Blog Utama Saya :-

Sabtu, 17 Oktober 2026

Kitab Al-Risalah Al-Jamiah - Bahagian 4 | Bab Bersuci (Thaharah): Hukum-Hukum Wuduk dan Mandi Wajib

 


الرسالة الجامعة - 4 | باب الطهارة: أحكام الوضوء والغسل


Kitab Al-Risalah Al-Jamiah - Bahagian 4 | Bab Bersuci (Thaharah): Hukum-Hukum Wuduk dan Mandi Wajib








الدرس الرابع في شرح كتاب: الرسالة الجامعة والتذكرة النافعة، للإمام أحمد بن زين الحبشي،

ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.

فجر الثلاثاء 17 رجب 1447هـ.

يتضمن الدرس:

  • بيان معنى الطهارة لغة وشرعًا ومقاصدها.
  • شرح فروض الوضوء الستة وحدود الأعضاء وكيفية إسباغه.
  • التنبيه على سنن الوضوء وآدابه وآثاره الإيمانية.
  • بيان فروض الغسل الواجب وسننه وأسبابه.
  • شرح نواقض الوضوء وضوابطها عند الشافعية.
  • التأكيد على أثر إحسان الطهارة في كمال الصلاة والدين.

 
















نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم 

من كتاب "الرسالة الجامعة والتذكرة النافعة" لسيدنا الإمام أحمد بن زين الحبشي رحمه الله تعالى ورضي الله عنه ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين آمين. إلى أن قال: قسم الفقه، بَابُ الطَّهَارة:

فصلٌ فِي فُرُوضِ الْوُضُوءِ

 فُرُوضُ الْوُضُوءِ سِتَّةٌ:

الْأَوَلُ: النِّيَّةُ.

الثَّانِي: غَسْلُ ٱلْوَجْهِ معها، وَحَدُّهُ: مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ إِلَىٰ مُنْتَهَى اللَّحْييْنِ وَالذَّقَنِ طُولاً، وَعَرْضاً: مِنَ الأُذُنِ إِلَى ٱلْأُذُنِ.

ٱلثَّالِثُ: غَسْلُ ٱلْيَدَيْنِ إِلَى ٱلْمِرْفَقَيْنِ.

الرَّابعُ: مَسْحُ شَيْءٍ مِنْ بَشَرَةِ الرَّأْسِ أَوْ شَعَْرٍ فِي حَدِّهِ.

ٱلْخَامِسُ: غَسْلُ ٱلرّجْلَيْنِ مَعَ ٱلْكَعْبَيْنِ.

السَّادِسُ: التَّرْتِيبُ عَلَىٰ هَٰذِهِ ٱلْكَيْفِيَّةِ.

 

فصلٌ في الغُسُلِ

وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ مِنْ مُجَامَعَةٍ، أَوْ خُرُوحٍ مَنِيٍّ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ. . لَزِمَهُ غَسْلُ جَمِيعِ بَدَنِهِ مَعَ نِيَّةِ رَفْعِ ٱلْجَنَابَةِ.

 

فصلٌ في نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ

وَيَنْقُضُ ٱلْوُضُوءَ: الْخَارِجُ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ ؛ الْقُبُلِ أَوِ الدُّبُرِ عَلَىٰ مَا كَانَ.

وَيَنْقُضُ ٱلْوُضُوءَ أيضا: زَوَالُ الْعَقْلِ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ إِلاَّ نَوْمَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَتَهُ مِنَ ٱلأَرْضِ.

وَيَنْقُضُ ٱلْوُضُوءَ: مَسُّ قُبُلِ أَوْ دُبُرِ آدَمِيٍّ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِبَطْنِ ٱلْراحة، وَبُطُونِ ٱلْأَصَابعِ، كَبِيراً كَانَ أَوْ صَغِيراً وَلَوْ وَلَدَهُ مَيْتاً.

وَيَنْقُضُ ٱلْوُضُوءَ: الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ رَجُلٍ وَٱمْرَأَةٍ كَبِيرَيْنِ أَجْنَبيَّيْنِ بِلاَ حَائِلٍ؛ إِلَّا ظُفْراً أَوْ شَعَراً أَوْ سِنَا فَلَاَ يَنْقُضُ ٱلْوُضُوءَ.

 

الحمد لله ينور قلوب من يشاء لفهمهم لخطابه وتفقِيههم في دينه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يأخذ بأيدي المقبلين عليه على اتباع حبيبه وأمينه، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المجتبى المختار، سيد أهل قربه وأهل محبته، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آلهِ وصحابته وأهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، أئمة أهل محبة الله وطاعته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 ابتدأ الشيخ -رضي الله عنه- في كتاب في علوم الإسلام من الفقه في الدين، وأولها كتاب الطهارة، لأنه مفتاح الصلاة، وذكر فروض الوضوء، والوضوء أحد مقاصد الطهارة؛ والطهارة:

  • لغةً: النظافة والخلوص من الأدناس حسيةً كانت كالأرجَاس أو معنويةً كالعُيوب، فهذا اسمه طهارة في اللغة، النظافة والخلوص من الأدناس الحسية كالنجَاسة و الأرجاس أو معنويةً كالعيوب، والتخلص منها طهارة.
  • وهو شرعًا خير ما عبر عنه الإمام النووي في تعريفه بقوله: رفع حدثٍ أو إزالة نجسٍ أو ما في معناهما وعلى صورتهما. 

ما كان من رفع حدث أصغر أو أكبر.

  • الأصغر: ما أوجب الوضوء.
  • والأكبر:  ما أوجب الغسل، أو إزالة النجاسة.

 

  • أو ما في معناهما شيء 

في معنى رفع الحدث، وليس برفع الحدث؛ كما يذكرون لمن يستنجي بالحجر، الحدث في معنى رفع الحدث وهو التيمم، فعند الشَّافعية: التيمم لا يرفع الحدث، ولكن يُباح به ما مُنِع من نحو صلاةٍ وقراءة وغير ذلك.

  • فالتيمم في معنى رفع الحدث.
  • أو في معنى رفع النجس، وهو كذلك الاستنجاء بالحجر. 
  • أو على صورة رفع الحدث، أو على صورة إزالة النجاسة.
    • فأما على صورة رفع الحدث فيدخل فيه التثليث في الوضوء وفي الغُسل، و الأغسال المندوبة المسنونة ليس فيها رفع حدث؛ ولكن على صورة رفع الحدث، على صورة الغسل من الجنابة، ومن الحيض، على صورة رفع الحدث.
    • أو على صورة إزالة النجاسة، ولم يكن بإزالة نجاسة، وهو إذا غسل النجاسة غسلةً فزالت أوصافها، حصلت الطهارة، فيُسن أن يُثلث يزيد الثانية والثَّالثة، الثانية والثَّالثة على صورة إزالة النجاسة ليست إزالة نجاسة، ولكن على صورة إزالة النجاسة. 

فهذا تعريف يشمل ما يطلق عليه فقهًا، مصطلح الفقهاء الطهارة، رفع حدثٍ أو إزالة نجسٍ، أو ما في معناهما، أو على صورتهما.

 ثم أن مقاصد الطهارة أربعة، كما أن وسائلها أربعة، و وسائل الوسائل اثنان، 

فمَقاصد الطهارة:

  •  الوضوء.
  • والغُسل.
  • والتيمم.
  • وإزالة النجاسة.

 هذه مقاصد الطهارة، يقصد بالطهارة: وضوءٌ، أو غسلٌ، أو تيممًا، أو إزالة النجاسة، فهذه مقاصد الطهارة.

 ووسائل الطهارة أربعة أيضًا:

  1. الماء:  فهو وسيلة للوضوء والغسل، وإزالة النجاسة .
  2.  التراب:  وهو وسيلة للتَيمم، و لإزالة النجاسة الكلبية.
  3.  الدابغ: وسيلة لتطهير لتطهير جلد الميتة، و بالدبغ يصير طاهر.
  4. وحجر الاستنجاء.

 هذه وسائل للطهارة. الماء، والتراب، و الدابغ، و حجر الاستنجاء.

و وسائل الوسائل اثنان:

  •  الإناء، يوضع فيه الماء، ويوضع فيه التراب، ويوضع فيه الحجر، فهو وسيلة للوسيلة. 
  • وكذلك الاجتهاد لمن أشكل عليه أي الإنائين ولغ فيه الكلب، والثاني طاهِر، فَالإجتهاد وسيلة الوسيلة.

 إذًا؛ 

فمَقاصد الطهارة أربعة: الوضوء، والغسل، والتيمم، وإزالة النجاسة.

 ووسائل للطهارة أربعة: الماء، والتراب، والدابغ،  وحجر الاستنجاء.

ووسائل الوسائل اثنان: الاجتهاد والإناء؛ الآنية. 

لهذا يتكلمون في كتب الفقه على باب الآنية في كتاب الطهارة، لأنه من وسائل الوسائل في الطهارة، ويباح استعمال أي إناء إلا ما كان من ذهبٍ أو فضة، فيحرم استعماله في الطهارة وفي غيرها.

 ثم إن من أول المقاصد الوضوء، فذكر فروضه في قوله: "فُرُوضُ الْوُضُوءِ"، والفروض: جمع فرض، والفرض: 

  • لغةً: الحد، والتقدير، والنصيب، واللازم. يقال له فرض في اللغة، ما كان من نصيبك يقال فرضك أو كان لازمًا يكون فرضك كذا، أي لازم عليك، أو ما كان مُقدرًا، يُقال: أفرض تقدير، والحد كذلك فرضه كذا وكذا أي حده وتعريفه، الحد، والتقدير، والنصيب واللازم يقال له فرض في اللغة. 
  • وأما في الشرع: ففي أصل تعريف الشرع؛ الفرض: ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه.

ولا فرق عند الشَّافعية، وكذلك عند عددٍ من غيرهم ما بين الفرض والواجب؛ بل الفرض، والواجب، واللازم، والمتحتم، والمكتوب، بمعنى واحد عندهم، وهو ما يُثاب على فعله ويعاقب على تركه.

 والمراد بفروض الوضوء، أركانه أي أجزاؤه التي يتكون منها، لأن الركن:

  • لغةً: جانب الشيء الأقوى
  • واصطلاحًا: جزء من الماهية لا تتحقق الماهية إلا به. 

فهذه "فُرُوضُ الْوُضُوءِ"؛ أي: أجزاؤه التي يتكون منها، ولا يصح الوضوء إلا بها، اثنان مرجعهما إلى السُّنة، وأربعة مذكورة في القرآن.

فأما ما كان دليله في السنة: فالنية والترتيب.

  • الترتيب لقوله ﷺ: "أبْدأوا بما بَدَأَ اللهُ به"، ولوضوئه مرتبًا.
  • والثانية: النية  لقوله ﷺ :"إنَّما الأعمَالُ بالنَّياتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى".

وأما الأربعة المذكورة في القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن)⁩ [المائدة:6]، وفي قراءة: (وَأَرۡجُلِكُمۡ).

"فُرُوضُ الْوُضُوءِ"، الوضوء أيضًا في اللغة: اسمٌ لغسل بعض الأعضاء، يقال له وضوء، فمن غسَّل شيئًا من الأعضاء فقد توضأ في اللغة.

  • لغةً: غسل شيئًا من الأعضاء، مأخوذ من الوضاءة، وهي الحُسن والجمال، والنظافة، الوضوء.
  • أما شرعًا: فمعنى غسل أعضاء مخصوصة بنية مخصوصة أو على كيفية مخصوصة.

وأعضاء الوضوء أربعة:

  • الوجه.
  • واليدين.
  • والرأس. 
  • والرجلين. 

فذكرَ "فُرُوضُ الْوُضُوءِ: الْأَوَلُ: النِّيَّةُ" 

ودليله الحديث: "إنَّما الأعمَالُ بالنَّياتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى"، فالنية:

  • لغةً: القصد. 
  • وشرعًا: قصد الشيء مقترنًا بفعله.

والنية لها حكمٌ ولها وقتٌ؛ فحكمها: الوجوب غالبًا، في غالب العبادات إلا بعض العبادات لا تلزم فيها النية كالأذان، وكنَفل الصدقة، لا يلزم فيها النية، وعامة العبادات تلزم فيها النية، وهو في الوضوء واجب؛ فرض، كما هو عند الجمهور، وعند الحَنَفِية أن النية في الوضوء سُنَّة.

النية وقتها في الوضوء عند غسل أول جزء من الوجه، لأنه أول فرض من الفروض بعد النية غسل الوجه، فعند غسل أول جزء من الوجه تبدأ النية، فلو غسل بعض وجهه قبل النية، ثم نوى فالنصف الثاني الذي غسله صحيح، يجب عليه أن يعيد غسل النصف الأول لأنه كان قبل النية، والنية محلها القلب.

