك- اجتنابه" -لأنك شاهدتَ الظبية تبول فيه، فترجيح أن يكون التغير بسبب البول أولى، فيجب اجتنابه-؛ "إحالةً على السبب الظاهر".

وقال وراء ذلك كله استفتاء القلب كما أشار إليه فيما سبق.

قال: "ولكن هاهنا دقيقة يغفل عنها أهل الورع؛ وهي أنه حيث يكون الترك من الورع أو من حزازة في النفس.."

قال لا بُدّ تتربص لهذا، فبعضهم يريد التورع فيريد لنفسه التورُّع فيؤذي الذي بيده ذلك المال أو قدَم له ذلك الطعام، فتَنَجَّز معصية واضحة، لِما في ظنه أنه يتورع.

قال: "فلا يجوز الترك أو السؤال بحيث يؤذي، فالمجهول إذا قدم إليك طعاماً فإن سألته: أنه من أين.. -وكيف هذا- استوحش وتأذى، والإيذاء حرام، وسوء الظن حرام، وإن سألت عنه غيره بحيث يدري.. -ثم يطلع على ذلك- زاد الإيذاء -أكثر-، وإن سألت -عنه غيره- بحيث لا يدري.. -ففيه شيء من التجسس وإساءة الظن- فقد تجسست وأسأت الظن، وبعض الظن إثم، وتساهلت بالغيبة والتهمة، وكل ذلك حرام، وترك الورع ليس بحرام، فليس لك إلا التلطف بالترك" لا أن تسأل ولا أن يؤدي الترك إلى إيذاء.

قال: "فإن لم يكن إلا بالإيذاء.. فعليك أن تأكل؛ فإن طيبة قلب المسلم وصيانته عن الأذى أهم من الورع" -فخُذ الميزان-، "فإياك أن تكون من القراء المغرورين الذين لا يدركون دقائق الورع".

وانظر إلى سيرة المصطفى محمد ﷺ، أورع الخلق وأطهرهم، أكل من صدقة بريرة؛ بريرة: مملوكة كانت لهم، وقد يُتَصدَّق عليها، ثم تهديه للنبي ﷺ، وهو محرم عليه أكل الصدقة ومباح له أكل الهدية. 

قال: وأول قدومه للمدينة كان إذا قُدِّم إليه شيء يسأل: هل هو صدقة أو هدية؟ لكن قال: لأن هذا ما فيه أذى، ما فيه أذى على المسؤول أن تسأله هذا صدقة أو هدية، ما فيه تهمة له، ما فيه تهمة ولا نسبة له إلى الحرام؛ لكن أن تسأله من أين جئت بهذا؟ من حلال أم حرام؟ هذا فيه أذى وفيه تهمة، أما أن تسأله هل هو بنية الصدقة أم بنية الهدية؟ ما اتهمته بشيء ولا اتهمته بشبهة ولا بحرام؛ فكان يسأل لأنه محرم عليه أكل الصدقة، فإن قيل إنه صدقة أعطاه أصحابه ولم يمس منه شيء، وإن قيل إنه هدية تناول معهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وهكذا جاءوا مرة إلى الغداء وقدموا له خبزًا فقال: إني رأيتكم تطبخون لحمًا، قالوا: إنما هو تُصدق على بريرة؛ قال: بريرة أهْدته لنا؟ قالوا نعم؛ قال: "هو لَها صَدَقَةٌ ولَنا هَدِيَّةٌ"، هو لها صدقة ولكن لمَّا قدمته ما جابته بنية التصدق علينا؛ جاءت به بنية الهدية؛ "هو لَها صَدَقَةٌ ولَنا هَدِيَّةٌ" -صلى الله عليه وعلى ىاله وصحبه وسلم-.

 

قال: "وكان ﷺ  يُدعى إلى الضيافات فيجيب ولا يسأل، ولم يُنقَلِ السُّؤال إلا نادراً في محل الريبة".

"فإن قلت: فإن وقع طعام حرام في سوق"، عرفتَ أن هذا السوق دخلوا له نهب من المكان الفلاني ويبيعونه فيه، وما تدري هو عند ذا أو عند ذا أو فين- .. "فهل أشتري مِنْ ذلك السُّوقِ؟"

"فأقول: إن تحققت أنَّ الحرام هو الأكثر.. فلا تشترِ منهُ إِلَّا بعد التفتيش، وإن علمتَ أنَّ الحرام كثير وليس بالأكثر.. فلك الشراء، والتفتيش -حينئذٍ- مِنَ الورع، ولقد كان رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابه -رضي الله عنهم- يشترون في أسفارهم مِنَ الأسواق، مع علمهم بأنَّ فيهم أهل الربا والغصب وأهل الغلول في الغنيمة، وكانوا لا يتركون المعاملة معهم".

يعني: عامة أهل الأسواق مما لا يعلمون فيه بعينه شيئاً من الشبهة ولا الحرام.

قال: "وفي هذا شرح طويل وقد بيّنه في كتاب (الحلال والحرام) من (إحياء علوم الدين)"، وقد تعجب كثير من العلماء من كتابه الحلال والحرام من الإحياء، وعَدُّوه آية من الآيات، وأنه لم يُؤَلَّف في الإسلام مثله؛ نعم الإحياء على العموم وهذا الكتاب على الخصوص، (كتاب الحلال والحرام) من إحياء علوم الدين.

 

أحيا الله الدين لنا وفينا وبنا، وجعلنا من الهداة المهتدين الذين يحسنون المعاملة مع الإله، ومع خلقه من أجله وقصد وجهه الكريم، ثبتنا على الصراط المستقيم وأجارنا من الخزي والعذاب الأليم، ومن كل مكروه وسوء في الدنيا والآخرة، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. 

ويفرج كروبنا وكروب المسلمين، ورقّانا أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، في لطف وعافية وتمكين مكين. 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة





الأربعين في أصول الدين - 13 | طلب الحلال (2)

 





الأربعين في أصول الدين - 13 | طلب الحلال (2)


Video



الدرس الثالث عشر للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي . القسم الثاني: مواصلة شرح الأصل السابع: طلب الحلال (2)

 ضمن دروس الدورة الصيفية الثانية بمعهد الرحمة بالأردن.

مساء الإثنين 24 صفر 1447هـ

يوضح في الدرس معالمِ طلبِ الحلال ومراتبِ الورع، وآدابِ السؤال والقبول، والتنبيهِ على الحِيَل التي تُسقِط مطالبةَ السلطان ولا تُسقِط سؤالَ الديّان.

 

نص الدرس المكتوب: 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسَندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

 

"الرابعةُ: ورعُ الصِّدِّيقين؛ وهوَ الحذر عن كل ما لا يُراد بتناوله القُوَّةُ على طاعة الله تعالى، أو كان قد تطرق إلى بعض أسبابها معصية.

فمن ذلك: ما حُكِيَ أَنَّ ذا النُّونِ المصري كان محبوساً جائعاً، فبعثت إليه امرأة صالحة مِنْ طَيِّبِ مالها طعاماً على يد السَّجَّانِ، فلم يأكل منه، واعتذر بأنَّهُ جاءَني على طبق ظالم؛ أي: يد السجان.

 

ومن ذلك: أنَّ بِشْراً الحافي كان لا يشرب الماء مِنَ الأنهار التي حفرها السلاطين. 

وأطفأ بعضُهم سراجاً أشعله غلامُهُ مِنْ بيت ظالم.

وشربَ بعضُهم دواء، فأشارَتْ عليه امرأته بالمشي والتَّردُّد، فقال: هذه مشيةٌ لا أعرفُ لها وجهاً، وأنا أحاسب نفسي على جميع حركاتها.

 

وهذه رتبة أقوام وفوا بقوله تعالى: (قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الأنعام:91]، فعَدُّوا كل ما لم يكن لله وحده حراماً، وليس هذا مِنْ عُشِكَ وعُشِ ناصحِكَ، فادرج واجتهد أن تفي بورع العدول الذي يفتي به الفقهاء. نعم؛ ينبغي أن تضيف إليه شيئين:

أحدهما: أن تحذر عن مواقع غرورهم، ولا تلتفت إلى قولهم: "مَنْ وهب في آخرِ السَّنةِ مالَهُ زوجته، واستوهب منها مالها سقطَتِ الزَّكاةُ عنهما"، فإنَّهُم إن عنوا بِهِ أَنَّ السُّلطان لا يطالبهما بالزَّكاةِ؛ لأن مطمح نظره ظاهرُ المُلْكِ.. فهو صدق.

ودرجة الفقهاء وفتواهم ذكر ما يتعلَّق بالظواهر ؛ فيحكمون بالبراءة عن الزَّكاةِ إذا سقط طلب السّاعي، ويحكمون بصحة الصَّلاةِ إذا امتنع القتل على السُّلطان بجريان صورة الصَّلاةِ؛ إذ ليس بأيديهم مِنَ القوانين إلَّا القانون الذي يستعمله السلطان في السياسة؛ لينتظم أمرُ المعيشة الدُّنيويَّةِ، التي هي منزلُ مِنْ منازل الطريق كما سبق .

وأمّا أنت إذا كنت تنظر إلى ما ينفعُكَ غداً عند جبَّارِ الجبابرة وسلطان السلاطين.. فلا تلتفت إلى هذا".

 

-نعم-، يقول عليه رحمة الله، الحمد لله الذي أكرمنا بتذكُّر أحوال أهل الصّدق معه، واستبيان الطّريق لنيل الرّفعة مع من رَفعه. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أنّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، مَيَّزه وأكرمه وأجّله، وعلى الجميع فضّله، صلّى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحبه في كل نفس وحين، وعلى من والاه في الله تعالى واتّبع طريقه وسُبله، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المُقرّبين وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم.

 

ذكر لنا الشّيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى -بدرجات الورع: 

  • وأنّ أوّلُها ورع العدول الذّي لا يخرج به المؤمن عن دائرة العدل إلى الفسق. والفاسق لا تَصُحُّ شهاداته في عقود ولا أحكام. وهو الذّي يُفتي الفقهاء بعدم الحُرْمة فيه، فلا يتناول شيئاً في معاملة، ولا مأكل، ولا مشرب، ولا إجارة، ولا بيع، ولا شراء، ولا غيرها.. يقول الفقهاء والشرع أنّه حرام! فهذا الورع الأول، ورع العدول!
  • وراءه ورع الصّالحين، وهو أن يتَجنَّب ما يكون فيه الاحتمال للحرمة قريباً وظاهراً. فهذا ورع الصّالحين.
  • ووراءهم ورع المتقين: وذلك أنْ يتركوا كُلّ ما يتطرَّق إليه الاحتمال، قريباً كان أو بعيداً، ظاهراً أو خفياً. وقالوا في الحديث: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذراً مِمَّا به بأس". وقال سيدنا عمر -رضي الله عنه-: كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام.
  • ويذكر لنا وراء هذا كلّه ورع الصّدّيقين: أعالي الأمّة، وأفاضِلهم بعد الأنبياء والصحابة، هم الصدّيقون. 

