Blog Utama Saya :-

Jumaat, 12 Jun 2026

الأربعين في أصول الدين - 48 | إشارات في علوم الآخرة وجواهر القرآن

 



Isyarat-Isyarat Dalam Ilmu-Ilmu Akhirat dan Permata-Permata Al-Quran



video


الدرس الثامن والأربعون للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي. القسم الرابع: الأخلاق المحمودة: تكملة شرح الأصل العاشر: إشارات في علوم الآخرة وجواهر القرآن

 في مسجد الحسين بن طلال، عمّان، ضمن دروس الدورة العلمية في موسم شهداء مؤتة الأبرار، الأردن

مساء الأحد 4 جمادى الأولى 1447هـ

بين علوم الدنيا وعلوم الآخرة.. يبيّن الحبيب عمر بن حفيظ في الدرس سر العلوم التي لا يقبل عليها إلا من تطهّر قلبه، والفرق بين من يطلب المعارف للترقي إلى الله، ومن يتخذ العلم شبكةً للحطام، وأن العلم الذي لا يزكي القلب ولا يرفع الروح إنما هو حجاب؛ رسالةٌ للمؤمن أن العلم الحق هو ما يقرِّب إلى الله، لا ما يزيد الغفلة أو العصبية أو طلب الجاه..

 

نص الدرس المكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجّة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

 

"فاقنعِ الآنَ بهذا القَدْرِ؛ فإنَّ هٰذا الكلامَ يكادُ يُجاوِزُ حدَّ مثلِ هٰذا الكتابِ، ولا بدَّ وأن يُحرِّكَ سلسلةَ الحمقىٰ والجاهلينَ، ولاكنَّهُم أخسُّ مِنْ أن يُلتفَتَ إليهِم؛ قالَ الله تعالى: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِۚ..) [النجم:29-30].

فلنَقتصِرْ على هذا، ولنختِمْ بهِ (الأصولَ الأربعينَ) لنختِمَ بهِ كتابَ (جواهرِ القرآنِ)، ومَنْ طلبَ مزيداً علىٰ هذا.. فليطلبْهُ مِنْ (كتابٍ ذكرِ الموتِ ) مِنْ كُتُبِ (الإحياءِ).

 

فالغرضُ الأظهرُ مِنْ هٰذا الكتابِ: التَّلويحاتُ معَ التَّشويقِ إلى الاستقصاءِ المذكورِ في ذلكَ الكتابِ؛ ففيهِ تَنكشِفُ أسرارُ علومٍ الدِّينِ، ولا يَفِرُّ عن طلبِهِ إلَّا مشغوفٌ بالدُّنيا، لا يطلبُ مِنَ العلومِ إلَّا ما يَتَّخذُهُ شبكةً للحطامِ ، وآلةً لكسبِ الحرامِ، فلا تناسبُهُ علومُ ذلكَ الكتابِ ولا يناسبُها أصلاً".

 

جعلنا الله ممن أراده، والدار الآخرة، وأصلح شؤوننا الباطنة والظاهرة.

قال سيدنا الإمام بعدما بيّنا هذه البيانات كلها في كتاب الأربعين، قال: "فَاقنَعِ بهذا القَدْرِ"، فإنه كافٍ لأن تنتبه، لأن تتوجَّه، ولأن تصدُق، ولأن تُلازِم الباب؛ ومن لزِمَ الباب فَتح له البوّاب، ومن دقَّ بابَ كريمٍ فَتح وعظيمَ خيراتِه له مَنَح. "فإنَّ هٰذا الكلامَ يكادُ يُجاوِزُ حدَّ مثلِ هٰذا الكتابِ، ولا بدَّ وأن يُحرِّكَ سلسلةَ الحمقىٰ والجاهلينَ".

وقال سيدنا الإمام علي بن أبي طالب: "والجاهلون لأهل العلم أعداء"، وجاء في الخبر: "المرء عدوّ ما جَهِل"، وشاهد ذلك في قول الله تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) [يونس:39]؛ ولو علِموه ما كذَّبوا به، ولكن: (كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ).

قال: "ولا بدَّ وأن يُحرِّكَ سلسلةَ الحمقىٰ والجاهلينَ، ولكنَّهُم أخسُّ مِنْ أن يُلتفَتَ إليهِم"؛ ما خلقنا الله لنلتفِتَ إلى كلام المُتكلِّمين، وكان يقول شاعرهم: 

ولو كلُّ كلبٍ عوى ألقيته حجرًا *** لأصبح الصَّخرُ مثقالاً بدينار

بعد ذلك ما عاد نُحصِّل حجر، لأن كل كلب يَعوِي تُعطيه حجر، فتُكمِّل الحجر كله وتَغلى الحجر علينا، ولكن: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) [النجم:29].

وإنما هناك وجه فقط إذا كان أخيار أهل محلَّتِك، أهل منطِقتك يقولون عنك شيء ينبغي أن تهتمَّ به؛ لأنَّهم ألسِنة الحقّ -جلَّ وعلا- في التَّنبيه، وأمَّا عامَّةُ الخَلق فدَعها. 

وَإِذا أَتَتكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ *** فَهِيَ الشَهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِلُ

فإن النَّاقص يذمُّ الكامِل، فإذا جاءت المَذمَّة من ناقص؛ فهي الشَّهادة بكمالِه: (كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ) [الذاريات:52-53]؛ هذه الأجيال تُوصي بعضها بعضًا، إذا جاءكم أهل الحق والعقل قولوا: سَاحِرٌ، قولوا: مَجْنُونٌ. 

  • (أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ) [الذاريات:53-54].
  • (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) [الأنعام:33].
  • (فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) [يس:76].

ويقول: "ولكنَّهُم أخسُّ مِنْ أن يُلتفَتَ إليهِم؛ قالَ الله تعالى: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِۚ..) [النجم:29-30]"؛ محصُورون في دُنياهم، محصورون في حِسِّيَّاتهم ما جاوَزُوها، ما جاوزوا المُتخيَّلات، وما لا المُتخَّيلات إلى الأوهام، ولا جاوزوا الأوهام إلى حدِّ الإنسانية، فَبَقوا؛ (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الفرقان:44].

"فلنَقتصِرْ على هذا، ولنختِمْ بهِ (الأصولَ الأربعينَ) لنختِمَ بهِ كتابَ (جواهرِ القرآنِ)"؛ لأنَّ أصل هذا الكتاب: كتاب جواهِر القُرآن، وهو كتابٌ نفيس للإمام الغزالي -عليه رحمة الله- بيّن فيه واجب المؤمن نحو القرآن واستفادتِه منه، واتِّصالِه بسرِّه وحقائق معانيه، وما ينبغي له أن يكون فيه، فكان من جملة مواضعه هذا الكتاب، وأَذِنَ أن يُفرَد باسم مُستقِلّ ويُكتَب مُستقِلًا: "الأربعين في أصول الدين"؛ وهو من جُملة أجزاء كتاب جواهِر القرآن الذي ذكر فيه مَقاصِد تنزيلِ القرآن، وأن الأصل فيه دعوةُ الخَلق إلى الحقِّ -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-، ثم فصَّل ما يُستفاد من هذا القرآن تفصيلًا حسنًا، فما أنفع كتابه للمؤمنين عامّة، وخصوصًا لمن يحفظ القرآن أو يتعلَّق بعلوم القرآن، ينبغي أن يقرأ جواهر القرآن، وكما أنّ له كلامًا نفيسًا أيضًا من جُملة كتب إحياء علوم الدين؛ كتاب: "أسرار تِلاوةُ القرآن". 

قال: "ومَنْ طلبَ مزيداً" في أخبار الآخرة هذه: "فليطلبْهُ مِنْ (كتابٍ ذكرِ الموتِ) مِنْ كُتُبِ (الإحياءِ)"؛ -إحياء علوم الدين-، وهو أيضًا من آخر كتاب في إحياء علوم الدين.

قال: "فالغرضُ الأظهرُ مِنْ هٰذا الكتابِ: التَّلويحاتُ معَ التَّشويقِ إلى الاستقصاءِ"؛ الذي يمكن أن يُذكَر ويُنتفَع به في كتابٍ كالكتاب المذكور في كتاب "إحياء علوم الدين".

  • وإن أردتَ الهداية فاعمل بما في "البداية".
  • وإن أردتَ النهاية فهي بـ "الإحياء" حَرِيَّة.

 قال الإمام الحداد: 

  • يكفي المُبتَدِئ من كتب الإمام الغزالي في السَّير إلى الله تعالى، يكفيه كتاب: "بداية الهداية". 
  • ويكفي المُتوسِّط كتاب "منهاج العابدين". 
  • ويكفي المُنتهي كتاب "إحياء علوم الدين"
  • وما وراء ذلك إلا علوم لَدُنِّيَّة ومواهِب ربَّانية يُفيضُها الله على قلوبِ المُتحقِّقين بحقائق الصِّدق معه من أهل اليقين، ألحقنا الله بهم.

قال: "ففيهِ تَنكشِفُ أسرارُ علومٍ الدِّينِ، ولا يَفِرُّ عن طلبِهِ إلَّا مشغوفٌ بالدُّنيا" الذي قَصْدُه "مِنَ العلومِ إلَّا ما يَتَّخذُهُ شبكةً للحطامِ" والفانِيَات، "وآلةً لكسبِ الحرامِ"، قال: مَنْ كان كذلك لا تُناسِبه هذه العلوم، لهذا كان يقول الكثير من العارفين والصَّالحين: إنّ من علامة علماء الدُّنيا كراهَتَهم لكُتب الإمام الغزالي، وعلامة علماء الآخرة محبَّتهم لكُتب الإمام الغزالي؛ لأنها لا تُناسِب الذي قَصْده الدنيا ولايريد الآخرة، وقد يحصل تضادّ، عنده أجزاء يتألَّم منها؛ لأنها تفضَحه وتكشِف له خفايا عُيوبه، وما يُعِيبه فهو لا يُحبّها، ولكن مَنْ يُريد وجه الله ويريد أن يَتطهّر: تُعجِبه هذه الكتب ويتأثَّر بها؛ لأنها تطهِّرُه وتُزَكِّيه وتُقرِّبه إلى بارِئِه سبحانه وتعالى.

قال: "فلا تناسبُهُ علومُ ذلكَ الكتابِ ولا يناسبُها أصلاً"؛ وكلٌّ مُيسَّر لما خُلِقَ له، نفعنا الله بالصَّالحين وعلوم الصَّالحين وجعلَنا في الهُداة المُهتَدِين.

زادنا الله وإياكم من فضله، وعظيمِ جُودِه وإحسانِه وواسِع امتِنانِه، ما به نرقى مراقي الذُّرى مع خِيَار الوَرى، ونحوزُ به معرفةً بالرحمن، ونحوزُ به قُربًا منه يزداد في كلِّ آن، ونحوزُ به منه رِضوانًا ومحبَّة تزداد على الدَّوام، مع رابطة بخير الأنام نَرقَى بها إلى أعلى مقام، ويُصلِح اللهُ بها كُلَّ شأن، ونكون مع أهالينا وأولادنا وذريَّاتنا وذوينا وأهلِ دِيَارنا وأهل منازلنا، وأهل بُلدانِنا وأهلِ زماننا والأمَّة المُحمَّديَّة، انظُر إليهم يا رب نظرة تكشِف البلاء عنا وعنهم، تدفع السُّوء عنا وعنهم، وتلهِمَنا بها الرُّشد في كل حركة وسُكون، وتثبِّتنا في ديوان من يَهدُون بالحقِّ وبه يعدِلون.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ 

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

الحمدلله رب العالمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله.