قال الشَّافعية: التلفظ بها سُنَّة قياسًا على تلفظ النَّبي ﷺ بالنية في الحج، وفي الحديث الصحيح: أن جبريل أتاني فقال لي: "قُلْ عُمرةً في حَجَّةٍ" قال: والقول هو اللفظ الدال على معناه، وليساعد القلب اللسان. ولكن إذا أراد أن يعمل بالسُنن فقبل غسل الوجه سنن، فلها نية،  فبداية ما يبتدئ في الوضوء بعد البسملة ينوي، ينوي أداء سنن الوضوء، ولو قدَّم النية؛ نية رفع الحدث أو نية الوضوء، أو نية الطهارة للصلاة قبل، عند غسل اليدين صحت، بشرط أن تحضر بقلبه عند غسل أول جزء من الوجه، ولذا: 

  • يقدمون نية أداء السُنن عند غسل الكفين ليدخل فيه غسل الكفين والمضمضة، والاستنشاق. 
  • ثم يجددون النية للفرض، للوضوء، أو لرفع الحدث، أو لأجل الصلاة، لأجل الطهارة للصلاة عند غسل أول جزء من الوجه.

 

 "فُرُوضُ الْوُضُوءِ سِتَّةٌ:

الْأَوَلُ: النِّيَّةُ"، هذا بعض ما يتعلق بالنية.

ثم "الثَّانِي: غَسْلُ ٱلْوَجْهِ" قال: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة:6] سُمي وجهًا لأنه تقع به المواجهة، هو حده من أين إلى أين؟

أما طولًا من منابت شعر الرأس، أي كما هو الغالب أنه فوق الجبهة يبتدي نبات شعر الرأس، فمنبت الذي يبدأ من شعر الرأس في غالب الناس، هذا حد الوجه ما تحته، ولا عبرة بذي َغمم؛ نزل شعره إلى فوق جبهته، ولا بأصلع، شعره من نصف رأسه أو من خلف رأسه فقط أو ما فيه شعر، فالمكان الذي ينبت فيه الشعر غالبًا هو حد الوجه، الذي ينبت فيه شعر عند من عندهم شعر في غالب الناس، هو ذا حد الوجه، من منابت شعر الرأس إلى منتهى اللحيين طولاً، اللحيين والذقن، اللحيين العظمان اللذان ينبت عليهما الأسنان، فهذا في الطول. 

وفي العرض من الأذن إلى الأذن، فهذا حدود الوجه يجب استيعابها بإسالة الماء عليها، يغفل الماء فيها عن المُوقين وخصوصًا عند القيام من النوم واللِحاظين، فيُسن أن يتفقدها عند غسل الوجه بإصبعه السبابة طرفها يتعاهد الموقين، أو طرف العينين مما يلي الأنف هذا المُوقان، ويتعهد بالشق الثاني من السبابتين اللِحاظيين، أو طرف العينين مما يلي الأذن؛ فهذا قد يغفل الماء عنها فيبقى الحدث على الإنسان، ولا يصح غسله لليدين ولا ما بعدها  عند الشَّافعية ويصلي محدث، فينبغي أن يتفقد هذا ويُحسن الوضوء.

وقد أثنت السيدة نفيسة على سيدنا الشَّافعي عند موته بقولها: رحم الله محمد بن إدريس الشَّافعي، إنه كان يُحسن الوضوء. وما ذكرت من فضائله ومناقبه إلا هذا ِلفقهها، لتعلم أن من يُحسن الوضوء، أحسن الصلاة، ومن أحسن الوضوء والصلاة أحسن الدين كله وجمع جميع المكارم. ويقول ﷺ: "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمانِ"، واعتنى بتعليم الصحابة الوضوء كثيرًا ﷺ.

"غَسْلُ ٱلْوَجْهِ وَحَدُّهُ: مِنْ مَنَابِتِ شَغْرِ الرَّأْسِ إِلَىٰ مُنْتَهَى اللَّحْبَيْنِ وَالذَّقَنِ طُولاً، وَعَرْضاً: مِنَ الأُذُنِ إِلَى ٱلْأُذُنِ" ومما قد يغفل عنه الماء أيضًا ما تحت الأنف في وسط الشارب. ويجب غسله شعرًا وبشرًا، ظاهرًا وباطنًا إلا ما كَثُف من اللحية والعارضين، وإذا كَثُفت كفى غسل ظاهرها، العارضان واللحية، يكفي غسل ظاهرها لأنه ﷺ جاء في وضوئه مرة أنه توضأ بغَرفة واحدة، وكان كث اللحية، فغَرفة الواحدة في القلب ما تستوعب جميع الوجه وباطن الشعر، فاكتُفيَ في كتب الفقهاء عندنا في غسل الوجه إذا كانت اللحية كثيفة أو العارضان كثيفان في ظاهرها، ويُسن تخليلها.

 فأما إذا كانت خفيفة، أو العارضان خفيفان فيجب غسل ظاهرها وباطنها. 

بخلاف بقية شعور الوجه فإنه يجب غسل ظاهرها وباطنها خفّت أو كَثُفت، فيأتي أحدٌ ويقول: أنا عندي حاجب كثيف فاكتفي بغسل الظاهر، نقول لا، لابد توصل الماء إلى منابت الشعر في:

  • مثل الحاجبين.
  • ومثل الأهداب.
  • ومثل الشارب.
  • ومثل العِذاران، ما فوق العارض إلى بداية الرأس، مما يوازي الأذن هذا العذاران.
  • ومثل النَفكتان، والسُبالان ما بين الشارب واللحية.
  • والعنفقة التي تحت الشفة السفلى.
  • وكذلك الخدان، الشعر النابت على الخد الشعر النابت على الخد يقال له النَفكتان، مجرى الدمع  عند بعضهم.
  • والغَمَم عند بعضهم وهذا نادر هذه الغَمَم، الشعر النابت على الجبهة.

فهذه شعور الوجه يصل عددها إلى العشرين، باعتبار: العارضين اثنين، والسُبالان اثنين، النكفتان اثنين، والحاجبين اثنين والأهداب أربعة، فتصل المجموع عشرون شعور الوجه، يجب غسل ظاهرها وباطنها؛ إلا باطن اللحية الكثيفة والعارضين الكثيفين، ويُسن أن يبدأ الغسل من أعلى الوجه من عند منابت الشعر، يبدأ يضع الماء هناك، ويمشي معه إلى بقية أجزاء الجسد، وذلك بأن يغرف الماء بكفيه، يبتدئ من أعلى الوجه ويتفقد المعاطف والشعر، والفرض هو الواحدة والثانية والثالثة سنة.

"غَسْلُ ٱلْوَجْهِ"، وقالوا: كل شيء طوله أكثر أم العرض أكثر؟ الطول أكثر من العرض إلا الوجه، لأن طوله شبر بيد صاحبه، العرض من الأذن إلى الأذن شبر وأربع أصابع، فسبحان الله، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) هكذا يقول الله. لا إله إلا هو.

"غَسْلُ ٱلْوَجْهِ"، وفي الحديث أنه يخرج كل خطيئة من العينين مع غسل الوجه، تخرج مع آخر قطر الماء. 

و "ٱلثَّالِثُ: غَسْلُ ٱلْيَدَيْنِ إِلَى ٱلْمِرْفَقَيْنِ"؛ فاليد من أطراف الأصابع الى المرفقين، وإن لليد اطلاقات: 

  • تطلق اليد من أطراف الأصابع إلى الكوع، كفين فقط، ومنه (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة:38].
  • ويطلق اليد من طرف الأصابع الى المرفق، وهو في الوضوء (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: 6].
  • ويطلق اليد أيضًا في اللغة من طرف الأصابع للمنكب، للكتف، كلها يد.

قال "غَسْلُ ٱلْيَدَيْنِ"؛ وتخرج مع الماء خطايا اليدين، حتى تخرج من تحت أظفاره. لذا كان قول في مذهب الإمام أبي حَنِيفَة لكنه مرجوح: أن الماء المستعمل لفرض الوضوء نجس، لأن الخطايا فيه، تخرج فيه الخطايا، المعتمد عندهم لا، كغيرهم ليست بنجس المستعمل.

وهكذا وإذا كان صاحب الخطايا تخرج الخطايا مع الماء منه، فإذا كان ما عنده خطايا يخرج نور الطاعة، الطاعة يمتلئ الوضوء بنور طاعته، ومن هنا حرص الصحابة أشد الحرص على ماء وضوئه ﷺ، حتى كادوا يقتتلون على وضوئه. وهكذا جاء في البخاري أنه لما كان في سفر وتوضأ يقول الراوي: فلما فرغ من وضوئه، جمع بلال وضوءه في إناء كان يصب عليه ويتلقى الوضوء في إناء، فأقبل الصحابة حتى كادوا يقتتلون على وضوئه، قال فرأيت من لم يصب منهم شيئًا أخذ من بلل صاحبه فتَمسح به، فالصحابة بهذه الصورة، كما يقول بعض الناس صوفية كلهم مُتبركين! كادوا يقتتلون وما حصل شيء، يأخذ من حق الثاني ويتمسح به -عليهم رضوان الله- أمامه ﷺ وهو يعلم بهم ويراهم، صلوات ربي وسلامه عليه.

وهكذا، حتى صار بلال إذا جاب الماء للوضوء يأتي بإناء ثاني فارغ يضعه تحته من أجل أن يتلقى الماء الذي يخرج منه، ومن أجل أن يوزع بعد ذلك بينهم عليهم رضوان الله.

 ويُسن الابتداء في اليدين من الأصابع يمضي بها إلى المرفقين، والسُنة أن يرفعه إلى العضد نصفه أو كله هذا أفضل، وإن الحلية في الجنة تبلغ ما بلغ الوضوء، فمن كان يغسل أكثر حليته أكثر.

و"غَسْلُ ٱلْيَدَيْنِ إِلَى ٱلْمِرْفَقَيْنِ" كما قال تعالى (إِلَى الْمَرَافِقِ)؛ والمرفق مجتمع عظمي العضد وإبرة الساعد، مجتمع عظمي العضد وإبرة الساعد ما بين هذه يسمى مرفق لأن الإنسان يرتفق به. فالثلاثة العظام ما بينها يقال لها مرفق، ويُسنُ فيه التخليل، وبعد أن يغسل اليدين يُخلل بين الأصابع بالتشبيك اليمنى واليسرى، ليستوثق من وصول الماء إلى ما بين الأصابع، ومن الواجب أن يصل الماء إلى ما تحت الأظفر فإن كان تحت الأظفر شيء مادة من خارج البدن من غير عرق البدن يجب إزالتها حتى يصل الماء إلى ما تحت الأظافر، وإذا استعملت المرأة شيء من هذه المزينات، وله جرمٌ على أظافرها، فيجب أن تزيله عند الوضوء حتى لا يحول بينه وبين البشر وبين الأظفر، فإن له جرم يحول بينه كما قلت حطوا اسمها مناكير، كلٌّ له من اسمه نصيب! إذا كانت ما تزيله عند الوضوء صار صدق مناكير، جمع منكر صيغة منتهى الجموع ذا صيغة منتهى الجموع مناكير. سبحان الله!.. فينبغي إذا جاء لزوجته بهذه المادة يُحضر المزيل معها، يُحضر لها المزيل معها لكي إذا تتوضى تزيله بسهولة وتتوضأ فيصح وضوءها.

فيجب استيعاب هذا الحد من طرف الأصابع إلى المرفقين، ويُسن الزيادة. 

  • والزيادة على الواجب في الوجه تسمى إطالة الغرة. 
  • والزيادة على الواجب في غسل اليدين والرجلين تسمى إطالة التحجيل .

إذًا فحديث "إنَّ أُمَّتي يُدْعَوْنَ يَومَ القِيامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثارِ الوُضُوءِ"؛ يعني: عليهم نور في وجوههم وأيديهم وأرجلهم من آثر الوضوء، يعني الأمم كلها يتوضؤون لكن ظهور هذا النور خاص لأمة النبي محمد ﷺ، حتى قالوا كيف تميز أمتك من بين الأمم؟ "قال: أرأيتم لو واحد عنده خيل جردة وخيل غر هل يتميز بينهم قالوا نعم، فإن أمتي يحشرون غُرا محجلين من آثار الوضوء.

 فمعنى إطالة الغُرة هذا من سنن الوضوء، أما نفس الغُرة والتحجيل هي في حقها واجب لأنه لا يتحقق الواجب إلا به، أدنى شيء مما زاد هذا ضروري واجب؛ لكن الزيادة على الواجب في الوجه وفي اليدين، في الوجه يقال له إطالة غُرة، وفي اليدين والرجلين يقال له إطالته تحجيل، التحجيل في اليدين والرجلين، والغُرة في الوجه، وما زاد على الواجب في اليدين يُقال له تحجيل، وفي الرجلين كذلك. فيُسن إطالة الغُرة وإطالة التحجيل كما يُسن التثليث، والفرض غسلة واحدة.