قال: "وهوَ الحذر عن كل ما لا يُراد بتناوله القُوَّةُ على طاعة الله تعالى، أو كان قد تطرق إلى بعض أسبابها معصية"، ولو من بعيد، ما لها دخل في نفس حل ذلك المطعوم، أو المشروب، أو الملبوس.

 

فذكر لنا من ذلك، وكان ُيذكر عن سيدنا أبي بكر الصّدّيق -عليه رضوان الله- أنّه جاءه غلامه يوماً ومعه من.. عمله، كان يتركه يعمل ويأتيه بنصف الأجرة. فكان من عادته يسأله: من أين؟ عند من اشتغلت؟ ومن أين حتى يطمئن إلى حِلّه. وصادف يوم جاءه بشيء من الطعام، وكان صادف جائعاً سيدنا أبو بكر فتناوله. فقال: ما لك لم تسألني اليوم؟ قال: من أين جئت به؟ قال: مررت على قوم كنت أيّام الجاهلية تكهّنت لهم -صلحت نفسي كاهناً- واليوم مريت عليهم، عندهم زواج، فعرفوني فأعطوني. فهذا ناس عندهم زواج، أي أحد يمر بهم يعطونه، الناس في وقت إكرام. لكن لمّا قال سيّدنا أبو بكر: عرفوني من أيّام كنت متكهناً لهم وقت الجاهلية، قال: تطرّقت إليها شبهة، ما عرفوك إلا من طريق الكهانة. فين هذا؟ الطّعام ما فيه أيّ شبهة، ولكن فشوّش على سيّدنا أبو بكر لما قال، فأدخل إصبعه في فمه يتقيأ ما أكل، حتّى كان يتهوّع، وجاء الجيران قالوا: ما بال خليفة رسول الله ﷺ؟ ماذا حصل؟ فقال: طعام لامس معي لا أهدأ حتّى أخرِجه، لأنّه من شُبهة. رجعوا قالوا له استعن، اشرب من فوقه ماء وهكذا وحاول حتى خرج؛ لما خرج، جلس يستغفر الله للآثار التي تبقى بعد ما يتقيأ. قالوا: كدت تهلك نفسك يا خليفة رسول الله ﷺ! قال: لو لم يخرج إلا بخروج روحي لأخْرَجته، بعدما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كلّ لحم نبت من سُحت فالنّار أولى به"، هذا ورع الصّدّيقين!

 

ويقول ذو النّون المصري، كان سجنه بعض الظلمة، "فبعثت له امرأة صالحة -بعض الطّعام من عندها- مِنْ طَيِّبِ مالها" الحلال. فلمّا وصل إليه، كان حمله السجَّان، حمل الطبق ودخله عنده. قال: "ارجعوا لها!". ورجعوا لها، قالت: "ما لك يا ذا النّون؟ أرسلت إليك من خالص مالي الحلال!" قال: "قد علمت ذلك، ولا أشكُّ في مالك حلال، لكنّه وصلني "على طبق ظالم". كيف على طبق ظالم؟ قال: يد، حملته "يد السجّان"."، السُّجّان يظلمون النّاس بغير حق، ويحبسون النّاس بغير حق، وتمتد أيديهم على النّاس وعلى حقوق النّاس، فلو كان بنفسك وصلتيه أو وصله أحد ممّن لا يُعرف بجور ولا ظُلم، لأقبله وآكله.

شفت هذا الورع العجيب! سيدنا ذو النّون المصري -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-.

قال: وبشّر الحافي يتجنّب الشُّرب من الأنهار التّي حفرها السَّلاطين، خشية أن يكونوا حفروها بأموال نهبوها من النّاس، أو أخذوا شيئاً من طُرق من أراضي النّاس، فأدخلوها في النّهر. 

قال: وبعضهم جابوا له بسراج، قالوا: "من أين أشعَلتم السراج هذا؟ أوقدُّتم النّار فيه؟" قالوا: "من عند آل فلان". قال: "هاه! هذا بيت الظّالم، طفوه!". السراج حقه، لكن بس الضوء جابه من بيت ظالم، قال: "ما أريده". -لا إله إلا الله-.

وهكذا، كان بعض الصّالحين عندنا يمشي من السّوق محمل له خضرة يريدها لغَدائهم وكذا، فلقيه بعض النّاس قال: هات بحمل لك وأسَاعدك، أعطاه إيّاه، وصَلوا إلى البيت، قال: جزاك الله خير. راح. قالوا له: عرفت من الذّي جاء حمل معك الحاجة هذه؟ قال: لا، قالوا: هذا واحد من جنود السلطان". قال: هاه! شلوا الخضرة تصدقوا بها وخلوا اليوم غداءنا بلا خضرة ما يحتاج. وخرجها، قال: حملها ظالم أو من يتّصل بالظّلمة، فهذا ورع الصّدّيقين -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.

وهكذا، حضر بعضهم وفاة بعض الأشخاص، فلمّا فاضت روحه قال: أطفئوا السراج. قالوا: ما لك؟ هاتوا لنا سراج من خارج، لماذا؟ قال: هذا السِّراج خرج من ملك الرجل لما فاضت روحه، والآن مُلك الورثة، والورثة فيهم أطفال، فيهم حجر، محجور عليهم، كيف نأخذ حقُّهم هذا؟ هاتوا لنا سراج ثاني من الخارج نستضيء به، وأما هذا قد صار ملك لغيره الآن، والورثة فيهم محاجير، من أين نستحل حقُّهم؟.

يقول: "شرِب بعضهم دواء.." قالت له زوجته: عليك تمشي، وتتردد هكذا، لكي يتحرك فيك الدواء و ينفع". "قال: هذه المشية ما أعلم لها وجهًا" كذا أتقرب به إلى الله، ما عندي نية حاضرة فيها، إيش هو هذا؟ "أنا أحاسب نفسي على جميع حركاتي"، شيئ بنية بقوم، ما شي بنية أجلس، كم أتحرك كذا من دون غرض صحيح؟" وهكذا.

وكان بعض أخيار أهل التربية والصّلاح مع أهله وأولاده، فإذا بصوت في الشّارع فقام ولد صغير وأشرف، قال: تعَال يا ولَد، لماذا قمت؟ والخطوات التي خَطويتها، خطوتها بأي نية؟ وليش لماذا تشرّفت على هذا؟ عندك فضول أو لك نية صالحة؟، وقعد يحاسبه على نيته، في كيف قام وأشرف من النافذة، هل له نية صالحة ولا هكذا؟

فهؤلاء أهل الصّدّيقيّة 

قال: "وهذه رتبة أقوام وفوا بقوله تعالى: (قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ)"،  كل ما لا يقصد به وجه الله ولا يراد ولا يتقرّب به إلى الله، لعب معهم حولهم، ما يلعبون حوله، بس كلهم جد. ما يعملون، ولا يقولون، ولا يفعلون، ولا ينظرون، إلا قربة إلى الله، ومحبة لله وعبودية له -سبحانه وتعالى-.

 

قال: "فعَدُّوا كل ما لم يكن لله وحده حراماً، وليس هذا مِنْ عُشِكَ وعُشِ ناصحِكَ" أنا اللي أنصحك وأنت يا مخاطب هذا ما هو، مقامنا! ولا درجتنا!، ليس من عشك. واجتهد أن تفي بورع العدول -فقط- الدرجة الأولى، لا تتناول شيء يفتي الفقه فيه بحرمة.

 

قال: -نعم-، أضف إليه شيئين، "ينبغي أن يضيف إليه شيئين. الأول: تحذر عن مواقع الغرور الظاهرة وإن أفتى بها الفقهاء". كيف؟ قال: يقولون من كان عنده مال وجبت فيه الزّكاة، وزوجته كذلك، وبعدين آخر السنة قبل ما يحُول الحول، وهب ماله لزوجته، وزوجته وهبت مالها له، سقطت الزّكاة. وبعدين كل واحد يرجّع للثاني حقّه. قال: لا تصدقون في مثل هذا، لا تمشي مع هذا، هذا غرور واضح. تحيل على أمر الدين والشرع، ما ينفعك فتواهم، ولا تنفع مثل هذا، هذا يسمونه من الفقه الضّار!.

قال: فقول الفقهاء "سقطت الزكاة عنهما، فإنهم إن عنوا بِهِ أنَّ السلطان -في الدنيا- لا يُطالبهما بالزكاة؛ لأن مطمح نظره ظاهرُ الملك.. فهو صدق"، أما إن أرادوا أنه ما بيعذبون في الآخرة، من أين يجيبوا هذا الكلام؟ هؤلاء قوم تحيلوا على أمر الله تعالى وتهرّبوا من فريضة الله. 

قال: "ودرجة الفقهاء وفتواهم ذكر ما يتعلق بالظواهر، فيحكمون بالبراءة عن الزكاة إذا سقط طلب الساعي، ويحكمون بصحة الصلاة إذا امتنع القتل على السلطان بجريان صورة الصلاة، إذ ليس بأيديهم من القوانين إلا القانون الذي يستعمله السلطان في السياسة، -أي: في ترتيب الأمور- لينتظم أمر المعيشة الدنيوية التي هي منزل من منازل الطريق كما سبق. 

"وأمّا أنت إذا كنت تنظر إلى ما ينفعُكَ غداً عند جبَّارِ الجبابرة وسلطان السلاطين فلا تلتفت إلى مثل هذا". -هذا واحد-. يبين قال الله لماذا فرض علينا الزكاة؟ حتى تَعْلم أنّ هذا التّصرف ينجي ولا ما ينجي عند الله تعالى؟

 

وقال -رضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"واعلم: أنَّ مقصود الزَّكاةِ إزالة رذيلة البخل؛ فَإِنَّهُ مُهْلِك. 

