Blog Utama Saya :-

Isnin, 8 Jun 2026

الأربعين في أصول الدين - 43 | ذكر الموت (3) بوابة الحياة الحقيقية، وفهم عذاب القبر

 




Ingat Akan Mati (3) Gerbang Kehidupan Yang Sebenar Dan Memahami Azab Kubur


Video


الدرس الثالث والأربعون للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي . القسم الرابع: الأخلاق المحمودة: تكملة شرح الأصل العاشر: ذكر الموت (3)

 في مسجد النبي شعيب عليه السلام، ضمن دروس الدورة العلمية في موسم شهداء مؤتة الأبرار، الأردن

مساء الجمعة 2 جمادى الأولى 1447هـ

هل الموت نهاية أم عبور يفتح بصيرة القلب؟ يقدّم الحبيب عمر بن حفيظ في الدرس: معاني الانتقال من الدنيا إلى البرزخ وما بعده، يُبين أن الموتَ ليس عدماً بل انتقال إلى حياةٍ أوسع إدراكًا تُكشَفُ فيها الحقائق، وبأن البرزخ مرآةُ الأعمال، فما نحمله اليوم سنراه غدًا رأيَ العين!

 

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

فَصَل

في كونِ الموتِ بوابةَ الحياةِ الحقيقيةِ

"لعلَّكَ تقولُ: المشهورُ عندَ أهلِ العلمِ: أنَّ الإنسانَ يُعدَمُ بالموتِ ثمَّ يُعادُ، وأنَّ عذابَ القبرِ يكونُ بنيرانٍ وعقاربَ وحيَّاتٍ، وما ذكرتَهُ بخلافِ ذلكَ.

فاعلمْ: أنَّ مَنْ قالَ: إنَّ الموتَ معناهُ العدمُ .. فهوَ محجوبٌ عن حضيضِ التَّقليدِ، ويَفاعِ الاستبصارِ جميعاً.

أمَّا حِرمانُهُ عن ذُروةِ الاستبصارِ: فلا يُدرِكُهُ ما لم يَستبصِرْ، وأمَّا حِرمانُهُ عنِ التَّقليدِ: فتَعرِفُهُ بتلاوةِ الآياتِ والأخبارِ؛ قالَ اللهُ تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ)[آل عمران:169-170]، هٰذا في السُّعداءِ.

وأمَّا في الأشقياء.. فقد ناداهُم رسولُ اللهِ ﷺ يومَ بدرٍ لمَّا قُتِلُوا؛ فكانَ يقولُ: "يَا فُلَانَ بِنَ فُلَانٍ" يذكرُ واحداً واحداً مِنْ صناديدِهِم "قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقّاً، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً؟" فقيلَ: يا رسولَ اللهِ؛ أتناديهِم وهم أمواتٌ؟! فقالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِكَلَامِي مِنْهُمْ، لَـٰكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْجَوَابِ".

وقالَ ﷺ: "الْمَوْتُ ٱلْقِيامَةُ، مَنْ مَاتَ.. فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُه"، وأرادَ بهذا القيامةَ الصُّغرى، والقيامةُ الكبرى تكونُ بعدَها.

وشرحُ القيامةِ الصُّغرىٰ إن أردتَهُ.. فاطلبْهُ مِنْ (كتابِ الصَّبرِ) مِنْ كُتُبِ (الإحياءِ) .

والأخبارُ في الدَّلالةِ علىٰ بقاءِ أرواحِ الموتىٰ، وشعورِهِم بما يجري في هٰذا العالَمِ أيضاً.. كثيرةٌ".

 

سبحانه.

الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أيُّنا أحسن عملاً، وهو العزيز الغفور، المحيي المميت، الحي القيوم الذي لا يموت، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، بعث إلينا وأرسل عبده أعظم من أحياه، وأجلِّ من حَيِّاه، فصلى الله وسلم وبارك وكرم على أعظم الخلائق حياة في عالم الأرواح، وفي أيام كان في الدنيا، وفي البرزخ، وفي يوم القيامة، وفي الدرجات العُلا في الجنة؛ فهو أحيا حيٍّ من جميع الخلائق، صلوات ربي وسلامه عليه، له من أسرار إحياء الله تعالى وإفاضته الحياة ما ليس لغيره ممن أحياهم، جلّ جلاله وتعالى في علاه.

فصلِّ اللهم على سيد الأحياء في الخلائق، حبيبك محمد الكريم الصادق، وعلى آله وصحبه الشموس الشوارق، وعلى من تبعهم بإحسان بكل إنابة وخشية إليك وإقبال عليك، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أرباب المراتب العُلا، وآلهم وصحبهم وتابعيهم وملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين.

ونتمِّم شرح ما ذكر الإمام حجة الإسلام الغزالي -رضي الله تعالى عنه- في كتابه (الأربعين في أصول الدين)، وهو يذكر في هذا أخبار الآخرة وأخبار الموت، وسبق ذكر معنى الموت ومعنى هذا الانتقال وخروج الروح من الجسد وما يحصل بعد ذلك.

وقال: الحقيقة أن الحياة الأهم تبدأ عند الموت للإنسان؛ لأن حياة البرزخ، ثم حياة يوم القيامة، ثم الحياة الأبدية، كلٌ منها أكمل من هذه الحياة التي يحياها الإنسان، محبوسةً روحه في قفص جسده في هذه الدنيا، مشُوبةً بأنواع المُكدِّرات والمنغّصات والمشوشات، وأنواع الغفلات، وأنواع ما يصادف الإنسان من المصائب في هذه الدنيا، فهي أقل الحيوات بالنسبة لحياة البرزخ، وبالنسبة لحياة القيامة، ثم لحياة الأبد. 

فهذه الحياة الأقل التي نحياها أيام نحن في هذه الدنيا، ونحن فيها على مراتب مختلفة، فمنَّا حيٌّ بجسده حيٌّ قلبه، وهؤلاء الأشرف من الخلق، والذين لهم من شرف حياة البرزخ ثم شرف حياة القيامة ما يختصون به عن بقية من في البرزخ وفي القيامة، وإن كانوا أحياء ولكن ليست الحياة كالحياة.

  • وقد قرأنا في كلام ربنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)[الأنفال:24].
  • وقرأنا قوله تعالى: (لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا)[يس:70].
  • وقرأنا قوله تعالى: (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا)[الأنعام:122].

وهكذا نقرأ أيضًا كلام ربنا عن حياة البرزخ وما يكون فيها، مثل ما تلا علينا الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-، إذًا فليس معنى الموت الذي يتعرض له هذا الإنسان في هذه الحياة الدنيا العدم المحض قطًّ.. قطًّ.. قطًّ! وإنما انتقالٌ من عالم إلى عالم، ومن نوع من الحياة إلى نوع آخر هو أهم وأخطر من هذا النوع من الحياة في الدنيا، فلهذا سواءً للسعداء أو للأشقياء، هم ينازلون من المدارك ومن الأحاسيس ما لم يكن في قدرتهم ولا تحت استطاعتهم أيام كانوا في الدنيا، فهو فوق إمكانياتهم، لهم من المدارك والأحاسيس فوق إمكانياتهم؛ هؤلاء بالنعيم وهؤلاء بالعذاب:

  • فيُدرك هؤلاء من النعيم ما لم يكن يُدرَك في الدنيا ولا في الحياة، ولا يمكن لأقصى ما يكون في الحياة الدنيا أن يُبلَغ إلى إدراك هذا النعيم وهذا اللذة التي تحصل من نعم الله تعالى في البرزخ، وما بعد ذلك أكبر، إلى أن تنتهي الغايات إلى النظر إلى وجه الله الكريم جل جلاله وتعالى في علاه.
  • وأولئك الذين هم في الشقاء أيضًا، هم في البرزخ في حياة يدركون بها ويبصرون ما لم يكونوا يدركون ويبصرون أيام كانوا في الحياة الدنيا، ويحسون من العذاب ما لم يمكن أن يُحَسَّ به في عالم الدنيا، ولو عُذِّب الإنسان ما عُذِّب، ولو قُطِّع قطعة قطعة، وعُذِّب بالكهرباء وغيرها، لا يمكن أن يحس من العذاب شيئًا مثل الذي يحس به في البرزخ وفي الآخرة، ذاك أشد وذاك أشق وذاك أعظم.

إذًا فأين العدم؟! ما هناك عدم، كتب لنا الإيجاد -سبحانه وتعالى- وكتب لأرواحنا هذه البقاء، إلا أنها تتنقل، فمن حين كوّن أرواحنا -سبحانه وتعالى- كتب لها البقاء؛ 

  • وكتب في هذا البقاء أن تتنقل أولًا في عالم الأرواح وعالم الذر، ومن الأصلاب إلى الأرحام.
  • ثم كتب أن تنتقل إلى عالم الدنيا بنفخ الروح في الجسد وخروج الإنسان من بطن أمه إلى وقت الوفاة.
  • ثم كتب أن تنتقل هذه الروح من هذا الحكم إلى حكم حياة البرزخ. 
  • ثم كتب أن تنتقل بعد مرور الصعقة بين النفختين وهو المرقد الذي يقول عنه الكفار في القيامة: (مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا)[يس:52]. 
  • ويأتي انتقال إلى حياة أخرى وهي حياة القيامة. 

فهم هناك أسمَع وأبصَر، (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا) يعني: ما أشد سمعهم وأبصارهم، يسمعون ما لم يقدروا على سماعه أيام كانوا في الدنيا، ويبصرون ما لا يقدرون على إبصاره أيام كانوا في الدنيا، (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)[مريم:38]، وهم الذين يتوهمون العدم بالموت، وما الموت إلا انتقال.

  • ثم حَكَم بانتقال الأرواح من عالم القيامة إلى الاستقرار إما في الجنة وإما في النار، وذلك مؤبَّد. 

قال: فالذين يتخيلون ويتوهمون أن الموت معناه العدم المحض؛ محجوبون حتى عن "حضيض التقليد"، فضلًا عن مرتبة "الاستبصار" والشهود، فهم لم يدركوا علم اليقين ولا عين اليقين، ومع ذلك ما أتقنوا رتبة الاقتداء، رتبة التقليد لمن أدرك الحقيقة، فما قلدوهم.

قال: فهؤلاء حُرموا عن "ذروة الاستبصار"، فما يدركون إلا ما تدركه الحواس الخمس، وليس وراء ذلك شيء، (ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ)[النجم:30]، وهذا محصور جدًا بالنسبة لما وراء مدارك الحواس الخمس، ثم بعد ذلك ما قلدوا الأنبياء ولا قلدوا الوحي الذي نزل عليهم. وذكر لنا: 

  • آية في السعداء: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)[آل عمران:169].
  • وكذلك أورد لنا الحديث فيما خاطب ﷺ زعماء قريش الذين قُتلوا يوم بدر فأُلقوا في القليب، فوقف على القليب ويناديهم بأسمائهم: "يَا فُلَانَ بِنَ فُلَانٍ"، فقالوا له: كيف تخاطب أجسادًا لا أرواح فيها أو أجساد قد جيفَت؟ قال ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِكَلَامِي مِنْهُمْ، لَٰكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْجَوَابِ"، أي: الجواب الذي يصل إلى أسماع أهل الدنيا بحكم العادة التي جعلها الخالق -سبحانه وتعالى- فما يسمعون، وإن كان يسمعهم من يسمعهم.

كما جاءنا في الأحاديث عن سماعه ﷺ لكثير مما يجري في القبور وفي البرزخ؛ وقال: "لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَسَأَلْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ"، ولكن ما عاد بيدفن بعضكم بعض بعد هذا، كلٌّ بيَفِرّ، وبتتركون موتاكم هكذا، فسبحان الستار الذي ستر الأشياء لحِكَم. إذًا؛ فليست المسألة عدم، نعم ليست الحياة كالحياة؛ 

  • حياة الأنبياء أعظم الحياة. 
  • وبعدهم حياة الصديقين، ومنهم متميزون من أهل الصديقية الكبرى ومن أهل العلوم والأذواق والمعارف. 
  • ثم حياة الشهداء.

 هذه مميزة عن بقية الحياة، وإن كان الكل أحياء؛ لهذا أمر الله بالتأدب مع هذه الحياة، ونهى عن التسمية باسم الموت لمن قُتل في سبيل الله، وقال في آية في سورة البقرة: (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ)[البقرة:154] وقال في سورة آل عمران: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)[آل عمران:169]، قال: فأقل شيء يُقلِّد ويعلم أنها حياة وليست بعدم، فتوهُّمُه أنها عدم؛ سقوط حتى عن "حضيض التقليد"، فضلًا عن"ذروة الاستبصار" وإدراك الحقيقة كأنه يراها.

يقول سيدنا الصحابي الجليل حارثة: أصبحتُ كأني أرى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر أهل الجنة يتنعمون فيها، وأسمع أهل النار يتعاوون فيها، فأورَثَتهُ الحال الذي أشار إليه بقوله: عَزفََت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها ومدرها! هؤلاء أهل الاستبصار، قال له ﷺ: "عبدٌ نوَّرَ اللهُ قلبَه، عرفتَ فالزمْ"، اللهم نوّر قلوبنا كما نورت قلب حارثة، وكما نورت قلوب الصحابة وآل البيت الطاهر والمقربين من عبادك أهل محبتك وودادك يا أكرم الأكرمين.

وإذا علمنا ذلك؛ فحياة الأنبياء فوق حياة الشهداء، وأعظم وأجل وأكبر، فلا يساويهم الأحياء أيام كانوا في الدنيا، ولا أيام كانوا في عالم الأرواح، ولا أيام كانوا في البرزخ، ثم في القيامة هم أعظمنا حياة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ثم الصدّيقون؛ فإذًا الحياة مراتب ودرجات.

أما الحياة الحقيقية الأصيلة الذاتية فليست إلا لواحد، (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)[غافر:65]، وهي الحياة التي لا تقبل الانقطاع ولا بداية لها، لا بداية لها ولا نهاية، وهي الحياة الذاتية، هذه حياة الله، فهو الحي بالمعنى الأعلى الأجل سبحانه وتعالى: (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)[البقرة:255] -جل جلاله-، ولكن وَهْبَه للحياة للمخلوقات، فهي بنسب ومراتب:

  •  أعلاها حياة الملائكة والإنس والجن. وأعلى ذلك:
    •  حياة الأنبياء.
    • ثم حياة الصديقين.
    • ثم حياة الشهداء.

قال عليه الرضوان: قالَ ﷺ: "الْمَوْتُ ٱلْقِيامَةُ، مَنْ مَاتَ.. فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُه"، يعني: "القيامة الصغرى" للإنسان التي تترجِمُ انقطاعه عن هذه الدنيا وانكشاف الحُجُب عن حقائق في الآخرة، كما أنه بالقيامة العامة الكبرى الكل يخرج من عالم الدنيا ومن الحياة الدنيا، فكذلك بالنسبة للفرد، أيش عليه من القيامة؟ القيامة بتجيء بعده بكم؟ هو إذا مات قامت قيامته، ما عليه من القيامة هذيك؟ القيامة للذين هم موجودون أيامها في الدنيا من بني آدم، أما أنت أيش لك في القيامة؟ متى ما قُبِضَت روحك قامت قيامتك، انتهى عملك في الدنيا وانتهى، وانقطعت عن هذه الحياة، ودخلت إلى استبصار في عالم آخر كبير، أنت بالنسبة لك قيامتك لحظة خروج روحك من الجسد، بل لحظة وصول الروح إلى الغلصمة، وعند الغرغرة انتهت…قيامتك قامت.

وأما القيامة بالنسبة للموجودين في أيامها على ظهر الأرض، فهم الذين يموتون بقيام الساعة ومجيء تلك القيامة، ثم "القيامة الكبرى" التي تجمع الأولين والآخرين بالنفخة الثانية في الصور، (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ)[الزمر:68]، كما قال الله سبحانه وتعالى.

قال: "ووردت والأخبارُ -الكثيرة- في الدَّلالةِ علىٰ بقاءِ أرواحِ الموتىٰ"، جعلنا الله وإياكم ممن روَّح أرواحهم بنسيم قربه، فأحياها بحياة المعرفة الخالصة والمحبة الخالصة، آمين يا أكرم الأكرمين.

 

فصلٌ

في فهمِ حقيقةِ عذابِ القبرِ 

"أمَّا قولُكَ: إنَّ المشهورَ مِنْ عذابِ القبرِ: التَّألُّمُ بالنِّيرانِ والعقاربِ والحيَّاتِ.. فهذا صحيحٌ، وهوَ كذلكَ، ولكنّي أراكَ عاجزاً عن فهمِهِ، ودَرَكِ سِرِّهِ وحقيقتِهِ، إلَّا أنِّي أُنبِّهُكَ على أُنموذَجٍ منهُ؟ تشويقاً لكَ إلى معرفةِ الحقائقِ، والتَّشمُّرِ للاستعدادِ لأمرِ الآخرةِ؛ فإنَّهُ نبأٌ عظيمٌ أنتُم عنهُ مُعرِضونَ .

فقد قالَ النَّبيُّ ﷺ: "ٱلْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، وَيُرْحَبُ لَهُ قَبْرُهُ سَبْعِينَ ذِرَاعاً، وَيُضِيءُ حَتَّىٰ يَكُونَ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ ٱلْبَدْرِ، هَلْ تَدْرُونَ فِي مَاذَا أُنْزِلَتْ: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)[طه:124]"؟، قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ، قالَ: "عَذَابِ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ، يُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّيناً، هَلْ تَذْرُونَ مَا التِّنِّينُ؟ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ حَيَّةً، لِكُلِّ حَيَّةِ تِسْعَةُ رُؤُوسٍ، يَنْهَشُونَهُ وَيَلْحَسُونَهُ وَيَنْفُخُونَ فِي جِسْمِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ".