"الرَّابعُ: مَسْحُ شَيْءٍ مِنْ بَشَرَةِ الرَّأْسِ أَوْ شَعَْرٍ فِي حَدِّهِ"، إما من بشرة الرأس مثل الأصلع ونحوه، أو شعرٍ لكن الشعر في حد الرأس، ومعنى في حد الرأس أنه لو مدّها لم تخرج عن حدود الرأس، فأما من عنده شعر طويل ومسح طرفه ومده لخرج عن حدود الرأس فلا يكفي هذا المسح لا بُد أن يمسح شعرًا لا يخرج عن حدود الرأس بمدّه إذا مده ومَطه لا يخرج عن حدود الرأس، أو شيء من بشرة الرأس، لا فرق بين البشرة والشعر.

  • قال الشَّافعية: ولو شعرة؛ ولكن يُسن مسح الرأس كله فإن له بكل شعرة حسنة، ولو معك جهاز يَعد شعر رأسك صعب عليك، لكنه معدود عند الملائكة، امسح وخذ بكل شعرة حسنة.
  • وقال الحَنَفِية: لا بُد من ربع الرأس فأكثر.
  • قال المَالِكْية: يجب مسح جميع الرأس، وذلك أن معنى الباء عندهم في قوله تعالى (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) [المائدة:6] أن الباء للإلصاق معنى رؤوسكم كلها.

وقال الشَّافعية: الباء للتبعيض، (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ)؛ أي: بعض رؤوسكم، والبعض يطلق ولو بعض شعرة في حد الرأس أو شيء من البشرة، والأفضل أن يَبُل يديه بالماء ثم يضع السبابتين على الناصية، وسط الرأس، ويمشي بها إلى الخلف، فإن كان له شعر ينقلب يردها.

  • وقال أكثر الأئمة: مسحة واحدة للرأس.
  • وقال الشَّافعية: السُنَّة ثلاث، لما جاء في روايات أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ولم يستثني الرأس، لما جاء في روايةٍ أوردها البيهقي في السُنن الكُبرى أنه مسح رأسه ثلاثًا، ولأكثر الروايات تنص على أنه مسح رأسه مرةً واحدة.

فقال الجمهور: أنه مرة واحدة يمسح الرأس. وقال الشَّافعية: يُسن ثلاث مرات كغيره. "مَسْحُ شَيْءٍ مِنْ بَشَرَةِ الرَّأْسِ أَوْ شَعَْرٍ فِي حَدِّهِ".

 "ٱلْخَامِسُ: غَسْلُ ٱلرّجْلَيْنِ"، وأيضًا تخرج بها ذنوب كل خطيئة مشتها رجلاه، أي الذنوب الصغائر، من طرف الأصابع إلى الكعبين، والكعبان العظمان البارزان بين الساق والقدم، هؤلاء الكعبان، ففي كل يد مرفق واحد، وفي كل رجل كعبان اثنان، ولهذا قال في الآية: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن)؛ أي: كعبيَّ كل رجل.

وكذلك ما تحت الأظافر يجب إيصال الماء إليه. وكذلك ما بين الأصابع يُسن التخليل فيه؛ لكن التخليل بخنصر اليد اليسرى، يضع الماء على الأصابع ويدخل الإصبع من تحت، من أسفل إلى أعلى من عند خنصر الرجل اليمنى يمشي على الترتيب إلى خنْصر الرجل اليسرى.

 قال ابن المقري في كتاب الإرشاد في ذكر سُنن الوضوء، في تخليل الرجلين: من خنصرٍ إلى خنصرٍ بخنصر يسرى يديه.

  • أما تخليل أصابع اليدين فبالتَشبيك. 
  • وأما تخليل أصابع الرجلين فبخِنصر اليد اليسرى من تحت يبدأ هكذا، يبدأ من خنصر الرجل اليمنى ويمشي على الترتيب إلى أن ينتهي خِنصر الرجل اليسرى، من خنصرٍ إلى خنصرٍ بخنصر يسرى يديه.

وأصل الرجلين مع الكعبين لتقدير أساس الترتيب وهو أن لا يقدّم عضوًا على عضو، بحيث لا يبدأ في غسل اليدين إلا بعد إكمال غسل الوجه، ولا يبدأ في مسح الرأس إلا بعد إكمال غسل اليدين، ولا يبدأ في غسل الرجلين إلا بعد إكمال مسح الرأس؛ هذه معنى الترتيب، على هذه الكيفية بدايةً بالوجه وختمًا بالرجلين.

فالسُنن قبل الفرائض، التي قبل الفرائض:

  • استقبال القبلة.
  • والبسملة، وهي واجبة عند الإمام أحمد بن حَنبَل، البسملة.

"لا وُضوءَ لِمَن لم يُسَمِّ اللهَ" وجاء في حديث سنده ضعيف "لا وُضوءَ لِمَن لم يُسَمِّ اللهَ" فحملوه على الوضوء الكامل، وقال الإمام أحمد: تجب البسملة عند الوضوء.

  • ثم المضمضة والاستنشاق. 

وهما واجبان عند بعض الأئمة الأربعة، يجب المضمضة والاستنشاق، كالحَنَفِية يجب عندهم المضمضة والاستنشاق، والمَالِكْية كذلك، فيجب المضمضة والاستنشاق، وبعد الفقهاء أوجب الاستنشاق دون المضمضة. وقال ﷺ لأصحابه: "وبالِغْ في الاستنشاقِ إلّا أن تَكونَ صائمًا"، فيُسن المضمضة. 

  • والمضمضة: هي وضع الماء في الفم وإدارته فيه.
  • والاستنشاق: وهو وضع الماء في الأنف ورفعه بالنفس إلى الخيشوم.

 فتُسن المبالغة بأن يصل الماء للغَلصمة في الفم، وإلى أعلى الخيشوم في الأنف في الاستنشاق، ويُسن عن ذلك ثلاثًا؛ ينظف الفم والأنف استعدادًا للصلاة، وكذلك يدرك طعم الماء وريحه حتى إذا كان في شيء يحذر منه.

و الصائم يُسن أن يرفق في المضمضة والاستنشاق، فلا يبالغ في رفع الماء بالنفس في أنفه، ولا يبالغ في إيصال الماء إلى الغَلصمة بل يكفي طرف الفم وطرف الأنف للصائم، حتى لا يسبق شيء إلى الجوف يتعرض لبطلان الصوم.

والسواك كذلك سُنَّة، في الحديث: "لولاَ أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتُهُم بالسِّواكِ عندَ كلِّ وضوءٍ".

 ثم بعد تخليل أصابع الرجلين والواجب إلى الكعبين والسُنة إطالة التحجيل إلى نصف الساق، والأكمل إلى الركبة.

وإحسان الوضوء على المكاره؛ إسباغ الوضوء على المكاره من الرباط في سبيل الله، وما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، "كثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء على المكاره"، أي على ما يشمئز منه نفس الإنسان عند برد، أو عند مرض، أو عند تعب، فإسباغ الوضوء في حالة هذه المكاره من أعظم القربات إلى الله سبحانه وتعالى-.

ثم الدعاء بعد الوضوء، بـ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.. وقد جاء في الصحيحين أن من يأتي بهما بعد كل وضوء فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. وفي رواية في غير الصحيحين أن في السُنن يقول زيادة: آللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، واجعلني من عبادك الصَّالحين.

ومما يُسن أيضًا أنه بعد الوضوء يأتي بهذا الدعاء مستقبل القبلة أفضل، رافعًا يديه، وكذلك ذكر: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. وكذلك قراءة سورة (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر:1] مرةً أو ثلاثاً بعد الوضوء من السُنن. هذه كيفية كيفية الوضوء بفروضه وسُننه.

قالوا: ومن أحسَنَ الوضوء أحسَنَ الصلاة. قالوا: وحضور القلب مع الله عند الوضوء من أقوى أسباب الحضور في الصلاة يعان صاحبها الحضور في الصلاة. ويُكره للمتوضئ أن يتكلم مع أحد، ويروى أن على المتوضئ قبة من نور فإذا تكلم ارتفعت.

ويُسن الدلك كذلك وهو واجب عند المَالِكْية، وهو: إمرار اليد على المحل الذي يُغسل، إمرار اليد على الجسد؛ المواضع التي تُغسل في الوجه واليدين والرجلين، فالدلك سُنَّة، وهو واجبٌ عند المَالِكْية.

والبداءة باليمين، وهو التيامن، أن يبدأ باليد اليمنى وبالرجل اليمنى قبل اليسرى، فإن كان مقطوع اليد فيُسن التيامن في الوجه كذلك، وفي مسح الرأس كذلك.

إذا كان مقطوع اليد يُسن التيامن، يغسل الجانب الأيمن من الوجه أولا ثم الجانب الأيسر، وكذلك في الرأس يمسح الجانب الأيمن ثم الأيسر، وكذلك في الأذنين بالنسبة لمَقطوع اليد يُسن التيامن فيمسح أذنه اليمنى ثم اليسرى؛ أما من له يدان فيَمسحهما معًا، لا يُسن التيامن  في مسح الأذنين لمن له يدان. وهكذا والعضو الواحد لا تيامن فيه إلا لمن كان مقطوع اليد.

 

ثم ذكر بعد الوضوء الغُسل، وهو اسمه الغُسل

  • لغةً: السيلان.
  • وشرعًا: سيلان الماء على جميع البدن بنية مخصوصة.

 فالغُسل الواجب: ما يكون بسبب الجنابة أو بسبب انقطاع الحيض والنفاس عند المرأة، فالجنَابة إما خروج المني وإما الجماع، كل منهما جنابة. وإذا انقطع دم الحيض عند المرأة أو النفاس وجَب عليها الغسل من أجل إقام الصلاة.

 وكذلك يجب الغُسل فرض كفاية على الأحياء للميت إذا مات بينهم، يجب عليهم أن يغسلوه.

ثم هناك أغسال مسنونة:

  • كغُسل الجمعة لمن يريد حضور الجمعة.
  • وكغُسل كل ليلة من رمضان.
  • وغُسل العيدين.
  • وغُسل للاستسقاء لصلاة الاستسقاء.
  • وأغسال الحج المتعددة: 
    • للإحرام.
    • ولدخول مكة.
    • وللطواف.
    • و للوقوف بعرفة.
    • و لرمي الجمار كل يوم؛ هذه أغسال مسنونة مندوبة في الحج.
  • الغُسل كل ليلة من ليلة رمضان، قياسًا على اغتساله في الليالي العشر ﷺ، وكان في الليالي العشر الأواخر يغتسل ويتطيب للمناجاة صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم.
  • ومن آكد الأغسال المسنونة الغُسل لغاسل الميت، فمن غسَّل الميت يُسن له أن يغتسل هو بعد تغسيله للميت.
  • وغُسل الجمعة قال فيه سيدنا الشَّافعي: ما تركت غُسل الجمعة سفرًا ولا حضرًا.

ثُمَّ قال: "وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ مِنْ مُجَامَعَةٍ، أَوْ خُرُوحٍ مَنِيٍّ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَزِمَهُ غَسْلُ جَمِيعِ بَدَنِهِ مَعَ نِيَّةِ رَفْعِ ٱلْجَنَابَةِ"، فتعميم البدن بالماء مع النيَّة هذا فرض الغُسل، فرض الغسل اثنان:

  •  النية.
  • وتعميم البدن بالماء.

وتبقى سُنَنه، سُنَنه يأتي فيها:

  •  استقبال القبلة.
  •  ويأتي فيها التسمية.
  • ويأتي فيها أن يبدأ بغسل الرأس ثم ما أقبل من الجانب الأيمن ثم ما أدبر منه، ثم ما أقبل من الجانب الأيسر ثم ما أدبر منه.
  • وأن يتوضأ قبل الغُسل.
  • وأن ينوي رفع الحدث عند الاستنجاء.

 فإن الماء يغفل عند الغُسل عن محل الاستنجاء، فينبغي عند الاستنجاء ينوي رفع الحدث عن محل الاستنجاء، ثم يغسل كفّيه ويتمضمض ويستنشق لأجل الغُسل، ثم يعيدها لأجل الوضوء، يتوضأ، يغسل كفيه مرةً أخرى، ويتمضمض ويستنشق ويكمل الوضوء ثم يصب الماء على رأسه ثلاثًا، ثم ما أقبل من الجانب الأيمن ثلاثًا، ثم على ما أدبر منه ثلاثًا، ثم على ما أقبل من الجانب الأيسر ثلاثًا، ثم على ما أدبر منه ثلاثًا، فهذه السُنن في أداء الغُسل.