كما قال رسولُ اللهِ ﷺ: "ثَلَاتٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌ مُطَاعٌ، وَهَوى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ.." الحديثَ.

وهِبَةُ مالِ الزَّكَاةِ لأجلِ دَرْءِ الزَّكَاةِ تجعلُ الشُّحَّ مُطاعاً؛ فَإِنَّهُ يصير مطاعاً بإجابته إلى ما يقتضيه، وقبل هذا لم يكن مطاعاً، فكيف يكون ذلك منجياً؟!

وكذلك مَنْ يسيء معاشرة زوجتِهِ حَتَّى تُبرِئَهُ عن المهر.. فلا يَحِلُّ له المهر بينه وبين الله عزَّ وجل وإن كان الفقيه يفتي بسقوط المهر وصحة الإبراء؛ لأنَّ الله تعالى قال: (فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) [النساء:4]، وليس هذا طيبةَ النَّفْس، بل طيبة القلب، والفقيه لا يُميّز بين الأمرين؛ لأنَّ شغفه بقطع الخصومات الظاهرة لا غير.

والحجامة وشرب الدواء البشع لا تطيب بهِ النَّفْسُ، بل يطيب به القلب، وكذلك كلُّ ما يأباه الطَّبع، ويريده العقل لمصلحة البدن في العاقبة، وهذا باب طويل، وأَصلُهُ: أَلَّا تَستحِلَّ مَالَ غيرِكَ إلَّا برضاً مُطلَق صافٍ". 

 

 

يقول -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-: "واعلم: أنَّ مقصود الزَّكاةِ إزالة رذيلة البخل" عن قلبك؛ لهذا فرض الله الزكاة لنوقى شحّ أنفسنا. 

كما قال: "ثلاث مهلكات: شحٌّ مُطاع" شُحٌّ يُتَّبع ويُنفّذ، ولا يعالج لإزالته وتبديله بالسّخاء، "وهوى مُتَّبع، وإعجاب المرء بنفسه"، فالواحِدة منها مُهلكة، فكيف إذا اجتمعت الثلاث؟

قال: وهذا يَهب ماله للزَّكاة لِكي يتخلّص من الزّكاة في آخرها "تجعل الشُّح مطاع"، عنده شح مطاع، وهو مُهلك -لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم- "فَإِنَّهُ يصير مطاعاً بإجابته إلى ما يقتضيه؟ وقبل هذا لم يكن مطاعاً"، لو عنْده شُح وأخرج الزّكاة، تخلّص من الشُّح، لكن الآن صار شُحًا مُطاعًا، لبّى إجابته ودعوته، فَبدل ما يتَعالج من الشُّح قوّى الشح وزاد وصار الشح مطاعًا عنده، كيف تحصل النجاة بهذا؟ قال: "وقبل هذا لم يكن مطاعاً، فكيف يكون ذلك منجياً؟!" من ماذا ينجيه؟ ما ينفعه هذا الكلام عند الله تبارك وتعالى. السلطان نعم ما بيقول له هات الزّكاة، لأنه خرج عن ملكه في ظاهر الشّرح.

 

قال: "وكذلك مَنْ يسيء معاشرة زوجتِهِ" يؤذيها حتّى تسامحه في المهر الذّي لها، تقول: خلاص، خذه وإلّا طلقني و خل المهر لك، خلعته عليه. -لا إله إلا الله-، فالفقَهاء… يقولون لك إذا قالت خلاص سامحتك في المهر، الفقهاء يقولون لك حلال. قال: لكن بينك وبين الله ما تقرأ في القرآن؟!: (فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) وأين طيبة النّفس هنا؟ نكَّدت عليها وآذيتها حتّى قالت: "خُذ". أسباب مُكرهة ماهي طيبة النَّفس، من أين يحل لك؟ بينك وبين الله بتلقى الحساب قدام. أما الآن ما حد بيطالبك في الدنيا سواء، حكَّام الدنيا والسلاطين ما يطالبونك، لكن شوف الحكم كيف يكون في الآخرة. 

ولهذا قال: "فلا يَحِلُّ له المهر بينه وبين الله عزَّ وجل وإن كان الفقيه يفتي بسقوط المهر وصحة الإبراء؛ لأنَّ الله تعالى قال: (فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) [النساء:4]، وليس هذا طيبةَ النَّفْس، بل طيبة القلب"، كيف يعني؟ عقلها وقلبها قال لها: خلّي هذا له، تخلّصي من شرّه وأذاه وروحي، ففدَت تعبها ونفسها بالمال هذا، أحسن ولا تتعب وتؤْذى، وأعطته لا عن طيبة نفس، "والفقيه لا يُميّز بين الأمرين لأنّ شغفه بقطع الخصومات الظاهرة لا غير". 

"والحجامة وشرب الدواء البشع لا تطيب بهِ النَّفْسُ، بل يطيب به القلب، وكذلك كلُّ ما يأباه الطَّبع، ويريده العقل لمصلحة البدن في العاقبة، وهذا باب طويل، وأَصلُهُ: أَلَّا تَستحِلَّ مَالَ غيرِكَ إلَّا برضاً مُطلَق صافٍ". 

قال: "والحِجامة وشرب الدَّواء البشع لا تطيب به النفس، بل يطيب به القلب"، العقل يرضى به لأنّ فيه فائدة، يعلم أن فيه فائدة فيتحمّل، مثل العمليات اللّي يجرونها، هل برغبة النفس؟ النفس ما أرادت حد يقطعها وإلا، لكن من أجل الضرورة يفهم أن فيه فائدة له، فعقله الذي يرضا بها وقلبه الذي يرضى بها، أمّا النّفس لا؛ لكن يُغلّب العقل والقلب على النَّفس؛ "وكذلك كلُّ ما يأباه الطَّبع، ويريده العقل لمصلحة البدن في العاقبة، وهذا باب طويل، وأَصلُهُ: أَلَّا تَستحِلَّ مَالَ غيرِكَ إلَّا برضاً مُطلَق صافٍ"، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ) ]النساء:29] ويقول ﷺ: "إنّما البيع عن تراض".

 

وقال -رضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"وينبغي أن لا تأكل من السؤال فإن سألت أحدا فاحذر أن تسأل على الملأ، فربَّما تُعطى بالحياء، وذلك ليس مقروناً بالرضا؛ فإنَّ المستحيي يُؤْثِرُ ألم إزالة المُلْكِ على ألم الحياء، ولا فرق بين أن تأخذ ماله بضرب ظاهرِهِ بالسوط، وبين أن تأخذه بضرب باطنه بسوط الحياء، فالكل مصادرةٌ. 

واحذر أيضاً أن يُعطِيكَ بالدِّينِ؛ وذلك بأن يُعطِيكَ لظنِّهِ أَنَّكَ ورع تقي، فتأكل بالدِّينِ؛، ويكونُ مِنْ شرط حِلِّهِ: أَلَّا يكون في باطنك ما لو اطلع عليه المعطي.. لامتنع مِنَ الإعطاء؛ فلا فرق بينَ مَنْ يأخذ بالتصوُّفِ والتَّقوى وهو ليس متصفاً به باطناً، وبين مَنْ يزعم أَنَّهُ عَلَويٌّ ليُعطَى وهو كاذب، فكلُّ ذلك حرام عند ذوي البصائر، وإن أفتى الفقيه بالحل بناءً على الظاهر".

 

قال: ينبغي:

  • ألا تعلق نفسك بسؤال الناس، ولا تأكل من مسألة الناس، وذلك هو الأولى والأليق بالمؤمن في غالب الأحوال.
  • إنما عند الاضطرار فالمسألة على وجهها قد تباح وقد تندب وقد تجب.
  • ولكن من خاف الهلاك وسأل مقدار الحاجة ولا يملك شيئاً، وهذا نادر يكون؛ فإن المسألة من غير الله تبارك وتعالى نقص، وشرف المؤمن أن يسأل ربه.

 

لا تسألن بني آدم حاجةً *** وَسَلْ الذي أبوابه لا تحجبُ

الله يغضب إن تركت سؤاله *** وبني آدم حين يُسأل يغضبُ

 

قال: "لا ينبغي أن يأكل من السؤال، فإن سألت أحداً، فاحذر أن تسأل على الملأ"، إذا اضطريت واحتجت لشيء من المسائل، فلا تسأله أمام الناس، يستحي من اللي قدامه ويعطيك حياءً؛ فإن المأخوذ بوجه الحياء كالمأخوذ بالسيف، يعني: بالقوة أخذته. لو كان وحده كلمته بيقول لك مافي، يعتذر لك. لكن قدام أحد يستحي منه أو قدام ناس، فقال: تفضل، خذ، أعطاك وهو ما نفسه يعطيك. فهذا الأخذ بوجه الحياء.

والسؤال باسم الفقر لا يجوز إلا لمن لم يجد قوت يومه وليلته؛ خاف على نفسه الضرر والهلاك، ولا يملك شيئاً. وما عنده قوت يومه وليلته، فبِاسم الفقر يمكن يسأل. 

قال: "فإن المسْتحيي يؤثر ألم إزالة الملك على ما يعطيك على ألم الحياء -من الناس- ولا فرق بين أن تأخذ ماله بضرب ظهره بالسوط أو بضرب باطنه بالحياء، بصوت الحياء"، -كلها ضرب؛ هذا وهذا، هذا حسي وهذا معنوي- "فالكل مصادرة"، هذا وهذا مصادرة مال بغير حق، فلا تأخذ إلا ما كان عن طيب نفس.

"واحذر أيضاً أن يُعطِيكَ بالدِّينِ"؛ يعني لظنه أنك ورع تقي صالح، صار يعطيك. فتكون ممن يأكل بالدين، من شرار الخلق هؤلاء. ويكون من شرط حِلِّه "أَلَّا يكون في باطنك ما لو اطلع عليه المعطي.. لامتنع مِنَ الإعطاء" فإذا كان هكذا، يظنك ورع وأعطاك، وأنت ما أنت ورع، فما يحل لك أخذه، وهكذا.

جاء بعضهم بعطية للحبيب عبد الرحمن المشهور، كان مفتي حضرموت في وقته، قال: لماذا تعطيني هذه؟ إن كنت تتوقع أني عالم، فما أنا متحقق بالعلم، أو تظن أني ولي، فما أنا ولي.. لا تغالط نفسك ولا تعطيني! قال: أنا أعطيك إياه لأنك عبد الرحمن بن محمد المشهور من آل البيت! سيقول لا؟.. ما من وجه يقول لا… وكان ذكي هذا المعطي فقال: لا لأجل علم ولا… فقط لأنك أنت فلان!.. فسكت ورجع وأخذه.