فانظر إلىٰ هذا الحديثِ، واعلمْ: أنَّ هٰذا حقٌّ علىٰ هذا الوجهِ الذي شاهدَهُ أهلُ البصائرِ ببصيرةٍ أوضحَ مِنَ البصرِ الظَّاهرِ، والجاهلُ يُنكِرُهُ؛ إذ يقولُ: إنِّي أنظرُ في قبرِهِ فلا أرىٰ ذلكَ أصلاً !!

فليَعلَمِ الجاهلُ: أنَّ هذا التِّنِينَ ليسَ خارجاً عن ذاتِ الميِّتِ؛ أعني: ذاتَ روحِهِ، لا ذاتَ جسدِهِ؛ فإنّ الرُّوحَ هيَ التي تَتألّمُ أو تَتنعَّمُ، بل كانَ معَهُ قبلَ موتِهِ مُتمكِناً مِنْ باطنِهِ. لكنَّهُ لم يكنْ يُحِسُّ بلدغِهِ لخَدَرِ كانَ فيهِ بغلبةِ الشَّهَواتِ، فأحسَّ بلدغِهِ بعدَ الموتِ.

وليَتحقَّقْ: أنَّ هٰذا التِّنِّينَ مُركَّبٌ مِنْ صفاتِهِ، وعددُ رؤوسِهِ بقَدْرٍ عددِ أخلاقِهِ الذَّميمةِ وشهَواتِهِ لمتاع الدُّنيا.

وأصلُ هٰذا التِّنِينِ: حبُّ الدُّنيا، وتَتشعَّبُ عنهُ رؤوسٌ بعددِ ما يَتشعَّبُ عن حبِّ الدُّنيا؛ مِنَ الحسدِ والحقدِ، والرِّياءِ والكِبْرِ، والثَّروةِ والمكرِ، والخداعِ وحبِّ الجاهِ والمالِ، والعداوةِ والبغضاءِ، وأصلُ ذلكَ معلومٌ بالبصيرةِ، ولذلكَ كثرَتْ رؤوسُهُ اللَّدَّاغةُ.

وأمَّا انحصارُ عددِها في تسعةٍ وتسعينَ.. فيُوقَفُ عليهِ بنورِ التُّبوَّةِ فقطْ، فهذا التِّنِينُ مُتمكِّنٌ مِنْ صميمِ فؤادِ الكافرِ، لا بمُجرَّدٍ جهلِهِ بالكفرِ، بل لِمَا يدعو إليهِ الكفرُ؛ كما قالَ اللهُ تعالىٰ: ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ)[النحل:107]، وقالَ الله تعالىٰ: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا)[الأحقاف:20] الآيةَ".

 

نعوذ بالله من غضب الله ونسأله الرضا عنا، وأن يعافينا ويعفو عنا وأن يُنعِّمنا سبحانه بقربه ومعرفته ومحبته في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة.

قال: "أمَّا قولُكَ: إنَّ المشهورَ" أمر من الحسِّيَّات هذه المتعلقة بالأجسام أنه "عذابِ القبرِ: التَّألُّمُ بالنِّيرانِ والعقاربِ والحيَّاتِ.. فهذا صحيحٌ، وهوَ كذلكَ"، لكن ماذا تتصور أنت عن معنى الحيات والعقارب؟ وعن معنى عذاب النار؟ ما عندك قياس إلا على المحسوسات التي تحس بها في الدنيا فقط!

هذه المحسوسات التي تحس بها في الدنيا من الحيَّات الجسمانية هذه التي تُخلَق فيها سُم، وتُعرِّض حياتك الحسية للهلاك؛ هذا مثال خَلَقَهُ الله لتعتبر أن هناك معنى لهلاكك الباطني ولحصول الألم المعنوي فيك؛ الذي يتسبب في إيصاله إليك حية وتنين ليست مثل هذه، ولكن تعمل مثل عملها وأشد، وهذه تعمل فيك هذا العمل في الحِس من أجل أن تقيس عليها المعنى، من أجل أن تقيس عليها الأمر الباطن؛ فأبرز الله لنا في هذه الدنيا في الحسيات ما نستطيع أن نتوصل به إلى اليقين إلى المعنويات التي لا نشاهدها ولا نحسها.

فهكذا يقول الإمام -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-: إذا عجزت عن فهم هذا وإدراك سِرّه وحقيقته، أنا أنبِّهك على نموذج تشويقًا لك من أجل تتشمّر وتستعد، وتعمل على تحصيل هذه المدارك التي خُصّ بها المقرّبون في عالم الدنيا، فلا أقل من وقوفك عليها وتصديقك بها، ولكن مهما قدرت في فرصة الحياة -وليس لك فرصة غيرها- أن ترتقي إلى مرتبة الإدراك والذوق، فهذا خير لك وهذا أحسن، ولكن لا أقل من أن يكون عندك من التصديق والإيمان والقياس ما يرفعك عن الإنكار للحقائق التي سترد عليها وستراها فيما بعد، ولهذا يقول:

  • أورد حديث ابن حبان في صحيحه -رضي الله عنه-، يقول: "ٱلْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ" ويقول: "وَيُرْحَبُ لَهُ" يعني: يُوَسَّعُ له "قَبْرُهُ سَبْعِينَ ذِرَاعاً". 
  • وفي الحديث الآخر: "القبرُ إمّا روضةٌ من رِياضِ الجنَّةِ، أو حُفرةٌ من حُفَرِ النّارِ".

يقول سيدنا الغزالي: هذه الأشياء ليس المراد بها الحسية بذات بقعة الأرض وتربة القبر، قال: ما هو هكذا، هو بالنسبة لروحك، كما أنك في عالم الحس ترى التوسعة من حواليك سببً لانتعاشك وسبب لفرحك وبهجتك؛ فكذلك هناك توسعة معنوية بها تنتعش الأرواح والقلوب، وبها تنال نصيبها من الرَّوح والريحان، فبهذا يكون بالنسبة للقبر الحسي؛ قبر كما هو محدود، ولكن ما فيه من الحقائق شيء عظيم؛

  • "إمّا روضةٌ من رِياضِ الجنَّةِ".
  • "أو حُفرةٌ من حُفَرِ النّارِ".
  • "وَيُرْحَبُ لَهُ قَبْرُهُ سَبْعِينَ ذِرَاعاً".
  • "وَيُضِيءُ حَتَّىٰ يَكُونَ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ ٱلْبَدْرِ".

وأنت تجيء تشوف إذا ما عندك بصيرة، تشوف بعين البصر القبور سواء، أين الضياء الذي في هذا؟! 

ومثال هذا في عالم الحس، في عالم الدنيا: إذا كان واحد عندك نائم وقال: رأيت نور عظيم، أنت قلت له: كذاب… لماذا كذاب؟ تقول له: أنا جنبك جالس ما رأيت.. هو في عالم آخر وعنده مدارك غير مداركك أنت! هو رأى بمداركه في نومه هذا الأمر، من أين كذاب؟! ما هو كذاب هو صادق لكن أنت عقلك مجمَّد؛ ما تدرك القياس على الأشياء، وما تدرك المعاني من وراء الحسيات، أنت مجمد العقل!.. 

كذلك شأن البرزخ والآخرة: أمور معنويات عظيمة كبيرة، هي بالنسبة لمدارك البصائر والأرواح مثل مدارك الأبصار للحسيات، بل وأقوى وأشد..بل وأقوى وأشد. ولكن الإنسان ما دام في هذه الدنيا، فكما ذكر سيدنا الإمام الغزالي؛ قد يكون مخدر.. كيف مخدر؟

قال: بالشهوات، قال: الشهوات واتباعها تعمل في الأرواح وحسِّ الروح المعنوي؛ تعمل فيه ما تعمله المسكرات هذه والمخدرات في عالم الحس والجسد، تُذهِب عقله، تخلّيه ما عاد يعقل شيء، إذا تناوَل مخدرات ما عاد يعقل شيء ولا يدرك ما حواليه، والسَّكرى بالشهوات والغفلة عن الله أرواحهم؛ الحقائق قدامهم ما يعرفونها، ما يدركونها، سكرى! (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)[الحجر:72] يقول الله، وهل كان عندهم مخدرات؟ ما كان عندهم، كان عندهم شهوات، قوم لوط كان عندهم شهوات، وهم في السَّكرة هذه؛ ما عاد رضوا يؤمنون بالنبي لوط ولا بما جاء به عن الله، سكارى وراء شهواتهم -والعياذ بالله تعالى-؛ فتخدَّرَت بواطنهم وما أدركت الحقيقة.

يقول: "سَبْعِينَ ذِرَاعاً، وَيُضِيءُ حَتَّىٰ يَكُونَ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ ٱلْبَدْرِ، هَلْ تَدْرُونَ فِي مَاذَا أُنْزِلَتْ: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)[طه:124]"، يعني: يتصل بالتعب في الحياة الدنيا، أول ما يناله صاحب الإعراض عن ذكر الله من الذي قد تعب في الدنيا بغفلته وحجابه، ينازله في القبر هذه المنازلة -والعياذ بالله تعالى-، "عَذَابِ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ، يُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّيناً، هَلْ تَذْرُونَ مَا التِّنِّينُ؟ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ حَيَّةً، لِكُلِّ حَيَّةِ تِسْعَةُ رُؤُوسٍ، يَنْهَشُونَهُ وَيَلْحَسُونَهُ وَيَنْفُخُونَ فِي جِسْمِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ"، -والعياذ بالله تعالى- فهذا عذابه في القبر. 

قال: "هٰذا حقٌّ علىٰ هذا الوجهِ الذي شاهدَهُ أهلُ البصائرِ ببصيرةٍ أوضحَ مِنَ البصرِ الظَّاهرِ".

وَإِذَا كُنْتَ بِالْمَدَارِكِ غِرًّا *** ثُمَّ أَبْصَرْتَ حَاذِقًا لَا تُمَارِي

وَإِذَا لَمْ تَرَ الْهِلَالَ فَسَلِّمْ *** لِأُنَاسٍ رَأَوْهُ بِالْأَبْصَارِ

وما أخبرنا النَّبيون وهم الأُمناء على أسرار وحي الله تعالى؛ فهو الحق والصدق. ويجب علينا من خلال مداركنا الحسية أن نستفيد من هذه المدارك الحسية قياسات، أن الله خلقها لنا لنعلم أن مثلها ومقابلها في عالم الروح وفي عالم الباطن وفي عالم المعنى مثلها بل وأشد، (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج:46]، (وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا) [الإسراء:72]، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

يقول: أحدثك "أصلُ هٰذا التِّنِينِ" الذي يلسع الميت في قبره، تعرفه؟ قال حُبّه لكل القاطعات عن الله تعالى؛ حُبه للدُّنيا، "حبُّ الدُّنيا"، قال: هو ذا التنين بنفسه، لا شيء غيره، لكن هذا تنين معنوي. قال: كان معه وكان ينهشه في الدُّنيا لكن ما يحس؛ مخدر؛ الرجّال مخدر بحب الشَّهوات.. لمَّا انقطع عن الشَّهوات وخرجت روحه من جسده؛ أحسَّ.. (لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق:22]. ويقول: أيش هذا الألم؟ الألم هذا كان فيك طول حياتك وأنت في غفلة عن الله، كان هذا التنين ينهشك لكن أنت سكران؛ ما حسيت. لمَّا راح السُّكْر بالدُّنيا الآن؛ أفقت.. هذا عملك، وهذا حالك، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

قال: وبعدين "تَتشعَّبُ عنهُ رؤوسٌ" في كل واحد منها تسع رؤوس، وهي تسعة وتسعين، وتتشعب رؤوس كما يتشعب من حب الدُّنيا رؤوس، "مِنَ الحسدِ والحقدِ، والرِّياءِ والكِبْرِ، والثَّروةِ والمكرِ، والخداعِ وحبِّ الجاهِ والمالِ، والعداوةِ والبغضاءِ .." كلّها رؤوس للتنين هذا؛ تنين محبة القواطع عن الله، وما يحجبك عن مولاك -سبحانه وتعالى- هذا هو التنين. ولهذا أرباب البصائر يبكون على النَّاس بكاءً من قلوبهم، يشوفون أنهم ما يحسون بما هم فيه! 

وهكذا أيام ظهر بعض الذين اغتروا بكلام الشيوعية عندنا وكلام الإلحاد، كان يمشي واحد مع أحد شيوخنا في الطريق، وإذا هو يغطي رأسه، فيقول له رفيقه: عسى ما عندك شيء صداع؟ قال: لا، رأيت نار تلهب فوق هذا الرجل وهو يمشي في الطريق، وهو ما يزال في الدُّنيا وما يحس بها، ما يحس بها في الدُّنيا.

وهكذا قال ﷺ: إنه إذا نطق الإنسان بالكذبة، تنحّى عنه الملكان مسيرة ميل من نتن ما يخرج من فيه. ويقول الحق تعالى يذكر لنا في هذه الحقيقة: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) [النساء:10]. والظاهر: أين النَّار؟ النار هذه مخبوءة في التجرؤ على مال اليتيم من غير حق، أنت ما تحس بها ذا الحين، لكن بتحس بها، بتجيك وبتحس بها لما تفوق من سُكرك بتحس بها، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

وهكذا، حتى كانوا يذكرون عن بعض العارفين أنهم كانوا قديمًا لمَّا يركبون في تلك السفن في البحار، ويجلسون لأشهر في البحار، انطفأت عليهم النَّار في بعض السفن وهم في وسط البحر، وما عندهم من الطعام ما يمكن أكله إلا بالطبخ، وبينهم وبين البر مدة طويلة. فلجأوا إلى بعض أهل الصلاح فيهم أن يسألوا الله. فقالوا: ما نعمل لهم؟ قالوا: ادعوا الله. فلمَّا ألحّوا على بعض العارفين، قال: هل عندكم أحد متولّي مال أيتام؟ قالوا: نعم، قال: هاتوه، جاء.. قال: أنت مع تولّيك مال اليتيم، لا بُد فيه من تقصير بعض الشيء.. قال: أستغفر الله!.. فقال له: القصد الآن (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) ونحن في السفينة محتاجين قليل من النَّار هذه لأننا الآن في عالم الحس لكي نقضي به حاجاتنا.. قال: أنا من لحم ودم مثلك وبطني كما بطنك، وما هناك شيء! قال: لا، لا، صدق الله، فقال: نعم صدق الله لكن…  قال: هذا معنوي، بنسأل الله الآن يظهره لنا بنأخذ قبس فقط وخلِّ النار لك! هاتوا شيء من القُشاش الذي يلهب بسرعة، قرِّبوه، فأمره ينفخ فيه، نفخ.. خرجت نار،  فاشتعل.. قال: خذوا ناركم، وذاك الرجَّال انبَهَت!!.. قال: انتبه لنفسك من حق اليتيم، لا تقرب ماله، وإلا في القيامة بيظهر لك مثل هذا، (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) نص صريح في القرآن.

ناس يتكلمون على كلام الأولياء ويقول لك: معقول،  غير معقول… والقرآن أيش يقول؟ كلام ربك يجيء عندك، عاده غير معقول؟! (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) والنَّبي ﷺ قال: الذي يأكل في صحاف الذهب والفضة، إنّما يُجرجر في بطنه نار جهنم. صدق رسول الله، قال الذي يأكل ويشرب في صحاف الذهب والفضة إنما يُجرجر في بطنه نار جهنم. 

فبيننا وبين هذه الحقائق فقط؛ رفع الستار، رفع الستار يذهب به السُّكر، السُّكر في هذه الحياة يذهب، كلٌّ يفيق.. كلٌّ يفيق؛ الملحد والمنكر والمبغض والمجوسي والبوذي واليهودي؛ كل يفيق. 

اعلم أن الحق ما قال به الأنبياء. حتى إذا قاموا من المرقد بين النفختين قالوا: (يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا) تقول لهم الملائكة: (هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) [يس:52]؛ هذا هو الكلام الذي كان يحدثكم عنه الأنبياء، (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف:49]. أجارنا الله من النَّار، وعذاب النَّار، وأفعال أهل النَّار، وأوصاف أهل النَّار، وجعلنا من أهل جنته، وعاملنا بفضله ومِنّته، آمين آمين آمين.

قال: أما العدد "تسعةٍ وتسعينَ" فهذا ورد في الحديث، وانحصارها في هذا العدد وترتيبها "بنورِ النُّبوَّةِ" يُظهِره الله لرسوله ﷺ وهو أعرف منا بهذه الحقائق؛ فهو كما قال عليه الصَّلاة والسَّلام، قد لا نصل نحن إلى إدراك هذا العدد كيف تم؟ وكيف بالترتيب؟ فالأمر كما قال ﷺ، (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم:3-4] صلوات ربي وسلامه عليه. 

قال: "فهذا التِّنِينُ مُتمكِّنٌ مِنْ صميمِ فؤادِ الكافرِ، لا بمُجرَّدٍ جهلِهِ بالكفرِ، بل لِمَا يدعو إليهِ الكفرُ؛ كما قالَ اللهُ تعالىٰ: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) [النحل:10]، وقالَ الله تعالىٰ: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ). [الأحقاف:20] الآيةَ".   