ويجب تعميم البدن بالماء، إلا أن الباطن منه حتى مثل الفم والأنف عند الشَّافعية لا يلزم، وقال بعض الأئمة يلزم المضمضة والاستنشاق من أجل رفع الحدث، وكذلك باطن العين لا يلزمها الغُسل إيصال الماء إليها باتفاق.

وبقية البدن تحت كل شعرةٍ جنابة، لو بقيت لُمعة ما وصل إليها الماء بقيت عليها الجنابة، حتى قال سيدنا علي: بعد ما سمعت النَّبي يقول: "تحتَ كلِّ شعرةٍ جَنابةٌ" عاديت شعر رأسي، صار يميل للحلاقة، يحلق من وقتٍ لوَقت.

 

وبعد ذلك ذكر: "نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ"، وهي أسباب الحدث، تُحول المتطهر إلى محدث، وهي أربعة عند الشَّافعية:

  • "وَيَنْقُضُ ٱلْوُضُوءَ: الْخَارِجُ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ؛ الْقُبُلِ أَوِ الدُّبُرِ"؛ طريق البول والغائط. "عَلَىٰ مَا كَانَ".

أي شيءٍ كان معتاد أو غير معتاد، فأما المعتاد فبالإجماع ينقص الوضوء من بولٍ، وغائطٍ، وريح فهذا بالإجماع ينقض الوضوء، وكذلك عند الشَّافعية وعند بعض غيرهم كذلك ينقض أي خارج كان من حصاةٍ أو دودةٍ أو دمٍ أو أي خارج من أحد السبيلين فينقض الوضوء.

 قال سيدنا ابن عباس إنما الصوم مما دخل وإنما الوضوء مما خرج؛ ما خرج ينقض الوضوء.

  • "وَيَنْقُضُ ٱلْوُضُوءَ أيضاً: زَوَالُ الْعقْلِ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ"

كيف غيره؟ قال: غيره الإغماء، والسُكَر، والجنون، ثلاثة. فزوال العقل: إما بنوم، أو بالجنون أو بسُكَر أو بإغماء. 

  • فالنوم يزيل الشعور من القلب، مع استرخاء في الأعضاء، كذلك الإغماء.
  • وكذلك السُكَر: زوال الشعور من القلب مع اضطراب واختلاط النطق.
  • والجنون: زوال الشعور من القلب مع بقاء القوة والحركة.

 فكل واحدٍ منها ينقض الوضوء.

 قال: "إِلاَّ نَوْمَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَتَهُ مِنَ ٱلأَرْضِ" فإذا نام هناك أربعة شروط لا ينقض الوضوء:

  1. الشرط الأول: أن يكون معتدل الخِلقة؛ أي: لا شديد النُحف ولا شديد السِمَن، فكبيرُ السِمَن وكبير النُحف لا يتأتى منهما التمكن.
  2.  الثاني: أن يكون متمكنًا، معنى التمكن أن لا يكون بين مقعدته ومقره تجافٍ، فليس شرط الأرض مثل الأرض، ظهر الدابة والكرسي وأي شيء يجلس عليه أن يكون مُمَكن، ليس بين مقعدته ومقره تجافٍ، المتمكن.
  3.  والشرط أن ينتبه على الحالة التي نام عليها وهذا الشرط الثالث.
  4. والرابع أن لا يخبره بالنَقض عدل، فلو نام متمكنًا ولكن رجل عدل ثقة قال له خرج منك ريح وانت نائم، وهذا وإن كان نادر لكن إذا أخبره عدل بطل وضوؤه.

 فهذه شروط عدم النقض بالنوم:

  •  أن يكون معتدل الخلقة.
  • وأن يكون متمكنًا.
  • وأن ينتبه على الحالة التي نام عليها.
  • وأن لا يخبره بالنقض عدل.

 بهذه الشروط ما ينتقض بالنوم.

وقال الحَنَفِية: أنه لو كان على شيءٍ من هيئات الصلاة، أو كان متمكنًا لا ينتقض وضوءه.

وقال المَالِكْية: إن كان نوم خفيف لا ينقض الوضوء، وإن كان نوم ثقيل نقض وضوءه، نوم ثقيل بحيث تسقط ما في يده من مسبحة وغيره ولا يشعر، هذا نوم ثقيل ما دون ذلك فهو نوم خفيف ما ينقض الوضوء.

مثل النعاس، النعاس عند الشَّافعية ما ينقض الوضوء، وهو أن يحس بسماع بكلام من حواليه لكن ما عاد يركز عليه، ما يميزه لكن يحسه، ينعس. إلا الأنبياء فإنه لا ينتقض وضوؤهم بالنوم، لمّا قالوا للرسول ﷺ قال: "تَنامُ عَيْناي، ولا يَنامُ قَلْبي"  صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبهِ وسلَّم.

وكذلك من أُغمي عليه، ومن جُن، ومن أصابه السُكر -والعياذ بالله تعالى- فينتقض وضوءه.

ثُمَّ "وَيَنْقُضُ ٱلْوُضُوءَ أيضًا: مَسُّ قُبُلِ أَوْ دُبُرِ آدَمِيٍّ" سواءً من نفسه ولو ولده ولو ميت لكن بشرط أن يكون بباطن الراحة أو بطون الأصابع، "بِبَطْنِ ٱلْكَفِّ وَبُطُونِ ٱلْأَصَابعِ" فقط، سواء أن "كَبِيراً كَانَ أَوْ صَغِيراً وَلَوْ وَلَدَهُ" الصغير ولو "مَيْتاً" فإن ذلك ينقض الوضوء لقوله ﷺ "من مسَّ ذَكرَه فليتوضَّأ".

وينقض الوضوء عند الشَّافعية: "الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ رَجُلٍ وَٱمْرَأَةٍ كَبِيرَيْنِ أَجْنَبَّيْنِ بِلاَ حَائِلٍ؛ إِلَّا ظُفْراً أَوْ شَعراً أَوْ سِنَا فَلَاَ يَنْقُضُ ٱلْوُضُوءَ"؛ لمس الظفر أو الشعر أو السن وحده، ليس ببشرة، وهذا بالخمسة القيود ينقض الوضوء عند الشَّافعية، 

  • أن يختلف جِنساهما.
  • وأن يكونا كبيرين.
  •  وأن لا تكون بينهما محرمية؛ يكونوا أجانب.
  • وأن يكون اللمس بالبشرة.
  • وأن يكون من غير حائل.

 خمسة قيود:

  • اختلاف الجنسين: بين ذكر وأنثى.
  • كبيرين: أي بلغ كل منهما حدًا يشتهى فيه.
  • أجنبيين: لا دخل للمحارم. 

والمحارم منهم ثمانية عشر صنف، من النسب سبعة، ومن الرضاع مثلهم سبعة، أربعة عشر، ومن الصهارة أربعة، هؤلاء المحارم ثمانية عشر صنف من النسب سبعة هم الذين مذكورون في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) [النساء:23]. 

ومثلهم من الرضاع، من الرضاع سبع لقوله ﷺ: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ"؛ فيحرم الأم من الرَّضاع: وهي من أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك، أو أرضعت من أَولدك، كلهم أم، أمك من الرضاعة من أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو أرضعت من أَولدك، أرضعت أبوك أو أرضعت أمك خلاص هي أمك كذلك، اذا أرضعت أباك أو أرضعت أمك أو أرضعت مرضعتك هذه الأم من الرضاع؛ أرضعت مرضعتك او أرضعت أمك أو أرضعت أباك صارت أمك من الرضاعة، أرضعتك بنفسك أو أرضعت مرضعتك، أو أرضعت من أولدك هذه الأم من الرَّضاع، (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ).

 (وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ) ومن الأخت من الرَّضاع؟ الأخت من الرَّضاع من ارتضعت من أمها، أو ارتضعت هي من أمك، أو ارتضعت أنت وإياهما من أجنبية لا أمك ولا أمها واحدة ثانية رضعتك ورضعتها، فهذه أخت من الرَّضاع، من ارتضعت من أمها أو ارتضعت هي من أمك أو ارتضعت أنت وإياها من امرأة واحدة غير أمهاتكم، فهذا أختك من الرَّضاع بشرط أن يكون الرَّضاع خمس رضعات متفرقة، فالحديث: "لا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوِ الرَّضْعَتانِ، أَوِ المَصَّةُ أَوِ المَصَّتانِ"، و "خمس رضعات يحرمنًَّ". يقول الأخت من الرَّضاع.

 والبنت من الرَّضاع. معك بنت من الرَّضاع أنت ما ترضع أحد أنت رجل، بنتك من الرَّضاع من ارتضعت بلبنك، من أرضعتها زوجتك التي في عقدك فهي بنتك من الرَّضاع، أولا، ما دام اللبن منسوب لك أنت الذي حملت منك إذا أرضعت أحد فمن أرضعته فهو ابنك من الرَّضاع، فالبنت من الرَّضاع من ارتضعت بلبنك، ومثله من ارتضعت بلبن من ارتضع من لبنك، أو من بنتك، أو ابن ابنك أيضًا ارتضعتها تدخل في البنت من الرَّضاع، بحيث إذا زوجة ابنك رضعت واحدة، وهذه التي أرضعتها هي بنت ابنك فهي بنتك، بنت ابنك صارت، وكذلك إذا بنتك رضعت واحد، خلاص بنت بنتك صارت لك محرم هذه البنت من الرَّضاع، والأخت وكذلك العمة أخت من أولدك، و أولد من أولدك، أو من أرضعتك، ومن أرضعت من أرضعتك أو أختهم من الرَّضاع أخت لك، الأخت من الرَّضاع، عمة لك، وإن كانت أخت من ولدتك أو أرضعتك فهي الخالة من الرَّضاع، العمة والخالة من الرَّضاع، فهولاء الأربعة عشر من النسب ومن الرَّضاع. 

بقي أربعة من الصهارة وهي:  أم الزوجة، وبنت الزوجة، وزوجة الأب، وزوجة الابن، أم الزوجة وبنت الزوجة إذا كانت من غيرك، إذا دخلت بأمها، و زوجة الأب أبوك مثله جدك، زوجة كل من أولدك وأولد من أولدك، أو زوجة الابن زوجة ابنك مباشرة وابن ابنك مثله، فهؤلاء الأربع يحرمون من الصهارة، فالمجموع ثمانية عشر، يحرم نكاحهم على التأبيد، فلا ينقض منهم الوضوء.

 "الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ رَجُلٍ وَٱمْرَأَةٍ كَبِيرَيْنِ أَجْنَبَّيْنِ بِلاَ حَائِلٍ"، فلا يضر اللمس من فوق الثوب؛ وإنما بالتقاء البشرة، إلا الظفر والشعر والسن فليس ببشرة ولا ينقض الوضوء.

  •  وقال الحَنَابِلَة: إن كان اللمس بشهوة ينقض الوضوء وإلا فلا ينقض، وكذلك المَالِكْية.
  • وقال الحَنَفِية: ما ينقض لمس المرأة بشهوة أو بغير شهوة إلا إذا بالغوا في الالتماس والتماسك فينقض الوضوء.

 إذًا فالاستدلال بقوله تعالى (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) [النساء:44] وفي قراءة من القراءات السبع أو لمستم النساء، والأصل: اللمس بالبشرة، أوله فالأئمة الآخرون منه الجِماع؛ ولكن أيضًا اعترضوا عليهم قالوا: فإذا أوّلتموه بالجماعة فكيف تقولون اللمس بشهوة ينقض الوضوء؟! أين دليله؟..

وأن اللمس في الأصل هو هذا، قال تعالى: "وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ" [الأنعام:7]. وأنه لما جاء الذي يقر عند النَّبي ﷺ بفعل الفاحشة قال له: "لعلَّكَ قَبَّلتَ، لعلَّكَ لَامَستَ"؛ معناه الملامسة غير الجماع، فلو كان الجماع ما بيقول له كذا.. "لعلَّكَ قَبَّلتَ، لعلَّكَ لَمَستَ" قال: لا يا رسول الله.. فيقام عليه الحد. هذا دليل الشَّافعية.  وأيضًا: 

  • الأصح عندهم أنه ينتقض اللامس والملموس. 
  • ومقابل الأصح أن اللامس هو الذي ينتقض، والملموس لا ينتقض، إذا طرأ اللمس من أحدهما الذي بدأ باللمس هو الذي ينتقض هذا على مقابل الأصح.

 والأصح أنه ينتقض اللامس والملموس، وهذه الفوارق لنقض الوضوء بين اللمس بين الذكر والأنثى، وبين مس الذكر والدُبُر مس الذكر والدبر ما يشترط اختلاف الجنسين، ولا يشترط أن يكونا كبيرين، ولا ينتقض إلا اللامس دون الملموس في مس الذكر والدُبر.