Khamis, 11 Jun 2026

الأربعين في أصول الدين - 47 | ذكر الموت (7) تكملة بيان عذاب الآخرة وخصائص الروح الإنسانية

 




Ingat Akan Mati (7), Sambungan Penjelasan Mengenai Azab Akhirat dan Ciri-Ciri Khusus Roh Manusia




Video


الدرس السابع والأربعون للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي. القسم الرابع: الأخلاق المحمودة: تكملة شرح الأصل العاشر: ذكر الموت (7)

 في مسجد الحسين بن طلال، عمّان، ضمن دروس الدورة العلمية في موسم شهداء مؤتة الأبرار، الأردن

مساء الأحد 4 جمادى الأولى 1447هـ

في ختام بيان أصناف عذاب الآخرة، يوضح الحبيب عمر بن حفيظ أصل الروح وتعلقها بالعالم العلوي، وسبب آلامها حين تُقيَّد بالشهوات، ويظهر الفرق بين من أُعتِق بالذكر ومن أُسِر بالشهوة، مبيّناً أن أصل النجاة هو صفاء القلب وكثرة الذِّكر..

 

نص الدرس المكتوب: 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

"فكذلكَ الرُّوحُ الإنسانيُّ مِنَ العالَمِ الرُّوحانيِّ الإلهيِّ بأصلِ فطرتِهِ، فلهُ بحكمِ الطَّبعِ حنينٌ وشوقٌ إلى عالَمِ العُلْوِ، وهوَ عالَمُ الأرواحِ، وإلى مرافقةِ الملأ الأعلى، ولٰكنَّ أغلالَ الشَّهَواتِ وسلاسلَها تَجذِبُهُ إلى أسفلِ السَّافلينَ؛ وهيَ شهَواتُ الدُّنيا التي هيَ صفةٌ عارضةٌ قهرَتِ الصِّفةَ الطَّبيعيَّةَ، ومنعَتْها عن نيلِ مقتضاها، والألمُ يَتولَّدُ مِنْ بينِهِما.

والنَّارُ أيضًا إنَّما تؤلمُ للمُضادَّةِ؛ فإنَّ الملائمَ للتَّركيبِ بقاءُ الاتِّصالِ، والنَّارُ تُضادُّ الاتصالَ بالتَّفريقِ بينَ الأجزاءِ، ولو لم تكنْ قد رأيتَ النَّارَ، فحُدِّثتَ بأنَّ شيئًا لطيفًا ليِّنًا يُماسُّ بدنَكَ فيؤلمُكَ.. لاستنكرتَهُ، وقلتَ: شيءٌ لا صلابةَ فيهِ كيفَ يؤلمُ باللَّمسِ؟!

واعلمْ: أنَّ التَّضادَّ مؤلمٌ، سواءٌ كانَ بسببٍ خارجٍ أو داخلٍ؛ فإنَّ سُمَّ العقربِ يبقى في العضوِ، ويؤلمُ لفرطِ برودتِهِ المُضادَّةِ لحرارةِ البدنِ؛ فلا تظنَّنَّ أنَّ الآلامَ كلَّها تدخلُ مِنْ خارجٍ".

 

الحمد لله مكرمنا بأنوار الفهم التي تُخْرِج العباد من ظلمات الوهم، له الحمد وله المنة، كم وهب من منة وفطنة تُدرَك بها حقائق المِنّة، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، أرسل إلينا عبده سيد أهل النفوس المطمئنة بالهدى وحُسْن البيان لما أوحاه إليه وأمره بتبليغه للإنس والجان والقاصي والدان، فأحسن التبيين والتوضيح لما جاء به عن رب العالمين وترك الأمة على المَحجّة البيضاء، فجزاه الله عنها خيرًا، وصلى وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه الذين أقرضوا الله قرضًا حسنًا فأحسنوا قرضًا، وعلى من والاهم واتبعهم سنة وفرضًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أكرَمِ من لطُرق الحق والهدى أضاء، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحمُ الراحمين.

 

وبعد، فيتحدث الشيخ -رضي الله عنه- عن: خصائص "الرُّوحُ الإنسانيُّ"  الذي هو من عالم الأمر، ومن الشأن "الرُّوحانيِّ الإلهيِّ بأصلِ فطرتِهِ"، قال تعالى: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء:85]، وقال تعالى للملائكة عن آدم: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر:29]. 

 

قال: وهذا الروح الإنساني الذي هو بأصله من ذلك العالم، "فلهُ بحكمِ الطَّبعِ حنينٌ وشوقٌ إلى عالَمِ العُلْوِ، وهوَ عالَمُ الأرواحِ، وإلى مرافقةِ الملأ الأعلى" من الملائكة وأرواح النبيين والصديقين والمقربين؛ فإن هذا الروح الذي هو من عالم الأمر عظيم الشأن، وقد كان يسكن في السماء قبل الأرض، ويشير إليه ما جاء من ذكر الأَسْوِدَة التي رآها نبينا ﷺ ليلة الإسراء والمعراج بالنسبة لبني آدم، الأرواح التي لم تخرج بعد إلى عالم الأرض، وأَسْوِدَةٌ عن يمينه وأَسْوِدَةٌ عن يساره، إذا نظر إلى من عن يمينه ضحك، وإذا نظر إلى من على يساره بكى، فسأل ﷺ جبريل فقال: هذه نَسَمُ بنيه، أهل الجنة عن يمينه، وأهل النار عن يساره، فإذا نظر إلى من يدخل الجنة من ذريته فرح وضحك، وإذا نظر إلى من يدخل النار من ذريته حزن وبكى.

فهذه في السماء، جميع أرواح الموجودين الآن في الأرض كانت في السماء، فإذا كُوِّن لها الجسد المُعيَّن لها في بطن الأم، أمر الله الملك أن يأخذها فينفخها في ذلك الجسد بعد أن يتحول من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى هيكل عظمي ثم يُكسى لحمًا، ثم يؤمر الملك فينفخ فيها الروح، فتنحبس الروح في هذا القفص وأصلها مطلقة، وكانت مع الملأ الأعلى.

لذلك خاطب الإمام الحداد روح الإنسان يذكرها بمعهدها الأصيل، فقال:

يا أَيُّها الروحُ هَل تَرضى مُجاوَرَةً *** عَلى الدَوامِ لِهَذا المَظلِمِ الكَدَرِ

فَأَينَ كُنتَ وَلا جِسمًا تُساكِنُهُ *** أَلَستَ في حَضراتِ القُدسِ فَاِدَّكِرِ

تَأوي مَعَ المَلَأِ الأَعلى وَتَكرَعُ مِن *** حِياضِ اُنسٍ كَما تَجني مِنَ الثَمَرِ

حَتّى جُعِلْتَ بِأَمرِ اللَهِ في قَفَصِ *** لَيَبتَليكَ فَكُن مِن خَيرِ مُختَبَرِ

 

فالروح تحن إلى عالمها الأصيل، ولكن بسبب هذا الحبس في الجسد وما سُلِّط على الإنسان في عالم الدنيا من الشهوات التي أول ما ينازله منها  شهوة الطعام، وقد ظل من حين نفخ الروح إلى وقت وضعه وخروجه من بطن أمه يُغذَّى بواسطة السرة من غذاء الأم، لا يأكل شيئًا، ولكن بمجرد ما يخرج من بطن أمه يستعد لأن يمص اللبن وأن يمضغ. 

  • فأول ما يُسلَّط عليه شهوة الطعام، فيألفها ويتدرج في أخذ الأطعمة من اللبن إلى ما هو فوق ذلك من الحلاوات، إلى أن يستطيع أن يمضغ اللحم وتهضمه معدته، وهكذا في أنواع المطعومات، ويتعلق بها، لمّا يشاهد الناس من أول ما يأتيه التمييز، وهم يتصنع بعضهم ببعض ويجامل بعضهم بعضًا ويُرائي بعضهم بعضًا، وفي نفس الوقت يحسد بعضهم بعضًا، ويبغض بعضهم بعض، ويكذب بعضهم على بعض، فيأخذ من هذه الخِلال ومن هذه الأخلاق الساقطة ما يزيدُ في حجاب روحه عن عالمها الأصيل. 
  • ثم تُركّب له بعد ذلك أيضًا شهوة اللهو واللعب والمناظر والصور.
  •  ثم تتركب له شهوة النكاح.
  •  ثم تأتي له شهوة الجاه وشهوة الحكم والسلطان، وكلها مُثقِّلات لروحه وحاجبات لها عن أصلها.

 

لهذا، يقول: لها "حنينٌ وشوقٌ إلى عالَمِ العُلْوِ"، "ولٰكنَّ أغلالَ الشَّهَواتِ وسلاسلَها تَجذِبُهُ إلى أسفلِ السَّافلينَ؛ وهيَ شهَواتُ الدُّنيا التي هيَ صفةٌ عارضةٌ قهرَتِ الصِّفةَ " الأصِيلَة "الطَّبيعيَّةَ، ومنعَتْها عن نيلِ مقتضاها، والألمُ يَتولَّدُ مِنْ بينِهِما" من هذا التضاد. 

قال: "والنَّارُ أيضًا إنَّما تؤلمُ للمُضادَّةِ؛ فإنَّ الملائمَ للتَّركيبِ بقاءُ الاتِّصالِ، والنَّارُ تُضادُّ الاتصالَ بالتَّفريقِ بينَ الأجزاءِ، ولو لم تكنْ قد رأيتَ النَّارَ، فحُدِّثتَ بأنَّ شيئًا لطيفًا ليِّنًا يُماسُّ بدنَكَ فيؤلمُكَ.." ويهلك بدنك، فإن لم تعرف النار وطبيعتها، قلت: إذا كان شيئًا لطيفًا فكيف يؤثر في بدني؟ إن شي قاسي قوي سوا، أما الأمر اللطيف كيف بيؤثر على بدني لا بيؤلمني؛ ولكن قد عرفت النار وأنت مُسلِّم بهذا الأمر.

"ولو لم تكنْ قد رأيتَ النَّارَ، فحُدِّثتَ بأنَّ شيئًا لطيفًا ليِّنًا يُماسُّ بدنَكَ فيؤلمُكَ، لاستنكرتَهُ، وقلتَ: شيءٌ لا صلابةَ فيهِ كيفَ يؤلمُ باللَّمسِ؟!" أشوف الهواء قدامي لا يؤلمني ولا شيء، ولا تعرف إلا إنه لطيف، وما يعرف طبيعة النار وماذا تعمل بالجسد، فيها مضادة.

 

 قال: "التَّضادَّ مؤلمٌ". وكذلك تتألم الروح بانقطاعها عن عالمها واشتغالها بما يضاد ذاك العالم من قبيح الصفات وخبيث الأقوال والأفعال.

 قال: وهذا يؤلم "سواءٌ كانَ بسببٍ خارجٍ أو داخلٍ؛ فإنَّ سُمَّ العقربِ" بعد أن يلسعك العقرب ويذهب، "يبقى في العضوِ، ويؤلمُ لفرطِ برودتِهِ المُضادَّةِ لحرارةِ البدنِ؛ فلا تظنَّنَّ أنَّ الآلامَ كلَّها تدخلُ مِنْ خارجٍ"، هناك آلام داخلية وربما كانت أشد.