 

"وهٰذا التِّنِّينُ لو كانَ كما تظنُّهُ خارجاً مِنْ ذاتِ الميِّتِ.. لكانَ أهونَ؛ إذ ربَّما يُتصوَّرُ أن يَنحرِفَ عنهُ التِّنِّينُ، أو ينحرفَ هوَ عنهُ، لا بل هوَ مُتمكِّنٌ مِنْ صميمِ فؤادِهِ، يَلدغُهُ لدغاً أعظمَ ممَّا تفهمُهُ مِنْ لدغ التِّنِينِ، وهوَ بعينِهِ صفاتُهُ التي كانَتْ معَهُ في حياتِهِ، كما أنَّ التِّنِينَ الذي يَلدغُ قلبَ العاشقِ إذا باعَ جاريتَهُ هوَ بعينِهِ العشقُ الذي كانَ مُستكنّاً في قلبِهِ استكنانَ النَّارِ في الحجرِ، وهوَ غافلٌ عنهُ، فقدِ انقلبَ ما كانَ سببَ لذَّتِهِ سببَ ألمِهِ.

وهٰذا سِرُّ قولِهِ ﷺ: "إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ تُرَدُّ عَلَيْكُمْ"، وقولِهِ تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران:30]

بل سِرُّ قولِهِ تعالى: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) [التكاثر:5-6]؛ أي: إنَّ الجحيمَ في باطنِكُم، فاطلبوها بعلمِ اليقينِ؛ لِترَوها قبلَ أن تدركوها بعينِ اليقينِ.

بل هوَ سرُّ قولِهِ تعالى: (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) ]العنكبوت:54]، ولم يقلْ: إنَّها ستحيطُ، بل قالَ: هيَ محيطةٌ ، وقولِهِ تعالىٰ: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَاۚ) [الكهف:29] ولم يقلْ: يحيطُ بهِم. وهوَ معنىٰ قولِ مَنْ قالَ: إنَّ الجنَّةَ والنَّارَ مخلوقتانِ، وقد أنطقَ اللهُ لسانَهُ بالحقِّ، ولعلَّهُ لمَّا يُطلَعْ على سِرّ ما يقولُهُ.

فإن لم تفهمْ بعضَ معاني القرآنِ كذلكَ.. فليسَ لكَ نصيبٌ مِنَ القرآنِ إلَّا في قُشورِهِ؛ كما ليسَ للبهيمةِ نصيبٌ مِنَ البُرِّ إلَّا في قِشرِهِ الذي هوَ التِّبنُ.

والقرآنُ غذاءُ الخَلْقِ كلِّهِم على اختلافِ أصنافِهِم، ولكنَّ اغتذاءَهُم بهِ على قَدْرِ درجاتِهِم، وفي كلِّ غذاءٍ مخٌّ ونُخالةٌ وتِبنٌ، وحرصُ الحمارِ على التِّبنِ أشدُّ منهُ على الخبزِ المُتَّخَذِ مِنَ اللُّبِّ، وأنتَ شديدُ الحرصِ على ألَّا تفارقَ درجةَ البهيمةِ، ولا تَترقَّىٰ إلىٰ رتبةِ الإنسانيَّةِ، بل إلى الملكيَّةِ، فدونَكَ والانسراحَ في رياضِ القرآنِ، ففيهِ متاعٌ لكُم ولأنعامِكُم".

 

لا إله إلا الله. 

يقول -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-: وجود هذه الحقائق في بواطن النَّاس ثم ظهورها إلى عالم الحس في الجنَّة وفي النَّار، بل وقبل ذلك في القبور، يصيرون يُحسُّون بها ويشاهدونها مشاهدة، قال: لو كانت خارجة عنهم لكان الأمر يسير، لكن المشكلة هي في ذواتهم؛ وبهذا يقول لأهل النار: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ)[المؤمنون:108]؛ انتهت الفرصة لكم التي تستبدلون بها الشأن من شأن إلى شأن، والحالة من حالة إلى حالة، فبعد خروج الروح من الجسد، فإنما يُبعث على ما مات عليه؛ كما أنه غالبًا يموت على ما عاش عليه، نعم.. ولكن قد يكون عائشًا على شأن ثم يُختم له بشأن آخر، وهذا يكون على سبيل النُّدور بالنسبة؛ لأن أكثر الخلق يموتون على ما عاشوا عليه، ثم يُبعثون على ما ماتوا عليه، ثم تُترجم لهم المعاني الباطنة فيهم، ويعلمون معنى قول سيدنا علي بن أبي طالب: 

حِجَابُكَ مِنكَ وما تشعرُ *** وداؤكَ فيكَ وما تبصرُ

 فالأمر فيك؛ حجابك فيك، ونارك فيك، وجنَّتك فيك، ولهذا يقول ﷺ في الوالدين؛ للذي يبرّهم أو يعقهم: "هُما جنَّتُكَ ونارُكَ" هم نفسهم، ثم يقول: "الجَنَّةُ أقْرَبُ إلى أحَدِكُمْ مِن شِراكِ نَعْلِهِ، والنّارُ مِثْلُ ذلكَ". الله ينَعِّمنا بقربه ومعرفته ومحبته، ولا يعرِّضنا للعذاب في الدُّنيا ولا في الآخرة، يا أكرم الأكرمين. 

قال: "بل هوَ مُتمكِّنٌ مِنْ صميمِ فؤادِهِ، يَلدغُهُ لدغاً أعظمَ ممَّا تفهمُهُ مِنْ لدغ التِّنِينِ، وهوَ بعينِهِ صفاتُهُ التي كانَتْ معَهُ في حياتِهِ" الدُّنيا، (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)[التحريم:7]، كما قال الحق سبحانه وتعالى. 

ولهذا يُقال للذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله: (يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ..) لا شيء آخر، إلا هو هذا، به كنتم تُحرَقون  لكن أنتم ما تحسون، الآن حسُّوا!.. كنتم محروقين في الدُّنيا لكن ما تحسون؛ سكرانين، الآن انتهى السُّكر، أحِسّوا (..هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ)[التوبة:35].

وهكذا يقول: مثل إنسان كان قلبه مولّع مثلًا بجارية عنده، وتعيش معه، فجاء له خاطر وباعها، راحت مع واحد ثاني، ما راحت مع الثاني إلا وأحسَّ في قلبه حُرقة وشدة، ما عاد يريد؛ يقول: برَجِّع له حقه.. هاتوا حقي. قال: هذا هو نفسه كان موجود أيام كانت الجارية عنده، لكن كان مستكن ومستتر، لمَّا حِيل بينه وبينها؛ ظهر المخفي الذي كان عنده، وكان مُسَكَّن بسبب قربها منه ووجودها جنبه؛ فهنا ما تجددت نار بعد ما باعها، ما تجدد شيء، إنما هي النَّار كانت موجودة من أول، لكن الآن تجدد سبب الإحساس، لمَّا أحس أنه حِيلَ بينه وبينها وانقطع عنها؛ ثار عليه ما كان يجده أول من تعلُّق قلبه بها ومحبته لها، هذا هو.. هو نفسه، هذا هو؛ نَّار كان، لكن لمَّا كانت هي موجودة؛ كان ساكن ما يحس به، فلمَّا فارقها صار يصيح الآن…تصيح أو لا تصيح!...ما فيك إلا الذي فيك من أول، هو نفسه. فإذا كان هذا كله في عالم الحسّيات؛ فكذلك المعنويات، ولذا قال تعالى: (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [النمل:90].

قال: وهذه أسرار في هذه الآيات الشريفة والأحاديث المُنيفة:

  • مثل قوله ﷺ: "إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ تُرَدُّ عَلَيْكُمْ". 
  • وفي الحديث القدسي: "يا عِبادِي، إنَّما هي أَعْمالُكُمْ أُحْصِيها لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيّاها، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ".
  • ويقول : (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا) بلذاته وهناه وروحانيته وحلاوته (وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ) أيضًا محضرًا بشدته وحرقته وألمه، ولكن (تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران:30]، يا رؤوف، ارأف بنا، ولا تعرِّضنا لنارك، ولا تعرِّضنا لعذابك يا حي يا قيوم.

يقول: "(كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) [التكاثر:5-6]؛ أي: إنَّ الجحيمَ في باطنِكُم، فاطلبوها بعلمِ اليقينِ" ترون الجحيم؛ حتى لا تقعوا فيها؛ في النَّار بعد ذلك، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [التحريم:6]، وقال: "(إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) [العنكبوت:54] ولم يقلْ: إنَّها ستحيطُ، بل قالَ: هيَ محيطةٌ" من الآن قدها محيطة، لكن الآن ما يحسون، بمجرد ما يموت الواحد منهم تنكشف الحقيقة، وماذا قال خير الخليقة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وهو العروة الوثيقة. 

  • ولهذا يقول: "حُبُّكَ إيّاها أدْخَلَكَ الجَنَّةَ"؛ يقول للصحابي، ما قال: سيدخلك، قال: "أدْخَلَكَ"، هو في الجنَّة الآن، حُبّك لسورة الإخلاص "حُبُّكَ إيّاها أدْخَلَكَ الجَنَّةَ". 
  • وأيضًا يقول: "دَخلتُ الجنةَ البارِحةَ".... رأيت بلال. البارحة ليس بعدين في القيامة!.. في القيامة لا بلال ولا غير بلال، ما أحد يتقدم قدَّامه، كلهم وراء، لكن "البارِحةَ" يقول: "البارِحةَ" يعني: روح بلال منعمّة في الجنَّة، هي من البارح، "دَخلتُ الجنَّة البارحة" فسمعت دفَّ بلال يرتع في الجنَّة -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-، فقوله ﷺ: "البارحة"، ما قال بعدين في القيامة؛ في القيامة النَّاس وراءه كلّهم صلّى الله وسلَّم عليه وعلى آله، رزقنا الله حُسن متابعته.

وهكذا فيما يقول: "إنَّ الجنَّةَ والنَّارَ مخلوقتانِ… فإن لم تفهمْ بعضَ معاني القرآنِ كذلكَ.. فليسَ لكَ نصيبٌ مِنَ القرآنِ إلَّا في قُشورِهِ" مثل البهيمة؛ ما لها من البُرِّ وما فيه من الفوائد التي يجدها الإنسان في جسده، قال: هذه القشور والتبن يعطونه الحيوان، وأما اللب فيروح لبني آدم؛ وكذلك لبُّ المعاني والحقائق يروح لأهله، والباقين يدورون حوله؛ يقرؤون القرآن، ويقرؤون الأحاديث لكنهم في القشور محلّهم؛ لأنهم ما صفَّوا بواطنهم، ولا صدقوا مع مولاهم -جل جلاله- اللهم وفّر حظنا من القرآن. 

قال: "والقرآنُ غذاءُ الخَلْقِ كلِّهِم" ولكن على درجات في هذا الغذاء، "وفي كلِّ غذاءٍ مخٌّ ونُخالةٌ وتِبنٌ، وحرصُ الحمارِ على التِّبنِ أشدُّ منهُ على الخبزِ المُتَّخَذِ مِنَ اللُّبِّ"؛ لأنه يرى أن هذا أنسب له، مثل ما يحرص الطفل على اللعبة، وعلى الشوكليت والنعنع -الحلوى- أحسن مما يحرص على جوهرة؛ بل لو عرضت له جوهرة وأعطيته لعبة، بيرمي الجوهرة وبيأخذ اللعبة لأن هذا مقدار ما عنده، ما يشوف إلا هذا، ما يدري أن الجوهرة ذي بتجيب آلاف اللُّعب كما حقّه هذه، وبتجيب له أشياء كثيرة، ما يعرف، يحس الذي قدامه فقط؛ فهو غافل عن هذا، وكذلك الغفلة عن الله -تبارك وتعالى- خلَّصنا الله منها، خلَّصنا الله منها، خلَّصنا الله منها، وطهّرنا، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الرَّاحمين.

 

فصلٌ

في بيانِ حقيقةِ التنينِ المتمثِّلِ في القبرِ

"فإن قلتَ: فهل يَتمثَّلُ هذا التِّنِّينُ لهُ تمثُّلاً يشاهدُهُ مشاهدةً تضاهي إدراكَ البصرِ، أم هوَ تألُّمٌ محضٌ في ذاتِهِ؛ كتأتُّم العاشقِ إذا حيلَ بينَهُ وبينَ معشوقِهِ؟

فأقولُ: لا، بل يَتمثَّلُ لهُ حتَّىٰ يشاهدَهُ، لكنْ تمثُّلاً رُوحانيّاً، لا علىٰ وجهٍ يُدرِكُهُ مَنْ هوَ بَعْدُ في عالَمِ الشَّهادةِ إذا نظرَ في قبرِهِ؛ فإنّ ذلكَ مِنْ عالَمِ الملكوتِ.

نعم؛ العاشقُ أيضاً قد ينامُ فيَتمثَّلُ لهُ حالُهُ في المَنامِ، فربَّما يرىٰ حيَّةً تَلدغُ صميمَ فؤادِهِ؛ لأنَّهُ بَعُدَ بالنَّومِ مِنْ عالَمِ الشَّهادةِ قليلاً، فتَتمثَّلُ لهُ حقائقُ الأشياءِ تمثُّلاً محاكياً للحقيقةِ، منكشفاً لهُ مِنْ عالَمِ الملكوتِ.

والموتُ أبلغُ في الكشفِ مِنَ النَّومِ؛ لأنَّهُ أقمعُ لنوازعِ الحِسِ والخيالِ، وأبلغُ في تجريدِ جوهرِ الرُّوحِ عن غِشاوةِ هذا العالَمِ؛ فلذلكَ يكونُ ذلكَ التَّمثُّلُ تامّاً مُحقَّقاً دائماً لا يزولُ؛ فإنَّهُ نومٌ لا يَنتبِهُ منهُ إلَّا يومَ القيامةِ، ويُقالُ لهُ: (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق:22]

واعلمْ: أنَّ المُتيقِّظَ بجنبِ النَّائمِ إن كانَ لا يشاهدُ الحيَّةَ التي تلدغُ النَّائمَ.. فذلكَ غيرُ مانعٍ مِنْ وجودِ الحيَّةِ في حقِّهِ، وحصولِ الألمِ بهِ؛ كذلكَ حالُ الميِّتِ في القبرِ".

 

وهكذا يقول: هذه الحقائق لمَّا نتحدث عنها، كثير من العقليات قد ما تستوعب؛ كيف؟ كيف وجود حقيقة النَّار والجنَّة فينا؟ وحقيقة النَّعيم والعذاب فينا؟ وبعدين يظهر لنا في الآخرة، وهل يظهر بمجرد إحساس فينا فقط أو هو مُمَثَّل؟ قال: لا..لا، مُمَثَّل ومشاهَد أشد من مشاهدة البصر للأشياء الحسية، ولكن استبعاد العقل له كمثل: واحد من العوام أرسل ولده يتعلم في بعض المدارس، وبعدين في حصة من الحصص التي يعلمونهم مواد الجسد ومن ماذا مكوَّن، ومن جملته علموهم ذاك اليوم عن نوع من الخضرة الخضراء يقال لها عندنا الضدح، وأن فيها حديد؛ يعني: مادة تتحول في جسد الإنسان إلى حديد، ولمَّا رجع يقول له أبوه: ماذا علّموك اليوم في المدرسة؟ قال: علمونا أن الضدح فيها حديد، قال: ماذا؟! خضرة فيها حديد؟! أي مدرسة هذه؟ وأي معلمين هؤلاء؟! لا تروح عندهم، هؤلاء يجننون عقلك. هم يعلمونه، لكن الرجل قال: ضدح!.. خضرة نحن نأكلها ولا شيء حديد، أين الحديد؟! فأنكر هذا.. كذلك عقلية النَّاس أمام هذه الحقائق التي نذكرها للناس يستغربونها وهي واقع، وعند انكشاف الغطاء؛ كلٌّ يشاهد بعد ذلك.

ولهذا يقول: ليس مجرد إحساس بل هي في عالم الروح تُمثَّل تمثيلًا تامًا ويشاهدها، ولكن تَمثُّل روحاني من كان في عالم الشهادة بعد؛ لا يدركه ولا يرقى إليه. يقول: نعم، تحصل للإنسان كثير من الحقائق أحيانًا تبدو له في النوم، لماذا؟ لأنه بالنوم ينقطع بعض الانقطاع عن هيمنة الحس، عن هيمنة المحسوسات والدُّنيا والماديات، فلمَّا تضعف صلة روحه بالماديات هذه؛ ينكشف لها شيء من الحقيقة فيشاهدها في النوم، قال: لكن بالموت المشاهدة أوضح وأفصح وأفسح؛ إذا قد متّ، أما في النوم، في خِفّة يسيرة في العلاقة بين الروح والعالم الحسي، لكن عند الموت أمر أكبر، فبهذا تشاهد الأمر تمامًا.. لا إله إلا الله.

قال: قد "يرىٰ -العاشق في النوم- حيَّةً تَلدغُ صميمَ فؤادِهِ" فيشاهدها لأنه بَعُد عن عالم الشهادة؛ فالحقيقة بدت تتمثل له، وعرف أنه ما خلق الله الحيات في الدُّنيا تنهش؛ إلا لأن هناك معاني تنهش الأرواح، يجب علينا أن نقيس هذا بهذا. كما قال في نار الدُّنيا للتذكرة بنار الآخرة: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً) [الواقعة:71-73]، تذكركم أن هناك نار، والنار تلك أشد، وإن كانت هي من باطنك لكنها أشد من هذه، هذه الظاهرة يمكنك أن تهرب منها أو تحترز منها، لكن التي من باطنك تشتعل، من أين تروح؟ أين تروح؟ -لا إله إلا الله- (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25-26] جل جلاله وتعالى في علاه. 