أما التقاء بشرتي الرجل والمرأة لابد من كبيرين، ولابد اختلاف الجنس ولابد وينتقض الاثنين معًا اللامس والملموس، هذه الفوارق بين المس واللمس، والله أعلم.

رزقنا الله الطهارة الظاهرة والباطنة، وإحسان الوضوء، وإحسان الصلاة، وإحسان الأعمال الصالحة كلها، ألحَقَنا بالمحسنين ورقانا مراتب أهل الإحسان في كل شأن، وغمرنا بفائضات الامتنان في خير ولطف وعافية بسر الفاتحة  إلى حضرة النَّبي محمد ﷺ.






Kitab Al-Risalah Al-Jamiah - Bahagian 3 | Asas-Asas Iman: Beriman kepada para Rasul, Hari Akhirat, Kitab-Kitab, dan para Malaikat

 


الرسالة الجامعة - 3 | أصول الإيمان: الإيمان بالرسل والآخرة والكتب والملائكة


Kitab Al-Risalah Al-Jamiah - Bahagian 3 | Asas-Asas Iman: Beriman kepada para Rasul, Hari Akhirat, Kitab-Kitab, dan para Malaikat










الدرس الثالث في شرح كتاب: الرسالة الجامعة والتذكرة النافعة، للإمام أحمد بن زين الحبشي،

ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.

فجر الإثنين 16 رجب 1447هـ.

يتضمن الدرس:

  • مقاصد بعثة النبي ﷺ: هداية الخلق وتكميل المعاش والمعاد.
  • أقسام علم الإيمان: الإلهيات – النبويات – السمعيات.
  • الإلهيات: معرفة صفات الله الواجبة والمستحيلة والجائزة، وأسماؤه الحسنى.
  • النبويات: صفات الأنبياء، وخصوصية رسالة النبي ﷺ للعالمين.
  • المعجزات والإرهاصات: دلائل صدق النبوة، وأعظمها القرآن الكريم.
  • الشريعة: الأحكام الخمسة وتنظيم حياة الإنسان دينيًا ومعاشيًا.
  • السمعيات: الإيمان بالبرزخ، الصراط، الميزان، الحوض، الحساب.
  • الإيمان بالكتب والملائكة والجنة والنار.
  • أثر الإيمان في تزكية النفس وتحقيق الحياة الطيبة.

 

نص الدرس مكتوب:

  بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل لسيدنا الشريف العالم العلامة الحبيب أحمد بن زين بن أحمد الحبشي صاحب "الرسالة الجامعة"، نفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين.

 

"وأنَّهُ تعالى بَعَثَ سَيَّدنا محمَّداً عَبْدَه ورَسُولَه إِلى جميع الخَلْق، لِهِدَايَتِهِم، ولِتَكْمِيْل مَعَاشِهِم وَمَعاَدِهِم، وَأيَّدَهُ بِالمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَة.

وَأنَّهُ عَليْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَادقٌ فِي جَمِيعِ ما أَخْبرَ بِهِ عَنِ اللهِ تَعَالَى: مِنَ الصِّرَاطِ والْمِيزَانِ والحَوْضِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ والْبَرْزَخِ، ومِنْ سُؤالِ الْمَلَكيْنِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ."

وأنَّ القُرْآنَ، وجَمِيعَ كُتُبِ اللهِ الْمُنْزَلَةِ حقٌّ، والْمَلائِكَةَ حَقٌّ،  والْجَنَّةَ حَقٌّ، والنَّارَ حَقٌّ، وجَمِيعَ مَا جَاءَ بهِ سَيٌُدُنا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ".

 

الحمد لله مُكرمنا بإشراق أنوار المعرفة والإيمان لجميع أهل الإقبال عليه تعالى بالصدق والإخلاص في السر والإعلان، نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، الكريم العظيم المنّان، ونشهدُ أن سيِّدَنا محمدًا عبدُه ورسوله، مَن أَنزل عليه القرآن وجعلَه سيِّدَ الأكوان، اللهم أدِمْ صلواتِك على حبيبك المُختار المصطفى سيدنا محمدٍ، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومَن والاهم فيك واقتفى الآثار، وعلى آبائِه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادنِ الصدق والهدى والأنوار، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرّبين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 وقد تقدّم معنا ما ذَكرَ من الخُلاصة في علم الإيمان؛ ما يتعلق بالإلهيات:

وذلك معرفة الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ومرجعُها إلى أن:

  • الواجبَ في حق الله تعالى كلُّ كمال؛ أي: كل ما يليق بجلاله وعظمته، فهو المتصف بكل كمال. 
  • والمستحيلُ عليه كلُّ نقص.

ومظاهرُ الكمال المطلق الإلهي الرباني في صفات الوجود والبقاء، وكونُه الحيُّ المريد القادر السميع البصير، وما تقدم معنا من ذكر هذه الصفات، التي رؤوسُها -كما بيّن أهل السنة مما ورد في الكتاب والسنة الغراء- عشرون صفة، مقررة في كتاب الله تبارك وتعالى، فهي إجماليُّ الصفات، ولها فروعٌ.

كما أن للحق تعالى أسماء، وعَلِمْنا أنّ منها ما أنزله في كتابه، ومنها ما علَّمه بعضَ أنبيائه، ومنها ما استأثر به في علم الغيب عنده، جل جلاله وتعالى في علاه، وأن منها ما ذكَرَه ﷺ في حديث من تسعةٍ وتسعين اسماً من جُملة أسماء الله، وأنه في دعائه يقول: "أسألُك بِكُل اسمٍ هو لك سمَّيتَ به نفسَك أو أنزلتَه في كتابك أو علَّمتَه أحداً من خلقِك أو استأثرتَ به في علم الغيبِ عندَك"، فلا يُحيط بأسمائه إلا هو، كما لا يحيط بصفاته إلا هو، كما لا يحيط بذاته إلا هو، جل جلاله وتعالى في علاه.

  • وأن الجائزَ في حق الله تعالى فعلُ ما شاء من جميع المُمكِنات، وترك ما شاء سبحانه وتعالى، لا يجبُ عليه لأحدٍ شيء، وأنه يثيب بفضله، ويعاقب بعدله جلّ جلاله وتعالى في علاه، وأنّ الكائناتِ جميعَها مُلكه يتصرّف فيها كما يشاء.

 وكان من آخر ما ذكَر من الأسماء: القهّار، "وهو الواحد القهار"، القهّار: من أسماء الجلال الإلهية التي ينطوي تحتها كلُّ شيءٍ من جميع الكائنات والموجودات، وكلُّها تحت قهره وتدبيره وإرادته. وكان من الأذكار التي تلهج بها النفس إذا صَفَت وكمُلت، اسمُه القهّار جل جلاله وتعالى في علاه، فهو القاهر سبحانه وتعالى، الذي تحت حُكمه كلُّ شيء، وكلُ كائنٍ، وكل حسٍّ وكل معنى.

 وقلنا أن ما حُرِرَ في علوم الإيمان من قِبَل علماء الدين والشريعة، أنه ثلاثةُ أقسام:

  • قسمٌ يتعلق بالإلهيات؛ وهي معرفة صفات الله تبارك وتعالى، وما يجبُ وما يستحيلُ من كل نقصٍ لا يليق بجلاله وكماله، سبحانه وتعالى، وما يجوز من فعل كل ممكنٍ أو تركِه كما يريد، فعَّالٌ لما يريد.
  • وأن القسم الثاني: هو النبويات؛ والذي ابتدأ فيها؛ وهو ما يتعلق بالأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- الصفات الواجبة في حقهم، والصفاتُ المستحيلة، والجائز في حقهم، عليهم صلوات الله وتسليماته. 

ومعرفةُ مَن النبي ومَن الرسول.

  • وأن النبيَّ عبارةٌ عن إنسانٍ حُرٍّ ذكَرٍ، سليمٍ عن منفّرات الطبع، وعن دناءة الأب وخنا الأم، أوحى الله إليه بشرعٍ ولم يأمرْه بتبليغه. 
  • وأن الرسول مَن أوحى الله إليه بشرعٍ وأمره بتبليغه. 

وأنه يكون من المرسلين من أُنزِل عليه كتاب، أو نسخَ شرائع مَن قبله، وأن الأنبياء يُجدِّدون للناس مناهجَ الرسل الذين جاءوا مِن قبلهم، ويحفظون عليهم استقامتَهم على المناهج التي جاؤوا بها، صلوات الله وسلامه عليهم.

وأن هؤلاء الرسل أولُّهم سيدُنا آدمُ عليه السلام في عالم المَظهر والخَلق، وآخرُهم وخاتَمُهم نبينا محمدٌ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، مع أن نبوتَه سابقةٌ فيما صحَّ من حديث: "إنّي عند الله لَخاتَمُ النَّبيين وإن آدمَ لمُنْجَدِلٌ في طِينتِه" صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

 إذا علمنا ذلك فإن الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، يجب الإيمان بهم إجمالاً؛ أي: بجميعهم، فآمنّا بكل رسولٍ أرسله الله، بكل نبيٍ نبَّأه الله جل جلاله، وإنما نَعرفُ من جملة أسمائهم تفصيلاً خمسةً وعشرين، ذكرَهم الله في كتابه، خمسةً وعشرين رسولاً، فهؤلاء لا يسَعُ المؤمنُ أن يجهل أنّهم رسل، وبقيةُ الأنبياء والرسل لا نعرف أسماءهم ولم نُكلَف بذلك، ولكن وجب علينا الإيمانُ بهم جميعًا، فآمنّا وصدّقنا بجميع رُسل الله وأنبياء الله، صلوات الله وسلامه عليهم، رزقنا الله كمال الإيمان واليقين.

وفي عظيم شأنهم رتّب الله تبارك وتعالى المآلَ والعاقبة على الإيمان بهم والاتصال بهم، قال سبحانه وتعالى: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) [الحديد:21]، (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)، صلوات الله وسلامه عليهم، رزقنا الله كمال الإيمان بهم.

 يقول: "وأنَّهُ تَعَالى بَعَثَ سَيَّدنا مُحمَّداً" خاتمَ النبيين، أوحى إليه بشريعةٍ مُوجَّهٌ فيها إلى جميع المكلّفين من الإنس والجن، إلى أن تقوم الساعة، "بَعَثَ سَيَّدنا مُحمَّداً عَبْدَه"، وذلك من أعظم صفات نبينا عليه الصلاة والسلام، عَبْديَّتُه وعُبوديته لله وعُبودَته، فإنّه ﷺ خيرُ عبدٍ تحقّق بحقائق العبودية للرحمن جل جلاله وتعالى في علاه، فهو عبد الله ورسوله الذي أرسله.

 قال: "إِلَى جَمِيْعِ الخَلْقِ"، كما جاء ذلك أيضًا في روايةٍ في الحديث: "وكان النبيُّ يُبعَثُ إلى قومه خاصَّة وبعثتُ إلى الخلق -في روايةٍ: الناس- كافّة" في رواية: إلى الخلق. والخلقُ يشمل الإنس والجن والملائكة، بل وسائر الكائنات، وذلك:

  •  أما بالتكليف، فللمكلفين من الإنس والجن.
  •  وأما بالتشريف، فلجميع الملائكة.

وهو أيضًا مرسَلٌ أو معروفٌ بالرسالة من الله والنبوة عند جميع الكائنات، حتى من الحيوانات والنباتات والجمادات، وكلُّها تشهد أنه رسول الله ﷺ، وقد جاءنا في سُنّته الغراء في شهادة الضبِّ له والغزالة والشجرة بالنبوة والرسالة صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، فهو رسول الله إلى جميع الخلق، صلوات ربي وسلامه عليه، (مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ الله) [الفتح:29]. 

وكان الأنبياء من قبله ممهِّدين له ولِظهوره ومبشِّرين به، حتى خُتموا به، عليه الصلاة والسلام، صحَّ عنه في الحديث: "إن مَثَلي ومثَل الأنبياء من قبلي كمثل مَلِكٍ ابتنى دارًا فأحسن بناءَها إلا موضعَ لبنةٍ، فجعل الناس يطوفون بها فيقولون: ما أحسنَها لولا موضع هذه اللبنة، قال: فأنا موضعُ تلك اللبنة"، تمّت به النبوةُ والرسالة وكمُلت، وعظُمَ به أمرُ فضل الله على عباده وخلقه، وببعثتِه إليهم. 

له المنةُ العُظمى علينا ببعثِه *** إلينا ومنّا عالي الذكر والكعب

 (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران:164].

"إِلَى جَمِيْعِ الخَلْقِ"، وهذا أيضًا من أعظم خصوصياته، فإن الأنبياء كلَّهم قبله إنما بُـعثوا لأُممهم على الخصوص، ولم يبعثوا لجميع الخلق لكنه بُعث إلى جميع الخلق.

  • (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) [سبأ:28]. 
  • (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) [الفرقان:1]. 
  • (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107].