وهكذا، و استجب لنداء روحك وهي تتشوق لعالمها الأول ومرافقة الملائكة والأرواح الطاهرة. 

وإنما يكون التلبية لنداء هذه الروح: 

  • بتخفيف العلائق بالفانيات. 
  • وبكثرة الذكر لرب البريات جل جلاله.

 

فبكثرة الذكر يظهر سر ما في الغيوب، (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:152]. (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب:35]. 

لذا تجد من انحطاط الأمة أنه ما بين غافل عن الذكر من أصله، وما بين غافل في الذكر، يأخذون له نصيب من الأذكار في يومه وليلته، فرادى أو جماعات، مع ذلك ربما كان يذكر والقلب غافل، يذكر بذكر اللسان، فما أثَّر الذكر وما ظهرت الآثار لهذا الذكر، وإلا فمن شأنه أن يزيح الحُجب ويكشف الران ويبعد الران عن القلب ويطهره، فتنفتح عين البصيرة ويشرق نور القلب فيدرك الحقائق، ولكن لمّا يذكر وهو غافل يصير شأنه مثل هذا. 

 

ويُروى أن النبي موسى -عليه السلام- قال له بعض أمته: إن لي مطلبًا وحاجة من الله، فعلمني دعاءً أدعو الله به فيجيب دعائي. فعلمه، فأخذ يلح سنة وما رأى أثر الإجابة، فجاء إلى سيدنا موسى قال: يا كليم الله، لي سنة وأنا أدعو بهذا الدعاء وما انقضت حاجتي. قال: إذا كلمت ربي أسأله عنك. فلما كلم ربه قال: يا رب، عبدك فلان له سنة يدعوك وما انقضت حاجته. وأنا عبد من عبادك بما أعطيتني من رحمة، لو كانت حاجته إليَّ وسألني لأعطيته إياها، وأنت أكرم الأكرمين. فأوحى الله له: يا موسى، إن هذا يسألني ويدعوني وقلبه عند غنمه، طول السنة يدعوني ولكن قلبه مع الغنم، فلو دعاني مرة وقلبه معي لأجبته، لو مرة واحدة يدعوني وقلبه معي لأجبته؛ ولكنه يدعوني وقلبه عند غنمه.

فصار إصابة المسلمين بالانحطاط الكبير:

  •  إما بعدم الذكر.
  • وإما بالغفلة في الذكر عن المذكور جل جلاله.

ولو عملوا بالحضور مع الله في الذكر لأثمر لهم الذكر تنويرًا وتطهيرًا وخيرًا كبيرًا.

لذا كان يذكُر بعض الأحباب، أن بعض أهل النور والعلم في الشام كان في سوريا، وكان يَشْغَلُ من جاءه بالذِّكر لله تبارك وتعالى؛ فيتوصل إلى تطهير بواطنهم، قال: حتى جاءه بعض النصارى فقال له: اكتب لي إيش  تعتقد، عقيدة كذا الثالوث… اكتب لي كل ماتعتقده، فكتبه؛ فقال له: خلاص، الآن ادخل إلى الخلوة هذه؛ شغلك اسم الله فقط الله الله، ولا تشتغل بغيره، والشيخ يراقبه ويدعو له، أول يوم.. وثاني يوم.. وثالث يوم.. اخرج، خرجوه من الخلوة جاء، فقال له: خذ هذه عقيدتك، فقال: أستغفر الله أستغفر الله هذا ضلال. قال: كيف؟ أنت كتبته بيدك. قال: هذا ضلال، هذا ضلال، الله واحد، ما يكون معه إله غيره، هو على كل شيء قدير. تغير حاله من خلال الذكر، بس مشغول بالذكر ثلاثة أيام تحت نظر هذا الشيخ، فتغيرء وخرج من النصرانية ورجع إلى الإسلام من دون ما يكلمه الشيخ عن شيء ولا يحدثه عن شيء، ولكن ذكر الله جل جلاله.

لا إله إلا الله، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

وهو الذي قال لسيدنا معاذ بن جبل: "يا معاذ، إني أحبك فلا تَدعنَّ أن تقول بعد كل صلاة: اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". 
فاعلم أن الذكر ما هو مجرد حركة اللسان، بل بطلب المعونة عليه؛ أعنِّي على ذكرك، أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. كما كان يقول سيدنا عمر في الدعاء: إني لا أحمل همّ الإجابة، ولكن أحمل همّ الدعاء، كيف أدعو؟ وعلى أي حال؟ وكيف أؤدي هذا الدعاء؟ وما حالي مع الله فيه؟ هذا الهمّ، أمّا الإجابة (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر:60] جل جلاله، ولهذا قال: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ) [النمل:62] جل جلاله وتعالى في علاه.

 

وهكذا نعلم شؤون هذه الأرواح وما فيها، ومفاتيح الاتصال برغباتها وشوقها وتطلُّباتها العلوية، ومفتاح ذلك بواسطة الحضور مع الله وكثرة الذكر لله -جل جلاله وتعالى في علاه-، حتى تذهب القساوة وترتفع الغشاوة، ويتنوّر الطريق، ويُشَمُّ العبيق والمسك العتيق من حقائق جود الرحمن -سبحانه وتعالى-، ويُسقى صاحبه من أحلى رحيق، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

 

قال بعض الصحابة لنبينا: إن شرائع الإسلام كثُرتْ عليَّ، فمُرْنِي بعمل أتشبث به. قال: "لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله".   

 

وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"فإن قلتَ: إنَّ العقربَ إنَّما لدغَتْ مِنَ الخارجِ.

فاعلمْ: أنَّ ألمَ السِّنِّ وألمَ العينِ لا يقصرُ عنهُ، وإنَّما سببُهُ انصبابُ خَلْطٍ داخلٍ مُضادٍّ لمِزاجِ العينِ والسِّنِّ، وليسَ ذلكَ بأهونَ مِنْ لدغِ الحيَّةِ والعقربِ.

واعلمْ: أنَّ تضادَّ الصِّفاتِ على القلبِ يؤلمُ القلبَ إيلامًا لا يَنقُصُ عمَّا يؤلمُ السِّنَّ والعينَ، ومثالُهُ في أضعفِ الصِّفاتِ: أنَّ البخيلَ المرائيَ إذا طُلِبَ منهُ عطيَّةٌ علىٰ ملأٍ مِنَ النَّاسِ عندَ مَنْ يريدُ أن يعرفوهُ بالسَّخاءِ.. يَتألَّمُ قلبُهُ لتضادِّ صفتينِ؛ إذ البخلُ يتقاضاهُ ألَّا يُعطيَ، وحبُّ الجاهِ يتقاضاهُ أن يُعطيَ، وقلبُهُ بينَ هاتينِ الصِّفتينِ كشخصٍ يُنشَرُ بِمِنشارٍ نصفينِ.

فهذا مثالُ حسرةِ الفوتِ، وعِظَمُها بقَدْرِ ما يَنكشِفُ مِنْ جلالةِ قَدْرِ الفائتِ، ولا تعلمُهُ بالحقيقةِ في هٰذا العالَمِ، بل في عالَمِ الكشفِ، وهوَ نبأٌ عظيمٌ أنتُم عنهُ مُعرِضونَ.

 

واعلمْ: أنَّ هٰذهِ الأصنافَ الثَّلاثةَ لها ترتيبٌ:

فالصِّنفُ الأوَّلُ الذي يلقاهُ الميِّتُ المُعذَّبُ: هوَ حُرْقةُ فُرْقةِ المُشتهَياتِ؛ وذلكَ تِنِّينُ حبِّ الدُّنيا، ولذلكَ أُضيفَ ذلكَ إلى القبرِ، وإنَّما سبقَ هٰذا لأنَّ أغلبَ الأشياءِ على قلبِ الميِّتِ في الحالِ فِراقُ ما يفوتُهُ في الدُّنيا؛ مِنْ جاهٍ ومالٍ ومنصبٍ ونعمةٍ.

ثمَّ بعدَ ذلك تَنكشِفُ لهُ أرواحُ الأعمالِ وحقائقُها القبيحةُ؛ وذلكَ عندَ الانغمارِ التَّامِّ في الموتِ، وبُعدِ العهدِ بغِشاوةِ صفاتِ الدُّنيا، وكلَّما كانَ إمعانُهُ في الموتِ أشدَّ.. فهوَ للكشفِ أقبلُ، فيَفيضُ عليهِ عندَ ذلكَ خزيُ الفضيحةِ، ولذلكَ أُضيفَ هٰذا إلى القيامةِ؛ لأنَّهُ وسطٌ بينَ منزلِ القبرِ وبينَ دارِ القرارِ؛ ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ) [التحريم:8]؛ أي: يومَ القيامةِ.

 

الله  يجعلنا معه والذين آمنوا كثير؛ لكن الذين (آمَنُوا مَعَهُ) لا يُخزَون، (آمَنُوا مَعَهُ) هذا يحتمل المعاني: 

  • (آمَنُوا مَعَهُ) وهم معه بقلوبهم وبوجهاتهم ونياتهم. 
  • (آمَنُوا مَعَهُ) -صلى الله عليه وصحبه وسلم- وهم الذين عاشوا في الجوار المعنويّ له والقرب منه بالأرواح. 
  • (وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) فيكونون في الآخرة معه.

فلا خزي عليهم أصالة، ولا خزي عليهم تبعية له ﷺ، وهم المتحققون بحقائق لا إله إلا الله.

 

يقول: "تضادَّ الصِّفاتِ على القلبِ يؤلمُ القلبَ"، ويقول: إذا قلت العقرب لو لدغته لكنها من الخارج تأتي، قال: عندك ألم السِّن تعرفه!؟ وألم العين تعرفه!؟ حتى إن مِن كثير منّا ممن أصيب بألم السِّن يقول: أشد أشد الأوجاع وجع السِّن؛ وكثير ممن أصيب بوجع العين يقول: ما وجع إلا وجع العَين؛ ولا هم إلا هم الدَّين؛ لأنه هو الذي ذاقه، ما ذاق الأشياء الثانية، وهو يفوق ألم لدغة العقرب، ألم العين إذا جاء، من أين جاء؟ جاء من تضادّ أمور في الداخل. 

يقول سيدنا الإمام الغزالي وهو يحلل ويشخص المرض، يقول: "انصبابُ خَلْطٍ داخلٍ مُضادٍّ لمِزاجِ العينِ -ومضادّ لمزاج- السِّنِّ، -وهذا- ليسَ بأهونَ مِنْ لدغِ الحيَّةِ والعقربِ". لكن "تضادَّ الصِّفاتِ على القلبِ يؤلمُ القلبَ إيلامًا لا يَنقُصُ عمَّا يؤلمُ السِّنَّ والعينَ"

قال: "مثالُهُ في أضعفِ الصِّفاتِ"، لو فرضنا بخيل ولكن مرائي يحب أن الناس يثنون عليه بأنه سخي، وأنه كريم، وهو بخيل، قلبه يحب المال ويشق عليه بذله، ولكن يحب أيضًا الجاه وأن يقال إنه سخي. فإذا سُئل بحضرة من يحب أن يُعرَف بينهم بالسخاء، يعتصر قلبه ألمًا، البخل يقول له: لا تخرّج، ومحبة الجاه تقول له: خرِّج، خلَّهم يمدحونك، يحس بعصرة وسط باطنه وألم من مضادّة الصفتين، تضادّ هاتين الصفتين. بخلاف السخي يلتذ؛ يلتذ بالعطاء. ولذا ضرب النبي المثل للبخيل وللسخي، وأن ذاك عليه جُبّة وضيقة وحلقة تمسك في حلوقه، هذا حال البخيل، والثاني واسع، الأمر له فهو يلتذ بالعطاء وبالسخاء، وهكذا.