قال: "والموتُ أبلغُ في الكشفِ مِنَ النَّومِ؛ لأنَّهُ أقمعُ لنوازعِ الحِسِ والخيالِ، وأبلغُ في تجريدِ جوهرِ الرُّوحِ عن غِشاوةِ هذا العالَمِ؛ فلذلكَ يكونُ ذلكَ التَّمثُّلُ تامّاً مُحقَّقاً دائماً لا يزولُ؛ فإنَّهُ نومٌ لا يَنتبِهُ منهُ إلَّا يومَ القيامةِ، ويُقالُ لهُ: (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق:22]"، قال: وعدم إدراك المستيقظ جنب النائم، وعدم مشاهدته للحية، ويقول: ما جاءت حية ولا شيء، وذاك قام يصيح من النوم يقول: حية جاءت تلسعنا في صميم قلبي، قال: أنت مجنون؟ أنا قاعد عندك ولا شيء حية. نقول له: المجنون هو ولا أنت؟!… هذا في عالم نومه يحس ما لا تحس، ويبصر ما لا تبصر، فهو صادق فيما قال وفيما انكشفت له من حقيقة، وعدم رؤيتك لها ما يدل على غيبتها؛ وكذلك أهل الحس، عدم رؤيتهم لما يجري في القبور ما يدل على العدم، موجود في القبور نعيم وعذاب لكن هؤلاء ما يدركونه لأنهم في عالم الحس وفي عالم الشهادة وفي عالم المادة. 

رزقنا الله كمال الإيمان، ورقّانا في علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، إلى الذُّرى مع خيار الورى، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الرَّاحمين.

الله ينظر إلينا ويقرّبنا إليه أجمعين، ويجعلنا في الهداة المهتدين، ويبارك سبحانه وتعالى في هذا المقام، وفي القائمين في هذا المسجد والمترددين إليه، ويجعل لهم رقيًّا في مراقي العُلا مع خيار الملأ، ويطيل لنا ولهم الأعمار في طاعته تعالى، ويرفعنا أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، ويجعلنا ممن ترعاهم عين عنايته في كل شأن وحال وحين، خذ بأيدينا إليك أخذ أهل الفضل والكرم عليك، قوّمنا إذا اعوججنا، وأعنّا إذا استقمنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، ثبتنا على الحق فيما نقول، وثبتنا على الحق فيما نفعل، وثبتنا على الحق فيما نعتقد. واعصمنا من الشرك، واغفر لنا ما دون ذلك بأوسع المغفرة، واجعلنا من أهل الإنابة إليك، والخشية منك، والمعرفة بك، والصدق معك، والرجاء فيك، واقطع رجاءنا عمن سواك حتى لا نرجو أحدًا غيرك، واقطع خوفنا عمن سواك حتى لا نخاف أحدًا غيرك، وثبتنا على الحق في جميع الشؤون، وتولّانا في الظهور والبطون، واجعلنا ممن يهدون بالحق وبه يعدلون، في خير ولطف وعافية، مع صلاح شؤوننا الظاهرة والخافية، لنا وللمسلمين أجمعين. 

بِسِرِّ الْفَاتِحَة 

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ

 اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 







الأربعين في أصول الدين - 42 | ذكر الموت (2)

 





Ingat Akan Mati (2)



Video


الدرس الثاني والأربعون للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي . القسم الرابع: الأخلاق المحمودة: تكملة شرح الأصل العاشر: ذكر الموت (2)

 ضمن دروس الدورة الصيفية الثانية بمعهد الرحمة بالأردن.

ظهر السبت 7 ربيع الأول 1447هـ

من طولِ الأمل إلى صدقِ الاستعداد: طريقًا عمليًّا لذكر الموت بخلوةٍ وتفكّرٍ في المصير، ووظيفةَ الذكر في قطع طولِ الأمل، وآثاره في تفريغ القلب من التعلّق بالدنيا والتهيؤ للقاء الله، يتبع ذلك لمحاتٌ عن أحوال البرزخ وبقاء الروح، ومعنى "لو كُشف الغطاء ما ازددتُ يقينًا".

 

نص الدرس المكتوب: 

بسم الله الرحمن الرحيم

بسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

فَصَلٌ

[في أنَّ ذكرَ الموتِ سمةُ العارفينَ] 

"اعلمْ: أنَّ الموتَ عظيمٌ هائلٌ، وما بعدَهُ أعظمُ منهُ، وفي ذكرِهِ منفعةٌ عظيمةٌ؛ فإنَّهُ يُنغِّصُ الدُّنيا، ويُبغِّضُها إلى القلبِ، وبغضُها رأسُ كلِّ حسنةٍ، كما أنَّ حبَّها رأسُ كلِّ خطيئةٍ.

وللعارفِ في ذكرِهِ فائدتانِ:

إحداهُما: النفرةُ عنِ الدُّنيا.

والأخرى: الشَّوقُ إلى الآخرةِ؛ فإنَّ المُحِبَّ -لا محالةَ- مُشتاقٌ.

ومعنى الشَّوقِ في المحسوساتِ: استكمالُ الخيالِ بالتَّرقِّي إلى المشاهدةِ؛ فإنَّ المُشتاقَ إليهِ مُدرَكٌ -لا محالةَ- بالخيالِ، وغائبٌ عنِ الأبصارِ، وأحوالُ الآخرةِ ونعيمُها، وجمالُ الحضرةِ الرُّبوبيَّةِ.. مُدرَكٌ كلُّ ذلكَ للعارفِ، يَعرِفُهُ كأنَّما يَنظُرُ إليهِ مِنْ وراءِ سِترِ رقيقٍ في وقتِ الإسفارِ وضَعفِ النَّور.

فهوَ مُشتاقٌ إلى استكمالِ ذلكَ بالتَّجلِي والمشاهدةِ، ويَعلَمُ أنَّ ذلكَ لا يكونُ إلَّا بالموتِ، فلذلكَ لا يكرهُ الموتَ؛ لأنَّهُ لا يكرهُ لقاءَ اللهِ تعالىٰ، ولا سببَ لإقبالِ الخَلْقِ على الدُّنيا إلَّا قلَّةُ التَّفكُّرِ في الموتِ.

وطريقُ الفِكْرِ فيهِ: أن يُفرِغَ الإنسانُ قلبَهُ عن كلِّ فِكْرٍ سواه، ويجلسَ في خلوةٍ، ويُباشِرَ ذكرَ الموتِ بصميمِ قلبِهِ، ويَتفكَّرَ أوّلاً في أخدانِهِ وأشكالِهِ الذينَ مضَوا:

فيَتذكَّرُهُم واحداً واحداً، ويَتذكَّرُ حرصَهُم وأملَهُم، وركونَهُم إلى الجاهِ والمالِ.

ثمَّ يَتذكَّرُ مَصارعَهُم عندَ الموتِ، وتحسُّرَهُم على فواتِ العمرِ وتضييعِهِ.

ثمَّ يَتفكَّرُ في أجسادِهِم كيفَ تَمزَّقَتْ في التُّرابِ، وصارَتْ جِيفةً يأكلُها الدِيدانُ.

ثمَّ يَرجِعُ إلى نفسِهِ، ويَعلَمُ أنَّهُ كواحدٍ منهُم؛ أملُهُ كأملِهِم، ومَصرعُهُ كمَصرعِهِم.

ثمَّ يَنظُرُ في أعضائِهِ، ويَنظُرُ كيفَ تَتفتَّتُ، وإلى حدقتِهِ كيفَ يأكلُها الدُّودُ، وإلىٰ لسانِهِ كيفَ يَتهرَّأُ ويصيرُ جِيفةً في فيهِ.

فإذا فعلتَ ذلكَ.. تَنغَّصَتْ عليكَ الدُّنيا، وكنتَ سعيداً؛ إذ السَّعيدُ مَنْ وُعِظَ بغيرِهِ؛ ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ : "أَيُّهَا النَّاسُ؛ كَأَنَّ ٱلْمَوْتَ فِيهَا عَلَىٰ غَيْرِنَا كُتِبَ، وَكَأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا عَلَىٰ غَيْرِنَا وَجَبَ، وَكَأَنَّ ٱلَّذِينَ نُشَيِّعُ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ سَفْرٌ عَمَّا قَلِيلٍ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ؛ نُبَوِّئُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ، وَنَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ، كَأَنَّا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ، قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِظَةٍ، وَأَمِنَّا كُلَّ جَائِحَةٍ، طُوبَىٰ لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ".

 

فصلٌ

[في أنَّ مَنْ طالَ أملُهُ.. ساءَ عملُهُ]

أصلُ الغفلةِ عنِ الموتِ: طولُ الأملِ، وذلكَ عينُ الجهلِ؛ ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ  لعبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما: "إِذَا أَصْبَحْتَ.. فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِٱلْمَسَاءِ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ.. فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِٱلصَّبَاحِ، وَخُذْ مِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ، وَمِنْ صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ؛ فَإِنَّكَ -يَا عَبْدَ اللهِ- لَا تَدْرِي مَا اسْمُكَ غَداً".

وقالَ : "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَىٰ أُمَّنِي خَصْلَتَانِ: ٱتِّبَاعُ ٱلْهَوَىٰ، وَطُولُ الْأَمَلِ".

واشترى أسامةُ -رضيَ اللهُ عنهُ- وليدةً إلى شهرينِ بمئةٍ، فقالَ عليهِ السَّلامُ: "أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ أُسَامَةَ ٱلْمُشْتَرِي إِلَىٰ شَهْرَيْنِ؟! إِنَّ أُسَامَةَ لَطَوِيلُ الْأَمَلِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ مَا طَرَفَتْ عَيْنَايَ إِلَّا ظَنَنْتُ أَنَّ شُفْرَيَّ لَا يَلْتَقِيَانِ حَتَّىٰ يَقْبِضَ ٱللهُ عَزَّ وَجَلَّ رُوحِي، وَلَا رَفَعْتُ طَرْفِي وَظَنَنْتُ أَنِّي وَاضِعُها حَتَّىٰ أُقْبَضَ، وَلَا لَقِمْتُ لُقْمَةً إِلَّا ظَنَنْتُ أَنِّي لَا أُسِيغُهَا حَتَّىٰ أَغَصَّ بِهَا مِنَ ٱلْمَوْتِ".

ثمَّ قالَ: "يَا بَنِي آدَمَ؛ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ.. فَعُدُّوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ ٱلْمَوْتَىٰ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؟ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ، وَمَا أَنْتُمْ بمُعْجِزِينَ".

وقالَ : "نَجَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِٱلْيَقِينِ وَالزُّهْدِ، وَيَهْلِكُ آخِرُ هَذِهِ ٱلْأُمَّةِ بِٱلْبُخْلِ وَٱلْأَمَلِ".

وقالَ : "أَكُلُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ؟" قالوا: نعم، قالَ: "قَصِّرُوا آمَالَكُمْ، وَاجْعَلُوا آجَالَكُمْ بَيْنَ أَبْصَارِكُمْ، وَاسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ ٱلْحَيَاءِ".

 

الحمد لله ُمكْرِم المُقبلين عليه بحُسن التَّذكُر وجميل التَّبصُر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مُمد أهل القلوب المُتوجهة إليه بالتدبُر، ونشهد أن سيِّدنا ونبينا مُحمَّد عبده ورسوله خير مُتبصّر مُبَصِّر، وداعٍ إلى الحق -تبارك وتعالى- بالجهر والسّر، أزهد الخلق في ما عدا الخالق، سيِّد أهل الهدى والحقائق، اللَّهم أدم صلواتك على عبدك المُنيب الصَّادق، سيِّدنا مُحمَّد وعلى آله وأصحابه وكل متابع موافق، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين سادات أهل الصِّدق المُقربين وعلى آلهم وصحبهم والتابعين، وعلى ملائكتك المُقربين، وجميع عبادك الصَّالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الرَّاحمين.

وبعدُ، 

فيُذكِّر الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- بمزايا ذكر الانتقال من الحياة؛ وهو أمرٌ حتميٌّ ضروري، كائنٌ لا بُدّ منه، وفي الغفلة عنه كثير من التّمادي في التُّرَّهَات والبَطالات، وتصديقِ الخيالات والأوهام، وفي تذكُّرِه حماية من الانحرافِ والانجراف وراء المُلهيات والمُغريات الموقِعَة في موجِبِ الحسراتِ والنَّدامات.

وقال: إنه أمر "عظيمٌ هائلٌ"، مع كونه مكتوبًا على الأواخر والأوائل، "وما بعدَهُ أعظمُ منهُ" من شأن الوقوف بين يدي الله تعالى، وما يكون من السؤال في القبر وعذابه ونعيمه، وما يكون من عرْض الجنَّة أو عرْض النَّار على كل من خَرَج من الدُّنيا في كل غدوٍّ وعشيّة إلى وقت النَّفخة الأولى في الصّور، ثم صَعقُ الجميع ما بين النَّفختين، ثم القيام بعد النَّفخة الثَّانية والحضور في موقف الحشر، ونشر الكتب ووضع الموازين، ومقابلة ربّ العالمين، والمرور على الصِّراط ما بين ناجٍ وهالك إلى دار الكرامة، هذا أمر ما أعظمه وما أجلَّه!

ففي تذَكُّرِ هذه الحقائق "منفعةٌ عظيمةٌ؛ فإنَّهُ يُنغِّصُ الدُّنيا" وهي كل ما يشغلك عن الله تعالى وعن طاعته من كل معصية، ومن كل مكروه، ومن كل مفوِّت لواجبٍ وخير، ويُبغِّض ذلك إلى القلب، فلا تلوي إلى غشٍ، ولا إلى مكرٍ، ولا إلى خديعة، ولا إلى مخالفةٍ للشّريعة في شيءٍ من المعاملات أو كسب الأموال وما إلى ذلك، ولا يحملك طلب جاهٍ ولا منزلة بين النَّاس عن أن تكذب، أو أن تغش، أو أن تسلك مسلكًا غير لائق، إذا تذكرت هذا المصير. وحينئذٍ عند تنغيص هذه القواطع من الدُّنيا وتبغيض القلب؛ يكون ذلك "رأسُ كلِّ حسنةٍ" وسبب الحرص على أنواع الطاعات والقُربات والصِّفات الحميدات، "كما أن حبها"  أي حب الدُّنيا، وحب كل ما ألهى، وحب كثرة التَّمتُّع بشهواتها "أصل كل خطيئة"؛  يحملك على الغش، وعلى الكذب، وعلى الخيانة، وعلى السَّرقة، وعلى ما تتوصل به إلى تلك الأغراض من المُحرّمات.

قال: "وللعارفِ في ذكرِهِ فائدتانِ: 

  • "إحداهُما: النفرةُ؛" أي: كمال النَّفرة وقوتها عن كل مُلْهٍ عن الله تبارك وتعالى وهو المُراد بالدُّنيا. 
  • والفائدة "الأخرى:" تنمية "الشَّوق"، تنمية العشق للقاء المولى -جلّ جلاله- وللدار الآخرة؛ لأن "المُحِبَّ مُشتاقٌ. والشَّوق في المحسوساتِ استكمال الخيالِ بالتَّرقِّي إلى المشاهدةِ"؛ تخرج من التَّخيل والتَّذكر إلى مُشاهدة ومُعاينة.

"فإنَّ المُشتاقَ إليهِ مُدرَكٌ -لا محالةَ- بالخيالِ، وغائبٌ عنِ الأبصارِ". قال: "وأحوالُ الآخرةِ ونعيمُها، وجمالُ الحضرةِ الرُّبوبيَّةِ.. مُدرَكٌ كلُّ ذلكَ للعارفِ، يَعرِفُهُ كأنَّما يَنظُرُ إليهِ لكن مِنْ وراءِ سِترِ رقيقٍ في وقتِ الإسفارِ"؛ بداية الضوء وقبل أن يستكمل، فلا سبيل له لأن ينتقل من هذه الحالة إلى حالة إبصارٍ تام كمَن يُبصر الشَّيء بعد شروق الشَّمس في حال اجتماع شوقه ومن دون وجود مُنغِّصاتٍ له، لا يستكمل هذا إلا بالموت.

قال: "فهوَ مُشتاقٌ إلى استكمالِ ذلكَ بالتَّجلِي والمشاهدةِ، ويَعلَمُ أنَّ" هذا التجلي بهذا المستوى لا يُعطيه الله تعالى لأحد على ظهر الأرض في الحياة الدُّنيا، وأنهم لا يطيقون ذلك بتكوينهم الذي كوّنهم عليه بهذه المثابة التي هم عليها. لو تجلّى لهم بشيءٍ من ذلك لاضمحلّوا، وقد صار الطُّور دكًّا لمَّا تجلى عليه سنا ذلك النٌّور! وإلى هذا يُشير قوله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم: وعليه حجاب الكبرياء -جلّ جلاله-، لو كشف الحجاب لأحرق نوره كُل مَا انتهى إليه بصره، وهو يبصر كل شيء -جلّ جلاله- أي: لم يثبت بذلك شيء، وانتهت الأشياء؛ ولكن يُمد الله بقوةٍ أرباب الجنَّة في الجنَّة لينالوا من سرَّ هذا التجلي ما هو غاية آمالهم، وفوق آمالهم.