صلى الله عليه وعلى آله وسلم. 

قال: "لِهِدَايَتِهِم"، وذلك خصوصًا فيما يتعلق بجميع المكلفين من الأوامر والنّواهي، ورسمِ المنهج الذي يرضَى به الحق عنهم، ويرضى به منهم، فقام منهجُه على الأوامر والنواهي. 

  • ودخل في الأوامر ما هو فرضٌ وواجبٌ، وما هو مسنونٌ ومندوبٌ ومُستحبٌ. 
  • ودخل في النواهي ما هو محرّمٌ ومحظورٌ وممنوعٌ، وما هو مكروهٌ  ينبغي اجتنابه. 

وقامت أحكامُ شريعة الله كما تقدّم معنا على هذه الخمسة الأحكام؛ الواجب، والمُستحب والمسنون، والمُباح، والمكروه، والحرام، فما مِن فعلٍ للمكلفين ولا كسبٍ إلا ويدخل تحت واحدٍ من هذه الأحكام الإلهية، والتي بها قام نظامُ المكلفين على ظهر الأرض في مسلك حياتهم وحركتهم فيها، "لِهِدَايَتِهِم"، فبذلك يحصلُ الهدى والهداية، قال تعالى (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) [النور:54] وقال: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [التوبة:33]، الله يجعلنا من أنصاره حقيقةً، والذابّين عنه والناشرين لدينه.

قال: "ولِتَكْمِيْلِ مَعَاشِهِم"، ذلك أن المعاش إذا انقطع عن شهود المُحْيي الفاطر، وعن قصده -سبحانه وتعالى- وحمده وشكره بما يَسَّرَ وأتاحَ وأنعم، يكون معاشًا ناقصًا وقاصرًا، وتشوبُه الأكدار، ويُشبَّه أهله بالأنعام، فاقدي الخصوصية في هذا المعاش، من خلال معرفة المُحيي المُميت الحيِّ القيوم، وترتيب أمر المعاش على منهجه وعلى طاعته، ولذا قال عن الكفار: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) [محمد:12]؛ ومفادُه: أن المؤمنين لا يأكلون كما تأكل الأنعام، ولكنْ يأكلون كما يأكل الطائعون الكرام، الذين أدركوا مَن المُطعِم ومَن المُنشِئ، ولماذا خلقَهم ولماذا أطعمهم، قال سيدنا الخليل إبراهيم: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) [الشعراء:79]، (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ)، فهم حاضرون مع خالق الطعام ومُوجِده، ومرتِّب آثاره على أجسادهم وعلى حياتهم، إلى الحين الذي وقَّته لكل فردٍ منهم جل جلاله.

والمعاش أيضًا فيما يتعلق بالمعاملات بين الناس وكيفية الاكتساب، لا يتمُّ على قانونٍ صحيح حسنٍ يشمل الكل، فيقيهم أن يظلم بعضُهم بعضًا، أو يتطاولَ بعضهم على بعض، أو يأخذ بعضُهم حق بعض، ويمضون في ذلك المنهج والسبيل، بطمأنينةٍ واستقرار وسكينة، لا يكون إلا بهذا النّظام الإلهي، وإلا فإن المعاش من دون منهج الله تبارك وتعالى كما هو معلوم؛ أن الناس يتجاوزون فيه بحكم طبائعهم وأنفسهم حدودَ الفطرة والإنسانية والعقل، إلى مُقتضى الأهواء والشهوات، كما هو الحاصل في كل مجتمعٍ لا يؤمن بالله تبارك وتعالى، ولا ينقاد لمنهج رُسلِه، صلوات الله وسلامه عليه، فما هم إلا متَّبعو الأهواء، كما قال تعالى في المنافقين الذين يخرجون من عند رسول الله يقولون: (مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) [محمد:16]، وقال سبحانه: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) [محمد:1] (أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)، فأعمالُهم الضلال، بأنظمتِهم المختلفة، وقوانينهم المختلفة، وحضاراتهم المختلفة، هم في الضلال، قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ)؛ يعمهون: في عَمَه. (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ) [النمل:4-5]، والعياذ بالله تبارك وتعالى. فالعَمَه حاصلٌ لكلِّ من انقطع عن الإيمان بالله تعالى في أنظمته، وفي أنحاء حياته وفي تراتيبه كلها، فهو في عَمَهٍ كما ذكر الله تعالى يعمه فيها، ويدّعي ما يدّعي ويقول ما يقول، وكما تسمعون وتشاهدون، وربما ينتهي بهم العمَه إلى التبجُّح بالظلم والتبجّح بانتهاك الحرمات، وأخذ حق الغير، وأن يقولوا هذا من طول باعنا، إلى غير ذلك مما يتكلمون به ويخوضون فيه كما تسمعونه، وكما هو حاصل في الأمم السابقة، وكما هو حاصل في كل الفراعنة، وفي كل الجبابرة الذين مضَوا، وبعث الله إليهم الرسل، ولم يستجيبوا لهم، ضلوا في العَمَه، حتى ماتوا بشرِّ حال، وآلوا إلى أسوأ مآل، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

تكميل المعاش لا يتم إلا بمناهج الخالق للمعيشة، والخالقِ للحياة جل جلاله، يكمل المعاش استقرارًا وطمأنينةً وسكينة وذوقًا حسنًا، كما عاش أهل الإيمان والعمل الصالح، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل:97]، انظر لهذه العناية الإلهية، والتأكيد بـ لام التوكيد، ونون التوكيد ونون العظمة، (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)، أحيانا الله بتلكم الحياة الطيبة.

"ولِتَكْمِيْلِ مَعَاشِهِم"، فنظَّم ما يتعلق بشؤون مآكِلهم ومشارِبهم وسكنِهم وملابسهم ومراكبهم، الحلال منها والحرام، والمحبوب والمندوب والمكروه، وكذلك تَباَيُعهم وشرائهم وتوكيلاتهم، وقراضهم وقرضهم ووكالاتِهم، وما يتعلق بذلك، وبيَّن ما يتعلق بالصناعات وبالزراعات وبالحِرَف والمهن، وما يَجوز وما يحرم وما يحل، وما يندب وما يستحب وما يكره في كل ذلك، منهاج كامل شامل. 

"لِتَكْمِيْلِ مَعَاشِهِم وَمَعاَدِهِمْ"، مرجعهم إلى الله تبارك وتعالى فيكملُ لهم المعاد، ويتزوّدون بخير زاد، ويصفو لهم الوداد، ويَلقَون الحق تبارك وتعالى على خير حالٍ، وهو راضٍ عنهم، بعطايا ما لها من نفاد، فالمَعاد والمعاش يكمُل على يد النبيين لأتباعهم، من كل من اتبعهم، وصدق في المشي على طريقتهم. ثبّتنا الله على قدم نبينا، ورزقنا حسن متابعته، (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران:31].

وقد أجمع علماء الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنه لو ادّعى مدّعٍ أنه يؤمن بالله وآياته وصفاته، وأنه يؤمنُ باليوم الآخر وأنه متّقي، ولكنه يُكذّب بمحمدٍ ﷺ، ولا يصدّق بنبوته ورسالته أنه كافرٌ، وأنه مخلّدٌ في النار، لا ينفعه شيءٌ مما يقول ولا مما يفعل، حتى يوقن أن محمدًا رسول الله، بل ويؤمن بجميع النبيين والمرسلين، فمن كذّب بواحدٍ منهم، خرج عن الملة، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

قال: "وَأيَّدَهُ بِالمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَة"، وذلك أن كل نبيٍ بعثَه الله تبارك وتعالى جعل معه من المعجزات ما يكفي لأمّته أن تهتديَ إلى الحق، وأن توقنَ بأنهم رسلٌ من عند الله جلّ جلاله. 

  • والمعجزاتُ: خوارق للعادات. 
  • والعادات: هي القوانين التي جعلها الله تعالى في شؤون الحياة وتراتيبها الظاهرة. 

فإنه رتّبَ  لذلك ترتيبًا من عنده لم يضعه مخلوق؛ أنّ السماء فوق، والأرض تحت، وثقل الأجسام، وسيولة المياه، وتميُّز الأعيان والمواد؛ هذا حجر، هذا ذهب، هذا فضة، وهذا… وما إلى ذلك، وأن هذا يحصل بحركة كذا، وهذا يحصل بحركة كذا، وهذا يحصل بوسيلة كذا، وهذا يحصل… كل ذلك قانونٌ هو وضَعه سبحانه وتعالى، فإذا أرسل رسولاً ليعلموا صدقَ هذا الرسول يخرقُ لهم العادة في هذا القانون، ليعلموا أن المُكوِّنَ أرسله، المُكوّن الذي بيده هذه التدابير أرسلَه، وهذا أعلى ما يحصل به خرق المعتاد، لأن خرق المعتاد يأتي على ستة أنواع، فهذا أعلى الأنواع، وهي معجزات الأنبياء، وهي: ما يخرق الله به العادة على يد نبيٍ يتحدّى ويدّعي النبوة، ويدعو إلى الإيمان به، بدلالة المعجزات التي جاء بها، قال تعالى: (إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ) [الأعراف:106-108].

فهذه المعجزات على أيدي الأنبياء أعلى أنواع خرق العادات، ويجري الله صور خرق العادة بغير ذلك، أقربُها منزلةً إلى هذه المنزلة العظيمة، ما يُجريه على أيدي أتباع الأنبياء مما يُٕسمّى بالكرامة، على أن الأنبياء يُظهِر الله على أيديهم خوارق للعادات بعد البعثة والرسالة بالتحدّي، ويُظهر الله على أيديهم خوارق العادة قبل أن يُنبِّئهم فتُسمى: إرهاصات، الإرهاصات: ما يتقدم للأنبياء قبل أن يُبعثوا، وقبل أن يُنبؤوا من خوارق للعادات؛ مثل وضع سيدنا موسى في الصندوق؛ في التابوت في البحر، هذه مشكلة، هذا محل الهلاك يصبح سبب النجاة، ويتربى في قصر فرعون، وينفِق فرعون على أمه وهو الذي يتهددهم بالتقتيل، وقتل آلاف منهم، وهذا الذي على يده يزول الهلاك، قال أنت ربّيه وأعطِه لأمه، وأجرة من عندك… فهي إرهاصات كلها عجائب، من قبل نبوته ومن قبل بعثته.

 وكذلك ما حصل  لسيدنا عيسى بن مريم وهو ما زال  طفل في المهد، (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) [مريم:29-30]، وقال خطبة، وهو في المهد خطب خطبة، هذا إرهاص ولم يكن  نُبيء ولا بُعث  لكنها ارهاصات له، وهكذا ما جعله سبحانه وتعالى.

وجعل لنبينا الكثير من ذلك من الإرهاصات، فابتدأت المبشِّرات به من عهد آدم عليه السلام، واسمُه من قبلِ آدم كانت تذكرُه الملائكة، واسمه على قوائم العرش، وكلُّ النبيين بشّروا به ﷺ وذكروا من أوصافه وأخلاقه، وما من كتابٍ نَزل من السماء إلا وفيه ذكره ﷺ، وذكر أوصافه، حتى جاء سيدُنا عيسى مبشِّرًا به، (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) [الصف:6] ﷺ.

 ثم لم تزل أمّه أيام حمله ترى عجائب الإرهاصات، ولم تجد ثِقَلاّ ولا ألمًا للحمل، ولا شيئًا مما يعتاده النساء، ولا عرفتْ أنها حاملٌ إلا أنها أنكرت رفعَ حيضِتها، ثم بداية أثر البطن، ومرائي مع الأنبياء والرسل تبشرها بأنها حَمَلت بخاتم الأنبياء ونبيِّ الأمة ﷺ، حتى جاء في السيرة أنها إذا كانت وحدها في مكان آنسَها فكلَّمها من بطنها ﷺ، ولم تزل العجائب من الإرهاصات إلى ليلة مولده ﷺ، فكانت الإرهاصات العُظمى الكبيرة: 

  • نُكّست الأصنام في الدنيا، أصبحت منكوسة. 
  • وشُقَّ إيوان كسرى، وسقطت منه 14 شُرّافة. 
  • وخمدت نار فارس، ولها ألف سنةٍ لم تخمد، فلم يدروا بها إلا طُفئت. 
  • وغارت بـحيرة ساوَة. 
  • وسطع نور، فصارت آمنة من وسط مكة تشاهد قصور بُصرى من أرض الشام، حتى رأت أعناق الإبل في بصرى، وهي بيتها في مكة المكرمة.