قال: من أخذ بِوصف والوصف ليس فيه فهو كذاب، يأخذ. قال: "وليس فرق بين هذا وبين من يدعي نسب، يقول أنا علوي"، يعني ينتسب لسيدنا علي بن أبي طالب، فيجد في كثير من المؤمنين رقة ورأفة ومحل لإبراز المودة لقرباه ﷺ، فيعطيه على اعتقاد أنه من ذرية علي. فإذا كان هو كذاب في ذلك فما يأخذه حرام؛ كذلك يعطيه على العلم وهو ما هو عالم؛ يعطيه على أنه ورع ما هو ورع؛ يعطيه على أنه قوام بالليل ما هو قوام؛ يعطيه بشيء من الأوصاف ليست فيه، وليس فيه هذا الوصف.

قال: "فلا فرق بينَ مَنْ يأخذ بالتصوُّفِ والتَّقوى وهو ليس متصفاً به باطناً، وبين مَنْ يزعم أَنَّهُ عَلَويٌّ ليُعطَى وهو كاذب، فكلُّ ذلك حرام عند ذوي البصائر، وإن أفتى الفقيه بالحل بناءً على الظاهر".

الأصل في العلوي من ينسب إلى علي، واشتهر بين الأمة في من ينسب لسيدنا علي بن أبي طالب. ثم جاءت بعض التخصيصات، منها التخصيص عندنا واحد من ذرية سيدنا علي اسمه علوي بن عبيد الله بن المهاجر أحمد بن عيسى، فسموا ذريته آل علوي، وآل باعَلوى، والعلويين. ومنها تخصيص آخر جاء لفِرقة ضالة من غلاة الشيعة، نصيريَّة، تسموا باسم العلويين، يقولون إنهم علويون، وهذا اصطلاح لهم خاص. وإلا الأصل في العلوي نسبة إلى علي، والمشهور بين الأمة علي بن أبي طالب. فالمُنتسب إليه يقال له علوي. 

 

لا إله إلا الله، أصلح الله أمور المسلمين، صرف الله شر المؤذين، آمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة





الأربعين في أصول الدين - 12 | تكملة: ذكر الله، وطلب الحلال (1)

 





الأربعين في أصول الدين - 12 | تكملة: ذكر الله، وطلب الحلال (1)


Video



الدرس الثاني عشر للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي . القسم الثاني: مواصلة شرح الأصل السادس: ذكر الله - (3) - الأصل السابع: طلب الحلال (1)

 ضمن دروس الدورة الصيفية الثانية بمعهد الرحمة بالأردن.

ظهر الإثنين 24 صفر 1447هـ

كيف ينكشفُ سرُّ الذِّكر حين يُعظَّم المُتكلِّم، مع بيان معاني: "سُبحانَ الله، الحمدُ لله، لا إلهَ إلا الله، اللهُ أكبر. ثم يفتتح الأصل الثامن "طلبُ الحلال" ويبين كيف يُصفّي القلبَ ويُنوِّره، ويشرح ميزان الورع في أربع درجات، مع أمثلة عملية من سِيَر السَّلف.

 

نص الدرس المكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتّصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين 

من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

 

"وما عداها من الصّفات التي تدل على القدرة والعلم والإرادة والكلام والسمع والبصر.. فذلك ممّا يظن أنّهُ الثّابت منها لله عز وجل مفهموم ظواهرها، وهيهات!! فإنّ المفهوم من ظواهرها أمورٌ تُناسِب صِفات الإنسان وكلامُه وقُدرتُه وعِلمُه وإرادته وسمعُه وبصره، بل لها حقائِق يستحيل ثُبوتها للإنسان،  فتُستَخرج هذه الأسامي بنوع من التأويل. 

 

فهذا يُنبِّهك على ما يحتمِلُه فَهمُك من اختصاص هذه الكلمات بكونِها أعظم. 

 

ويقرُب منه قولك: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" لأن "سبحان الله" للتَّقديس، وهو حقيقيٌّ في حقِّهِ؛ فإن القُدُسَ الحقيقي لا يُتَصوَّر إلا لله تعالى.

 

وقولُك: "الحمد لله" يُشعِر بإضافةِ النِّعمِ كلِّها إليه، وهو حقيقيٌّ؛ إذ هو المُتفرِّدُ بالأفعالِ كلِّها تفرُّداً حقيقيّاً بلا تأويلٍ، وهو تباركَ وتعالى المُستوجِبُ للحمد وحدَهُ؛ إذ لا شِرْكةَ لأحدٍ معَهُ في فعلِهِ أصلاً وألبتةَ، كما لا شِرْكةَ للقلمِ مع الكاتبِ في استحقاقِ المَحمَدةِ عندَ حُسْنِ الخطِّ.

 

واعلمْ: أنَّ كلَّ مَنْ سواهُ ممَّنْ ترى منهُ نعمةً.. فهو مُسخَّرٌ لهُ كالقلمِ، فهذا مثالٌ ينبِّهُكَ على تفرُّدِهِ باستحقاقِ الحمدِ.

 

وقولُك: "لا إلهَ إلَّا اللهُ" فقد عرفتَ أنَّهُ التَّوحيدُ الحقيقيُّ.

 

وقولك: "الله أكبرُ" فليسَ المعنيُّ بهِ أنَّه أكبرُ مِنْ غيرِهِ؛ إذ ليسَ معَهُ سبحانَهُ غيرُهُ حتى يُقالَ: إنَّهُ أكبرُ منهُ، بل كلُّ ما سواهُ فهو نورٌ من أنوارِ قدرتِهِ، وليسَ لنورِ الشَّمسِ مع الشَّمسِ رتبةُ المعيَّةِ حتى يُقالَ: إنَّها أكبرُ منهُ، بل رتبةُ التَّبعيَّةِ.

 

بل معناهُ: أنَّه أكبرُ مِنْ أن يُنالَ بالحواسِّ، ويُدرَكَ جلالُه بالعقلِ والقياسِ، بل أكبرُ مِن أن يُدرِكَ كُنْهَ جلالِهِ غيرُهُ، بل أكبرُ مِن أن يعرفَهُ غيرُهُ؛ فإنَّهُ لا يعرفُ اللهَ إلا اللهُ؛ فإنَّ منتهى معرفةِ عبادِهِ: أن يعرفوا أنَّه يستحيلُ منهُم معرفتُهُ الحقيقيَّةُ، ولا يعرفُ ذلك أيضاً بِكمالِهِ إلا نبيٌّ أو صدّيقٌ.

 

أما النَّبيُّ.. فيُعبِّرُ عنه فيقولُ: " لا أُحْصِي ثَنَاءً عليك، أنتَ كَما أثْنَيتَ على نَفسِكَ". 

 

وأمّا الصّدِّيق.. فيقول: العجزُ عن دَرَكِ الإدراكِ إدراكٌ.

 

فإن تَشوَّفتَ إلى زيادةِ تحقيقٍ في هذا المعنى، واستنكرتَ قولي "لا يعرفُ اللهَ إلَّا اللهُ".. فاطلبْ معرفةَ حقيقتِهِ بالبرهان من كتابِ (المقصدِ الأسنى في شرحِ معاني أسماءِ اللهِ الحسنى).

 

ويكفيك الآن هذا القدْرُ مِنَ الرُّموزِ إلى أسرارِ الذِّكرِ وأفضلِ الأذكارِ منها."

 

وبعد.. 

ما شاء الله.. الحمد لله الذي يذكرُ من ذكَرَه، ويشكرُ من شَكَره ويبسُطُ بساطَ إِحسانِه لأهلِ الوُجهَة إليه، لا إله إلا هو وحدهُ لا شريكَ له، شهادةَ مُتَذلِّلٍ بين يديه. ونشهد أنّ سيدنا ونبيِّنا وقُرَّةِ أعيُنِنا محمّداً عبدُهُ ورسولُه وأكرمُ الخَلقِ عليه. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على أوسع الخَلائق وَجاهةً لديك سيّدنا محمد وعلى آله وصحبِه ومن سارَ في دَربَِه، وعلى آبائِه وإِخوانِه من أنبيائك ورسِلُك وآلهم وصحبِهم وتابِعيهم، وعلى ملائكتِكَ المُقرَّبين وجميع عبادِك الصّالحين وعلينا معهم وفيهم برَحمتك يا أرحم الراحمين.

ويذكُر الشيخ -عليه رحمةُ الله تبارك وتعالى- مَعنى الفَضل في الأذكار بعضها على بعض، وأن ذلك في حقِّ السَّائِرِ والسَّالِك، وأنَّهُ في حالةِ الاستغراق في شُهُود الله تعالى، فكلُّها ذِكرٌ بالجَمْعِيّة بكُل المعاني لا يفضُلُ شيءٌ منها على شيء؛ ولكن بحقِّ هؤلاء السّائرين، ذَكرَ من أسماء الله -تبارك وتعالى- وصفاتِه:

  • ما يرجِعُ إلى ما هو حقيقة في حقِّه، وإذا وُصِفَ به العباد فهو من المَجازِ ومن المَُؤوّل. 
  • ومنها ما هو حقيقة في حقِّ العباد، فإذا نُسِب إلى الحقِّ كان بمَعنىً من التَّأويل والذي يليق بجلالِه وعظمَتِه -سبحانه وتعالى-.
  • ومنها ما أشارَ إليه بقولِه: "الصّفات التي تدل على القدرة والعلم والإرادة والكلام والسمع والبصر.."، فكُلُّ هذه يتبادر أحياناً إلى الذِّهن أنّه ما هو مَوهوبٌ للناس من سمْعٍ وبصرٍ وقُدرَة وإرادة وعِلم، والأمر أي إذا نُسِبَ إلى الحقِّ غَير ذلك أصلاً.

 

"فذلك ممّا يُظَنُّ أن الثَّابِت منها لله -عز وجل- مفهوم ظواهرها وهيهات! فإن المفهوم من ظواهِرها أمور تُناسب صِفات الإنسان والمخلوقات وكلامُهم وقدرتُهم؛ بل لها حقائقُ يستحيل ثبوتها للإنسان"؛ حقائق السمع والبصر والعلم والقُدرة؛ حقائِقها يَستحيل ثبوتها للإنسان، إنما مع الإنسان قِشَّة من معناها في عالم مَحصورٍ مَقصور، أُمِدَّ فيه بهذا النُّور من السَّمع والبصر والقُدرة والإرادة والعلم والكلام، فليست إلا مُجرَّد إشارة ودلالة.