قال: "وهوَ"؛ أي: العارف "مُشتاقٌ إلى استكمالِ ذلكَ بالتَّجلِي والمشاهدةِ، ويَعلَمُ أنَّ ذلكَ لا يكونُ إلَّا بالموتِ، فلذلكَ لا يكرهُ الموتَ؛ لأنَّهُ لا يكرهُ لقاءَ اللهِ تعالى" وإنما سبب إقبالِ الخَلْقِ على الدُّنيا .. قلَّةُ التَّفكُّرِ في هذه الغاية وهذا المصير الحتمي الضروري.

قال: "وطريقُ الفِكْرِ فيهِ: أن يُفرِغَ الإنسانُ قلبَهُ عن كلِّ فِكْرٍ سواه"، ويجتمع بوجهته، "ويجلسَ في خلوةٍ، ويُباشِرَ ذكرَ الموتِ بصميمِ قلبِهِ، ويَتفكَّرَ أوّلاً في أخدانِهِ"؛ أصدقائه، وزملاؤه وأصحابه، "وأشكالِهِ" الذين هم على مثل حاله سواءً في السِّن أو القوة أو الصحة أو الوظيفة أو المكانة الاجتماعية.. كم أشكاله وأمثاله مضوا؟ يعرف واحد أو اثنين؟ زد… يعرف ثلاثة أو أربعة؟ زد… يعرف من هؤلاء خمسة أم ستة؟ زد… يعرف سبعة أم ثمانية؟ وعشرة وعشرين من أشكاله يعرفهم، "مضَوا"؛ فارقوا الحياة، خرجوا من هذه الدُّنيا، فلان، وفلان، وفلان، وفلان. هذا قريبه، وذاك جاره، ومَن في بيته، ومَن في دولته، ومَن في الدولة الثانية، وفلان، وفلان، وفلان… أشكاله تمامًا، راحوا؛ لكي يبقى هو أم ماذا؟ حتى يتبعهم ويكون له نفس المصير.

"فيَتذكَّرُهُم واحداً واحداً، ويَتذكَّرُ" كيف كان "حرصهُم"، وكم كان "أملهُم"، وكم كانوا-"ركونَهُم إلى الجاهِ والمالِ" ثم تركوا كل ذلك ولم ينقذهم منه شيء، ولم يبقهم على ظهر الحياة منه شيء، كيف لقوا "مَصارعَهُم" وتحسروا على ما فات من عمرهم؟ فيتصوّر كيف تحسروا على أوقات كانوا يقدرون على صرفها في الطاعة، لم يصرفوها.. وعلى أوقات صرفوها في الغفلات وفي التُرّهات، فضلًا عمَّا صرفوه من العمر في المعاصي؟ كيف حسرتهم الآن عليه؟! كيف توجّع قلوبهم وألمهم على ذلك؟

أجسادِهِم كيفَ تَمزَّقَتْ في التُّرابِ، وصارَتْ جِيفةً يأكلُها الدِيدانُ". ما ينجو من ذلك إلا قليل، كأحد الخمسة الذين ورد النص في بقاء أجسادهم بحيث لا يأكلها التراب وهم:

  • الأنبياء.
  • والشُّهداء.
  • والعُلماء العاملون بعلمهم.
  • وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه.
  • والمؤذن مُحتسبًا لله في المسجد سبع سنوات.

فهؤلاء الخمسة، جاءت النصوص بأن أجسادهم لا تأكلها الأرض، ولا يتمكّن الديدان ولا الحيتان من أن تنخر شيئًا منها إلى وقت القيامة وتعود.. ولكن هذه الأجسام بعد نزع الروح منها، تبقى جُثثًا هامدة في أماكنها التي جعلها الله، وتتشرف بهم الأماكن التي وضعوا فيها، وتتنزل عليهم الرَّحمة، والنعيم أيضًا يبقى لأرواحهم، وإن كان هناك اتصالٌ دقيقٌ رقيقُ خفيٌّ بين الروح والجسد. ومن هنا قالوا عن العذاب في القبر أنه قد يشترك الجسد فيه كذلك، والنعيم كذلك، كما هو في الآخرة.

يَرجِعُ إلى نفسِهِ، ويَعلَمُ أنَّهُ كواحدٍ منهُم، أملُهُ كأملِهِم، ومَصرعُهُ كمَصرعِهِم. ثمَّ يَنظُرُ في أعضائِهِ، ويَنظُرُ كيفَ تَتفتَّتُ، وإلى حدقتِهِ كيفَ يأكلُها الدُّودُ"، إذا فعل ذلك؛ تنغص عليه الالتفات للدُّنيا والغفلة عن الله والنسيان؛ وصار سعيدًا أنه وُعِظ بغيره. فالشقيّ من لم يتعظ بغيره حتى صار هو عبرة يتعظ به غيره. "السَّعيدُ مَنْ وُعِظَ بغيرِهِ" ومَن اتعظ بغيره؛ فانتبه وصار نموذجًا حيًّا يُتذكر منه صدق الإقبال وحسن الاستعداد، فما يصير عبرة لكن يصير تذكرة حسنة.

 وأما الشقي مَن لم يعتبر لا بهذا ولا بذاك، حتى صار هو واحد ممَن يُعتبر به، فوّت وتعرَّض للندم والحسرات، صار هو بنفسه عبرة، فهذا شَّقي، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. 

وقال، جاء في الحديث في رواية البيهقي في شُعب الإيمان: "كَأَنَّ ٱلْمَوْتَ فِيهَا"؛ أي في هذه الدُّنيا "عَلَىٰ غَيْرِنَا كُتِبَ"، نرى النَّاس يُصرعون دائمًا وكأن الموت فقط للغير ولا دخل لنا فيهم ، كيف لا دخل لنا فيه؟! (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) [آل عمران:185]، (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء:34-35]، "كَأَنَّ ٱلْمَوْتَ فِيهَا عَلَىٰ غَيْرِنَا كُتِبَ، وَكَأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا عَلَىٰ غَيْرِنَا وَجَبَ، وَكَأَنَّ ٱلَّذِينَ نُشَيِّعُ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ سَفْرٌ"؛ يعني: ناس مسافرين، يروحون مكان، ويرجعون إلينا، "عَمَّا قَلِيلٍ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ"؛ الأمر ليش هكذا! الأمر نهاية العلاقة بالدنيا، ومقابلة لرب الدُّنيا والآخرة، وتهيؤ للقيامة، (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون:100]، "نُبَوِّئُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ"؛ نوصلهم إليها ونُسكنهم فيها، "وَنَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ"؛ ما خلّفوا من أموال من بعد، "كَأَنَّا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ، قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِظَةٍ، وَأَمِنَّا كُلَّ جَائِحَةٍ، طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ". 

وأما مَن غفل عن هذا الموت؛ فيطول به الأمل، فلا يكاد ترعوي نفسه عن غيّها، وما تتعلَّق به من البطالات والمعاصي كأنه لن يموت بسبب طول الأمل ونسيان هذا الموت، وكان يقول: "إِذَا أَصْبَحْتَ .. فَلَا تُحَدِثْ نَفْسَكَ بِٱلْمَسَاءِ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ .. فَلَا تُحَدِثْ نَفْسَكَ بِٱلصَّبَاحِ، وَخُذْ مِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ، وَمِنْ صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ؛ فَإِنَّكَ -يَا عَبْدَ اللهِ- لَا تَدْرِي مَا اسْمُكَ غَداً". شقيّ أو سعيد، ما اسمك؟ ناجٍ أو هالك؟ مرضيّ عنه أم مغضوب عليه؟ انتبه لنفسك واستعد، فإنه لا يجمع على العبد أمنين ولا خوفين، إن أمّنه في الدُّنيا أخافه يوم القيامة، وإن أخافه في الدُّنيا أمّنه يوم القيامة. يقول: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَىٰ أُمَّتي خَصْلَتَانِ: ٱتِّبَاعُ ٱلْهَوَىٰ، وَطُولُ الْأَمَلِ". لا إله إلا الله… 

  • فباتِّباع الهوى لا يرعَوون عن الباطل، ولا يقبلون الحق.
  •  وبطول الأمل لا يبادرون بتوبة، ولا يستشعرون خطر الخاتمة. 

ولمَّا "اشترى -سيِّدنا- أسامةُ" بن زيد وهو حِبُّ رسول الله وابنُ حِبِّه، ابن زيد بن حارثة، "وليدةً" والأجل "إلى شهرينِ بمئةٍ"، قال رسول الله: "أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ أُسَامَةَ ٱلْمُشْتَرِي إِلَىٰ شَهْرَيْنِ؟! إِنَّ أُسَامَةَ لَطَوِيلُ الْأَمَلِ"، لا إله إلا الله!.. ثم ذكر توقُع الموت في كل لحظة من اللحظات، ويقول: إنكم "إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ .. فَعُدُّوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ ٱلْمَوْتَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؟ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ، وَمَا أَنْتُمْ بمُعْجِزِينَ"؛ لا تستطيعون تأخير شيء ولا تقديمه دون أمر الله -جلّ جلاله-، ولا أحدٌ منكم يمكن أن يتخلّص من الموت أصلًا.

قال ﷺ: "نَجَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِٱلْيَقِينِ وَالزُّهْدِ، وَيَهْلِكُ آخِرُ هَذِهِ ٱلْأُمَّةِ بِٱلْبُخْلِ وَٱلْأَمَلِ"؛ طول الأمل وتجاوز الحد وكأنهم مخلّدون ثم يبخلون، يبخلون بأعمارهم، ويبخلون بنفوسهم، ويبخلون بأموالهم، ويبخلون بقدراتهم أن يبذلوها في سبيل الله؛ فيهلكون بذلك.

وقالَ: "أَكُلُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ؟" قالوا: نعم، قالَ: "قَصِّرُوا آمَالَكُمْ، وَاجْعَلُوا آجَالَكُمْ بَيْنَ أَبْصَارِكُمْ، وَاسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ ٱلْحَيَاءِ". وفي الحديث: "مَن اسْتحيا من اللهِ حقَّ الحياءِ فلْيحفظِ الرأسَ وما وعى، ولْيحفظِ البطنَ وما حوى، ولْيذكرِ الموتَ والبِلا، ومن أراد الآخرةَ ترك زينةَ الحياة الدُّنيا".

 

فصلٌ

[في قولِ العارفِ: لو كُشِفَ الغطاءُ .. ما ازددتُ يقيناً] 

اعلمْ: أنَّ العارفَ الكاملَ المُستهتَرَ بذكرِ اللهِ تعالى .. مُستغنٍ عن ذكرِ الموتِ، بل حالُهُ الفَناءُ في التَّوحيدِ، لا التفاتَ لهُ إلى ماضٍ ولا إلى مستقبلٍ، ولا إلى حالٍ مِنْ حيثُ إنَّهُ حالٌ، بل هوَ ابنُ وقتِهِ؛ بمعنى: أنَّهُ كالمُتَّحدِ بمذكورِه، لستُ أقولُ: مُتَّحِداً بالذَّاتِ، فلا تغفُلْ فتغلطَ، أو تسيءَ الظَّنَّ.

وكذلكَ يُفارِقُهُ الخوفُ والرَّجاءُ؛ لأنَّهُما سوطانِ يسوقانِ العبدَ إلى هذهِ الحالةِ التي هوَ ملابسُها بالذَّوقِ.

وكيفَ يذكرُ الموتَ وإنَّما يُرادُ ذكرُ الموتِ لقطعِ علاقةِ قلبِهِ عمَّا يُفارِقُهُ بالموتِ؟

والعارفُ قد ماتَ مرَّةً في حقّ الدُّنيا، وفي حقّ كلّ ما يُفارِقُهُ بالموتِ؛ فإنَّهُ قد تَرفَّعَ وتَنزَّهَ عنِ الالتفاتِ إلى الآخرةِ أيضاً، فضلاً عنِ الدُّنيا، بل قد تَنغَّصَ عليهِ ما سوى اللهِ تعالى، ولم يبقَ لهُ مِنَ الموتِ إلّا كشفُ الغطاءِ؛ ليزدادَ بهِ وضوحًا، لا ليزدادَ يقينًا، وهوَ معنى قولِ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: "لو كُشِفَ الغطاءُ .. ما ازددتُ يقيناً"؛ فإنَّ النَّاظرَ إلى غيرِهِ مِنْ وراءِ سِترِ لا يزدادُ برفعِ السِّترِ يقينًا، بل وضوحًا فقطْ.

فإذًا؛ ذكرُ الموتِ يَحتاجُ إليهِ مَنْ لقلبِهِ التفاتٌ إلى الدُّنيا؛ ليَعلَمَ أنَّهُ سيُفارِقُها، فلا يَعتكِفُ بهمَّتِهِ عليها؛ ولذلكَ قالَ : "إِنَّ رُوحَ ٱلْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي: أَحْبِبْ مَا أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ". 

 

فصلٌ

[في كونِ الروحِ مِنْ أمرِ اللهِ]

لعلَّكَ تشتهي أن تَعرِفَ حقيقةَ الموتِ وماهيتَهُ، ولن تَعرِفَ ذلكَ ما لم تَعرِفْ حقيقةَ الحياةِ، ولن تَعرِفَ حقيقةَ الحياةِ ما لم تَعرِفْ حقيقةَ الرُّوحِ؛ وهيَ نفسُكَ وحقيقتُكَ، وهيَ أخفى الأشياءِ عنكَ.

ولا تطمع في أن تَعرِفَ ربَّكَ قبلَ أن تَعرِفَ نفسَكَ. وأعني بنفسِكَ: رُوحَكَ التي هيَ خاصِيَّةُ الإِنسِ، المضافةَ إلى اللهِ تعالى في قولِهِ: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء:85]، وفي قولِهِ: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [الحجر:29]، دونَ الرُّوحِ الجسمانيِّ اللَّطيفِ؛ الذي هوَ حاملُ قُوَّةِ الحسِّ والحركةِ التي تنبعثُ مِنَ القلبِ، وتنتشرُ في جملةِ البدنِ في تجاويفِ العروقِ الضَّواربِ، فيَفيضُ فيها نورُ حِسِّ البصرِ على العينِ، ونورُ السَّمعِ على الأُذنِ، وكذا سائرُ القُوىٰ والحواسِ؛ كما يَفيضُ مِنَ السِّراجِ نورٌ علىٰ حيطانِ البيتِ إذا أُديرَ في جوانبِهِ؛ فإنَّ هذهِ الرُّوحَ تشاركُ البهائمَ فيها، وتَنمحِقُ بالموتِ؛ لأنّها بخارٌ اعتدلَ في نضجِهِ عندَ اعتدالِ مِزاجِ الأخلاطِ، فإذا انحلَّ المِزاجُ.. بطلَ كما يَبطُلُ النُّورُ الفائضُ مِنَ السِّراحج عندَ انطفاءِ السِّراحج بانقطاعِ الدُّهنِ عنهُ أو بالنَّفخِ فيهِ، وبانقطاعِ الغذاءِ عنِ الحيوانِ تَفسُدُ هٰذهِ الرُّوحُ؛ لأَنَّ الغذاءَ لهُ كالدُّهنِ للسِّراجِ، والقتلَ لهُ كالنَّفخِ في السِّراجِ.

وهٰذهِ هيَ الرُّوحُ التي يَتصرَّفُ في تعديلِها وتقويمِها علمُ الطِبِّ، ولا تَحمِلُ هٰذهِ الرُّوحُ المعرفةَ والأمانةَ، بِلِ الحمَّالُ للأمانةِ الرُّوحُ الخاصِّيَّةُ للإنسانِ ونعني بالأمانةِ: تقلُّدَ عهدةِ التَّكليفِ؛ بأن يَتعرَّضَ لخطرِ الثَّوابِ والعقابِ بالطَّاعةِ والمعصيةِ.

وهٰذهِ الرُّوحُ لا تموتُ ولا تفنى، بل تبقى بعدَ الموتِ: إمَّا في نعيمٍ وسعادةٍ، أو في جحيمٍ وشقاوةٍ؛ فإنَّها محلُّ المعرفةِ، والتُّرابُ لا يأكلُ محلَّ الإيمانِ والمعرفةِ أصلاً، كما نطقَتْ بهِ الأخبارُ ، وشهدَتْ لهُ شواهدُ الاستبصارِ.

ولم يأذنِ الشَّرعُ في ذكرِ تحقيقِ صفتِهِ؛ إذ لا يَحتمِلهُ إلَّا الرَّاسخونَ في العِلْمِ، وكيفَ يُذكَرُ ولهُ مِنْ عجائبِ الأوصافِ ما لم تَحتمِلْهُ عقولُ أكثرِ الخَلْقِ في حقّ اللهِ تعالى؟! فلا تطمع في ذكرِ حقيقتِهِ، وانتظرْ تلويحاً يسيراً مِنْ ذكرِ صفتِهِ بعدَ الموتِ.

فصلٌ

[في أنَّ الرُّوحَ لا تفنى ولا تموتُ]

هٰذهِ الرُّوحُ لا تفنى ألبتَّةَ ولا تموتُ، بل يَتبدَّلُ بالموتِ حالُها فقطْ، ويَتبدَّلُ منزلُها، فتَترقَّى مِنْ منزلٍ إلى منزلِ، والقبرُ في حقِّها: إمَّا روضةٌ مِنْ رياضِ الجنَّةِ، أو حفرةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ؛ إذْ لم يكنْ لها معَ البدنِ علاقةٌ سوى استعمالِها البدنَ، واقتناصِ أوائلِ المعرفةِ بهِ بواسطةِ شبكةِ الحواسِّ؛ فالبدنُ آلتُها ومَركَبُها وشبكتُها، وبطلانُ الآلةِ والمَركَبِ والشَّبكةِ لا يُوجِبُ بطلانَ الصَّائدِ. 