حتى قال ابن الوردي -عليه رحمة الله تعالى-:

 أعذب الأشياء قولي لك خذ *** وأمَرُّ القول نطقي بلعلّ

 

وهكذا يقول: تضادّ الصفات الذي هو يورث الآلام.

قال: "مثالُ حسرةِ الفوتِ، وعِظَمُها بقَدْرِ ما يَنكشِفُ مِنْ جلالةِ قَدْرِ الفائتِ". قال: "ولا تعلمُهُ بالحقيقةِ في هٰذا العالَمِ، بل في عالَمِ الكشفِ". وهو نبأ، يقول: "وهوَ نبأٌ عظيمٌ أنتُم عنهُ مُعرِضونَ". ولكن من أقبل وتوجّه، عرَف وتنبه، ثم صُفّي وصُقّل مرآة قلبه فواجه الأمر مع من واجه وأدرك الحقيقة.

قال: والصفات "الأصنافَ الثَّلاثةَ لها ترتيبٌ":

"فالصِّنفُ الأوَّلُ الذي يلقاهُ الميِّتُ المُعذَّبُ: هوَ حُرْقةُ فُرْقةِ المُشتهَياتِ؛ وذلكَ تِنِّينُ حبِّ الدُّنيا، ولذلكَ أُضيفَ ذلكَ إلى القبرِ،" لأنه أول المنازل من منازل الآخرة القبر أقربها إلى الدنيا. "لأنَّ أغلبَ الأشياءِ على قلبِ الميِّتِ في الحالِ فِراقُ ما يفوتُهُ في الدُّنيا؛ مِنْ جاهٍ ومالٍ ومنصبٍ ونعمةٍ" وما إلى ذلك. 

"ثُمَّ تَنكشِفُ لهُ أرواحُ الأعمالِ"، وإذا به يشاهد نفسه أنه كيف كان ملطخ بالخبائث والقبائح وشنائع الأقذار. يعني يبدو له قذر الكذب، قذر الخيانة، قذر النظرة الحرام، قذر الشرب المسكر، قاذورات كانت مغيب عنه قذرها، "تَنكشِفُ لهُ" فيشوف نفسه مثل الذي كان يظن نفسه نظيف طيب، ما يشعر إلا جابوا له مرآة قدامه ملطخ بالأوساخ وجهه و.. يشمئز من الأمر أيش هذه القباحة التي أنا فيها!. فالقبور تنكشف قبائح المعاصي بأصنافها، على قدر بعدها عن الله وغضب الله على أهلها. يبدأ ذاك الحين يحس بألم، ألم خزي ظهور الفضائح والقبائح التي هو فيها.

 

"تَنكشِفُ لهُ أرواحُ الأعمالِ وحقائقُها القبيحةُ؛ وذلكَ عندَ الانغمارِ التَّامِّ في الموتِ، وبُعدِ العهدِ بغِشاوةِ صفاتِ الدُّنيا، وكلَّما كانَ إمعانُهُ في الموتِ أشدَّ.. فهوَ للكشفِ أقبلُ، فيَفيضُ عليهِ عندَ ذلكَ خزيُ الفضيحةِ"، ولهذا قال: "ولذلكَ أُضيفَ -أكثره- إلى القيامةِ؛ لأنَّهُ وسطٌ بينَ منزلِ"، لأنه هذا الوسط ما بين الدار اللي يبقى فيها وما بين الدنيا وقت القيامة، فهناك تنكشف (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ‎) [الطارق:9]. و(يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ)‎ [الحاقة:18] .

لا إله إلا الله.

والحق تعالى باسط يده يقول له: القاذورات التي فيك والخبائث، تُرِيدني أطهرك منها وأكفيك شرها. "إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ". فطهّر نفسك قبل ما يفوت الأوان، وبعدين تفتضح وتظهر فيك. فهو من كرمه وجوده أنه سبحانه وتعالى باسط فضله وإحسانه ليصفينا من قاذوراتنا بأصنافها، صغائرها وكبائرها، إذا تُبنا إليه ورجعنا إليه جل جلاله. حتى أكبر الكبائر من مثل الشرك -والعيأذ بالله تعالى- ومن مثل السحر ومن مثل أكل مال اليتيم، ومن قتل النفس، إذا تاب إليه التائب وصدق، كفّرها وغفرها له -جل جلاله- قبل ما يُفضَح بها في القيامة. لا إله إلا هو، ما أعجبه من ستّار كريم غفار!. 

 

فلا يهلك على الله إلا هالك، الذين ما استحوا من ربهم ولا عرفوا قدر عظمته وبارزوه وماتوا مصرين على الذنوب -والعياذ بالله تبارك وتعالى- هم الهالكون، وهم الذين يُفضحون في القيامة.

وفي أدعية سيدنا علي زين العابدين قال: ولا تفضحنا يا مولانا في حاضر القيامة بموبقات الآثام، واعفُ عنا ما ارتكبنا من الحرام.

هذا خوفهم وهم في مراتب الصديقية الكبرى -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-. يقول: ثَبِّت به عند اضطراب جسور  جهنم يوم القيامة زلة أقدامنا، ونجنا من كُرَب يوم القيامة وشدائد أهوال يوم الطامة، وبَيِّض به عند القيام وجوهنا إذا اسودت وجوه العصاة في موقف الحسرة والندامة. (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [آل عمران:106].

الله يجعلنا في ذلكم اليوم في ستره الجميل وفضله الجزيل ومرافقة حبيبه الجليل، اللهم آمين.

 

يقول: "أُضيفَ هٰذا إلى القيامةِ؛ … قالَ اللهُ تعالى: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ) [التحريم:8]؛ أي: يومَ القيامةِ".

  • (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) [التحريم:8].
  • اللهم اجعلنا معه ظاهراً وباطناً، (وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖنُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير) [التحريم:8].

 

وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"وأمَّا حسرةُ فواتِ المحبوباتِ. فيستولي عليهِ آخراً؛ عندَ دارِ القرارِ في النَّارِ، ففيها يقولُ: (أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ) [الأعراف:50].

وذلك: أنَّ بُعدَ العهدِ عنِ الدُّنيا ربَّما يُخفِّفُ عنهُ عذابَ النُّزوعِ إليها، وطُولَ العهدِ بالكشفِ يُوجِبُ خروجَهُ عن خزي الافتضاحِ؛ فإنَّ سَوْرةَ عذابِ الخزي تكونُ عندَ هجومِ الافتضاحِ، ثمَّ يألفُ الفضيحةَ والخزيَ إلفاً ما، ثمَّ عندَ فتورِهِما قليلاً تنبعثُ حسرةُ الفَوْتِ؛ إذ تظهرُ جلالةُ الفائتِ، ثمَّ تبقى حسرةُ الفَوْتِ آخراً، ويُشبِهُ أن يكونَ ذلكَ لا آخرَ لهُ.

وهٰذا كلُّهُ تَعرِفُهُ قطعاً إذا عرفتَ نفسَكَ، وعرفت أنَّكَ لا تموتُ، لكن تَعمىٰ عينُكَ، وتَصَمُّ أذنُكَ، وتُفلَجُ أعضاؤُكَ، فأمَّا الحقيقةُ التي أنتَ بها أنتَ.. فلا تفنى بالموتِ أصلاً، بل يَتغيَّرُ حالُكَ فقطْ، ويبقىٰ معَكَ جميعُ معارفِكَ، وإدراكاتِكَ الباطنةِ وشهَواتِكَ، وإنَّما تَعذُّبُكَ بفِراقِ ما أحببتَ، وافتضاحُكَ بظهورِ ما ينكشِفُ في تلكَ الحالِ، وتحسُّرُكَ على فواتِ ما تَعرِفُ عِظَمَ قَدْرِهْ بعدَ الموتِ لا قبلَهُ، وهذا كلُّهُ مُقدّماتُ العذابِ الحِسِّيِّ البدنيِّ، وذلكَ أيضاً حقٌّ، ولهُ ميعادٌ معلومٌ، كما وردَتْ بهِ الآيُ والأخبارُ".

 

هكذا وردت الآي والأخبار بشؤون العذاب الحسي مما يحصل من ضرب الملائكة، ومن جوع الناس في النار، ومن الحيات والعقارب، ومن حريق النار نفسها، ومن السلاسل ومن الأغلال ومن الضرب بالمقامع من حديد، كل هذا حاصل.

إلا أنه يكون فيه مقابلة بين الآلام الباطنة مع هذه الحسية فيجمع الأمرين، فلو كان واحد من الذين أصابهم ألم إما بسبب فراق شيء مما يحبه أو كان بسبب فضيحة، لو أضيف إليه أيضًا ضرب فوقه، لكان التعب مضاعف عليه، والألم بعده موجود في الداخل وعاد ألم من خارج الجسد يتضاعف.

فكذلك هذا من عند الموت يبدأ انكشاف الحقائق فيبدؤون يتألمون، وعاد المباشرة بضرب الأجساد هذا مقبل إلى وقت دخول النار، لكنهم في خلال أيام البرزخ حتى المشاهدة للنار والعياذ بالله يشاهدونها، (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ) كما قال الله في قوم فرعون، (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:46]. فهم تُعرض عليهم النار، كل هذا ما شيّ يمس الجسد الحين ولكن الروح متألمة.

ومن غير شك أنه من دون إيلام خارجي من الجسد، تألم الروح في الجسد يجعل الجسد كله أيضاً متألماً. ولكن إذا انضاف إلى هذا آلام من خارج الجسد تدخل عليه وآلام من داخله، اشتد الأمر. وهذا يكون بالوصول إلى النار، وإذا بالآلام داخلية وخارجية.

يشير إلى هذه الداخلية قول الحق لهم:(إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) [المؤمنون:109-111] وهكذا.-

وكما أيضًا من الأمر المعنوي الداخلي فيهم إرادتهم الخروج (كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا) [الحج:22]، فإرادة الخروج والتولع به ثم الرد عنه ، والصد وعدم الحصول عليه ألم فوق الألم وهكذا. وإلى جانب الأمور الحسية (وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) [الكهف:29] (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) [محمد:15] والعياذ بالله تبارك وتعالى. فيشتد العذاب ويكون نهايته الوصول إلى النار. 

اللهم أجرنا من النار، (رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران:192]. اللهم أجرنا من النار. 

وقد علمنا ﷺ بعد صلاة المغرب سبعاً: اللهم أجرنا من النار، فإن مات في ليلته أجاره الله من النار. وبعد صلاة الفجر سبعاً اللهم أجرنا من النار، فإن مات من يومه أجاره الله تعالى من النار. ولا يجير من النار غير العزيز الغفار القهار جل جلاله.