وأمّا حقيقة ذلك بكل معاني فللّه -سُبحانه وتعالى وحده-، فهو السميع، البصير، المُتكلِّم، العليم، القادر، الذّي بيده ملكوت كل شيء. بل لها حقائق للسّمع وللْبصر ولهذا يستحيل ثبوتُها للإنسان، ما يقدِر عليها أصلاً ولا يصلُ إليها. فالبصر هذا، الأزليَّ القديم، الذي يُحيط بكُلِّ شيء، هو الذي مُرادُه إذا نُسِبَ البصر إلى الحقِّ -تبارك وتعالى- ووُصِف بالبصير، وكذلك بقيَّة الصِّفات. 

يقول: "هذا يُنبِّهُك على ما يحتمِلُه فهمُك من اختصاصِ هذه الكلمات بِكَونِها أعظمُ من بعضها"، وختَمَ بذِكر الباقيات الصّالحات، وفي الحديث: "أَحَبُّ الكَلامِ إلى اللهِ أرْبَعٌ: سُبْحانَ اللهِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ". فهي من أعظم ما يُذكَرُ الحقُّ -سبحانه وتعالى- به. 

وذكر من أسرارِها أنَّ قولَك "سبحان الله، للتقديس". التقديس والتّنزيه هذا له سبحانه حقيقة، "فإن القُدُس الحقيقي لا يُتصوَّر إلا له سبحانه وتعالى" لأنَّهُ اللّازم الذّي يُوصَفُ به غيرَهُ من النَّقائِص من أوَّلهم إلى آخرِهم، حتى أربابَ الكمال فيهم سَبقُ العَدَم، والعَدَم نَقيصَة، وهذا ثابت للوجود كلّه. إذًا القُدْسُ الكامِل بكُلِّ معنى ما يكونُ إلا له وحده -سبحانه وتعالى-، وهو حقيقيٌّ في حقِّه تعالى، "فإنَّ القُدْسَ الحقيقيّ لا يُتَصوَّر إلا له تعالى"، إلى غير ذلك مما يَعتريهم من النقائص غير كونهم سبقَ لهم العَدم، يعتريهم أنواع من النقائص، وقد يكون في هذا ما ليس في هذا. 

وأبعَدُهم بعد ذلك عن النَّقائِص المَنسُوبة إلى الآدميّين والمخلوقين عبدُ الله ورسولِه محمدٌ صلى الله وسلم عليه وعلى آله ، فلَهُ من الطُّهر والنَّقاء والتَّقدِيس ما ليس لغيره من المُكمَّلين، ومن المُقرَّبين، ومن المُطهَّرين، عليهم صلواتُ الله وتسليماتُه. وهؤلاء أبعد الناس عن النَّقائص ساداتَنا الأنبياءُ والمُرسلون صلوات الله تعالى عليهم، النَّقائص التي تلحق بالخلائق. أما النَّقص العام حيث كونَهُم مخلوقون وأصلُهم عدم، فهذا لازِمٌ لِكلّ كائِن ولكلِّ مخلوق كائناً مَن كان في العالم العُلوِيّ والعالم السُّفلي. "كان اللهُ ولم يكن شيءٌ غيره"، "كان الله ولم يكن شيء معَه".

 

ثم بعد ذلك ذكر "الحمد لله"، قال: "يُشعِر بإضافةِ النِّعمِ كلِّها إليه، -وهو حقيقيّ- إذ هو المُتفرِّدُ بالأفعالِ كلِّها تفرُّداً حقيقيّاً"، فما يجري من العباد من إحسانِ بعضِهم لبَعض وإنعام بعضهم على بعض إنّما هو مَجازِيٌّ مُؤوَّل تحت قُدرةِ القادِر، وتَقديرِ المُقدِّر -سبحانه-، وتوفيق المُوفِّق -جلَّ جلالُه-: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) [الأحزاب:37]، فالإنعام بالاستقلال من جميع الوجوه لله وحده -سبحانه وتعالى-. والذّي وُصِفَ بأنَّه أنعَمَ على غيره فهي بصورة توفيق الحق -تعالى- له وإعطائِه النّعمة وإجرائِها على يده إلى الغَير، فهي بهذا المعنى تصِحُّ نسبتها، فهي إذًا مقيّدة؛ أمَّا الإضافة الحقيقيَّة المُطلَقة للنِّعَم فهي إليه (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل:53]. اللهم ما أمْسى بنا من نِعمة أو بأحدٍ من خَلقِك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشُّكر على ذلك.

 

"وهو تباركَ وتعالى المُستوجِبُ للحمد وحدَهُ إذ لا شِرْكةَ لأحدٍ معَهُ في فعلِهِ أصلاً وألبتةَ"، يقول: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [فاطر:3]. "كما لا شِرْكةَ للقلمِ مع الكاتبِ في استحقاقِ المَحمَدةِ عندَ حُسْنِ الخطِّ"، فإذا كتب الكاتب خطّاً جميلاً حسناً يقول واحد: ما شاء الله، ماهذا القلم يا أخي؟ جزاك الله خير يا قلم، أحسنت يا قلم. لا محمدةَ للقلم! الكلام عند الكاتِب. القلم جَمَاد محلُّه لا يتحرَّك ولا يعرِف ما يكتب؛ لكن الكاتب بتَفكِيره وإدارتِه للقلم بيده بين أصابعه، كوَّنَ الخُطوطَ الحسنة الجميلة. وكذلك إنعام الخلائق على بعضهم البعض وإحسانهم، فالمُنعِم الذي فوق هو الذّي أنعم، فما لهم إلا التَّبعِيَّة له -سبحانه وتعالى-، وهو صاحبُ الإنعام الحقيقيّ. وهكذا.. 

يقول: "واعلمْ: أنَّ كُلَّ مَنْ سِواهُ ممَّنْ ترى منهُ نعمةً.. فهو مُسخَّرٌ لهُ كالقلمِ، فهذا مثالٌ ينبِّهُكَ على تفرُّدِهِ باستحقاقِ الحمدِ"، هذا الذي أسدى إليك معروفاً، قلمٌ كتب هذا الحُسن بالكاتِب، والذي كتب ما هو هو نفسُه، (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:29] -جلَّ جلاله-.

 

وقولُك "لا إلهَ إلَّا اللهُ" هو "التَّوحيدُ الحقيقيّ" سبحانه عزَّ وجلّ، خير كلمةٍ يقولها الإنسان. وقولك "الله أكبرُ" فليسَ المعنيُّ بهِ أنَّه أكبرُ مِنْ غيرِهِ، من غيره هذا؟! غيرُه كلّه خلقُه وإيجادُه، فلهم معهُ نِسبة التّبعيَّة كونهم أفعاله وخلقه فقط، ما في مقارنة بينهم وبينه. فما تقول مثلاً: هذا نورُ الشَّمس والشَّمس أكبرُ من نورها، الشمس أكبر من نورها والنور كلُّه تبعٌ للشمس، ولولاها ما ظهر له أثر ولا له خبر، فلها معه حقَّ التَّبعيَّة. 

"بل كلُّ ما سواهُ فهو نورٌ من أنوارِ قدسهِ، وليسَ لنورِ الشَّمسِ مع الشَّمسِ رتبةُ المعيَّةِ حتى يُقالَ: إنَّها أكبرُ منهُ، وإنَّما رتبةُ التَّبعيَّةِ"، ما للنُّور وُجود إلا بتِلك الشمس، "بل معناهُ -سبحانه وتعالى-: أنَّه أكبرُ مِنْ أن يُنالَ بالحواسِّ، ويُدرَكَ جلالُه بالعقلِ والقياسِ، بل أكبرُ مِن أن يُدرِكَ كُنْهَ جلالِهِ غيرُهُ"، -الله أكبر-. وكلُّ ما خطَرَ ببالِك فهو مَحْوٌ هالِك، والله بخِلافِ ذلك، فهو أكبر؛ "بل أكبر من أن يعرفه المعرفة الإحاطِيَّة غيره -سبحانه وتعالى-، إنه لا يعرف الله إلا الله"، كما قال سيدنا أبو بكر.

"فإنَّ مُنتهى معرفةِ عبادِهِ: أن يعرفوا أنَّه يستحيلُ منهُم معرفتُهُ الحقيقيَّةُ.." وكل ما كان أعرَف بالله، تمكّنَ في يقِينِه أنَّه لا يُمكن الإحاطة بصِفاتِه وأفعالِه فضلاً عن ذاته -جلَّ جلاله-.

 

"ولا يعرفُ ذلك أيضاً بِكمالِهِ إلا نبيٌّ أو صِدّيقٌ"، هم الذين يَبلُغون رتبةَ الكمال في المعرفة بالله. 

 

قال: فيُعبِّرُون عن هذا، "أمّا النّبي" -كما جاء في الحديث وهو دعاؤه ﷺ رواه مسلم وغيره- في كل ليلة لمَّا يُصلِّي صلاة الوتر ينادي الحقّ بهذا فيقول: " أعوذُ برضاكَ من سخطِكَ، وبمعافاتِكَ من عقوبتِكَ، وأعوذُ بِكَ منكَ سبحانك..لا أُحْصِي ثَنَاءً عليك، أنتَ كَما أثْنَيتَ على نَفسِكَ"، "لا أُحْصِي ثَنَاءً عليك" وأنت كنت أعرَفُ الخلائق به، يعني: لا يستطيع أن يُحيطَ بمعرفتِك أحد، وهذا الذي انتهت إليه المعرفة بك لذا يقول:"لا أُحْصِي ثَنَاءً عليك، أنتَ كَما أثْنَيتَ على نَفسِكَ". فهذا تعبير النبيّ.

 

وتعبيرُ الصديق ما نُقِل عن سيدنا أبي بكر الصديق في أبياته التي يقول فيها:

لا يعرف اللهَ إلا اللهُ فاتَّئدوا *** والدِّينُ دينان إيمان وإشراك
وللعقول حدودٌ لا تجاوزها *** والعجز عن درَكِ الإدراك إدرَاك

 

قال: عبَّر الصديق فيقول: "العجز عن درَكِ الإدراك إدراك"، عَجْزُنا عن الإحاطة بِه هو المعرفة، فلا طريق لمعرفته إلا بتَقوِية إيقانِنا بعجزنا عن الإحاطة به جلَّ جلالُه. وكل من كان أعرَف قَوِيَ هذا اليقين عنده، -لا إله إلا هو-.

"فإن تَشوَّفتَ إلى زيادةِ تحقيقٍ في هذا المعنى واستنكرتَ قولي "لا يعرفُ اللهَ إلَّا اللهُ" فاطلبْ معرفةَ حقيقتِهِ بالبرهان من كتابِ (المقصدِ الأسنى الذّي كتبه في معاني أسماءِ اللهِ الحسنى). قال وهذا الآن يكفيك الآن" لتعرف فضل الذكر بعضه على بعض للسائرين إلى الله.

 

وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

الأصل السابع

 في طلب الحلال

 

"قال الله سبحانَهُ وتعالى: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) [المؤمنون51]، والحرامُ خبيثٌ و ليس بطيِّبٍ، وقد قرنَ عزَّ وجلَّ أكلَ الطَّيِّباتِ بالعباداتِ.

 

وقال رسولُ الله ﷺ: "طَلَبُ الحَلَالِ فَرِيضةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَعدَ الفَرِيضَةِ"؛ أي: بعدَ فريضةِ الإيمانِ والصَّلاةِ.

 

وقالَ ﷺ: "مَنْ أَكَلَ الْحَلَالَ أربعين يوماً.. نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ، وأَجْرَى يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ"، وفي روايةٍ: "زَهَّدَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا". 

 

وقال ﷺ: "إنَّ للهِ  تَعَالَى مَلَكاً عَلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، يُنَادِي كُلَّ لَيْلَةٍ: مَنْ أكَلَ حَرَاماً.. لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ"، فالصَّرفُ: النَّافلةُ، والعَدلُ: الفريضةُ. وقال ﷺ: "مَنِ اشْتَرَى ثَوْباً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَفِي ثَمَنِهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ.. لَمْ يَقْبَلِ اللهُ مِنْهُ صَلَاتَهُ مَا دَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ".

 

وقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُما-: "لو صلَّيتُم حتَّى تكونوا كالحنايا، وصُمتُم حتَّى تكونوا كالأوتارِ، لم يَقبَلِ اللهُ ذَلكَ منكُم إلا بورعٍ حاجزٍ". 

 

وقيلَ: العبادةُ معَ أكلِ الحرامِ.. كالبنيانِ على السِّرْجِينِ.

 

فصل: في بيان درجات الورع

 

اعلمْ: أنَّ طِيبَ المطعمِ لهُ خاصِيَّةٌ عظيمةٌ في تصفيةِ القلبِ وتنويرِهِ، وتأكيدِ استعدادِهِ لقَبُولِ أنوارِ المعرفةِ، وفيهِ سِرٌّ لا يَحتمِلُ هذا الكتابُ ذكرَهُ، ولكنْ ينبغي أن تَفهَمَ أنَّ درجاتِ الورعِ أربع".

 

يتكلَّم في هذا الأصل عن ترتيب الإنسان لما يتناولُه ويلبَسُه ويسكُنه ويطعَمُه ويركَبُه مِن المتاع في الدنيا أن يكون حلالاً طيّباً. (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا) [النحل:114] كما يقول جلَّ جلالُه، وبعيداً عن الحَرام وعن الشُّبهات، "فمنِ اتَّقى الشُّبُهاتِ استبرأ لدِينِه وعِرضِه". وكما قال عندكم في أول الفصلِ الثاني في هذا الأصل يقول في أوَّل الفصل: " طِيبَ المطعمِ لهُ خاصِيَّةٌ عظيمةٌ في تصفيةِ القلبِ وتنويرِهِ وتأكيدِ استعدادِهِ لقَبُولِ أنوارِ المعرفةِ، وفيهِ سِرٌّ.." تفصيله ما يحتمل ذكره في مثل هذا الكتاب. 

ولكن تعلم أن الطَّاقة التي يُمِدُّ الله تعالى بها الإنسان في سَمعِه وبَصرِه وحركَتِه ومَشيِه وتعامُلِه في الحياة، هذه الطَّاقة رتَّبها -سبحانه وتعالى- على صِحَّة هذا الجَسد، ولا تقوم صِحَّة هذا الجسد إلا بتَغذِيَتِه، فيصير أصل في الأسباب إمداد الله للإنسان بالقُوّة والحركة:

  • فإذا كان الأصل طيِّباً فإن الإمداد بهذه القُدرات ينصِرف إلى الطَّيِّب، ومن هنا: من أكَلَ الحلال أطاعَتْ جوارِحُه شاء أم أبى. 
  • وبالعكس إذا كان الإمداد سيئاً فإنَّه خبيث، فإنَّه إنَّما يَقوَى على الخبيث، -والعِياذُ بالله تبارك وتعالى-، يكون ذلك أنسَب له.

فإذاً قوله: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) [المؤمنون:51]. ويقول: (كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) [البقرة:172] خاطَبَ الرُّسل وخاطَبَ المُؤمنين، وقال ﷺ في الحديث: "وإنَّ اللَّهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ بِه المرسلينَ فقالَ: (يَا أيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وقالَ: (يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)". فأمَرَ الجميع أن يتحرَّوا في مكاسِبهم في الحياة ويأخذوا ما يحتاجونه من مَلبُوسٍ ومَأكولٍ ومَشروبٍ ومَسكونٍ ومَطعومٍ ومَشمومٍ وما إلى ذلك، يأخذونه من الأوجُه التي شرَعها وجعل فيها الحِلّ، ويتجَّنبوا ما فيه الشبهات.

 

وقال: "وقد قرنَ عزَّ وجلَّ أكلَ الطَّيِّباتِ بالعباداتِ. وقال رسولُ الله ﷺ: "طَلَبُ الحَلَالِ فَرِيضةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَعدَ الفَرِيضَةِ"، أي: بعد فريضة الإيمان والصلاة والصوم، فهناك فريضةُ طلَبُ الحَلال. 

وقالَ ﷺ: "مَنْ أَكَلَ الْحَلَالَ أربعين يوماً.. نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ، وأَجْرَى يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ"، وفي روايةٍ: "زَهَّدَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا". ونقله أبو نُعَيم في "الحلية" عن سيدنا أبي أيوب -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ، وجاء عند ابن المبارك في كتاب "الزهد" عن مَكحول مُرسَلاً -سقط منه الصحابي-. 

 

وقال ﷺ: "إنَّ للهِ  تَعَالَى مَلَكاً عَلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، يُنَادِي كُلَّ لَيْلَةٍ: مَنْ أكَلَ حَرَاماً.. لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ" ، أي: لا نافلة ولا فريضة، لا إله إلا الله. ولهذا: "إن مِلاكِ دينكُم الوَرع". 

وقال ﷺ: "مَنِ اشْتَرَى ثَوْباً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ تِسعَ دراهِم حَلال وَفِي ثَمَنِهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ.. لَمْ يَقْبَلِ اللهُ مِنْهُ صَلَاتَهُ مَا دَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ"، ما دام عليه خيط من هذا الثوب ما تُقبَل الصلوات -والعياذ بالله تعالى- مع أنه عُشره حرام وتسعة أعشار حلال! 

وهكذا سيدنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُما- يُحدِّث يقول: "لو صلَّيتُم -كثرتم صلاة قيام بالليل وصلوات بالنهار- حتَّى تكونوا كالحنايا -حتى انحنت ظهوركم من كثرة الصلاة- وصُمتُم -واصَلتُم الصيام في مختلف الأيام غير أيام العيدين والتشريق- حتَّى تكونوا كالأوتارِ، -نَحلْتُم وصارت أجسادكم كأنها وتَر- لم يَقبَلِ اللهُ ذَلكَ منكُم إلا بورعٍ حاجزٍ". "إنَّ اللَّهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا". وذكر ﷺ : "الرَّجلَ يُطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبرَ يمدُّ يدَه إلى السَّماءِ يا ربِّ يا ربِّ ومطعمُه حرامٌ ومشربُه حرامٌ وملبسُه حرامٌ وغذِّيَ بالحرامِ فأنَّى يستجابُ لذلِك". إذًا إنَّ الوَرع أساس هذا الدين فأحكِم بناءَه. 

 

يقول: "العبادةُ معَ أكلِ الحرامِ كالبنيانِ على السِّرْجِينِ"، كل البيت الأساس حقُّه تحت سِرْجِين -الزِّبل- يَنهاس -يسقط- كل البيت، ولا يبقى منه شيء لأنه ما مِن أساس له. 

وقول ابن رسلان -عليه رحمة الله تعالى-:

وطاعةُ من مال حرامٍ يأكلهُ *** مثلُ البناءِ فوقَ موجٍ يُجعلُ

 

يجعل مواد البناء حقه فوق البحر، يبني! يبني ماذا؟ كل ما حط شيء غاص في البحر وماعاد له أثر. وهذا الذي يطيعه وأكله من الحرام، تذهب عباداته لأنه تغذّى بالحرام والعياذ بالله تعالى.

 

وطاعةُ من مال حرامٍ يأكلهُ *** مثلُ البناءِ فوقَ موجٍ يُجعلُ



لا يستقر، يعني لا تقبل العبادة ممن لم يُبالِ من أين أكل. ولذا ورد في الأثر: من لم يُبالِ من أي باب دخل عليه الرزق، لم يُبالِ الله به في أي وادٍ من أودية جهنم أهلكَه. نسأل الله تبارك وتعالى العافية. وهكذا وجَبَ للمؤمنين أن يتجنبوا ما حرَّم الله من رِباً ومن مُعامَلات فاسِدة ومن سَرِقة ومن نَهبٍ ومن أخْذِ حقِّ الغير بغير حق.

ولكن قال هناك أسرار، ولكن نذكر لك أنَّ درجاتِ الورعِ أربع درجات، فيترقَّى المؤمنون إلى درجاتها الرفيعة، فانظر نفسك في أيِّ درجةٍ من هذه الدّرجات.

 

وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

 

"الدَّرجةُ الأُولى: ورعُ العدولِ؛ وهيَ التي يجبُ الفسقُ باقتحامها، وتزولُ العدالةُ بزوالِها؛ وهيَ التي تُحرِّمُها فتوى الفقهاءِ.