نعم؛ إن بطلَتِ الشَّبكةُ بعدَ الفراغِ مِنَ الصَّيدِ.. فبطلانُها غنيمةٌ؛ إذ يَتخلَّصُ مِنْ حملِها وثقلِها؛ ولذلكَ قالَ النَّبيُّ : "ٱلْمَوْتُ تُحْفَةُ ٱلْمُؤْمِنِ".

 وإن بطلَتِ الشَّبكةُ قبلَ الصَّيدِ.. عَظُمَتْ فيهِ الحسرةُ والنَّدامةُ والألمُ؛ فلذلكَ يقولُ المُقصِّرُ: (رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ)[المؤمنون:99-100].

 بل إن كانَ أَلِفَ الشَّبكةَ وأحبَّها، وتَعلَّقَ قلبُهُ بها وبحُسْنٍ صورتِها وصَنعتِها وما يَتعلَّقُ بها.. كانَ لهُ مِنَ العذابِ ضِعفانِ:

 أحدُهُما: حسرةُ فواتِ الصَّيدِ الذي لا يُقتنَصُ إلَّا بشبكةِ البدنِ.

 والثَّاني: زوالُ الشَّبكةِ معَ تَعلُّقِ القلبِ بها وإِلفِهِ لها.

 وهٰذا مبدأٌ مِنْ مبادئ معرفةِ عذابِ القبرِ، إنِ استقصيتَهُ .. تَحقَّقتَهُ قطعًا.

 

يقول عليه رحمةُ الله تبارك وتعالى: معنى قولِ بعض العارفين كسيِّدِنا أبي بكرٍ وسيدنا علي: "لو كُشفَ الغطاءُ ما ازددتُ يقينًا"، يقول: "أن العارفَ الكاملَ المُستهتَرَ -المستغرق- بذكرِ اللهِ تعالى .. مُستغنٍ عن ذكرِ الموتِ"، إنما يحتاجُ إليه عمومُ المؤمنين وعامة العارفين كذلك؛ أما خاصةُ العارفين وأكابرُهم، فإنهم أبعدُ عن الاحتياجِ لذكر الموت، لشُغلِهم بالمُحييِ المميت، الشُغلَ التام الكاملَ من جميع الجوانب، لأنَّ حالتَهم الفناءُ في توحيد الإله -جلَّ جلاله- و"لا التفاتَ لهُ إلى ماضٍ ولا إلى مستقبلٍ، ولا إلى حالٍ مِنْ حيثُ إنَّهُ حالٌ" بل قالوا عن الصوفيّ: أنه "ابنُ وقتِهِ؛ بمعنى: أنَّهُ كالمُتَّحدِ بمذكورِه"، طالبًا رضاه، عاملًا بما يَرضاه، مجتهدًا في تقديم ما هو أحبُّ إليه سبحانه وتعالى.

قال: وإذا قلت هذا، فاحذر أن تغلط وتقول إننا نقول شيئًا من الاتحاد بالذات العلية، فذلك غلط كبير وتخليط؛ ولكن قال: هذا الاتحاد اتحادُ فناءٍ في شهود في الحقِ الموجودِ جلَّ جلاله، واستغراقٍ في تحقيق العبودية له جلَّ جلاله، بمعنى أنه لم يبق له هوًى مُطاع، ولا مُرادٌ غير الحق تبارك وتعالى في كل وجهتِه، هذا ما أراده.

قال: حتى أن المقاماتِ الشريفة من الخوفِ والرَّجاءِ عند هذا الفاني المستغرق انتهى أمرُهما، لأن المراد بالخوف والرجاء أن يَسوقانه للوصول إلى هذا، فإذا وصل إلى هذه الحالة فلابسَها بالذوق، فليس هناك متعلَّق بالخوف ولا بالرجاء، 

لا يُقال أنه لا يرجو ولا يخاف، بمعنى لا يَعرف الحقَ جلَّ جلاله، ولا يرجو قربَه ولا يخافُ البعد عنه؛ ولكن يكون مشغولًا بالمَخوف المَرجوّ الذي فيه رجوانا ومنه المهابةُ، جلَّ جلاله وتعالى في علاه، يشغلُه ذلك عن أن يستشعرَ كونه راجٍ أو كونه خائفًا، فهو مع المَرجوِّ المَخوف جلَّ جلاله، يُشاهدُ ويطالعُ مرادَه ويطلبُ رضاه جلَّ جلاله.

قال: "وإنَّما يُرادُ ذكرُ الموتِ لقطعِ علاقةِ قلبِهِ عمَّا يُفارِقُهُ بالموتِ؟"، "والعارفُ قد ماتَ مرَّةً في حقّ الدُّنيا، وفي حقّ كلّ ما يُفارِقُهُ بالموتِ"؛ أي: قد ترفَّعَ وتَنزَّه عن الالتفاتِ إلى أي شيء سوى الله -تبارك وتعالى- فهذا لم يبق عنده علاقةٌ بالدنيا حتى يقول له اذكر الموت، فهذا كل الدُّنيا لم تعد في باله ولا يلتفت إليها، فإنما يُرادُ ذكرُ الموت من أجل قطعِ العلائق بهذه الدنيا والركون إليها، وهذا ما عنده أخبار من الدنيا كلِّها، ماذا يفعلُ بذكر الموت؟! هذا محتاج إلى تمامِ الاستغراق في ذكر المُميتِ المُحيي، وليس في ذكر الموت، إيش يريد بالموت وهو مشغولٌ بالمُميت المحيي نفسِه جلَّ جلاله، فليَرقَ في مراقي المُطالَعةِ لِسَنا جَمالِه، وعظمةِ جلاله، وحقائق كماله، ولْيسعدْ بذلك، إيش يريد بذكر شيء غيره؟ ما له حاجةٌ لذكر غيره أصلًا، إنما استعنَّا بذكر الغير للوصول إليه، وإذا قد تمَّ الاستغراقُ فيه، إيش تريد بالغير؟ الغيرُ باطلٌ، فما لك حاجة به. فهؤلاء الأكابرُ من العارفين بهذه الحالة وبهذه الصورة. 

وهو يقول: أن أحدَهم "قد تَنغَّصَ عليهِ ما سوى اللهِ تعالى"، ما له التفات إليه أيضًا، "ولم يبقَ لهُ مِنَ الموتِ إلّا كشفُ الغطاءِ؛ ليزدادَ بهِ وضوحاً، لا ليزدادَ يقيناً، وهوَ معنى قولِ عليٍّ"، وهو أيضًا منقول عن سيدنا أبو بكر الصديق، قولُهما: " "لو كُشِفَ الغطاءُ .. ما ازددتُ يقيناً"؛ "فإنَّ النَّاظرَ إلى غيرِهِ مِنْ وراءِ سِترِ لا يزدادُ برفعِ السِّترِ يقيناً، بل وضوحاً فقطْ" أما اليقين يقين، هو هو ما عاد شيء فوقه؛ ولكنَّ كمالَ الوضوح يحصلُ بذاك.

 "فإذاً؛ ذكرُ الموتِ يَحتاجُ إليهِ مَنْ لقلبِهِ التفاتٌ إلى الدُّنيا؛ ليَعلَمَ أنَّهُ سيُفارِقُها، فلا يَعتكِفُ بهمَّتِهِ عليها"، ولا يغترُّ بها. وأمَّا مَن لم يبق في قلبه التفات للدنيا، إيش يحتاج من ذكر الموت؟ خلُّه مع المُميت جل جلاله، (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك:2]. 

يقول : "إِنَّ رُوحَ ٱلْقُدُسِ -جبريل- نَفَثَ فِي رُوعِي"؛ أي: في باطني "أَحْبِبْ مَا أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ".

وقال في حقيقةِ المَوتِ وماهيّتِهاعْرِفْ حقيقة الحياة، وما تَعرفُ حقيقةَ الحياةِ ما لمْ تَعرفْ حقيقةَ الرُّوح، وروحك "هي نفسك وحقيقتُك، وهيَ أَخفى الأشياءِ عنك."، فلا تطمعْ أن يتسعَ لك مجالٌ في معرفة الربِّ سبحانه وأنت ما عرفتَ نفسَك.

 من هي نفسُك؟ "روحُك التي هي خاصيةُ الإنس"، يعني: الآلةُ المستعدةُ لقَبولِ المعرفة الخاصة، "المضافةُ" إضافةَ تشريفٍ إلى الرحمن بقوله: "(قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء:85]، (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي)[الحجر:29]". 

قال: هذه الروحُ التي تحملُ سرَّ الأمانة والمعرفة، هذه التي قصدتُها، "دون الرُّوح الجِسْمانيِّ اللّطيف الذي هو حاملُ قوَّةِ الحِسِّ والحرَكةِ التي تنبعثُ من القلب"، هذا موجودٌ عند الحيوانات كلِها، "تَنبعِثُ من القلبِ وتَنتشرُ في جُملةِ البدن في تَجاويفِ العُروقِ الضَّوارب، يَفيضُ فيها نورُ حسِّ البصرِ على العينِ ونورُالسَّمع للأذن، وكذا سائرِ القُوى والحواس، كما يفيضُ من السراجِ نورٌ على حيطانِ البَيتِ إذا أُديرَ في جوانِبه".

"فإنَّ هذهِ الرُّوحَ" الحيوانية "تُشاركُ البهائم فيها، وتَنمحِقُ بالموتِ؛ لأنّها بخارٌ اعتدلَ في نُضجِهِ عندَ اعتدالِ مِزاجِ الأخلاطِ، فإذا انحلَّ المِزاجُ.. بطلَ، كما يَبطُلُ النُّورُ الفائضُ مِنَ السِّراحِ عندَ انطفاءِ السِّراحِ بانقطاعِ الدُّهنِ عنهُ أو بالنَّفخِ فيهِ"، خلاص ينقطع "وبانقطاعِ الغذاءِ عنِ الحيوانِ تَفسُدُ هٰذهِ الرُّوحُ؛ لأَنَّ الغذاءَ لهُ كالدُّهنِ للسِّراجِ، والقتل هُو كالنَّفخِ في السِّراجِ." كما أن السراج إذا نفختَ فيه الشمعة، أو انقطعَ عنه زيته ينطفئ، كذلك شأن  هذا الروح الحيواني في الجسد، إذا قطعتَ عنه الطعامَ والشراب، أو تعرَّضَ للقتل، مثلُ ما يُنفخُ في السراج ويذهبُ نوره.

 لكن "هذه الروحُ" الحيوانية، "يتصرفُ في تَعديلِها وتَقويمِها علمُ الطِّب" وهذه الروحُ ليست هي التي تَحملُ المعرفةَ ولا الأمانةَ، لا..هذه روحٌ حيوانية مثلُ ما هي موجودةٌ في الحيوانات الأخرى، ويتعلق بها علمُ الطب. "بِلِ الحمَّالُ للأمانةِ الرُّوحُ الخاصِّيَّةُ للإنسانِ،" خاصة، التي بها يعقَل عن الله سرَّ الخطاب، وينكشفُ له عظمةُ الجناب. قال: ما الأمانة؟ قال: "تقلُّد عهدةِ التَّكليفِ؛ بأنْ يَتعرَّضَ لخطرِ الثَّوابِ والعقابِ بالطَّاعةِ والمعصيةِ"، يحمل هذه الأمانة.

 قال: "وهذه الروح" التي تحملُ الأمانة وتتهيأ وتصلُحُ للمعرفة، "لا تموتُ ولا تَفنى" أبدًا، بحكَمَ الخالقُ جل جلاله أن يبقيَها، "بل تَبْقى بَعدَ المَوتِ إمَّا في نَعيمٍ وسعادةٍ أو في جَحيمٍ وشقاوةٍ، فإنَّها محلُ المعرفة، والتُّرابُ لا يأكلُ محلَّ الإيمانِ والمعرفةِ أصلاً، كما نطقَتْ بهِ الأخبارُ، وشهدَتْ لهُ شواهدُ الاستبصارِ. ولم يأذنِ الشَّرعُ في ذكرِ تَحقيقِ صفتِهِ؛ إذْ لا يَحتمِلـهُ إلَّا الرَّاسخونَ في العِلْمِ، وكيفَ يُذكَرُ ولهُ مِنْ عَجائبِ الأوصافِ ما لم تحتمِلْهُ عقولُ أكثرِ الخَلْقِ في حقّ اللهِ تعالى؟!"، "فلا تطمعْ في ذكرِ حقيقتِهِ، وانتظرْ تلويحاً يسيراً مِنْ ذكرِ صفتِهِ بعدَ الموتِ".            

قال: "هذه الرُّوحُ التي لا تَفنى ولا تموت، بلْ" فقط "بالموتِ يتبدَّلُ حالُها فقط، ويتبدلُ مَنزلُها، فتَترقَّى من منزلٍ إلى منزل" آخر، أفسحَ وأوسع وأكبر، فيصير "القبرُ في حقِّها إما رَوضةٌ من رياضِ الجنَّة أو حفرةٌ من حُفَرِ النار". والجسدُ في حقها كان مسكنًا لها، محبوسةً فيه، فإذا جاء الموت انطلقت هذه الروح إلى عالمٍ أفسح وانتقلت،  لم يعد مسكنُها الجسد، فمسكنُها عالمٌ أكبرُ وأوسع من قفص الجسد.

 أما الروحُ الثانية الحيوانية فتفنى، تنتهي كما السراج ينطفئ. لكنَّ هذه الروحُ الأمرية، الروح الخاصيَّة، التي هي خاصية الإنسان، يتبدلُ مكانُها، وحبسُها في الجسد تخرج عنه، ويتبدلُ فقط مكانُها، "فتَترقى من منزلٍ إلى منزلٍ،" ويعود "القبرُ في حقِّها إما روضةٌ من رياضِ الجنةِ أو حُفرةٌ من حُفرِ النار"؛ لأنه ما كانت علاقتها بالبدن إلا "استعمالِها البدنَ، واقتناصِ أوائلِ المعرفةِ بهِ بواسطةِ شبكةِ الحواسِّ"؛ التي جعلها الله في البدن، "فالبدنُ آلتُها ومَركَبُها وشبكتُها، وبطلانُ الآلةِ والمَركَبِ والشَّبكةِ لا يُوجِبُ بطلانَ الصَّائدِ". الصائد محلّه، إن تضررت شبكته أو جاءتها صاعقة، فهذا لايعني أنه مات، لكن شبكته روّحت تلفت.

فكان أول ما رُكِّبَ في هذا القفص، وأُمِر أن يتصيَّد بما أوتي هذا الجسد من سمعٍ وبصرٍ، يتصيّدُ المعارفَ لتقوى معرفتُه بالحق جل جلاله، فالذين لم ينصرفوا إلى طلب معرفة الله تبارك وتعالى، تبقى أرواحُهم محجوبةً ومحرومةً من نور المعرفة، فتتعرضُ للحجاب في الآخرة بالعذاب. قال تعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ) [المطففين:15].

 قال: "فالبدنُ آلتُها ومَركَبُها وشبكتُها، وبطلانُ الآلةِ والمَركَبِ والشَّبكةِ لا يُوجِبُ بطلانَ الصَّائدِ.

 نعم، إن بَطُلت الشبكةُ بعدَ الفراغِ من الصَّيد"، يعني: قد أخذ الروح نصيبَه من المعرفة، ونال فيها درجةً عالية، فما عليه بعدها؟ فليمت، كمثل من أكمل غرضه من الصيد وصاد الحيوان الذي يريده ثم تلفت شبكته، فيقول هذا أحسن لا أتحمّل بحملها والصيد قد حصلته، فأذهب وآكل صيدي وأنا مرتاح ما عاد لي حاجة بالشبكة. 

قال: "إذا بَطُلت الشَّبكةُ بعد الفراغِ من الصَّيدِ، فبُطلانُها غنيمةٌ"، أحسنُ شيء خلاص تخفيف، "يتخلصُ من حِملِها وثِقَلِها، قال رسول الله ﷺ: "المَوتُ تُحفةُ المُؤمن". في رواية ابن المبارك في كتاب الزهد، ورواية الحاكم في المستدرك يقول: "المَوتُ تُحفةُ المُؤمن.". التحفة: يعني الهدية التي تُهدى إليه، والمزيةُ التي تحصِّلها هي الموت. ولهذا قال الإمام الحداد:

 فالموتـُ للمحسِن الأوابِ تُحفتُه *** وفيه كلُّ الذي يَبغي ويَرتادُ

 لقاءٌ كريمٌ تعالى مجدُه وسَما *** مع النَّعيمِ الذي ما فيه أنكادُ

يقول: "وإن بطلَتِ الشَّبكةُ قبلَ الصَّيدِ"، مضى عمرُه وما نال نصيبَه من المعرفة، المسكين! كان عنده سمعٌ وبصرٌ، ولكن (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الأحقاف:26]؛ لأنهم ما استعملوها في اقتناصِ نور المعرفة، فمرَّت حياتُهم وما عرفوا ربَّهم، لم يعرفوا أنفسَهم، لم يعرفوا ربهم، فلهم الحسرة والعياذ بالله تبارك وتعالى.