اللهم أجرنا من النار، وأجر أهلينا ووالدينا وذوينا وأهل الحقوق علينا  برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

يقول: "حسرةُ فواتِ المحبوباتِ" تأتي في الأخير عندما يستقرون في النار، وعندها يقولون: "(أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ)"، يحسون أيش الذي فاتهم من تسبيح أولئك، إيمان أولئك، صلاة أولئك، كانوا يستهزئون بهم في الدنيا، لكن رأوا صلواتهم كيف رجعت وصومهم كيف رجع وزكواتهم كيف رجعت وأيش حصلوا من فوائد وها فاتتهم، فيجيء هنا: "(أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) [الأعراف:50].

قال: وهكذا..

ثم يقول: تنبعث هذه الحسرات في النار والعياذ بالله تبارك وتعالى. "إذا عرفتَ نفسَكَ، وعرفت أنَّكَ لا تموتُ، لكن تَعمىٰ عينُكَ، وتَصَمُّ أذنُكَ، وتُفلَجُ أعضاؤُكَ"، تعرفه وتعرف الألم. "فأمَّا الحقيقةُ التي أنتَ بها أنتَ.. فلا تفنى بالموتِ أصلاً، بل يَتغيَّرُ حالُكَ فقطْ، ويبقىٰ معَكَ جميعُ معارفِكَ، وإدراكاتِكَ الباطنةِ وشهَواتِكَ". 

ولهذا خير ما يبقى من العلوم وينفع بعد الخروج من هذه الدنيا علمك بالله، علمك بصفاته، علمك باسمائه، هذا علم عجيب وينفعك، ويبقى مع الإنسان ويستمر معه، وينتفع به الإنسان ويرتفع ويتلذذ به. ثم العلم بأنبيائه ورسله وملائكته وصفاتهم، هذه العلوم العجيبة البديعة، يبقى صلة بعلوم الشرع وإن كان الكثير منها مجرى الحكم فيه مُناط بالدنيا، ولكن فيه صلة بأمر الله تعالى ونهيه، فيبقى معه نصيب أيضًا من الشرف، ولكن الأشرف هو المعرفة بالله، من كان أعمق في معرفة الله لله.

 

ولذا كان كثير من مسائل الأحكام حتى الصحابة يرجعون فيها إلى بعض التابعين أو يحولون عليه، لكن لما تجيء مسائل المعارف والذوق ما أحد يفوق الصحابة، لا تابعي ولا غيره، هم أعرف بها. 

قد سُقوا الكأس على يد سيد الناس، فهم أعرف بالله تبارك وتعالى، وأقوى إيماناً وإن كان غيرهم في العلوم الظاهرة في الأحكام يتوسع فيها بعض التابعين، وكانوا يحولون عليهم يقولون: اسألوا مولانا الحسن. اسألوا…، يقولون وهم صحابة! يقولون: اسألوا مولانا فلان من التابعين، يقولون ارجعوا إليهم، لكن المعارف والأذواق ما يتقدم فيها لا الحسن البصري ولا غيره على أحد من الصحابة، فهم أعرف لأنهم اتصلوا بيد المعرِّف الأكبر بالحق صلى الله وسلم عليه وعلى آله، فأدركوا من ذوق المعرفة، وإذا كان الواحد من ورثته تقع عينك عليه فتحس بمعرفة في قلبك، تحس بنور في قلبك، تجلس معه هو ساكت وأنت ساكت تحس بزيادة إيمان، وكيف هم مع الحبيب الاعظم؟ ومع ذلك صلوا وراءه وخلفه، وسمعوا قراءته، ومشوا معه، وجلسوا معه، كيف الحال؟ جلسوا صامتين وهو صامت وسمعوه يتكلم لما يتكلم ﷺ، فمن غير شك أنهم أقوى الأمة إيمانًا عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، وجمعنا بهم في دار الكرامة يا أرحم الراحمين.

 

قال: إنما العذاب يكون "بفِراقِ ما أحببتَ، وافتضاحُكَ بظهورِ ما ينكشِفُ في تلكَ الحالِ، وتحسُّرُكَ على فواتِ ما تَعرِفُ عِظَمَ قَدْرِهْ بعدَ الموتِ لا قبلَهُ، وهذا كلُّهُ مُقدّماتُ العذابِ الحِسِّيِّ البدنيِّ"، ثم يأتي العذاب بالنار والعياذ بالله تعالى، (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:46].

اللهم أجرنا من العذاب ومن النار، ونعمنا بالمعرفة بك والقرب منك يا أرحم الراحمين.

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة













الأربعين في أصول الدين - 46 | ذكر الموت (6) مواصلة بيان أصناف عذاب الآخرة: حسرة فوات المحبوبات

 



Ingat Akan Mati (6), Sambungan Penjelasan Mengenai Jenis-Jenis Azab Akhirat: Penyesalan Yang Mendalam Akibat Kehilangan Perkara-Perkara Yang Dicintai.



Video


الدرس السادس والأربعون للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي. القسم الرابع: الأخلاق المحمودة: تكملة شرح الأصل العاشر: ذكر الموت (6)

 في مسجد الحسين بن طلال، عمّان، ضمن دروس الدورة العلمية في موسم شهداء مؤتة الأبرار، الأردن

فجر الأحد 4 جمادى الأولى 1447هـ

تأمّل حال من أُتيح له القرب من الله ثم آثر الدنيا؛ يشرح الحبيب عمر بن حفيظ كيف تتحوّل الغفلة عن الطاعة إلى حسرة لا تنقطع، ويبيّن أن أشد عذابٍ للروح هو أن تُحجب عن لذة القرب ومعرفة الله، يُقارن بين من اغتنم عمره في الطاعة وبين من أضاعها في اللهو، وذكر مثالٍ بديعٍ عن من سخر من الحاملين للأحجار في الظلمة ورأى أنها جواهر بعد فوات الأوان..

 

نص الدرس المكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبِسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

"الصِّنفُ الثَّالثُ: حسرةُ فواتِ المحبوباتِ:

فقدِّر نفسَكَ معَ جماعةٍ مِنْ أقرانِكَ دخلتُم في ظلمةٍ، فكانَ فيها حجارةٌ لا تُرىٰ ألوانُها، فقالَ أقرانُكَ: احمِلْ مِنْ هذا ما تطيقُ؛ فلعلَّهُ يكونُ فيهِ ما يُنتفَعُ بهِ إذا خرجنا مِنَ الظُّلمةِ، فقلتَ: وماذا أصنعُ بها؟ أتحمَّلُ في الحالِ ثقلَها، وأَكُدُّ نفسي فيها، وأنا لا أدري ما عاقبتُها؟! ما هٰذا إلَّا جهلٌ عظيمٌ؛ فإنَّ العاقلَ لا يتركُ الرَّاحةَ نقداً بما يَتوقَّعُهُ نسيئةً ولا يستيقنُهُ؟!

فأخذَ كلُّ واحدٍ مِنْ أقرانِكَ ما أطاقَ أخذَهُ، وأعرضتَ عن ذلكَ تستحمِقُهُم وتَستجهِلُهُم وتَسخَرُ بهِم؛ لأنَّهُم يَنُوءُونَ تحتَ أعبائِهِ وثقلِهِ، وأنتَ مُرَفَّةٌ في الطَّريقِ، تعدو وتضحكُ منهُم ، فلمَّا جاوزوا الظُّلمةَ.. نظروا، فإذا هيَ جواهرُ ويواقيتُ، يساوي كلُّ واحدٍ ألفَ دينارٍ، فأقبلوا علىٰ بيعِها، وتوصَّلوا بها إلى الجاهِ والنِّعمةِ، وأصبحوا ملوكَ الأرضِ، فأخذوكَ واستسخروكَ لتعهّدِ دوابِهِم، يُنفِقونَ عليكَ كلَّ يومٍ قدراً يسيراً مِنْ فَضَلاتِ الطَّعامِ!!

فكيفَ ترى اشتعالَ نيرانِ الحسرةِ في قلبِكَ وبدنُكَ بمَعزِلِ عنهُ؟! وكم تقولُ: يا حسرتي على ما فرطتُ في جنبِ اللهِ، ويا ليتَنا نُرَدُّ فنعملَ غيرَ الذي كنَّا نعملُ، وتقولُ لهُم: أفيضوا علينا ممَّا أُفيضَ عليكم، فيقولونَ لكَ: هٰذا حرامٌ عليكَ، ألم تكنْ تَسخَرُ منَّا، وتضحكُ علينا؟! فلا بدَّ أن نَسخَرَ اليومَ منكَ كما كنتَ تَسخَرُ منَّا.

فلا يزالُ ينقطعُ نِياطُ قلبِكَ مِنَ التَّحسُّرِ، ولا ينفعُكَ التَّحسُّرُ، ولكنْ تَتسلَّى وتقولُ: الموتُ يُخلِّصُني مِنْ هٰذا كلِّهِ".

 

لا إله إلا الله، الحمد لله القوي المتين الذي خلق الدنيا والآخرة ليختبر عِباده المؤمنين والكافرين، فيُبوِّئ المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من النعيم المُقيم والمُلك الدائم، ويُبوِّئ الكافرين والصادِّين عن سبيله والرافضين لدعوته على أيدي رسله سوء الجحيم والعذاب الأليم المُهين العظيم -أجارنا الله من عذابه-.

نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، القول قوله والمُلك مُلكه، قوله الحق وله المُلك يوم يُنفخ في الصور، عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير، ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، البشير النذير، والسراج المُنير، المُبيّن لحقائق الحال والمصير، والداعي إلى مسلكِ مرضاة العليم القدير. فصلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم يا ربِّنا على عبدك الهادي الذي دعانا إليك على بصيرة، وجاءنا مِنك بالشريعة العظيمة اليسيرة، وعلى آله وصحبه أهل المراتِب الكبيرة، وعلى من سار في دربهم على بصيرة، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورُسلك، وعلى أهل الدرجات العلية الخيّرة، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقرّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

وبعد، فيُواصل الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- ذكر نماذج مما يكون ناراً وعقارِب وحيّات لباطِن الإنسان ولروحه دون أن يمسّ جسده شيء من الخارج. 

 

وذكر لنا في هذا الباب والمجال ما يكون من حُرقة فُرقة المُشتهيات، وما يكون من خزي خجْلة الفاضِحات، ويذكر الآن الصنف الثالث: وهو "حسرةُ فواتِ المحبوباتِ"، ولذلك آلام شديدات كبيرات على باطِن الإنسان، تكون كذلك في الآخرة على كلّ من ضيّع الطاعة، وعلى كل من أُتيحت له فُرصة الإقبال على الحق فلم يصدُق في الإقبال، وأُتيح له فُرصة الأعمال الصالحة فلم يعمل تلك الأعمال، وأُتيح له فُرصة التقرُّب إلى الرحمن -تبارك وتعالى- فأعرض اشتغالاً بشيء من التُّرَّهات والبطالات والشهوات الفانيات، فإنه يتعرّض للحسرات الكبيرات، ويتعرّض لحسرة ما فات عليه مما لا يُمكن التدارك فيه، ولا يمكن الرجوع فيه، ولا يمكن التعْويض عنه.

فهكذا شأن العقلاء، يُدرِكون هذه الحقائق ويسلِكون مسالك خير الطرائق، يغنمون الأعمار القصيرة و يملؤونها بما يوجب الفوز في حياة الخلد الكبيرة. 