 

الثَّانيةُ: ورعُ الصَّالحينَ؛ وهوَ الحذرُ عمَّا يَتطرَّقُ إليهِ احتمالُ التَّحريمِ، وإن أفتى المفتي بحِلِّهِ بناءً على الظَّاهرِ، وهوَ الذي قالَ فيه رسولُ الله ﷺ: "دَعْ ما يَريبُكَ إلَى ما لَا يَرِيبُكَ".

 

الثَّالثةُ: ورعُ المتَّقينَ؛ قالَ النَّبيُّ ﷺ: "لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ دَرَجَةَ المُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بهِ مَخَافَةَ مَا بِهِ بَأْسٌ".

 

وقال عمرُ -رضيَ الله عنهُ-: "كنَّا نَدَعُ تسعةَ أعشارِ الحلالِ مخافةَ الوقوعِ في الحرامِ". 

 

ومِنْ هذا الأصلِ: كانَ بعضُهُم إذا استحقَّ مئةَ درهمٍ.. اقتصرَ على تسعةٍ وتسعينَ، وتركَ الواحدَ حاجزاً بينَه وبينَ النَّارِ؛ لخوفِ الزِّيادةِ. 

وكانَ بعضُهُم يأخذُ ما يأخذُ بنقصانِ حبَّةٍ ويعطي ما يعطي بزيادةِ حبَّةٍ.

ولذلكَ أخذَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ -رحمَهُ اللهُ تعالى- بأنفِهِ حذراً مِنْ ريحِ المِسكِ الذي كانَ يُوزَنُ بينَ يديهِ لبيتِ المالِ، وقالَ لمَّا سُئِلَ عن ذلكَ: "وهل يُنتفَعُ  إلَّا بريحِهِ؟!" 

ومِنْ ذلكَ أن يَتورَّعَ عنِ الزِّينةِ وأكلِ الشَّهَواتِ؛ خيفةً مِنْ أنْ تجمحَ النَّفْسُ فتدعوَهُ إلى الشَّهَواتِ المحظورةِ.

ومِنْ ذلكَ تركُ النَّظرِ إلى تجمُّلِ أهلِ الدُّنيا، فإنَّهُ يُحرِّكُ دواعيَ الرَّغبةِ في الدنيا، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [طه:131].

ولذلكَ قالَ عيسى بنُ مريمَ عليهِ السَّلامُ: "لا تنظروا إلى أموالِ أهلِ الدُّنيا، فإنَّ بريقَ أموالِهِم يَذهَبُ بحلاوةِ إيمانِكُم".

ولذلكَ قالَ السَّلفُ: "مَنْ رَقَّ ثوبُه.. رَقَّ دينُهُ".

والحلالُ الطَّلْقُ الطَّيِّبُ: كلُّ حلالٍ انفكَّ عن مثلِ هذه المخافةِ ولم تُوجَدْ فيهِ آفةٌ."

 

درجات الورع أربعةّ، ذكر هذه ثلاث منها وبعدها الرابعة درجة ورع الصديقين.

الأُولى: "ورعُ العدولِ"؛ أن يكونَ بها الإنسان عَدْلاً، يخرُجُ عن دائرةِ الفسقِ وتصحُّ شهادتَه في المحاكم والقضايا والعقود فيَصحّ أن يكون شاهداً بكونِه عَدلاً.

ورعُ العدولِ؛ وهيَ التي يجبُ الفسقُ باقتحامها، وتزولُ العدالةُ بزوالِها؛ وهيَ التي تُحرِّمُها فتوى الفقهاءِ.

 

"ورع العدول هيَ التي يجبُ الفسقُ باقتحامها"؛ من اقتَحَمها سقطتْ عدالتَه، "وتزولُ العدالةُ" بزوال هذه الدرجة. وهذا ما تُحرِّمُه "فتوى الفقهاءِ" من المعاملات، فكل ما يفتي به فُقهاء الشريعة أنَّه حرام، فاقتحامُه يُخرجُ إلى الفسق ويُخرجُ عن العدالة.

فالأوّلُ: أن يتورَّع عن الحرام الذي هو ظاهِرٌ في الحرمة يفتي فقهاء الشريعة بأنه حرام: هذا ورع العُدول.

 

لكن فوقه ورعُ الصَّالحينَ: والصَّالِحون درجات، لهذا ذكر بعد عُموم الصَّلاح درجة الأتقياء، وذكر فوقها درجة الصِّدِّيقين، وهم من الصالحين لكنَّهم مَخصوصون في الصَّلاح. 

  • فالمُتّقون أخصُّ من عموم الصَّالحين.
  • والصِّدِّيقون أخصُّ من عموم المُتَّقين، ليسَ كلُّ صالح بمُتَّقٍ وليسَ كُلُّ مُتَّقٍ بصِدِّيق.

"فَورعُ الصَّالحينَ؛ وهوَ الحذرُ عمَّا يَتطرَّقُ إليهِ احتمالُ التَّحريمِ"، وإن كان ظاهر الفتوى تُفتي بحِلِّهِ بِناءاً على الظاهر؛ "وهوَ الذي قالَ فيه رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "دَعْ ما يَريبُكَ إلَى ما لَا يَرِيبُكَ". أو يُريِبك من رَابَ أو أَرَابَ المعنى واحد، أَدخَلَ عليه الرِّيبَة، رابَهُ شكَّ فيه، كان عنده مُرَاباً أي مَشكُوكاً فيه، فيدَعُ ما يَريبُه، ما فيه شك، ما كان هناك احتمال لِوُصُول التَّحريم إليه من وجه، فيبتعد عنه حذراً؛ فهذا ورع الصَّالحين الذين هم خواصُّ المؤمنين.

ولكن المُتَّقُون من هؤلاء الصَّالحين لهم زيادة في التَّحرُّز؛ ولو كان الاحتمال بعيدًا. فهؤلاء يَحترِزُون عمَّا الاحتمال إليه قويّ، ما يتطرق التحريم إليه قوي وظاهر. ولكنْ الورِعون فوقهم من المُتَّقين يتحرَّزون عمّا كان الاحتمال إليه من أي وجهٍ ولو بعيد، يكون الاحتمال فيه أن تدخُل فيه الشُّبهَة فضلاً عن الحَرَام، فيحتَرِزُون عنه، فهؤلاء هم المُتَّقون.

 يقول: "لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ دَرَجَةَ المُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بهِ مَخَافَةَ مَا بِهِ بَأْسٌ". روى الإمام الترمذي وابن ماجه هذا الحديث. "لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ دَرَجَةَ المُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ: أي يترُكَ، مَا لَا بَأْسَ بهِ، حلال واضح، لكنَّه قريب عند تناوُلِه يُوشِك أن يَقرُبَ إلى الشبهة أو تُداخِلُه شُبهَة خفيَّة مَخَافَةَ مَا بِهِ بَأْسٌ

سيدنا عمر -رضي الله تعالى عنه- يقول: "كنَّا نَدَعُ تسعةَ أعشارِ الحلالِ مخافةَ الوقوعِ في الحرامِ". رواه عنه الإمام عبد الرزاق في "المُصنَّف". 

قال: "ومِنْ هذا الأصلِ: كانَ بعضُهُم إذا استحقَّ مئةَ درهمٍ.. اقتصرَ على تسعةٍ وتسعينَ، وتركَ الواحدَ حاجزاً بينَه وبينَ النَّارِ؛ لخوفِ الزِّيادةِ". يمكن شيء من هذه الدراهم زاد وزنه قليل، يُخَلِّي واحد للاحتياط بدل أن يحمل المئة كلها يحمل تسعة وتسعين ويُخلِّي واحد. والثاني قال: "بعضُهُم يأخذُ ما يأخذُ بنقصانِ حبَّةٍ ويعطي ما يعطي بزيادةِ حبَّةٍ"، إذا أخذ له وهو يستحقُّ طعاماً يُنقِص منه حبَّة، وإذا هو يعطي أحداً اشترى منه أو دين عليه يزيد حبَّة، ويقول: ما أريد أشتري الويل بحبَّة، (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) [المطففين:1-3]. قالوا: يشتري الويل بحبة! لماذا؟ خلِّي بعد حبة.

حتى كان عندنا السيد محمد عبد المولى من آل طاهر بن حسين، وخرَج إلى السُّوق واشترى مُدّاً من الطعام من البائعين ورجَع، كَالَهُ بمُد عندهم في البيت وَجدَهُ ناقصاً. قال عجيب، هذا إنسان خيِّر ولا يُنقِص! فلمَّا لقِيَهُ قال: يا فلان -هو من البائعين في السوق- اشتريت مِنك مُدّاً ووَجدتُه ناقصاً. قال كيف؟ أنا! أبداً أعطيتك مُدّاً كاملاً. قال: أنا كِلتُه في البيت. قال: أسمع! بيتكم بيت ورع، وأهلك نعرفِهُم وآباءك، عندكم مِكيالان، كيل تُخرِجون وتُعطُون الناس بهما زائداً قليلا، يمكن هو ذا الذي كِلْتَ به، الكيل الثاني مثل الذي عندنا الذي تأخذون من الناس به. رجِع، فوجد كلامه صِدق. قال له: جزاك الله خيراً.

حتى العامِّي كان يعرف بيوتَ الوَرع. قال له لا، الكيل الخاص بي مضبوط، أهلك أهل وَرع، كانوا يأخذون بمكيال ويُخرجون بمكيال ثاني، المكيال الذي يأخذون به صغير جداً يقرُب من مكيال الناس، والمِكيال الذي يُعطون به زائد. فأنت كِلت حقي الذي أعطيتُك بالمِكيال الذي تُخرِجون به، ليس الذي تأخذون به؛ فتنبَّه لهذا. قال: صحيح. فلمّا كالوه بالمكيال الثاني كان سواءً مضبوطا، فكانوا هكذا في ورعهم.

يقول: سيدنا "عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ -رحمَهُ اللهُ تعالى- -يزِنون عنده مِسك لبيت المال، حطَّ يدَهُ على أنفِه لا يريد أن يشُمَّه. قالوا له: ما لَكَ؟- قال: وهل يُنتفَعُ  إلَّا بريحِهِ؟!" كيف أنا أشُمَّه قبل المسلمين؟ هذا حقُّ المسلمين! ما لي به حق. قاعد يُغطِّي أنفه حتى لا يشُمَّ المسك الذي لبيت المال. وقام ليلة في الشَّام بردٌ شديد، في أيَّام البَردِ يحتاج إلى الغُسل. قال له الخادم :" نُدفِّئ لك الماء الليلة. فقال له: من أين هذا الماء المَغلي؟ قال: هذا بحَطبِ بيت المال، دفّأتُه بِحَطَب بيت المال. قال: هذا حقُّ الناس، حقُّ المسلمين، ما لي حقّ فيه. قال: يا أمير المؤمنين، إذا اغتسلت بالماء البارد يصبِحُ المُؤمنون بلا خليفة (يعني: ستموت). قال: فما أصنع؟ أنا لا أريد آخذ منها. قال: أُعطِيك طريقة، قال: ما هي؟ قال: نحسِب كم يُكَلِّف الحطب هذا مِن بيتِ المال، ونضع فوقه وزيادة ورُدَّهُ لبيت المال. قال: تمام. فحسَب له أنَّ الحطب يُكلِّف كذا كذا، ومقدار هذا الماء يسخن بكذا وكذا، حطَّ زيادة فوقه، هات دراهم نحُطُّها في بيت المال، واغتسِلْ بالماء الدافئ. فكان هكذا ورَعَهُم عليهم رحمة الله تبارك وتعالى.

ويقول: "وهل يُنتفَعُ  إلَّا بريحِهِ؟!" يعني: أن يَتورَّعَ عنِ الزِّينةِ، -أي:الاستِرسَال وَراء مظاهِر الزينة- وأكلِ الشَّهَواتِ؛ خيفةً مِنْ أنْ تجمحَ النَّفْسُ فتدعوَهُ إلى الشَّهَواتِ المحظورةِ". فيَقتَصِر على ما يسَّر الله ولا يُعلِّق نفسهُ بكَثرة الشَّهَوات وإن كانت مُبَاحة، فإذا تراسلت قَوِيَت عليه فيمتَدّ للمكروه ويمتَدّ للحرام. 

"ومِنْ ذلكَ تركُ النَّظرِ إلى تجمُّلِ أهلِ الدُّنيا بدنياهم، فإنَّهُ يُحرِّكُ دواعيَ الرَّغبةِ في الدنيا، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى -لأزهد خلقه- (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) [طه:131]. وكرَّر في آياته: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ…) [التوبة55]. وهكذا (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ).

ويقول سيّدنا عيسى بنُ مريمَ عليهِ السَّلامُ: "لا تنظروا إلى أموالِ أهلِ الدُّنيا -وفرحَهُم بها وافتخارَهُم بها- فإنَّ بريقَ أموالِهِم يَذهَبُ بحلاوةِ إيمانِكُم". عندكم ما هو أكرم وأجَلّ، فلا تبيعوه برَخيص.

"ولذلكَ قالَ السَّلفُ: "مَنْ رَقَّ ثوبُه.. رَقَّ دينُهُ". يعني: صار همُّه الثوب الرَّقيق ويجلِب له الغالي الرَّقيق ويُبَالِغ في ذلك، ويُذهِب هِمَّته إليه، قال: هذا ما يكون  إلَّا ودينَهُ رقيق، دينَهُ ضعيف، لو عِندَه دين قويّ لا يبقى هكذا؛ هِمَّتَه وَرَاء خِرقة. حتى يقول في الحديث من لبس ثوب شهرة في الدنيا كان حقاً على الله أن يذله على رؤوس الأشهاد يوم القيامة. 

"مَنْ رَقَّ ثوبُه.. رَقَّ دينُهُ". كان ﷺ يَلبَسُ ما وَجَد ويأكُل ما وَجَد، مِن كُلِّ لائقٍ به ﷺ يستعمِل ما وَجَد.

قال: "والحلالُ الطَّلْقُ الطَّيِّبُ: كلُّ حلالٍ انفكَّ عن مثلِ هذه المخافةِ ولم تُوجَدْ فيهِ آفةٌ"؛ فلا يَبقى بعد ذلك إلا ورعُ الصِّدِّيقين، سيُحدِّثُنا عنه ورضي عن الصِّدِّيقين؛ هل بعد هذا ورع؟ أهل الصديقية وهم يَتوَرَّعون، حلال واضِح خالِص ولا فيه شبهة ولا فيه آفة، قال: ما زالوا يُراعون حالهم مع الله، وما لا يُقرِّب إليه لا يُحِّبونه، وما فيه التفات لغير الله أو ما أُوتِيَ به بغير نيّة صالحة لا يُحبِّونه، لهم ورَع خاص أهل الصِّدِّيقيَّة -عليهم رضوان الله- مثل سيّدنا أبو بكر الصِّدِّيق وكِبَار الصَّحابة ومن بَلَغوا رُتبَة الصَّدِّيقيَّة من التَّابعين وتابِعيهم بإحسان عليهم رضوان الله.

 

الله يُوفِّر حظَّنا مِن رعايَتِه ورعايةِ رسُولِه المُصطفى، ويتولّانا في الظَّاهر ويتولّانا في الخَفا، وأن لا يكِلْنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خَلقه طَرفة عين ولا أقلَّ من ذلك ولا أكثر، ويُثبِتْنا في ديوان أهل الصِّدق معه، ويَهدِنا بِهَديِه، والامتلاء بأنوار تَعظيمِه وجلالِه وكِبريائه وتوحيده، ويجعلنا من الظَّافرين بالتَّمجيد والتَّفريد في مراتب حقيقة التَّوحيد، وأن يُعِيذَنا من شُرور أنفُسِنا ومن سيِّئات أعمالنا ويُصلِح أحوالنا وأحوال أهلينا وأحوال ذَوينا وأحوال دِيارَنا وأحوال المسلمين، ويُحَوِّل الأحوال إلى أحسَنِها، ويَنظمنا في سِلك أهل الرِّضوان الأكبر، ويُبارِك لنا في ليالينا وأيَّامنا هذه ولِقَاءاتِنا واجتماعاتنا، ويجعلها مذكورة في المَلأ الأعلى بأعلى وأسنى وأشرف ما يذكر به مجالِس ومَجامع محبوبيه والمُقرّبين إليه في الأوّلين والآخرين. وأن يَقِينا الأسواء والأدواء وكُلَّ بَلوى، ويُصلِح السِّر ويُعجِّل بالفرج للمسلمين، والغِياث الشامل الكامل التام، ويَدفَع عنَّا جميع البلايا والرَّزايا في الظواهر والخفايا.

 

بسرّ الفاتحة 

إلى حضرة النبي مُحمّد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه

 الفاتحة

 

اللهم صلِّ وسلِّم على سيّدنا مُحمدٍ وعلى آل سيدنا محمد.

                      

أَحْيا وَلَكِنْ حَياتِي عِندَ ذِكْرِ الوِصالْ *** مَتى مَتى في حِمى لَيْلى نَحُطُّ الرِّحالْ

نَنْزِلْ عَلى أُنْسٍ كامِلٍ في ثَخينِ الظِّلالْ *** عَلى هَناءٍ نَشْرَبُ الأَعْذَبَ صافِي الزّلالْ

سَعْفُ الرِّجالِ الَّذِي هُم في الحَقِيقَةِ رِجالْ ***حَيَّا المَنازِلَ وَحَيَّا مَن بِها كانَ حالْ

لا تَذْكُروا القَطيعَةَ لِي وَقَعَ الاتِّصالْ *** مُورِدْ عَلى شَعْبٍ رامَهُ فيهِ مَشْروبُ حالْ

داروا بِهِ الكَأْسَ مِنْ شُرْبِ التَّلاقي حَلالْ *** مَضَتْ لَنا بِهِ لَيالٍ ما كَمِثْلِها لَيالْ

فِيها شَهِدْنا حَبِيبَ القَلْبِ باهِـي الجَمالْ *** نَطْرَبْ إِذا ما سَمِعْنا مِنْهُ لَفْظَةَ تَعالْ

حَضْرَتُهُ جَميلَةٌ وَإِنْ كانَتْ بِوَصْفِ الجَلالْ *** يا لِلَّذِينَ تُحِبّونَ افْهَموا هَذا المَقالْ

مَنْ وَصْفُهُ النَّقْصَ لا يَطْمَعْ بِنَيْلِ الكَمالْ *** الحُكْمُ لِلوَصْفِ لا لِلمَوْصوفِ في كُلِّ حالْ

يا قاصِدينَ الحِمى بالله حُثّوا الجِمالْ *** بالله لا تُكَلِّفوها بالحُمُولِ الثِّقالْ

وَاصِلوا السَّيْرَ في جُنْحِ اللَّيالي الطِّوالْ *** حَتّى تُنِيخوا بِها في رَبْعِ مَوْلى بَلالْ

حَيْثُ العَطاءُ مُنْبَسِطْ وَالجُودُ وَالمَجْدُ حانْ *** يا حَيَّهَا مِنْ مَنازِلْ حَيَّهَا مِنْ مَحالْ

فيها حَيا الجُودُ يُرْذِمْ حَيَّ تِلْكَ السِّبالْ *** دايِمْ وَمُطَّارُها مِنْ فَوْقِهِمْ لا يَزالْ

مَجالٌ في الفَخْرِ واسِعْ حَبَّذا مِنْ مَجالْ *** دَحَقْ عَلى هامَةِ الجَوْزا بِبَطْنِ النِّعالْ

ذا مَجْدٌ طالَتْ غُصونُهْ شو غُصونُهْ طِوالْ *** ذا مَجْدٌ عالٍ وَمَفْخَرْ مُعْتَلى لا يُنالْ

جامِعْ صِفاتِ الشَّرَفْ حايِزْ خِصالِ الكَمالْ *** ما مُرْسَلِ الأُولَهْ مِنْ ذا الرَّسُولِ اتِّصالْ

يا قُرَّةَ العَيْنِ حُبُّكْ وَسْطَ مُهجَتي حالْ *** جُدْ لي بِنَظْرَةٍ إِلى وَجْهِكْ وَلَوْ في الخَيالْ

جُدْ لي بِنَظْرَةٍ إِلى وَجْهِكْ وَلَوْ في الخَيالْ *** وَارْحَمْنِي إِنِّي عَلى بابِكْ عَقَلْتُ الجِمالْ

دايِمْ وَقَلْبِي مَعَكْ مَغْلوبْ ما قَطْ مالْ *** وَالأَبْ لَهُ عَيْنْ بِالرَّحْمَهْ تُراعِي العِيالْ

 

 والحمد لله رب العالمين.