"وإن بطلَتِ الشَّبكةُ قبلَ الصَّيدِ.. عَظُمَتْ فيهِ الحسرةُ والنَّدامةُ والألمُ؛ فلذلكَ يقولُ المُقصِّرُ: (رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فيما تَرَكْتُ) يُقال له كلا ما لك رجعة (كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ)[المؤمنون:99-100]. لكن عاده إن كان أضاف إلى هذا، أنه فقدَ وحُرِم الصيدَ والمعرفة، ومع ذلك أنِسَ بالشبكة وأنِس بالتفرج عليها، وفرحان بوجودها، فعندما تهلكُ الشبكة، تكون حسرتُه  أكبر، المعرفةُ قد فاتته، وعاده عنده ألمٌ ثانٍ: فقدْ كان يأنس بالشبكة والآن  فقدَ هذا الأُنسَ حتى بالشبكة،  فتحسُّرُهُ أشد؛ وهذا حال الكافر حال المجرم، لا حصِّل معرفةَ الله، وأَنِس بدنياه،  وما عادَ يريد  أن يخرج منها أبدًا، ففاتته ، فألمُه شديد.

المعرفة ما هي عنده، وزاد عليه ثِقَلُ أُنسِه بالفانيات، وخلاص حيل بينه وبينها. (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ) [سبأ:54]. ما حصّلوا يقين ولا حصلوا معرفةً،  شهواتُهم انحصرت في هذه الفانيات، فعند فواتها حسرتُهم كبيرة مساكين.. لا المعرفةَ حصلت،

وعاد ألمُ فراق ما أَنِسوا به. "وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ" [سبأ:54]  لا إله إلا الله..

فيصير على الصائد هذا  الذي تكسَّرت شبكتُه قبل أن يُحصِّل الصيد، "حسرةُ فواتِ الصَّيد"؛ ما حصل صيد، الذي ما يُقتنص إلا بهذه الشبكة، وكذلك "زوالُ الشَّبكةِ معَ تَعلُّقِ القلبِ بها وإِلفِهِ لها" ألم فوق الألم، "وهٰذا مبدأٌ مِنْ مبادئ معرفةِ عذابِ القبرِ"، ونعيمه، "إنِ استقصيتَهُ.. تَحقَّقتَهُ قطعاً".

 يا ربِّ لا تعرضنا للحسرة ولا للندامة، ووفِّر حظَّنا من المعرفة، واجعل هوانا تبعًا لما جاء به سيدُ العارفين.

 

فصل

[في الموتِ وما يُفضي إليهِ]

 لعلَّكَ تشتهي أن تَعلَمَ حقيقةَ الاستقصاءِ المُفضي إلى التَّحقيقِ.

 فاعلمْ: أنَّ هذا الكتابَ لا يَحتمِلُهُ، فاقنغ منهُ بأُنمُوذحٍ يسيرٍ:

 فافهمْ: أنَّ معنى الموتِ زَمانةُ البدنِ، وأنتَ تَعرِفُ أنَّ زَمانةَ اليدِ خروجُها عن طاعتِكَ معَ وجودِ شخصِها ببطلانِ القُوَّةِ التي بواسطتِها تُستعمَلُ اليدُ.

 فافهمْ: أنَّ الموتَ زمانةٌ مُطلَقةٌ في جميعِ الأعضاءِ ببطلانِ قُواها، فيَسلُبُ الموتُ منكَ يدَكَ ورجلَكَ وعينَكَ وسائرَ حواسِّكَ وأنت باقٍ؛ أعني: حقيقتَكَ التي أنتَ بها أنتَ؛ فإنَّكَ الآنَ الإنسانُ الذي كنتَ في الصِّبا، ولعلَّهُ لم يبقَ فيكَ مِنْ تلكَ الأجسامِ شيءٌ، بلِ انحلَّتْ كلُّها، وحصلَ بالغذاءِ بَدلُها وأنتَ أنتَ، وجسدُكَ غيرُ ذلكَ الجسدِ.

 فإن كانَ لكَ معشوقٌ تَفتقِرُ فيهِ إلىٰ حواسِّكَ.. عظُمَ عذابُكَ بفِراقِ معشوقِكَ، وجميعُ ما في الدُّنيا معشوقٌ، ولا يُنالُ إلَّا بالحواسِّ.

 ولا فرقَ في عذابِ العاشقِ بينَ أن يُحجَبَ عنهُ معشوقُهُ، وبينَ أن تُفقَأَ عينُهُ، أو يُسلَبَ هوَ عنهُ؛ بأن يُحمَلَ إلىٰ موضعٍ حتّىٰ لا يراهُ؛ فإنّ ألمَهُ مِنْ عدمِ الرُّؤيةِ.

 ومَنْ أحبَّ أهلَهُ ومالَهُ، وعَقارَهُ وفرسَهُ، وجاريتَهُ وثيابَهُ.. يَألَمُ بفِراقِها، سواءٌ سُلِبَتْ هذهِ الأشياءُ عنهُ، أو سُلِبَ هوَ عنها؛ بأن حُمِلَ إلىٰ موضعٍ آخَرَ، وحيلَ بينَهُ وبينَها. فالموتُ يَسلُبُكَ عن هٰذهِ الأشياءِ، ويحولُ بينَكَ وبينَها، فيكونُ عذابُكَ بقَدْرِ عشقِكَ لها.

 والموتُ يُخلِي بينَكَ وبينَ اللهِ تعالىٰ، ويقطعُ عنكَ هذهِ الحواسَّ الشَّاغلةَ المُشوِّشةَ، فتكونُ لذَّتُكَ في القدومِ على اللهِ تعالى بقَدْرِ حبِّكَ لهُ وأُنْسِكَ بذكرِهِ، ولأجلِ هٰذا نبَّهَكَ وقالَ: "أنا بُدُّكَ اللَّازمُ، فالزمْ بُدَّكَ".

 وأجمعُ العباراتِ عن نعيمِ الجنَّةِ قولُهُ تعالى : (لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ ۚ)[ الفرقان 16]

 وأجمعُ العباراتِ لعذاب الآخرةِ قولُهُ تعالى: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)[سبأ:54]، ولا مُلِذَّ إلَّا الشَّهوةُ، ولكنْ عندَ مصادفةِ المُشتهىٰ، ولا مُؤلِمَ إلَّا الشَّهوةُ، ولكنْ عندَ مفارقةِ المُشتهى.

ولا ينبغي أن تغترَّ الآنَ وتقولَ: إن كانَ هٰذا سببَ عذابِ القبرِ .. فأنا في أمانٍ منهُ؛ إذ لا علاقةَ بيني وبينَ متاع الدُّنيا؛ فإنَّ هٰذا لا تُدرِكُهُ بالحقيقةِ ما لم تطرحِ الدُّنيا، وتَخرُج عنها بالكليَّةِ؛ فكم مِنْ رجلٍ باعَ جاريةً على ظنِّ أنَّهُ لا علاقةَ بينَهُ وبينَها، فلمَّا أخذَها المشتري.. اشتعلَ قلبُهُ مِنْ نيرانِ الفِراقِ، واحترقَ بها احتراقًا، ربَّما ألقى نفسَهُ في الماءِ والنَّارِ ليَقتلَ نفسَهُ ويَتخلَّصَ منها!!

فكذلكَ يكونُ حالُكَ في القبرِ في كلِّ ما يَتعلَّقُ بهِ قلبُكَ مِنَ الدُّنيا؛ ولذلكَ قالَ المصطفى ﷺ: "أَحْبِبْ مَا أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ".

ووراءَ هٰذا عذابٌ أعظمُ منهُ؛ وهوَ حسرةُ الحِرمانِ عنِ القُرْبِ مِنَ اللهِ تعالىٰ، والنَّظرِ إلىٰ وجهِهِ الكريمِ، ويَنكشِفُ بالموتِ عِظَمُ قَدْرِ ما فاتَ منهُ وإن كانَ لا يَعظُمُ قَدْرُهُ عندَكَ قبلَ الموتِ؛ لأنَّ الموتَ سببٌ لانكشافِ ما لم يكنْ يَنكشِفُ قبلَهُ، كما أنَّ النَّومَ سببٌ لانكشافِ الغَيبِ بمثالٍ أو غيرِ مثالٍ، والنَّومُ أخو الموتِ، ولٰكنَّهُ دونَهُ بكثيرٍ.

 فهٰذانِ عذابانِ يَتضاعفانِ علىٰ كلِّ ميّتٍ كانَ غيرُ اللهِ تعالىٰ أحبَّ إليهِ مِنَ اللهِ تعالى، وكانَ أُنسُهُ بغيرِ اللهِ تعالى أكثرَ مِنْ أُنسِهِ باللهِ تعالىٰ، وهما ضروريَّانِ تَعرِفُهُما إن عرفتَ بالحقيقةِ الرُّوحَ، وبقاءَه بعد الموت وعلائِقَه ومايضادُّه بالطبعِ وما يُوافِقُه.

 

رزقنا الله خيرَ الحياة وخير الوفاة وخير ما بينهما، وأعاذَنا بفضلِه وقدرته وعِزّته من شرِّ الحياة وشر الوفاة وشر ما بينهما.

قال: هذا الكتاب "لا يَحتملُ الاسْتِقصاءَ المُفضي إلى التَّحقيق"، ولكن نعطيك أنموذج يسير. "المَوتُ زمانةُ البدن"، كيف زمانةُ البدن؟ كما تحصلُ الزمانة في شيءٍ من أعضائك، فما عاد تستفيد منه، يخرج عن طاعتك، نقول عنده زمانة. "وأنتَ تعرفُ أن زمانةَ اليدِ تُخرجُها عن طاعتِك، مع وجودِ شخصِها"، شخصها موجودة لكن ما تقدر تحرِّكَها، ما تقدر تستفيدَ منها. فالموت زمانة لجميع الأعضاء، ليس يد واحدة ولا رجل واحدة ولا أذن واحدة ولا عين واحدة، كلُّ البدن يصير مزمن، ما لك قدرة عليه ولايمكنك أن تستفيد منه. 

"الموتَ زمانةٌ مُطلَقةٌ في جميعِ الأعضاءِ ببطلانِ قُواها، فيَسلُبُ الموتُ منكَ يدَكَ ورجلَكَ وعينَكَ وسائرَ حواسِكَ وأنت باقٍ؛ حقيقتك التي أنت بها أنت"، باقٍ، وهو الروح، "فإنك الآن الإنسانُ الذي كنتَ في الصِّبا"، أنت الآن كبير، أيام ولدتك أمك كنتَ أنت هذا أم واحد ثانٍ؟ لا ليس واحد ثان ، لكن الجسدَ غيرُ الجسد، واللحم غير اللحم، و الهيئة غير الهيئة. أيام ولادتك عن لما كبرت الآن تغيَّرَت هيئةُ المركب والجسد، لكن هو أنتَ أنت بنفسك، ما هناك واحد ثاني..

وبعد ذلك كلُّ الجسد يذهب وأنت أنت، أنت بنفسك، يقال: روحُ فلان الفلاني الذي كان يُسمى فلان بن فلان هو أنت، خلّ الجسد يروح، لكن أنت كما أنت، كما أنه تغيرَ من حالةٍ إلى حالة، ولكن أنت أنت نفسُك. كان نحيف صار سمين، أو كان سمين رجع صار نحيف، وهو نفسُه، ما يمكن أحد يقول: هذا ما هو ذاك! هذا تغير،بل هو هو نفسه  إلا أن المركب تبدَّل وتغير، وإن خرج من المركب وقعد خارجه.. هو نفسه، أنت نفسك.

يقول: "ولعلَّهُ لم يبقَ فيكَ مِنْ تلكَ الأجسامِ" أيام كنت في الصَّبا "شيءٌ، بلِ انحلَّتْ كلُّها، وحصلَ بالغذاءِ بدلُها وأنتَ أنتَ".  وفي الحديث يقول تعالى عن المريض: إذا رضيَ بقضائي ولم يشْكُني لعوَّاده أبدلتُه لحمًا خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه ، تعدَّل نعم لكن هو نفسُه، اللحم تبدل، والدم تبدل، ولكن الإنسان هو نفسه. لا إله إلا الله..

 يقول: "فإن كانَ لكَ معشوقٌ تَفتقِرُ فيهِ إلىٰ حواسِّكَ"؛ وهي الفانيات، إذا بقي قلبُك خلال هذا العمر وأنت معلقٌ بهذه الفانيات، ومشدودٌ إليها، لضعفِ شوقِك إلى الرحمن وقربِه ومحبته ومعرفته ولقائِه، فعند الموت تقعُ لك حسرةٌ، حسرةُ تعلقِ القلب وافتقاركَ إلى المعشوق، وفراق هذا المعشوق.

 قال: " جميع ما في الدنيا معشوق، ما يُنالُ إلا من خلال هذه الحواس"، والحواسُ تبطلُ عند الموت. "ولا فرقَ في عذابِ العاشقِ بينَ أن يُحجَبَ عنهُ معشوقُهُ، وبينَ أن تُفقَأ عينُهُ، أو يُسلَبَ هوَ عنهُ؛ بأن يُحمَلَ إلىٰ موضعٍ حتى لا يراهُ؛ فإنّ ألمَهُ مِنْ عدمِ الرُّؤيةِ".

قال: "ومَنْ" غلب عليه حب "أهلَهُ ومالَهُ، وعَقارَهُ وفرسَهُ، وجاريتَهُ وثيابَهُ"، هذا عند الموت يتحسر كثيرًا، لأن محبتها لم تكن لله!.. أما لو كان يحبها من أجل الله -تبارك وتعالى- فهذا ما يحسر شيء عند الموت، لأن المحبوب الحق الأصل الذي من أجله أحب هذه الأشياء قدّامه وصل إليه، فزاد فرحه وزاد أنسه. لكن الذي يحب أهله وماله وعقاره لغير الله بحُكمِ الطبعِ والتمتعِ، غافلٌ عن مراد الله تعالى في هذا الخلق وهذا الإيجاد، هذا الذي عند الموت يتحسر عليها كثير، ويألم بفراقها. 

"سواءٌ سُلِبَتْ هذهِ الأشياءُ عنهُ، أو سُلِبَ هوَ عنها؛ بأن حُمِلَ إلىٰ موضعٍ آخَرَ، وحيلَ بينَهُ وبينَها"، فالموت يسلبك هذه الأشياء، فإن كنت تحب شيء في الدنيا لغير الله تعالى، فلك حسرة عند الموت على قدر محبّتك لغير الله. فإن لم يكن لك في الدنيا محبوب إلا من أجل الله، فما يبقَ لك محبوب إلا الله تعالى وما أحببته من أجله فقط، فهذا نوع علاقتك به نوع رفيع، صحيح، شريف، عند خروج الروح ما تتعرض للحسرة ولا للندامة؛ لأن الأصل في المحبة الذي من أجله أحببت هذا، صرت إليه أنت الآن، وحصل المقصود.. ما أحببت ولدِي إلا من أجل أن يقرّبني إلى الله تعالى، ويكون سببًا لرفع دَرجتي عند الله، والآن جئت إلى عند الله نفسه ويأجرني على ما يفعل ولدي وعلى ما يقوم به من الطاعات، وليس هناك حسرة، ومع ذلك يكرمني بالاجتماع به، ويعرض أحواله عليّ وأنا في البرزخ، وأجتمِعُ به في القيامة، وأجتمعُ به في الجنة إذا كنا من أهل الجنة، فما هناك حسرة! 

لكن من يحب ولده  من غير هذا القبيل، وغير هذا الباب، ولده الذي يتعزز به ويقول أنا وابني ويؤمن له المال ويدافع عنه، وعند الموت لا مال ولا دفاع فيتحسر على الولد كثير، وتشتد حسرته عليه. وكذلك الذي كان يحب شيء من المال ومتاع الدنيا لا لله تعالى، فعند الموت  يبطُل، فيتحسر.

 أما الذي ما كان يحبه إلا لأجل الله تبارك وتعالى، ما يضرّه شيء عند الموت تمام، الأصل المحبوب الذي أحببت هذا من أجله، وصلت إليه الآن، فأنت في حال أجمل وأفضل وأكمل. لا إله إلا الله.

قال: "فالموتُ يَسلُبُكَ عن هٰذهِ الأشياءِ، ويحولُ بينَكَ وبينَها، فيكونُ عذابُكَ بقَدْرِ عشقِكَ لها"؛ أي: من غير قصد وجه الله. 

"والموتُ يُخلِي بينَكَ وبينَ اللهِ تعالى، ويقطعُ عنكَ هذهِ الحواسَّ الشَّاغلةَ المُشوِّشةَ"، إذًا؛ "فتكونُ لذَّتُكَ في القدومِ على اللهِ تعالى بقَدْرِ حبِّكَ لهُ وأُنْسِكَ بذكرِهِ" أيام كنت في الدنيا.

ولهذا يقول: ابن آدم "أنا بُدُّكَ اللَّازمُ، فالزمْ بُدَّكَ"، أنا الأمر المهم العظيم الذي لا غنى لك عني أصلًا، وأنا الذي أبقى دون سواي، فلو لزمت بُدَّك اللازم لم تحسر عند الموت، ولقلتَ حبيبٌ جاء على فاقة، ولقلتَ: واطرباه غدًا ألقى الأحبة محمدًا وحزبه! لكنك لمّا اشتغلت بغير بُدِّك، وبغير ما يعنيك، وبغير ما هو لازمك ففارقته، فتتحسر.

قال: قال: "وعَنْ نعيمِ الجنَّةِ قولُهُ تعالى: (لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ) [الفرقان:16]"، وقال: (لَهُم ما يَشاءونَ فيها وَلَدَيْنَا..)[ق:35]؛ الذي يشاءون كله استوعبوه خلاص، وعاد باقي فوق ما يشاءون أعطيهم من عندي، الله أكبر! فوق ما يشتهون يعطيهم...  (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُن) [الزخرف:71]، ما تشتهي الأنفس غاية الأماني، وعاده تلذ الأعين؛ هذا  شيء ما خطر على النفس، ما اشتهته النفس لأنها ما وصلت إلى إدراكه، تلذّ عينه به، الله أكبر! عطايا وافرة من الله تعالى، (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ) [يونس:26].

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا) ويضاعفها وبعدين؟ (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ) ليس بالحسنة ذا، بل من لدنه، (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:40]؛ هذا أجر لدُنِّي، مثل الفرق بين العلم المكتسب والعلم اللَّدُنِّي، والأجر كذلك؛ أجر مقابل عمل ومضاعفته، وأجر من لدنه مباشرةً أكبر وأجلّ وألذ، (وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا) يضاعفها سبعمائة ألف إلى أي مضاعفة، لكن بعد هذا: (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ)  أجر فوق الخيال، فوق البال، لا مضاعفة أعمال ولا بشيء، (أَجْرًا عَظِيمًا). دمعت عيناه ﷺ لما قرأ هذا عنده ابن مسعود وقال: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ) [النساء:41] قال: "حسبك". فنظرت فإذا عيناه تذرفان صلَّى الله وعلى آله وصحبه وسلَّم.

قال: وقال عن الآخرين: "(وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) [سبأ:54]" فمن أين يجدون لذة؟ ما عاد لهم لذة، لأنه لا لذة إلا بشهوة "ولكنْ عندَ مصادفةِ المُشتهىٰ"، الآن ليس هناك شيء من كل الذي يشتهونه، من الجاه، من المال، من المتع الدُّنيوية، لم يبقَ منها ولا ذرة. فمن أين تأتيهم لذة؟ ما بقي لهم لذة أصلًا.

 ولذة في قرب الله ومعرفته ما عرفوه!.. ما اشتهوهُ لأنهم حُرموا هذا الأمر الذي هُيِّئوا له فأعرضوا عنه، فهم ما يشتهونه، خلاص كل الذي يشتهونه حيل بينه وبينهم، لم يبق لهم ما يشتهون، فما بقي لهم لذة أصلًا.

"ولا مُؤلِمَ إلَّا الشَّهوةُ، ولكنْ عندَ مفارقةِ المُشتهى"؛ فلهم الآلام كلها ولا لذة لهم. لكن الذين عرفوا الله وأنِسوا بقربه، لهم عند الموت اللذة كلها ولا ألم، خلاص.. لأن الذي كانوا يشتهونه لا يفارقهم منه شيء، لهم ما يشتهون كامل، خلاص.. فمن أين يجيء الألم؟ الألم يجيء من مفارقة المشتهى، والآن الذي يشتهونه حصّلوه كامل وفوقه زيادة، فمن أين يجيء الألم؟ ليس هناك  ألم، كما أن أولئك لم يعُد لهم لذة، وهؤلاء لم يعُد لهم ألم. أولئك لم يعُد لهم لذة لأنه حيل بينهم وبين ما يشتهون، وهؤلاء لم يعُد لهم ألم لأنه (لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) [ق:35]. 

فاللذة بحصول المشتهى. والألم بفراق المشتهى. 

  • فالمؤمنون بالإيمان حصَّلوا المشتهى كله وزيادة.
  • والكفار الغافلون بالموت فارقوا المشتهى كله، ولم يعُد شيء مشتهًى يلاقونه أبدًا، كل مشتهياتهم فارقوها، حيل بينهم وبينها. 

فما بقي لهم إلا ألم بلا لذة. ولا لأهل الجنة إلا لذة بلا ألم. لا إله إلا الله… 

قال: إذًا؛ "ولا ينبغي أن تغترَّ الآنَ وتقولَ: إن كانَ هٰذا سببَ عذابٍ القبرِ .. فأنا في أمانٍ منهُ؛ إذ لا علاقةَ بيني وبينَ متاع الدُّنيا"، قال: إن كنت  صدقت ولم يبق لك معشوق ولا مشتهًى إلا الله وقربه، لا بأس؛ ولكن قد تتخيَّل هذا وهو ليس بصدق، مثل رجل كان عنده جارية ويحسب أنه ما له علاقة بها، فباعها، لما باعها ثارت في قلبه ونفسه… ورجع حتى بيرمي نفسه! لماذا؟ بسبب أنه ضاعت عليه، كان يدّعي أنه لا علاقة له بها، وهو عنده علاقة بها، والدنيا هكذ…ا بعضهم يقول ليس لي علاقة بالدنيا، وعند مفارقتها يظهر أنه كان مبطّن علاقة ما كان يُقِرُّ بها ولا يعترف بها. لا إله إلا الله..

قال: "فكذلكَ يكونُ حالُكَ في القبرِ في كلِّ ما يَتعلَّقُ بهِ قلبُكَ مِنَ الدُّنيا". "أَحْبِبْ مَا أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ"

قال: "ووراءَ هٰذا عذابٌ أعظمُ منهُ"، ما هو؟ ينكشف لجميع الكفار والمبعودون، ينكشف لهم عظمة ما لم يَشتهوا من قبل، وما فاتهم من لذاذة قرب الله والأنس به، ينكشف لهم… كانوا في الدنيا ما يحسون، لكن الآن بالموت انكشف لهم أن الذي فوّتوه والذي حُرموه، شيء كبير عظيم، أعظم مما كانوا يشتهون كله، فلا بقي لهم ما يشتهون، وحُرموا الأعظم والأجل منه لأنهم ما كانوا يلتفتون إليه، وانكشف الحجاب الآن فعلموا أن هذا أجلُّ، وأكبر، وأعظم، فتضاعف عليهم الألم، وتضاعفت عليهم الحسرة والعياذ بالله.. (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [مريم:39]، ( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ * والله يقضي بالحقِّ) [غافر:18-19-20].

قال: "فهٰذانِ عذابانِ يَتضاعفانِ علىٰ كلِّ ميّتٍ كانَ غيرُ اللهِ تعالىٰ أحبَّ إليهِ مِنَ اللهِ تعالى"، وكل من  "كانَ أُنسُهُ بغيرِ اللهِ تعالى أكثرَ مِنْ أُنسِهِ باللهِ تعالىٰ" فيفوته الذي يشتهي، وينكشف له الذي فاته في الآخرة، وأنه كان أعظم وأجلّ، وأنه كان يقدر أن يكتسبه وأنه أهمله، فتشتد عليه الحسرة، فيصير عنده العذابان متضاعفان.

قال: "وهما ضروريَّانِ تَعرِفُهُما إن عرفتَ بالحقيقةِ الرُّوحَ، وبقاءَهُ" الروح "بعدَ الموتِ، وعلائقَهُ، وما يُضادُّهُ بالطَّبعِ وما يوافقُهُ" فاعرف نفسك تعرف ربك. اللهم وفقنا لما تحب واجعلنا فيمن تحب يا أرحم الراحمين.

 

بقيت بعض الفصول من هذا الكتاب يمكنكم تدبّرها، ونجد الفرصة إن شاء الله في أيام الموسم للمرور على شرحها. وقد مر معنا عامة الكتاب وأكثره، فمن حضر هذه الدروس وتابعها لهم الإجازة في تأمّل هذا الكتاب وما فيه ومعانيه ودلالاته، وتكرير النظر فيه والعمل بمقتضاه ونشر ذلك، أجزناهُم في ذلك.

الله يثبّتنا ويرعانا بعين العناية، ولا يجعله آخر العهد منّا ولا منكم ولا من التفقّه في دين الله والتوجّه إلى الله، والاجتماع على مرضاته سبحانه وتعالى، والاستعداد لنيل النصيب الوافي من معرفته ومحبّته والأنس بذكره والقيام بشكره، والاستعداد للقائه.

اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، وزِدنا من فضلك ما أنت أهله، وكن مقصودنا أنت ومرادنا أنت، وشوقنا إليك وشغلنا بك واستغراقنا فيك، يا حي يا قيوم، حتى يكون الموت لكل منا تحفة تتحِفه بها يرقى بها إلى أعلى المراقي، ويرافق أهل المقام العالي من عبادك الصَّالحين وحزبك المفلحين، وسيّدهم سيد المرسلين، ووفِّر حظنا من لقائه، وفّر حظنا من رؤيته، وفر حظنا من محادثته ومكالمته ومسامرته، وفّر حظنا من الحضور في حضرته، وفّر حظنا من أنسنا به، وفّر حظنا من شريف محادثاته في المراتب العُلى، وكريم مرافقته في الحياة وعند الموت، وفي البرزخ، وفي مواقف القيامة، وفي دار الكرامة ومستقر الرحمة، واجعل حظنا من قربه، ومحبته، ومرافقته أكبر وأجلّ في ساحة النظر إلى وجهك الكريم يا كريم، في ساحة النظر إلى وجهك الكريم يا كريم، في ساحة النظر إلى وجهك الكريم يا كريم، في خيرٍ ولطفٍ وعافية يا أرحم الراحمين.

وفَّر الله حظنا من المِنن والمواهب والعطايا العجائب، والغيوث السواكب على ساحات القلوب المتوجّهة إلى الحق تعالى في اقتفاء أطيب الأطايب حتى يسقينا من أحلى المشارب، ويرفعنا إلى عليِّ المراتب، ويكشف عنا جميع المصائب والنوائب، وعن أمة حبيبه مُحمد في المشارق وفي المغارب، ويبارك لنا في أجتماعاتنا ولقائاتنا ويجعلها مذكورة في العالم الأعلى، خير ما ذكر ويذكر به مجامع ومجالس محبوبيه والمقربين إليه، ويجعل لها سبحانه وتعالى عظيم الأثر، وكبير الخبر فيما نستقبل من أيام في العمر وفي القبر والمحشر، وفي دار الكرامة والنظر، ولا يحرمنا خير ما عنده لشر ما عندنا، ويتولانا بما هو أهله في الحِس والمعنى، والبركة التامة للمولود عمر بن سقاف السقاف ويجعله في الهداة المهتدين، المَرعيين بعين العناية في كل شأن وحال وحين، والرقي في أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين، وأرسل البركة على أهله و ذويه، وأهل بلده وأهل زمانه والمسلمين، ويَمُنَّ بتمام الشفاء والعافية لمحمد يونس وجميع مرضانا ومرضى المسلمين، ويشفيهم من العِلل والآفات والأمراض الظاهرة والخفيات، ويَمُنَّ علينا بكمال حسن السابقة وكمال حُسن الخاتمة، ويكرم الكل منا بصحة في تقوى، وطول عمر في حُسن عمل، وأرزاق واسعة بلا عذاب ولا عتاب وَلا فتنة وَلا حساب. بِسِر الفاتحة إلى حضرة النَّبي محمد.

 اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وصحبه

 الفاتحة

 

 

اللهم صلِّ وسلم على سيدنا مُحمدٍ وعلى آل سيدنا محمد.

(بدء قصيدة)

رَشْفَةٌ مِنْ تَسْنِيْمِ مَشَارِبِهِمْ ... وَنَسْمَةٌ مِنْ نَسِيْمِ مَآرِبِهِمْ

وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْقُرْبَةِ ... وَفِي اتِّصَالِ الْقُوَّةِ الْكَسْبِيَّةِ

أَوْ انْعِطَافٍ فِي نَفْحَةٍ جَذْبِيَّةٍ ... تَرْفَعُ عَنْهُ كُلْفَةَ الْأَدْلَالِ

فَبَعْضُهُمْ مَا زَالَ فِي تَقَيُّدِ ... فِي جِدِّهِ وَزُهْدِهِ الشَّدِيْدِ

مُرَاقِبًا زَوَاجِرَ الْوَعِيْدِ ... مُرْتَقِبًا لِلْمَوْتِ وَالْمَآلِ

وَبَعْضُهُمْ فِي الْبَسْطِ فِي الْوُجُوْدِ ... فِي بَسْطَةٍ مِنْ نِعْمَةِ الْوُجُوْدِ

شَاهَدَ فَضْلَ الرَّبِّ فِي الْوُجُوْدِ ... فَعَمَّهُ مَوْلَاهُ بِالْإِفْضَالِ

وَبَعْضُهُمْ فِي كُلْفَةِ التَّكْلِيْفِ ... بَيْنَ تَرَجِّي الْفَضْلِ وَالتَّخْوِيْفِ

قَضَى بِذَاكَ الْعُمْرَ فِي شَرِيْفِ ... مِنْ صَبْرِهِ فَفَازَ بِالْآمَالِ

وَبَعْضُهُمْ إِذْ جَدَّ فِي اجْتِهَادِهِ ... أَعَانَهُ الْحَقُّ عَلَى مُرَادِهِ

بِجَذْبَةٍ فَانْحَلَّ عَنْ قِيَادِهِ ... وَنَالَ أَسْنَى الْفَتْحِ وَالْأَمَانِ

وَبَعْضُهُمْ فِي لَاعِجِ الْأَشْوَاقِ ... بِرَهْبَةٍ فِي غَايَةِ الْإِشْفَاقِ

أَوْ رَغْبَةٍ فِي حَالَةِ الْإِمْلَاقِ ... أَوْ نِسْبَةٍ فِي مُخْلَصِ الْأَعْمَالِ

وَبَعْضُهُمْ غَرِيْقُ بَحْرِ الْجُوْدِ ... شَهِيْدُ سَيْفِ الْكَشْفِ وَالشُّهُوْدِ

قَدْ صَارَ تَحْتَ الْعِزِّ كَالْمَفْقُوْدِ ... وَلَيْسَ عَنْهُ غَيْرُهُ بِجَانِ

وَبَعْضُهُمْ غَابَ عَنِ الْخَلِيْقَةِ ... وَذَابَ لَمَّا شَاهَدَ الْحَقِيْقَةِ

إِذْ عَلَّ مِنْ رَاحِ الْهَوَى رَحِيْقَهُ ... رَاحَ بِهَا بِطَلْعَةِ الْجَمَالِ

وَكُلُّهُمْ لَمْ يَنْتَهُوا لِلْعِصْمَةِ ... بَلْ حُفِظُوا بِحِفْظِهِمْ لِلْحُرْمَةِ

وَأُكْرِمُوا بِنِسْبَةٍ وَخِدْمَةٍ ... فَهُمْ رِجَالُ الْحَقِّ فِي الرِّجَالِ

لَيْسَ لَهُمْ وَحْيٌ وَلَا أَحْكَامُ ... إِلَّا عُلُوْمُ الدِّيْنِ وَالْإِسْلَامُ

نَعَمْ لَهُمْ مِنْ لُطْفِهِ إِلْهَامُ ... يَحُلُّ مَا قَدْ حَلَّ مِنْ أَحْوَالِ

وَرُبَّمَا طَافَتْ بِهِمْ لَطَائِفُ ... مِنْ عِلْمِ كَشْفِ الْحَقِّ وَالْمَعَارِفِ

تُوضِحُ مَعْنَى جَائِلٍ وَوَاصِفٍ ... فِي الْفَهْمِ فِي الْقُرْآنِ وَالْإِنْزَالِ

وَرُبَّمَا بِهِمْ مِنْ نَظْرَةٍ قُدْسِيَّةٍ ... أَوْ مِنْ سَنَا فِرَاسَةٍ حِسِّيَّةٍ

رَأَوْا خَفَايَا حَالَةٍ نَفْسِيَّةٍ ... تَصِيْرُ فِي الْقَلْبِ بِلَا اسْتِعْمَالِ

وَقَدْ بَدَتْ مِنْ بَعْضِهِمْ خَوَارِقُ ... عَوْنًا لِكُلِّ مُسْتَجِيْبٍ صَادِقِ

وَحُجَّةً عَلَى مُعَادٍ مَارِقٍ ... تَكُوْنُ عِنْدَ الْهَمِّ فَعَّالِ

بَلْ كُلُّ مَا يَجُوْزُ مِنْ نَبِيِّهِ ... مُعْجِزَةً يَجُوْزُ مِنْ وَلِيِّهِ

كَرَامَةً بِصِدْقِهِ الْمَرْعِيِّ ... وَحُجَّةً لِلرُّسْلِ وَالْإِرْسَالِ

وَجُلُّهُمْ يَكْرَهُ فِعْلَ الْخَرْقِ ... لِأَنَّ فِيْهِ هَتْكَ سِتْرِ الْحَقِّ

لِأَنَّ بِالْأَسْبَابِ جَرْيُ الْخَلْقِ ... وَحِكْمَةُ الْعَادَاتِ نَظْمُ الْحَالِ

كَذَا كَمَا لَمْ تُطِقِ الْإِشَارَةُ ... وَلَمْ تَسَعْهُ رُتْبَةُ الْعِبَارَةِ

فَإِنَّهُ جَلَّى خَفِيَّ أَسْرَارِهِ ... بِشَرْعِهِ صَوْنًا عَنِ ابْتِذَالِ

وَمَنْ بِهَا بَاحَ اسْتَبَاحُوا دَمَهُ ... وَرُبَّمَا الشَّرْعُ أَبَاحَ دَمَهُ

وَحَسْبُهُ اللهُ لَهَا وَعِلْمُهُ ... وَحُسْنُ ظَنٍّ خَيْرُ مَا نُوَالِي

وَكُلُّ مَا يُنْقَلُ مِنْ مَجَالِهِ ... فِي الشَّرْعِ عَمَّنْ تُرْتَضَى خِصَالُهُ

رُدَّتْ بِحُسْنِ الظَّنِّ وَالْإِجَالَةِ ... وَصِيْنَ وَجْهُ الْحَقِّ عَنْ إِشْكَالِ