 

يقول: "فقدِّر نفسَكَ معَ جماعةٍ مِنْ أقرانِكَ دخلتُم في ظلمةٍ، فكانَ فيها حجارةٌ.." فقال الجماعة: لعل في هذه الأحجار ما ينفع ويفيد، فيأخذ كلٌّ منها ما يستطيع، فإذا جئنا إلى النور أبصرناها، فإن كانت ذات فائدة ومنفعة استفدنا، وإلا فما علينا شيء من حملها، فاسْتهزأت بهم واستسخرت منهم وقلت لهم: مجانين، تُحمِّلون أنفسكم هم الأحجار الثقيلة ولا تنفعكم ولا فيها فائدة، وتوقعكم الفائدة فيها نسيئة، لكن الآن تتعبون بها في حملها في الطريق، وأنا أحسن لي ألا أحمل شيئاً من هذه الأحجار وأمشي خفيفاً وأنا مُترفِّه وأنتم مع تعبكم. وأخذت تستهزئ بهم وتسخر بهم، وحمل كل منهم ما يستطيع وأنت لم تحمل شيئاً. ومضيتم حتى أشرق النهار وجاء النور فإذا بها جواهر غالية كبيرة كريمة، كل واحدة بألف دينار. فتقول: هاه ها! ومضوا يبيعونها وصاروا ذوي أملاك. قلت لهم: ألا تعطوني شيئاً؟ قالوا: ما نعطيك، أنت كنت تستهزئ وتضحك بنا! بنرحمك بأن سخَّرناك مع الدواب، ونستأجرك مع الدواب ترعى لنا الدواب، نعطيك شيئاً من هذا. ويقول: أفيضوا عليّ شيئاً من هذا، فيقولون لك: تضحك علينا وتستهزئ بنا وتسخر بنا، فالآن هذا ممنوع عليك، ما لك شيء من هذا النصيب. قال: هذا مثال من الأمثلة. 

 

فإذا قال: كيف ترى اشتعال الحسرة في قلب هذا الإنسان؟ وبدنه بمعزل عن المُنكِّدات، ويقول: (يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ) [الزمر:56]، يا ليتني أُردُّ إلى المكان هذاك، كيف الطريق لرُجوعنا؟ ما عاد يمكن الرجوع إلى المكان الذي كنّا فيه، خلاص انتقلنا عنه انتِقالاً أبديّاً، ما عاد يمكن نرجع إليه. آخذ قليل من هذا الذي أخذتم؟ ولا عاد شيء.

فيقولون كما جاءت لنا به الآيات الكريمة: (أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) [الاعراف:50]، يقول الكفار للمؤمنين، (قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) أنتم كنتم تستهزئون بالرسل و بالأنبياء وبما جاء عن الله تعالى، واليوم تقولون أعطونا مما عندكم. 

 

وكذلك يقول: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ، (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) [فاطر:37] قال: "ينقطعُ نِياطُ قلبِكَ مِنَ التَّحسُّرِ، ولا ينفعُكَ التَّحسُّرُ" وذلك لأنه يفيض على أهل المعرفة والطاعة من أنوار جمال الوجه وما يحصل به من لذّة مبلغاً لا يوازيه نعيم الدنيا أصلاً.

 

وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"فاعلمْ: أنَّ حالَ تاركِ الطَّاعاتِ في الآخرةِ كذلكَ يَنكشِفُ لهُ، ولكنْ لا مطمعَ في الموتِ المُخلِّصِ، بل هيَ حسرةٌ أبديَّةٌ دائمةٌ، وألمُها يتضاعفُ كلَّ يومٍ وإن كانَ البدنُ بمَعزِلِ عنها، وعنهُ العبارةُ بقولِهِ تعالى: (أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ) [الأعراف:50].

وذلكَ لأنَّهُ يُفيضُ على أهلِ المعرفةِ والطَّاعةِ مِنْ أنوارِ جمالِ الوجهِ ما يَحصُلُ بهِ مِنَ اللَّذَّةِ مبلغٌ لا يوازيهِ نعيمُ الدُّنيا أصلاً، بل يزيدُ عليهِ ما لا يدخلُ تحتَ الحصرِ، لا نسبةَ بينَهُما إلَّا مِنْ حيثُ المشاركةُ في الاسمِ، بل يُعطى آخرُ مَنْ يَخرُجُ مِنَ النَّارِ مثلَ الدُّنيا عشرَ مرَّاتٍ، كما وردَ بهِ الخبرُ، لا بمعنى تضاعفِ المقدارِ بالمِساحةِ، بل بتضاعفِ الأرواحِ، كما أنَّ الجوهرةَ تكونُ عشرةَ أمثالِ فرسٍ، لا بالوزنِ والمقدارِ، بل بروحِ الماليَّةِ؛ إذ قيمتُها عشرةُ أمثالِهِ.

واعلمْ: أنَّ تحريمَ تلكَ اللَّذَّاتِ وإفاضتَها عليهِم ليسَ مِنْ جنسِ تحريمِ الرَّجلِ نعمةً على عبدِهِ بغضبٍ أو باختيارٍ حتَّى يُتصوَّرُ تغيُّرُهُ، بل هوَ كتحريمِ اللهِ تعالى على الأبيضِ أن يكونَ أسودَ في حالةِ البياضِ، وعلى الحارّ أن يكونَ بارداً في حالةِ الحرارةِ، وذلكَ لا يُتصوَّرُ فيهِ التَّبديلُ.

بل مثالُ ذلكَ: أن يقولَ للعالِمِ الكاملِ رجلٌ شيخٌ هَرِمٌ مِنَ الجُهَالِ، كانَ بليداً في أصلِ الفطرةِ، ولم يُمارِسن قطُّ علماً، ولم يَتعلَّمْ لغةً: أفضْ على قلبي مِنْ دقائقٍ علومِكَ، فيقولُ: إنَّ اللّه تعالىٰ حرَّمَهُ على الجاهلينَ".

 

لا إله إلا الله الحق القوي المتين لا إله إلا الله الحق النور المبين، رزقنا الله اغتنام العمر القصير بما يوجب الفوز في الخلد الكبير والنعيم المُقيم العظيم، يقول: "حالَ تاركِ الطَّاعاتِ في الآخرةِ" يشبه ما ضُرب من هذا المثل، "يَنكشِفُ لهُ، ولكنْ لا مطمعَ في الموتِ"  صاحِب الدنيا هذا يقول: خلاص الآن فاتتني الفرصة، ولكن سأتخلص منها، سأموت وأنسى هذه المشكلة؛ لكن صاحب الآخرة، ما عاد هناك موت، (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) [الزخرف:77]، (ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ) [الاعلى:13]، خلاص ما عاد فيها موت، فهو في حياة أبديّة وحسْرة سرمديّة، والعياذ بالله -تبارك وتعالى-، لفوات ما ضيّع وأهمل أيام كان في عمر هذه الحياة الدنيا.

 

لهذا فاعلم أنه ما هناك عُملة ولا جواهر أغلى من الطاعة في الوجود، لا والله لا شيء أغلى من هذه العُملة، عُملة مملكة ملِك المُلوك، مُستمّرة القيمة والقدر، ما يمكن تنزل أبداً ولا تنْحط. 

  • كل حسنة اخلصت فيها لوجهه عُملة قويّة دائم أثرها وثمرها؛ وقيمتها معها تصحبك عند الغرغرة وفي القبر وفي مواقف القيامة وإلى دار الكرامة، وتتنعم بها إلى الأبد، كل حسنة من هذه الحسنات. فما هناك عُملة أكبر من هذا ولا أغلى من هذا.
  • ولا عُملة أسوأ في العاقِبة والمصير من السيئات والمُخالفات قط قط قط، ما يوجد شيء أخبث منها ولا أقل منها ولا أعظم حسرة لأصحابها من أي عُمْلة أخرى، قالوا سقطت وانهارت، ليس سقطت وانهارت فقط وإنما مصائبها مصائب -والعياذ بالله- وآفاتها آفات.

 

ولذا قال: "مَن كانت عندَه مَظلَمةٌ لأخيه مِن عِرضِه ومالِه فلْيستحِلَّه اليومَ قبْلَ أنْ يأخُذَه به حينَ لا دينارَ ولا درهمَ". أي: تبطُل عُملات مُلوككم ودُوَلِكم التي اختُبِرتم وافتُتِنتم وابتُليتم بها في أيام الحياة الدنيا، وبقيت العملة الوحيدة: عملة دولة ملك المُلوك الذي لا ينقضي ولا يموت. قال: "فلْيستحِلَّه اليومَ قبْلَ أنْ يأخُذَه به حينَ لا دينارَ ولا درهمَ"، بطلت العُملات وإنما هي "إلّا الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ". فإذا جاء بمظلمة قيل له: هاتِ حقه. يقول: من أين أعطيه حقه يا رب؛ وقد بطلت الأموال والعملات ولا عاد لها قيمة؟ يقول: هاتِ من حسناتك، هاتِ صلواتك وهاتِ زَكواتك أعطها مُقابل ما ظلمته. فإن فنيت حسناته أُخذ من سيِّئاتهم فطُرِحت عليه. "من كان عنده لأخيه مظلمة فليتحلله اليوم قبل أن يأتي يوم لا دينار فيه ولا درهم، إنما هي الحسنات والسيئات".

 

قال الشيخ الشعراني -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-: وقف على بابي يدق في آخر الليل رجل من الصالحين:  أهلاً وسهلاً ما جاء بك في هذا الوقت؟ قال: أمر كبير وعظيم -مصيبة-: ماذا؟ قال: مررت البارحة بمزرعة وأعجبتني فيها سُنبلة، قطفتها ثم فرَكتها حتى أُخرج ما فيها من الطعام، فتذكرت أنها ليست مُلك لي وأنّها حق من حقوق صاحِب مالكها. قال: فرميت الحُبوب والتِّبن حقها في الأرض ومشيت. فنمت فرأيت القيامة قد قامت، وإذا رجل يجري ورائي ويطالبني يقول: يارب خذ لي حقي من هذا! هذا صاحب السنبلة، حقي! قال: قلت: من أنت؟ قال: أنا صاحب الزرع، مررت البارحة على زرعي وأخذت سنبلة. قال: قلت: أنا قد أرجعتها. قال: ذهب التبن حقها والفائدة -تطاير-. فجِع وقام من الفجع والفزع والموت، وجاء عند الشيخ قال: الآن هات لي حلاً. قال: الآن آخر الليل وصاحب الزرع نائم، اقعد هُنا نذكر الله وسبّحه، وسنصلي أنا وأنت الفجر وبعد الفجر نذهب إلى صاحب المزرعة حتى تتحلل منه قبل ما يجيء اليوم هذا الذي قد أراك الله تعالى منه نموذجاً حتى تتنبّه، هذا من لطف الله بك. قال: صلّى معي الفجر وذهبنا، -ودققنا على الرجل- وقال: هذا البارحة مر على زرعك وأخذ منه كذا وكذا، والآن يطلب المُسامحة. قال له: مُقابِل كم؟ قالوا: كم  السُنبلة الواحدة؟ قال: احسبوا. -حسبوا- قال: يمكن تجيء كذا قال: ضاعفها. ضاعفها مرات، قل: أعطه كذا كذا مُدًّا من الطعام. سامحه من قلبك. بس هذا الرجل الآن سامحك، والذي بينك وبين الله تستغفر وتتوب وتتنبَّه ألا ترجع إلى هذا.

 

وهذا على سنبلة سحَقَها ورماها هي وتِبْنها في نفس المكان، ولا طعم منها شيئاً. (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء:47]. لا إله إلا الله، (وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ). قال: ماذا تتصور في حِاسابك عن المُحاسبين في الدنيا، والذي يُحاسِبك من لجان الحِساب والترتيبات والمتابعات؟!

(وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ).. حِسابه جلّ جلاله (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) [سبأ:3]، فعسى يُسامحنا ويعفو عنا ويتجاوز عنّا، اللهم هب لنا حقك، وارض عنا خلقك،  اللهم هب لنا حقك، وارض عنا خلقك،  اللهم هب لنا حقك، وارض عنا خلقك إنك حليم قدير غفور شكور، يا بر يا رحيم يا الله.

 

وهكذا يقول: "أنَّ حالَ تاركِ الطَّاعاتِ.." فإنه "يُفيضُ على أهلِ المعرفةِ والطَّاعةِ مِنْ أنوارِ جمالِ الوجهِ" الحق -سبحانه وتعالى- "ما يَحصُلُ بهِ مِنَ اللَّذَّةِ مبلغٌ لا يوازيهِ نعيمُ الدُّنيا أصلاً" من يوم خُلقت الدنيا إلى يوم القيامة بجميع مَطعوماتها ومشروباتها ومنكوحاتها ومَلبوساتها ومَسكوناتها ومَركوباتها ومُلكها وَجاهها، من حين خُلقت إلى أن تقوم الساعة، ما يساوي لذّة معرفة الرحمن -جلً جلاله-. 

وما يُنازل أربابها؛ حتى في الدنيا يُنازَل الخواص من هذا لذّة فوق هذا كله. ويقولون: إن كان الملوك على ما نحن فيه في الليل، إنهم لفي عيش طيب. بل يقولون: لو يعلم المُلوك ما نحن فيه بالليل لجادلونا عليه بالسيوف. وإن كان أهل الجنة في نعيمهم على مثل ما نحن فيه في الليل، إنهم لفي عيش طيب. العيش الطيب: هو هذا. -فيتصوّرون- قال: إن كان الجنة كذا، فنِعم الجنّة -لا إله إلا الله-.

 

وأما ما يُذاق في الآخرة فألذُّ، ألذ ألذ وأطيب وأعلى، يقولون: إن الدنيا من أسباب زُهد العارِفين فيها أنّها لا تسع عطايا الله لهم، ما آتاهم مِن قُدرة وانبِساط وسِعة روح، وذاقوا ملذّات القُرب والمعرِفة الخاصة به، لازال خزائن وراء هذا من العطاء ما تسعها الدنيا، وما يقوون على حملها ما داموا في هذه الحياة فلهذا كان من أسباب زُهدهم فيها، ولهم من العطايا والمِنح عند الله -سبحانه وتعالى- "مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ". 

 

قال: "بل يزيدُ عليهِ ما لا يدخلُ تحتَ الحصرِ"، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:17]. "لا نسبةَ بينَهُما إلَّا مِنْ حيثُ المشاركةُ في الاسمِ" المُشاركة في اسم اللذّة، اسم النعيم، اسم الحلاوة فقط، وأما الواقع أين هذا من هذا؟ وماذا يساوي هذا عند هذا؟ هناك اللذّة، هناك الحلاوة. 

 

وهكذا أخبرنا الحق ورسُله، فصدق الله وصدق رسُله، ورزقنا كمال تصديقهم والعمل بمقتضى ذلك. قال سبحانه وتعالى: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) اللهم أجعلنا منهم (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد:21] جلّ جلاله.

قال: "بل يُعطى آخرُ مَنْ يَخرُجُ مِنَ النَّارِ مثلَ الدُّنيا عشرَ مرَّاتٍ" وهذا المسمى بجُهينة، آخر خارج من النار، حتى أن أهل الجنة يتذاكرون أخبار المُتخلِّفين، وكل ساعة وصلت طائفة من الموّحدين الذين ماتوا على الإيمان وكانوا يُعذّبون بالنار، وكل ساعة تصل منهم طائفة، وما الأخبار؟ يقولوا: كذا وكذا، ولاقينا كذا، والحمد لله تخلّصنا وردّنا الله الآن إلى الجنة. يقولون: عند جهينة الخبر اليقين.. الخبر اليقين، آخر الأخبار تصل من النار عند جُهينة. حتى يصل هذا آخر من يخرج من النار، وما عاد يصل الجنة إلا بعد مُدّة، يشتد الأمر عليه والعذاب، فيُعذّب بمِقْدار سبعة آلاف عام ثم يُخرجه الله. وهو يسأل يقول: يا ربّ، يا ربّ يا ربّ. يقول: مَا لك؟ يقول: أسألك مسألة واحدة لا أسألك غيرها. قال: تُعَاهِدُنِي ما تسأل غيرها؟ يقول: نعم -وأخذ يعطيه العهود والمواثيق-. يقول: ماذا؟ يقول: أخرجني من النار. فيأمُر بإخراجه بعد انقضاء هذه المُدّة؛ خرج وهو مُقابل النار، يقول: الحمد لله، ما أحد مُنعم عليه مِثلي -يوم خرج من النار ويراها لكن يبقى ما شاء الله أن يمكث- ثم يقول: يا رب، مسألة. يقول: أما عاهدتني ألا تسألني غيرها؟ يقول: بس هذه وَلا أسألك غيرها. قال: تعاهدني؟ -قالوا: يعطيه العهود والمواثيق ألا يسأله غيرها- ماذا؟ قال: اصرف وجهي عن النار، آذاني قشيبها -قاعد أتذكر أيام كنت فيها وأسمع صراخ أهلها؛ أبعدني منها-. قال: فيأمر الحق يُولَّى وجهه إلى جهة الجنة.  فيرى عجائب من نعيم .

ثم يقول: يا رب، مسألة! ، أسألك مسألة لا أسألك غيرها. يقول: ويحك يا ابن آدم ما أغدرك! ما أطمعك! أما عاهدتني ألا تسألني غيرها؟ يقول: هذه و لا أسألك غيرها يا رب. يقول: فماذا؟ تعطيني العهد والميثاق ألا تسألني؟ يقول: نعم -يعطيه العهود والمواثيق ألا يسأل غيرها-؛ قال: قرّبني من الجنة، أنا من بعيد أراها وأشتاق لها، فقرِّبني. فيأمر الله يقرُب إلى الجنّة ويشُمّ ريحها ويراها، يشتد شوقه، يصبر مُدّة: يا رب، مسألة لا أسألك غيرها. يقول: ويحك يا ابن آدم ما أطمعك! ما أغدرك! أما عاهدتني وأعطيتني العُهود والمواثيق ألا تسألني غيرها؟ يقول: فقط هذه وحدها يا رب ما عاد أسألك غيرها.

ويُرِيك حال الإنسان وكرم الرحمن كيف يكون مُعاملته!  الإنسان بهذه الحالة وهذه المثابة. فيقول: ماذا؟ يقول: أدخلني الجنّة، قرِّبني -خلنا منها وداخل بدل خارج السور خلنا ادخل-. يقول: أما يرضيك أن نُعطيك في الجنّة مثل مُلك ملِك من مُلوك الأرض؟ يقول: نعم يارب، يقول: أدخل فإن لك ذلك ومثله معه، لك في الجنة مثل الدنيا عشر مرات، -عاده يقول أدخل- يقول: يارب إنها ملأى! ، يقول: أدخل فإن لك فيها مثل الدنيا عشرة مرات، -أي: في قيمتها-  قال: فيطوف في أماكنه التي أعدها الله له مِقدار ألف عام حتى يستوعب رؤية الأماكن التي أعدّها الله -سبحانه وتعالى- له في هذا المقدار. ويقف على رأسه كل يوم ثلاثمائة من الولدان لخِدمته، ويُزوّج باثنتين وسبعين. وإنّه لأقلّهم، يرى نفسه أعلى أهل الجنة وهو أقلهم درجة وأقلهم منزلة. لكن ما في الجنة قليل (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان:20]. وهذا حظ آخر واحد، يعني الذين قبله كلهم فوق هذا معهم، وأعظم من هذا معهم -لا إله إلا الله-.

فكيف بأهل الدرجات العُلا؟! كيف بأهل عليين؟! بأهل المزيد؟! بأهل الفردوس؟! وكيف أحوال الأنبياء؟! وكيف أحوال المُقرّبين؟! الذي خبّأ هذا النعيم وأبى أن تُحيط به نفسٌ لا من الملائكة ولا من الإنس ولا من الجن، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة:17]. هو وحده العالم، هو وحده يعلم بما أعد. "أعددت لعبادي الصالِحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر". ما يخطر أبدًا. 

والعجب أن هذا يستمر، كيف يستمر؟ بعد ما يُفيض الله عليهم ويُعطيهم، يُفاجئهم في كل وقت يمر بشيء ما كان يخطُر على بالهم هم أنفسهم -الله الله-! ويستمر الأمر كذلك، ومن كل وقت إلى وقت عطاء ما كان خاطر على بالهم هم أنفسهم (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم)، لأن الذي أخفاه: صاحِب العظمة والجبروت الله -جلّ جلاله وتعالى في علاه-. فما أكرم ربي وما أعظم القُرب منه.

 

اللهم لا تحرِمنا خير ما عِندك لشرِّ ما عِندنا، وقرِّبنا إليك زُلفى فيه عوض عن كل شيء، وليس في شيءٍ عِوِض عن الله، ليس في شيء عِوِض عن الله يكفي من كل شيء، وليس شيء يكفي منه -عز وجل-. رزقنا الله كمال الإنابة إليه والصدق معه واغتنام هذه الأعمار. 

بركة العمر إذا عمرك مضى وأنت طائع *** تعبد الله دائم وأنت خاشع وخاضع

قالوا: فلو فرضنا اثنين استوت درجتهم في الإيمان وفي الأعمال الصالحة، إلا أنه أحدهما عنده زيادة تسبيحة واحدة، لكان فوق صاحبه في درجة، والدرجة كما بين السماء والأرض. يقول: لو التسبيح ذي معك، كان ستطلع عنده هناك فوق، واحدة تسبيحة نقصت عليك من أعمال هذا. -لا إله إلا الله- كل شيء بحِسابه عند الله، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزله:7-8].

اللهم أرنا في الدارين ما يسرنا ولا تُرنا ما يغُمُّنا

 

قال: لا بمعنى تضاعفِ المقدارِ بالمِساحةِ، بل بتضاعفِ -القيمة المعنوية- الأرواحِ،. قال: مثل "الجوهرةَ" يقول لك واحدة هذه تساوي "عشرةَ أمثالِ فرسٍ" ليس معناه في وزنها ولا في حجمها! معناه قيمة العشرة أفراس لو بِعْتها ما تساوي قيمة هذه الجوهرة الوحيدة -هذه قيمة مالية-، قال: وتلك قيمة روحية، قيمة روحية، ما تساوي الدنيا عشر مرات مثل النفائس ما عند هذا من المُتع والنعيم الذي عنده في منزِلته في الجنة. 