قال ﷺ: "وإن أمي رأت حين وضعتني نورًا أضاءت له قصور الشام، وكذلك أمهات النبيين يرين" قال ﷺ "وأمهات النبيين يرين"، فكانت الإرهاصات كبيرة، ثم تفاجأت أن يخرج من بطنها فيخرَّ ساجدًا لله تبارك وتعالى، ويفتح  طرفه ويرفع إصبعه نحو السماء، ويخرج نور ساطع من عينيه يلحق بالسماء، وإلى غير ذلك مما شاهدت من وجود الملائكة، والحور العين ومريم وآسية، وعجائب وغرائب في الإرهاصات به صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله، من أيام حمله وأيام ولادته. 

ليلة المولد الذي كان للدين *** سرورٌ بيومه وازدهاءُ

 يوم نالت بوضعه ابنةُ وهبٍ *** من فَخارٍ ما لم تنلْه النساءُ

 وأتت قومها بأفضلَ مما *** حملت قبلُ مريمُ العذراءُ

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

وجاء جدّه عبد المطلب لمّا بُشِّربه، وحمله فتبسّم في وجهه، وخرج من فمه نور، فضمّه إليه، وخرج به ملحوف بقطعةٍ من حرير، فجاء به إلى الكعبة المشرّفة، يحمد الله على ما آتاه. وجاء في بعض الروايات أنه لما أدناه من الحجر الأسود التصق الحجر بوجهه ﷺ.

وحصل ذلك لحليمة لما جاءت كذلك في رضاعه، وكان الرّضعاء وصلن في الموسم الذي أتين فيه لأخذ الرضعاء من مكة من بني سعد، -أنواع من البادية- لكن هذه من جملة البوادي التي تَرِد إلى مكة، وتأخذ الأطفال لتربيتهم عندهم، وكانت الثقافة في مكة أنّ الطفل الذي تربّى في البادية في الهواء النقي وفي المُجالدة،  يأتي بجسدٍ قوي وفكرٍ صافي، وأن ذلك أحسن في تربية الأولاد، فينقلونهم ويُسلّمونهم إلى أهل البوادي يربونهم عندهم. وكان من عادة أهل مكة أن يرسلوا الأطفال إلى البادية، لكي يعيشوا في الهواء النقي ويرجعوا بالجسد القوي، ووردت المرضعات يسألون عن الأطفال، وتأخّرت حليمة لضعف أتانها، ما تمشي، سبقَها النساء وأخذن كل رضيع، إلا أنه -سبحان الله- كلما ذُكر رضيع لهن وقالوا لهن إن أبوه توفي يتأخرن، لأنهم كانوا يرجون الرِّفد من آباء الرضعاء يواسونهم ويمدونهم، والذي أبوه قد مات تكون المواساة خفيفة، فلهذا أعرضواعنه من دون أن يروه، وأخذوا الباقيين، لِما كتب الله من السعادة لحليمة.

 ووصلت تبحث، قالوا لها أخذوا الرضعاء،  لم يبق إلا رضيع واحد يتيم قالت: الآن يرجع الناس كل واحدةٍ معها رضيع، وأنا ليس معي،  سأرى هذا اليتيم، وجاءت لعند أمه، فلما قرَّبته إليها تبسّم في وجهها، وخرج منه نور من عينيه، رأته ساطع إلى السماء فذهلت، ذهلت ورجعت إلى زوجها تقول: تعال هذا ولد ليس مثل الأولاد، له شيء ثاني! فذهب قال: أريني حتى أنظر إليه، فجاء زوجها،  فلما فتحوا وجهه رأى نوره، وسطع منه النور، قال: خذي هذا،  لعل الله ببركته يرحمنا، خذيه، فلقيتْ جدَّه عبد المطلب قال: مَن؟ قالت حليمةُ السعدية، قال حِلمٌ وسَعْد، مرحبًا، وسلّمه لها، فقالت: لما خرجتُ به جئتُ  إلى الكعبة، فخرج الحجر الأسود، تزعزع من مكانه والتصق بوجهه، كأنه يُقبِّله، قالت: أهويتُ أنا أقبل الحجر، تزعزع الحجروقبّل وجه الصبي، ثم رجع إلى مكانه، فكانت تتعجب.

 وقالت: وكان عندي ابني ضَمُرة يقلقني طول الليل من شدة الجوع، ما يجد لبن  في ضرعها، جاءوا في سنةٍ مُمحلة، كانت عندهم  ببني سعد، قالت: فلما ناولتُه الثدي درَّ اللبن، حوَّلته إلى الثدي الأيسر فأمسك، ما رضي يرضع، لأجل أخيه، وما كان طول الوقت معها يرضع إلا من ثديٍ واحد، من الأيمن ويترك الأيسر لأخيه، تقول: ألهمه الله العدل حتى في الرضاع، ايش من آدمي هذا.. ايش من طفل هذا! قالت: وجئنا وكان زوجي كل ليلة -ومعنا الناقة- يحلبها، فما يتحصّل معه إلا قليل من اللبن، ما يكفيني أنا وإياه، قالت: فلما قام يحلبها وجدها حافلة، فيها لبن كثير، قالت: وضمرة بات نائم تلك الليلة لا بكاء ولا جوع، قالت: وأنا وزوجي بتنا في خير ليلة، وشبعنا من اللبن الذي أخذناه من هذه.

فيقول: إن هذا المولود مبارك يا حليمة! قالت ثم جاء وقت الرحيل واستعددنا مع النساء، والنساء يعرفن أن هذه متأخرة، لأن أتانها ضعيفة، قالت: فلما حملتُه على الأتان سَمُنَت لوقتها وجَرَت، قالت حتى أدركتُ النساء، وصارت تسبقهم، يقولون من هذه؟ قالوا: حليمة، حليمة من؟! أيش من أتان معها، حتى صرن يقلن أمسكي أتانك عنا، من أرسل هذه الأتان؟ هذه التي جئتِ بها؟ قالت: نعم، قالوا: كيف هي؟ كانت ضعيفة… من أين جئتِ بهذه الأتان؟ قالت: سمعتُها تتكلّم تقول ما لي لا أسمن وأقوى وقد ركبني رسولُ الله ﷺ، قالت: وأنا أمشي في الطريق وأسمع أحجار وأشجار يُسلّمن من هنا ومن هنا، حتى وصلوا الى بيتهم.

واستمرت عندهم طول السنتين وهو عندهم؛ عجائب من فضل الله تعالى عليهم، ومنه قالت: كنا في البادية لا نشعل لنا شيء من السرُج إلا في غير أيام القمر، في غير أيام البيض، لما جئنا  بمحمد ما عدنا نحتاج إلى السراج،  نكتفي في الليل بنور وجهه، في الليالي المظلمة لم يكن لنا مصباح إلا نور وجهه، نشاهد الحاجات به، ما عدنا نحتاج المصباح!..

قالت: ورأيته يشب في اليوم كما يشب الصبي في شهر ﷺ، حتى أنه في سنٍ مبكر خرج مع أخوانه يرعى الغنم، وفي أيام الجدْب ترجع أغنامي شبعى وهي حافلة باللبن، قالت والناس في الحلة عندنا يقولون للرعاة: ما لكم! ما تعرفون ترعون، ما ترون أغنام حليمة، المحل الذي ترعى فيه روحوا وارعوا فيه، قالت: فيسرحون حيث تسرح الغنم وترعى، لكنّ أغنامي ترجع شبعى حافلة، وأغنام الناس جوعى ما عندها، حتى جاءهم الغيث.

وهكذا توالت حتى جاءت حادثة شق الصدر وهو عندهم صلى الله عليه وسلم، ثم خافت عليه وأرجعته، لأنه بعد أن وصل سنتين وردّته إلى أمه، ألحّت عليها أن تردّه معها لما رأَوا من بركته، وصادف وباء في تلك الأيام بمكة، فخوّفتها قالت عندكم الوباء هذا، فألحّت عليها فردته، لمّا ردته معها، حصلت حادثة شق الصدر فخافت عليه، وأرجعته إليها،  قالت لها آمنة: ما لك رجعتي كنت حريصة عليه فلم أرجعتيه؟ قالت لها خلّص الوباء من مكة وهكذا، قالت لها: فيه سبب لارجاعه، ما السبب؟ وألحت عليها، حتى أخبرتها بحادثة شق الصدر، قالت آمنة لها: لا تخافي على ابني فإني قد رأيته له كذا وكذا، والله ليكونن لابني هذا شأن عظيم، وهكذا..

وكثرت الإرهاصات في مختلف أطوار حياته، إلى أن جاءته النبوة والرسالة ﷺ وجاءت المعجزات التي أعظمُها القرآن، وقال: إن كل نبي أُوتي من المعجزات ما آمن به قومه وإن الذي أوتيته إنما وحي يُتلى. وكلام، وهو أعظم المعجزات، وما من معجزةٍ لنبيٍ إلا كان له نظيرها في حياته وما يماثلها، فكان أكثرَ الأنبياء معجزات، صلى الله عليه وسلم. 

فأوَّلها هذا القرآن وأعظمها، وهو دائمٌ وباقٍ، لا يُستطاع أن يؤتى بمثله من قِبل الإنس ولا الجن، ولو اجتمعوا على ذلك (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء:88]. ولا يزال التحدي قائم أن يُؤتى بمثل سورةٍ  فقط، وما يستطيع أحد على مدى القرون أن يأتي بمثل سورة من هذا القرآن الكريم، كأقصر سورة، وهي سورة: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) [الكوثر]، هات مثلَ هذا الترتيب والتركيب والدلالات، تحدي، ولا يُستطاع، ما قدروا لا في زمانه ولا بعد زمانه، وهكذا… صلوات ربي وسلامه عليه.

"وَأيَّدَهُ بِالمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَة"." وكان من أعظمها بعد القرآن الكريم ما أُيّد به مما اختُص من دون الأنبياء، من مثل انشقاق القمر، لم ينشق لأحدٍ من الأنبياء على مدى القرون، (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) [القمر:1] قالوا إن كنت صادقاً شق  لنا القمر، تحدي غريب، ومع ذلك شق الله لهم القمر نفسَه، وبينما هم قائمون، وكان ذلك كما جاء في بعض الروايات في ليلة النصف من شعبان. اجتمعوا ودعا ربه وإذا القمر ينشق، يرون فلقة في هذا الشق، وفلقة في الشق الآخر، حتى يرون الجبل بينه،  فقالوا سحر، ثم قالوا سحرنا نحن،  ولا يقدر يسحر الناس،  فنسأل الناس خارج مكة، قالوا لمن جاؤوا من خارج مكة رأيتم انشقاق القمر؟ قالوا انشق القمر، قالوا هذا سحر كبير، لكن اصبروا  حتى يجيء موسم الحج  سيأتون الناس من محلات بعيدة.

جاء موسم الحج، رمضان ثم شوال وبعده وصل الناس، فيسألونهم: هل من شيءّ كان في ليلة النصف من شعبان؟ قالوا: انشق القمر، نعم انشق القمر، كلنا رأيناه،  فرجع الكفار يقولون هذا سحر كبير!.. (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ) [القمر:1-3].

 وكان أيضًا نبعُ الماء من بين أصابعه الشريفة، وتكرر، تكرر له ﷺ،  وتوالت المعجزات عليه ﷺ، يقول الصحابة: والله ما زال الله يزيدنا بك يقينًا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله.

"وَأنَّهُ عَليْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَادقٌ فِي جَمِيعِ ما أَخْبرَ بِهِ عَنِ اللهِ تَعَالَى"، قالوا وهذه الأوصاف الأربع وهي: الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة لازمة وواجبة لكل نبي.

  • الصدق: الإخبار بالواقع. 
  • والأمانة: عدم الخيانة لا ظاهرًا ولا باطنًا بأن لا يفعل أحدٌ من الانبياء محرمًا ولا مكروهًا، بل ولا خلاف الأولى، فهم معصومون عن ذلك.
  • والتبليغ: تبليغهم جميع ما أمرهم الله بتبليغه إذ قد ائتمنهم الله تبارك وتعالى عليه، فبلغوا جميع ما أمرهم الله بتبليغه.
  • ولهم فطانةٌ؛ كلُ نبيٍ من الأنبياء يكون ذا فطانةٍ؛ عقلٍ وذكاء يستطيع أن يقيم به الحجة، ويلزم به الخصوم في المجادلة، صلوات الله وسلامه عليهم. 

وضد ذلك هو المستحيل على الأنبياء، والجائز في حقهم الأعراض البشرية، لأنهم أبرزهم الله في قالب البشر؛ فمِن أكلٍ وشربٍ ومرض وصحة، وما الى ذلك، هم بشر، كلُّ الاعراض البشرية التي لا تؤدي الى نقص في مراتبهم العلية. بخلاف ما يؤدي الى النقص أو إلى نفرة طبع الناس فلا يكون مع الأنبياء من مثل عمى، ومن مثل برص، ومن مثل جذام ونحو ذاك مما تنفر منه الطباع، لا يأتي للأنبياء، ولكن الأعراض البشرية من مرضٍ، وشدة مرض، ومن قتلٍ يحصل لبعضهم، ومن نوم ومن أكل وشرب وزواج، وما الى ذلك. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) [الرعد:38] صلوات الله وسلامه عليهم. فهذا ما يتعلق بالنبويات. 

ثم ذكر ما يتعلق بالسمعيات. 

  • القسم الثالث؛ وهو الغيبيات التي أُمرنا بالإيمان بها، وما طريقها الا السمع عن الله وعن رسله. 

وهو ﷺ "صَادقٌ فِي جَمِيعِ ما أَخْبرَ بِهِ مِنَ الصِّرَاطِ"، والصراط :جسرٌ ممدود على متن جهنم. أدقُّ من الشعرة وأحد من السيف كما جاء في روايات. وهو طول ثلاثة آلاف سنة.

ويمر مَن يمر عليه كلمح البصر، ومثل البرق الخاطف، ومثل الريح المرسلة، ومثل الجواد المرسل، ومثل مَن يجري، ومثل مَن يمشي، ومثل من يحبو، ما له من الإيمان والعمل الصالح ما يهزه فيحبو فيقع في النار والعياذ بالله تبارك وتعالى. فهذا هو الصراط، يُنصب على متن جهنم بعد أن تحيط بأهل الموقف ويؤمرون بالمرور عليه. فيجوز ﷺ بأول طائفة مع اول طائفة من أمته، ثم كل الناجين من الناجين من أمته يمرون، ثم تبدأ الأمم الأخرى بالمرور على الصراط، آمنّا بالصراط. 

"والميزان"؛ وهو كفتان أوسع مما بين السماء والأرض، توضع فيهما الأعمال (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء:47]. قال تعالى: (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ)؛ أي: رجحت كفة حسناته. (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ)؛ أي: مصيره (هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ. نَارٌ حَامِيَةٌ) [القارعة:6-11]. اللهم أجرنا من النار. 

"والْمِيزَانِ والحَوْضِ"، وكلُّ نبيٍ له حوض، يقفون على أحواضهم يتباهون أيّهم أكثر وُرُودًا،  قيل أن هذا الحوض بعد المرور على الصراط. يردون على الحوض، ومن شرب شربةّ لم يظمأ بعدها أبدا، وكذلك ما ذَكر من العرض على الله ومن إيتاء الكتب بالأيمان وبالشمائل، حينما تُبَثُ من قبل العرش فتتطاير، فكل مؤمن يرفع يمينه ويستلم كتابه بيمينه ولا يستطيع الكافر والمشرك والمنافق إلا أن يمدَّ يساره وشماله، ويأتيه من وراء ظهره. (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا) أي هلاكا (وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا) [الانشقاق:7-12].

وقال: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ. إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ. قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) ويقول الله للملائكة: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ) [الحاقة:19-31] أجارنا الله من ذلك.

ومن العرض على الله تبارك وتعالى، وهذا أعظم المواقف في أرض الحساب، وهي الأرض التي ينقَلون إليها بعد ارتفاع الشمس عنهم  بالشفاعة العظمى، لسيدنا رسول الله ﷺ، فأعظم ما يحصل فيها أربع أشياء:

  • العرض على الله، ليقم فلان بن فلان للعرض على الله، ليقم فلان بن فلان للعرض على الله…
  • والثاني إعطاء الكتب إما بالأيمان وإما بالشمال. 
  • الثالث الميزان؛ وزن الحسنات والسيئات.
  •  الرابع: الصراط. 

هذا أعظم ما يجري في ساحة القيامة، بعد ارتفاع الشمس عنهم. لا إله إلا الله…

ويقول: "وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ والْبَرْزَخِ"، والبرزخ: وهي الحياة بين الدنيا والنفخة الثانية في الصور، هذا هو البرزخ، وقال  تعالى: (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون:100]. 

"ومِنْ سُؤالِ الْمَلَكيْنِ" في القبر، إذا قُبِر الإنسان دخل عليه الملكان، عندما يسوون تراب القبر بالأرض، فإذا استوى تراب القبر بالأرض التي حواليه، تدخل الملائكة، منكر ونكير لسؤال الميت، "ومِنْ سُؤالِ الْمَلَكيْنِ" منكر ونكير، جاء في بعض الروايات أن من مات في طلب العلم بعث الله إليه من الملائكة مبشرًا وبشير، بدل منكر ونكير، بصورة تكون لطيفة وطيبة، غير صورة منكر ونكير، تأييدًا لهم من الله تعالى وإكرامًا له من الله لأنه مات في طلب العلم.

"وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ."، ودليله في القرآن قوله تعالى في قوم فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا)، فالعرض في الغدوة العشية هذا هو عذاب القبر، ما داموا في البرزخ في كل يوم، كم مرة عُرضت عليهم من أيام موتهم إلى الليلة؟ البارحة عرضت عليهم، واليوم تعرض عليهم النار، غدوا، كل غدوة كل عشية يشاهدون منازلهم في النار، منتظرين القيامة، (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:46].

والى غير ذلك مما جاء في الحديث عن عذاب القبر ونعيم القبر، وفي الحديث: "القبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار"، اللهم اجعل قبورنا رياضًا من رياض الجنة، برحمتك يا أرحم الراحمين. وقال في بعض أصحابه الذين قبَرهم: "ادعو الله له التثبيت فإنه الآن يُسأل"، إنه الآن يسأل. وقال عن القبرين الذين مرّ بهما وقال "إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير"؛ أي: في نظركم بل إنه كبير في ميزان الله، "أما أحدهما فكان لا يستتر من البول" ما يستبرئ من البول، "وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة".  وفي بعض الأخبار أن عامة عذاب القبر من عدم الاستبراء من البول، التساهل بالبول حتى تخرج منه قطرة أو قطرات، فيتنجس ويبطل الوضوء إن كان قد توضأ ولا يبالي بذلك، لا إله إلا الله!... 

"وأنَّ القُرْآنَ، وجَميعَ كُتُبِ اللهِ الْمُنْزَلَةِ حقٌ"، وهذا كلام الله تعالى الذي أنزله للأنبياء. بقي بين القرآن، وبين كلام الله في الحديث القدسي فرق، والكلام الذي هو حديثٌ نبوي أيضًا هو وحي، (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم:3-4]. لكن هناك فرق..

  • فالمعنى واللفظ في الحديث النبوي من عنده ﷺ.
  • والحديث القدسي يكون المعنى من عند الله، واللفظ التعبير عنه من عند المَلَك، أو من عند النبي، يعبّر عن المعنى الإلهي.
  • أما القرآن؛ فمعناه وتعيين ألفاظه المعبر عنه كلها من عند الله، لا من الملك ولا من النبي، هذا القرآن.

فتميز القرآن عن الحديث القدسي، والحديث القدسي عن الحديث النبوي، وإن كان كله وحي،(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ)، لكن القرآن معناه من عند الله، وتعيينُ الألفاظ الدالة على المعنى أيضًا من عند الله، لا من الملك ولا من النبي. أما الحديث القدسي فالمعنى من عند الله، والتعبير عنه بلسان الملَك أو لسان النبي. والحديث النبوي يكون معناه ملقى في قلبه ﷺ، وألفاظه من عنده، يكون معناه ولفظه من عنده ﷺ.

 والكتبُ المنزلة كثيرة، ويَذكر منها مئةً وأربعة، ولكن الصحيح عدم حصرها. فآمنّا بكل كتاب أنزله الله، إنما أربعةٌ ذكرها باسمها في القرآن وجب الإيمانُ بها؛ 

  • التوراة 
  • والإنجيل 
  • والزبور 
  • والفرقان.

هذه الأربعة يجب معرفة أسمائها، والبقية من دون ما نعرف أسماءها آمنّا بها، فجميع ما أنزل الله في الصحف والكتب حق وصدق، فالقرآن وجميع كتب الله المنزلة حق، أي: هي من عند الله، وكلها صدقٌ وهدىً ونور. 

"والمَلائِكَةَ حَقٌ"؛ والملائكة: أجسام لطيفة نورانية خلقهم الله من نور لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم أكثر خلق الله عدداً. منهم حملة العرش أربعة، يضاف إليهم يوم القيامة أربعة، (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) [الحاقة:17]كما قال جل جلاله.

والملائكة من أفاضلهم الكروبيون، ومن أفاضلهم العشرة الذين جاءت أسماؤهم في السنة الغراء وفي القرآن؛ جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ومنكر ونكير، ورقيب وعتيد، ومالك ورضوان. فهؤلاء العشرة ووظائفهم:

  • سيدنا جبريل له وظائف، ومن أظهرها إنزاله الوحي على الأنبياء والمرسلين.
  • وسيدنا ميكائيل له وظائف، من أظهرها وكله الله بالأمطار والأرزاق.
  • وإسرافيل أعظم وظائفه النفخ في الصور، النفخة الأولى والنفخة الثانية بأمر الله تبارك وتعالى. 
  • وعزرائيل موكّل بقبض أرواح الموتى.
  • ومنكر ونكير يسألان الميت في قبره.
  • ورقيب وعتيد يكتبان الحسنات والسيئات. (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)[ق:18].
  • ومالك خازن النار. 
  • ورضوان خازن الجنة. 

ومع كل واحد من مالك ورضوان ألوف من الملائكة، خزنة الجنة وخزنة النار، ولكن هذا رأسُهم، رأس خزنة الجنة سيدنا رضوان، ورأس خزنة النار سيدنا مالك، عليهم السلام، فآمنا بالملائكة.

  • ومنهم الذين يترددون علينا، "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار"
  • ومنهم السيارة الذين يلتمسون حِلَق الذكر. 
  • ومنهم أهل البيت المعمور ويدخله كل يوم سبعون ألف ملك، فوق السماء السابعة ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، يدخل إليه في اليوم الثاني سبعون ألف ملك غيرهم، وهكذا.

 ومنهم ملائكة الصفيح ومن يُسمَون بالكروبين أعلى الملائكة، ولا يُحصي عددهم إلا الله تبارك وتعالى. وقال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ) [فاطر:1]. وهم من نور مخلوقون، لا ذكورًا ولا إناثًا، لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

"والمَلائِكَةَ حَقٌ، والْجَنَّةَ"، جعلنا اللهم من أهلها، ومن أهل الفردوس الأعلى فيها، آمين. "والْجَنَّةَ حَقٌّ"؛ أي: أنها واقعةٌ وثابتة، ولابد من وصول المؤمنين إليها وحلولهم فيها، وفيها ما لا عينٌ رأت ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهي ثمانٍ من الجنان، وأعلاها الفردوس الأعلى، وجنة المزيد، وعليين، ثم بقية الجنان؛ خمس بعد هذه الثلاث تحتها، وفي الفردوس الأعلى درجة ما يصل  إليها غيره ﷺ، وهي درجة الوسيلة، وآتِ سيدنا محمدًا الوسيلة، ﷺ.

"والْجَنَّةَ حَقٌّ"، وجميع نعيمها وما فيها مما لاعين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. "والنَّارَ حَقٌّ"؛ ثابتة وواقعة ولابد أن يصل اليها الكفار والمجرمون الذين لم يعفُ الله عنهم، ويخلّد فيها الكافرون، ويخرج مَن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. 

 "وجَمِيعَ مَا جَاءَ بهِ سَيٌُدُنا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ". آمنا بالله ورسوله وما جاء عنه. وقال سيدنا الإمام الشافعي قولة تشمل حقائق الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، قال: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله. صلى الله عليه وسلم، اللهم زدنا إيمانا، اللهم زدنا إيمانا، اللهم زدنا إيمانا، وزدنا يقينا. 

بعد معرفة هذا والإيمان به، فإن طريقة تقويته: 

  • حضور القلب مع الله تعالى. 
  • وتصفيته عن الأدناس.
  • والفكر فيما ذُكر من أخبار الآخرة والقيامة والملائكة والجنة والنار. 

وهذا هو السبب لتقوية الإيمان حتى ينتقل الإنسان إلى علم اليقين وعين اليقين.

 

إجابة سؤال

سيدنا يعقوب -عليه السلام- ابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم، فلم يكن العمى الذي يستحيل معه النظر ولكن غشاوةٌ طلعت على العينين وغطّتها، لأجل الحزن، كُشفت بمجرد ما وضع عليها القميص ليوسف، (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي)[يوسف:93] فليس من جنس العمى الذي هو معتاد بين الناس. 

 

اكتبنا في ديوان أهل الصلاح والفلاح والنجاح والفوز والسعادة الكبرى مع بركة العمر، اجعل لنا في كل لحظة من اللحظات زيادة في الإيمان واليقين، ارفعنا مراتب علم اليقين وعين اليقين وألحقنا بأهل حق اليقين، في لطفٍ وعافية وتمكين، بسر الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.