قال: "واعلمْ: أنَّ تحريمَ تلكَ اللَّذَّاتِ" المُتعلِّقة بالمعرفة ليست أمر مُتعلِّق بالمنع بواسطة الغضب أو بأي شيء من الاختيارات يمكن تصوُّره، بل من خرج من الدنيا ولم يُحْظى بمعرفة الله، فذاته غير قابِلة لهذا النعيم أصلًا، مثل إذا جعل الله لون، لون أسود أو لون أبيض أو لون أحمر في ذات المُلوَّن، ما يمكن تغييره، ذاته هكذا، ومهما طرحت عليه من صبغ يبقى هو اللون هو نفسه، قالوا: كذلك الذّات التي لم تحظَى بمعرفة الله في الدنيا تخرج من الدنيا غير قابلة لنعيم المعرفة ولا للذّة المعرفة أصلًا، -والعياذ بالله، تبارك وتعالى-. ليس مثل شيء بخارج يمنع يمكن فك المنع عنه، لذا أكبر ما نقدر نُحصلّه في الدنيا: معرفة الله. 

 

ولهذا تحسّر بعض العارِفين وقال: مساكين أهل الدنيا، جدّوا واجتهدوا وخرجوا ولم يذوقوا ألذّ شيء فيها. قالوا: ما ألذّ شيء فيها؟ قال: معرفة الله. حُرموا ذلك مساكين. هو أعلى ما يمكن تحصيله في هذا العالم وفي هذه الدنيا. -الله أكبر-. بل ذكر لنا المثال لذلك، قال: "رجلٌ شيخٌ هَرِمٌ مِنَ الجُهَالِ، كانَ بليداً في أصلِ الفطرةِ"، بليد وشاخ وكبُر وهرِم، جاهل ومع ذلك في أصله البلادة ولم يُمارِسن قطُّ علماً، ولم يَتعلَّمْ لغةً، ثم يقول للعالِم الكامل الذي تعلّم وفاض عِلمه: أفِض، "أفضْ على قلبي مِنْ دقائقٍ علومِكَ، فيقولُ: إنَّ اللّه تعالىٰ حرَّمَهُ على الجاهلينَ" -مرّ عمرك كامل وما تعلمت وفيك بلادة من أين يصل العلم! كيف أوصل علمي إليك! قال: فكذلك، قول أهل الجنة لأهل النار: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) [الأعراف:50].

آمنا به وكفرتم، صدّقنا به وكذّبتم، اتّبعنا رسُله وخالفتم، الآن كيف نعمل لكم؟ ما عندكم استعداد أصلًا! ، ما في ذواتكم قابِلية لهذا النعيم. (وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) [الأعراف:50] والعياذ بالله، تبارك وتعالى.

 فتزداد حسرتهم وهم مع شِدّة ما هم فيه من العذاب. جعل الله لهم أوقات يُجَمِّع مداركهم فيها لشيء من أجل تزيد حسراتهم:

  • ومنها من ما يحصل من المُناداة بين أهل الجنّة وبين أهل النار.
  • ومنها ما يحصل لبعض أهل الجنة لمّا يمشي مع صاحِبه ويتذكّرون نعمة الله عليهم من نعيم، يقول: كان واحد من أصحابي في الدنيا يضحك علي ويستهزئ بالإيمان -يقول: أتُصدّق بالبعث بعد الموت؟! قال: تصدق أن نرجع! الدنيا حياة وموت وما عاد هناك شيء؟- قال: كان يستهزئ بي، فما أدري ما حاله؟ وما صُنِع به؟ فيقول له ملك: تريد تطّلع عليه؟ تريد صاحبك هذا؟ فيُكشف له، وإذا يمتد خياط الاتصالات بينه وبينه، وذاك في النار يفتح عينيه هذا؛ يرى صاحبه. يقول: يا فلان! يقول: أه! يقول: (قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ) [الصافات:56]. هذا مصير كُفْرك، كنت تدعوني لهذا الكفر، لو كان اتّبعتك في الدنيا لكنت عندك هُنا في هذا العذاب -والعياذ بالله-. قال: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ)، فيقول لهم ملك، (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) أي في العذاب عندك (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)،
  • يقول الله عن أصحاب الجنة: (إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) [الصافات:50-61]. أن كل ما تُمنّوْن به من الرقي والشرف والكرامة مُضمحِل إلا هذا، هذا الشرف الباقي وهذه الكرامة الأبدية (لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ * أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) [الصافات:61-62].
  • (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الحشر:20].

نسألك أن تجعلنا من أصحاب جنتك، وأهالينا كلهم وأولادنا كلهم، ومن في بيوتنا وأرحامنا، وأن تثبت المؤمنين على الإيمان حتى تجمعنا وإياهم في أعلى الجنان يا كريم يا رحمن.

 

وقال المؤلف -رحمه الله ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"معناهُ: أنَّ الاستعدادَ لقَبُولِهِ إنَّما يُكتسَبُ بذكاءٍ فطريٍّ، وممارسةٍ طويلةٍ للعلمِ، بعدَ تعلُّمِ اللُّغةِ والعربيَّةِ، وأمورٍ أُخَرَ كثيرةٍ، وإذا بطلَ الاستعدادُ وفاتَ.. استحالَتِ الإفاضةُ؛ كما يستحيلُ إفاضةُ الحرارةِ على الباردِ معَ بقاءِ البرودةِ.

فلا تظنَّنَّ أنَّ اللهَ تعالىٰ يغضبُ عليكَ فيعاقبُكَ انتقاماً، ثمَّ تَخدعُ نفسَكَ برجاءِ العفوِ فتقولُ؛ لِمَ يُعذِّبُني ولم تضرَّهُ معصيتي؟ بل يلزمُ العذابُ مِنَ المعصيةِ كما يلزمُ الموتُ مِنَ السُّمِّ.

واعلمْ أيضاً: أنَّ هٰذهِ الحسرةَ دائمةٌ؛ لأنَّ مَنشأَها تَضادُّ صفتينِ لا يزولُ تضادُّهُما أبداً.

مثالُهُ: أنَّ الذي يُعلِّقُ الخيطَ في عنقِهِ أو رِجْلِهِ.. إنَّما يَتألَّمُ لتضادّ الصِّفتينِ، لا لصورةِ الحبلِ والتَّعليقِ، لكنْ صفتُهُ الطَّبيعيَّةُ تطلبُ الهُوِيَّ إلىٰ أسفلَ، والمنعُ القهريُّ بالحبلِ يمانعُ الصِّفة الطَّبيعيَّةَ، فيتولَّدُ الألمُ فيهِ مِنْ تمانعِهِما".

 

-لا إله إلا الله- 

يقول: إن أثر المعصية من العذاب وما إلى ذلك يجري مجرى ما جعل الله من الثمر مثلًا الشوك، تغرس بذوره في الأرض فيطلع شوك، فلا معنى للذي زرعه هذا أن يجيء يقول: لماذا أنا حقي يطلع شوك؟ لماذا هذا زرعه يطلع تفاح؟ هذا يطلع زرعه رمان، وأنا يطلع شوك! ماذا بذرت أنت؟! يقول: لا، كلنا سوا، أنا بذرت وهم بذروا في أرض واحدة وسقينا الماء، لكن طلع حقي شوك وحقهم فواكه، هم بذروا بذور الفواكه فطلعت فواكه، وأنت بذرت بذر الشوك تبغى تطلع فاكهة؟! كيف تطلع الفاكهة وأنت بذرت هذا البذر؟! يقول: فهكذا الأعمال السيئة، هذا ثمرتها، هذا ثمرتها المُتعلِّقة بها .

 

ومع ذلك كله يأتي تدخّل جود الله وكرمه بعفوه بتبديل السيئة لحسنة، والمسامحة والعفو، وإلا لا ثمرة! ثمرة عملك إلا هو هذا، ما يمكن للسيئة أن تثمر خيرًا قط، ولا أن تثمر نعيمًا قط -ما يتأتى-، فهو كذلك. وكذلك الطاعات تثمر الخيرات، وكما جعل الله تعالى السُّنة في الأرض، أن يقول قائل بلهجتهم الدارجة العامية: من زرع بُر جاء له بُر، أو شوك جاه، أو شوك جاه، يجي له الشوك حقه، زرع بُر يطلع بر، تزرع شوك يطلع شوك، وأنت تزرع شوك وتريد بُر ما يتأتى، -ولا يتأتى- لايمكن لزارع البُر أن يتحوّل إلى شوك، إلا أن هو يدور له شيء من بذر الشوك ثاني يدخل رياء يدخل عجب، هذا بذر ثاني، هذا بذر حقه هو، أما نفس الحسنة ما يمكن تتحوّل إلى سوء ولا تتحوّل إلى ثمرة خبيثة قط، من حيث هي حسنة كدرتها، وصلحت لها تهجين -كما يحصل- وخبّطتها، فأنت وكسبك، وأنت وبذرك، وكلٌّ يجني ما زرع. فالله يبارك لنا فيما نزرع في هذه الحياة القصيرة ويُهيّئنا للمُلك الكبير والنعيم المُقيم الدائم.

وكما أشار أيضًا الشيخ، هناك أنواع من النعيم في الجنة مرتبطة بالنعيم الروحي هذا، النعيم الداخلي، وأما أهل جنة المزيد فيتجردون للشهود ورؤية الرحمن -جلّ جلاله-، حتى لا يتسّعون لشيء من بقية أنواع النعيم كلها، وتتضاءل عندهم أنواع هذا النعيم، ويبقون في هذا الحال، مثل حال الكروبيين من الملائكة في هذا العالم، هذا شغلهم، حتى لا يتفرّغون لشيء من ما جعل الله لكثير من الملائكة من تدبير الأمور والتعامل مع الأجسام والأخذ والعطاء، ويبقون عاكفين على حضرة الربوبية، وأهل الكمال يجمعون بين هؤلاء مثل الأنبياء والمُرسلين وكُمَّل الصدِّيقين -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-، فلهم من أنواع النعيم الظاهِر والباطِن والحسِّي والمعنوي، يجدون به جودًا من جود الله -تبارك وتعالى- وفضلًا من فضله عليهم، وهو المُتفضِّل الكريم. 

 

بارك الله لنا ولكم في أيامنا وليالينا، وجعلها سلالم نرقى بها في مرضات بارينا ومعرِفته الخاصة ومحبته الخالِصة، حتى يهب لنا من نعيم الدارين ما لا عين رأت ولا أُذن سمِعت ولا خطر على قلب بشر. اللهم لا تحرِمنا خير ما عِندك لشرِّ ما عِندنا، وزِدنا من فضلك ما أنت أهله، في خير ولطف وعافية برحمتك يا أرحم الراحمين. 

وتدارك اللهم أحبابنا المسلمين في غزّة والضِفّة الغربية وأكناف بيت المقدِس وفي جميع فلسطين، وجميع الشام من الأردن ولبنان وسوريا، وجميع أقطار الشام، وجميع أقطار الحرمين الشريفين وما تعلّق بها، وجميع أقطار اليمن وما تعلّق به، والشرق والغرب، تدارك الأمة يا مُغيث، وأغثِهم بالغياث الحثيث، ورُدّ عنهم شرّ كل خبيث، وحوّل الأحوال إلى أحسنها، وأرِنا في الأمة ما تقرّ به عين حبيبك المُصطفى محمد ﷺ، وأدِم في هذه البلدة أمنًا واستقرارًا وطمأنينة وتوفيقًا لمرضاتك، وإحياءً للحق والهدى وسنّة المُصطفى ﷺ فيما خفي وفيما بدا، ورُدّ كيد المُعتدين والظالمين والفاسقين والغاصِبين وأعداء الدين، ولا تُبلّغهم مُرادًا فينا ولا في أحد من المسلمين، أصلح شؤوننا بما أصلحت به شؤون الصالحين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ 

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة