Blog Utama Saya :-

Selasa, 5 Mei 2026

الأربعين في أصول الدين - 2 | العلم، الإرادة، السمع والبصر، الكلام، الأفعال

 

https://www.youtube.com/live/4_zg181ojZk?si=-OSRMRdRIiCAoB8w


الدرس الثاني للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي . مواصلة شرح القسم الأول: في جمل العلوم وأصولها (من الأصل الرابع إلى الثامن: العلم، الإرادة، السمع والبصر، الكلام، الأفعال)

 ضمن دروس الدورة الصيفية الثانية بمعهد الرحمة بالأردن.

فجر الخميس 20 صفر 1447هـ

من السؤال إلى اليقين: لماذا يقع كلّ شيء بإذن الله؟ وكيف نفهم كلامه الأزلي؟ ولماذا لا يُقاس عدلُه بعدلنا؟ يوضح الحبيب عمر بن حفيظ في الدرس بمنهجٍ يوازن بين النصّ والعقل، وأدلةٍ محكمةٍ من القرآن والسنّة، مع تطبيقاتٍ عمليةٍ تُقرِّب المعنى من السلوك.

 

نص الدرس مكتوب : 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

 

الأصل الرابع

في العلم

"وَأَنه عَالم بِجَمِيعِ المعلومات، مُحِيط بِمَا يجْرِي فِي تخوم الْأَرْضين إِلَى أَعلَى السَّمَوَات، لَا يعزب عَن علمه مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء، بل يعلم دَبِيب النملة السَّوْدَاء على الصَّخْرَة الصماء فِي اللَّيْلَة الظلماء، وَيدْركُ حَرَكَة الذَّر فِي جو الْهَوَاء، وَيعلم السِّرّ وأخفى، ويطلَّع على هواجِس الضمَائر، وحركاتِ الخواطر، وخفياتِ السرائر، بِعلمٍ قديمٍ أزليٍ، لم يَزل مَوْصُوفا بِه فِي أزلِ الآزالِ، لَا بِعلمٍ مُتَجَدِّد حَاصِل فِي ذَاته بالحلول والانتقال".

 

-جلّ جلاله-؛

الحمد لله، ويُواصِل الشيخ -عليه رحمة الله- ذكر الأصول في معرفة الحق -جل جلاله-، وذكر الأصل الرابع في العلم؛ وهو أحد ما نصّ الحق -تعالى- عليه في القرآن أنّه من الحكمة العظيمة في خلق ووجود هذا الإنسان والكائنات والسماوات والأرض وما بينها، فيما تَلَوْنَا من قوله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)[الطلاق:12].

فغايةُ ما يَنتهي إليه المُوفَّق المَسعود من المؤمنين بالله -تعالى- على ظهر هذه الأرض رسوخ قدمِه في علمِ أنَّ الله على كل شيءٍ قدير، وأنّه قد أحاط بكل شيء علمًا؛ ويستدعي هذا معرفته ببقيَّة ما أوجَب علينا وفرضه، وانتدبنا إليه من معرفة صفاته، وأسمائه، وعظمته وملائكته، وأنبيائه، ورسله، ولقائِه، واليوم الآخر، والرجوع إليه -جل جلاله-.

 

يقول: "وَأَنه عَالم بِجَمِيعِ المعلومات" وهذا هو الإطلاق الذي لا حد له ولا حصر.

(وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)[الطلاق:12].

(وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[الحديد:3].

فهذا من العُموم الذي لا تخصِيص فيه ولا حدَّ له، "مُحِيط بِمَا يجْرِي فِي تخوم الْأَرْضين إِلَى أَعلَى السَّمَوَات، لَا يعزب"  أي: لا ينقطع- ولا  يتأخر عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، كما ذكر ذلك في كتابه العزيز؛ "بل يعلم دَبِيب النملة السَّوْدَاء -وعدد حركات أرجلها- على الصَّخْرَة الصماء" لو فرضنا أنَّها في صخرةٍ صمَّاء في ليلةٍ ظلماء، فهذه النملة السوداء وسط الصخرة الصمَّاء في الليلة الظلماء، ولو رُمي بها في أعماق البحار-؛ فإنَّ الرحمن -سبحانه وتعالى- يطَّلع عليها ويعلمها ويراها، ويرى -سبحانه وتعالى- المخ  في ساقها، ولا يحيط بعلمه محيط.

 

قال: "وَيدْركُ حَرَكَة الذَّر فِي جو الْهَوَاء، وَيعلم السِّرّ وأخفى"، 

  • أخفى من السر: ما لم يعلم به الإنسان في باطنه مما سيطرأ عليه، ومما سيجيء، فهو أخفى من السر. 

  • السر: ما أكنّه في ضميره، وأسرّه في باطنه. 

لكن أخفى من السر ما لم يخطر على باله بعد ولم يدرِ به. فعلمه محيط بما كان وما يكون، وما هو كائن وما يكون كيف يكون، وما لا يكون ولو كان ما لا يكون كيف يكون. فعلمه -سبحانه وتعالى- علم مطلق لا حد له.

وعلمه مع ذلك "قديمٍ أزليٍ" لا يحدث، وهو محيط بالكليات والجزئيات؛ خلافًا لمن أنكر ذلك من بعض الفلاسفة، وادّعوا أن علم الرحمن -تعالى- إنما هو بالكليات لا تفصيل الجزئيات. وقد قال الله الرحمن -تعالى- وهو خالق الكل: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[الملك:14]. بل هو أعلم بكل شيء من نفس ذلك الشيء بنفسه. 

"يعلم السِّرّ وأخفى" فهو يعلم من سرِّي ما لا أعلمه أنا من سرِّي، وما لا أطلع عليه أنا من سرِّي وجهري؛ ويعلم من سرِّي وجهري ما لا أعلمه أنا من سرِّي ومن جهري -جل جلاله-.

"ويطلَّع على هواجِس الضمَائر، وحركاتِ الخواطر" ويسمع وقع الخواطر في القلوب؛ "وخفياتِ السرائر، بِعلمٍ قديمٍ أزليٍ" ليس بحادث؛ وهذا هو الميزة في علم الله تبارك وتعالى -كما ذكرنا في البارحة- أن جميع أسمائه وصفاته مهما أُطلِق لفظها على شيء من الكائنات، فالمعنى آخر بعيد، لائقٌ بالكائنات بعيدٌ عن وصف الحق -تبارك وتعالى- وأسمائه فمنه هذا العلم. 

  • علمه قديم. 

  • والكائنات حادثة وعلمُها حادث. 

قال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) [النحل:78] وسائل العلم؛ فعلَّمكُم ما قدَّر لكم أن تعلموا، قال تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة:255].

ومن أعلَم خلقِه بِه وبعظمته وآياته الملائكة المقرَّبون -عليهم سلام الله-، ومع ذلك؛ فلما سألهم عن الأسماء ما عرفوها؛ (فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖإِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) [البقرة:31-32]؛ (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216] فالعلم له.

علمه قديم أزلي لا يتجدد منه شيء ولا يُحدِث، وهو علم محيط بكل شيء من الأزل إلى الأبد، لا إله إلا هو. "لم يَزل مَوْصُوفا بِه فِي أزلِ الآزالِ" قبل خلقه الخلق؛ "لَا بِعلمٍ مُتَجَدِّد حَاصِل فِي ذَاته بالحلول والانتقال" بخلافِ علوم المخلوقات فإنها تزيد وقابلة للزيادة. وقال الله لأعلم خلقه به على الإطلاق وهو حبيبه محمد ﷺ، قال له: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)[طه: 114].

..فالله يرزقنا الأدب معه، ويزيدنا علوم ومعارف وفهوم واسعة؛ نرتقي بها في مَراقي المعرفة به، ويوفر الله حظنا من ذلك.

 

وقال -رضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين: 

"الأصل الخامس في الإرادة: وأنَّه -سبحانه- مُريد لِلْكَائِنَاتِ، مُدَبِّرٌ لِلْحَادِثَاتِ، فَلَا يَجْرِي فِي الْمُلْكِ والمَلكوت قليلٌ أو كثيرٌ، صغيرٌ أو كبيرٌ، خيرٌ أو شرٌ، نفعٌ أو ضرٌ، إيمانٌ أو كفرٌ، عرفانٌ أو نكرٌ، فوزٌ أو خسرانٌ، زيادةٌ أو نقصانٌ، طاعةٌ أو عصيانٌ.. إِلَّا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَحُكْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ؛ فَمَا شَاءَ.. كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ.. لَمْ يَكُنْ.

لا يخرُجُ عن مَشِيئَتِهِ لفتةُ ناظرٍ، ولا فلتَةُ خاطرٍ، بل هو المُبدِئُ المُعِيد، الفعَّالُ لمَا يرِيدُ، لا رادَّ لحُكْمِه، ولا معقِّبَ لِقضائِه، ولا مهربَ لعبدٍ عن معصيَتِه إلا بتَوفِيقهِ ورحمَتِهِ، ولا قوةَ لهُ على طاعَتِه إلاَّ بمَعونَتِهِ وإرَادَتِهِ. 

لو اجتَمعَ الإِنسُ والجِنُّ والمَلائِكةُ والشياطِين على أنْ يُحرِّكُوا في العَالم ذرَّة أو يسكِّنُوها دون إرادَتِهِ ومشِيئَتِهِ.. لعَجَزُوا عن ذلك. 

وأن إرَادَتَهُ قديمةٌ قائمةٌ بذاتِه، في جُملةِ صفاتِهِ، لم يَزَل كذلك موصُوفًا بها، مُريدًا في أزلِهِ لوجُودِ الأشياءِ في أوقاتِها التي قدَّرها، فوُجِدَت في أوقاتِها كما أرادَهُ في أزَلِه، من غيرِ تقدُّمٍ ولا تَأخرٍ، بل وقعَت على وِفقِ علمِهِ وإرادَتِهِ من غيرِ تَبدُّلٍ ولا تغيُّرٍ. 

دبَّر الأمورَ لا بترتيبِ أفكَارٍ وتَربُّصِ زمانٍ، فلذلك لم يَشغَلهُ شأنٌ عن شَأن". 

 

-جل جلاله وتعالى في علاه-.

وهذا الأصل الخامس في بَيانِ وصفِ ربنا -سبحانه وتعالى- بالإرادة التي تعرَّف بها إلينا في كتابه العزيز -جل جلاله-، فقال: (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ)[البروج:16] -سبحانه وتعالى-، وأنه لا يكون شيء إلا بإرادته -سبحانه وتعالى-. وهذه إرادته الصفة القائمة بذاته العليَّة -أيضًا- إرادة أزلية قديمة.

 وأنَّه -سبحانه- مُريد للكائنات، فلا يكون إلا ما أراد، مدبِّر للحادِثات كما تقدَّم معنا في قيُّومِيته على كل شيء من الكائنات والموجودات. 

"فَلَا يَجْرِي فِي الْمُلْكِ والمَلكوت"؛ أي: في عالم الشهادة ولا عالم الغيب، لا عالم الظاهر ولا عالم الباطن؛ "قليلٌ أو كثيرٌ، صغيرٌ أو كبيرٌ، خيرٌ أو شرٌ، نفعٌ أو ضرٌ، إيمانٌ أو كفرٌ، عرفانٌ أو نكرٌ، فوزٌ أو خسرانٌ، زيادةٌ أو نقصانٌ، طاعةٌ أو عصيانٌ" وجميع ما هو جارٍ في الأكوان؛ لا يكون شيء من ذلك إلا بقضائِه وقدره -جل جلاله-.

وما الفرق بين القضاء والقدر؟ 

  • على اختلاف: أنَّ أحدهما إرادته الأزلية والثاني ظهور ذلك في وقته.
  • وقيل: إن القضاء ما قضاه في الأزل، والقدر بروز ذلك على ما سبق في علمه وما قضاه في أزله.
  • وقيل: إن القدر تقدير الأشياء في الأزل والقضاء وجودها.
  • والراجح فيه: أنَّ قضاءه ما كان حَكَمَ به في الأزل، وقدَرُهُ بروز ذلك المحكوم به على وجهه، وعلى هيئته في الوقت الذي قدَّره، وعلى الكيفية التي قضاها في الأزل وأرادها -سبحانه وتعالى-. 

فلا يكون كائن إلا بقضائه وقدره. وقال ﷺ في جوابه على سيدنا جبريل لما جاء في صورة السائل وسأله عن الإيمان، قال: "وتؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى".

فقضاء الله وقدره مُلازم لكل شيء، فلا يكون شيء إلا بقضائه وقدره وحُكمِهِ ومشيئته -سبحانه وتعالى-. فالأمر كما قال: "مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ". 

وفي ذلك أبيات لسيدنا الإمام الشافعي يقول مخاطبًا للإله:

مَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ *** وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ

خَلَقْتَ الْعِبَادَ عَلَى مَا أَرَدْتَّ *** فَفِي الْعِلْمِ يَجْرِي الْفَتَى وَالْمُسِنْ

عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ *** وَهَذَا أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ

 

يقول: "لا يخرُجُ عن مَشِيئَتِهِ لفتةُ ناظرٍ" فما يمكن أن يلتفت الناظر إلا بمشيئته، ولا تتحرك إصبع إلا بمشيئته، ولا يبسط طائر جناحيه إلا بمشيئته، ولا ترفع نملة رجلها ولا تحطُّها إلا بمشيئته. "لا يخرُجُ عن مَشِيئَتِهِ لفتةُ ناظرٍ، ولا فلتَةُ خاطرٍ"؛ جميع الخواطر التي تخطر على بال أي مخلوق كلها بمشيئته -سبحانه وتعالى-. واستقامة الخواطر في الباطن وصلاحها يجري من الباطن مجرى العافية في الجسد، مثل الصحة والعافية في الجسد. وفساد الخواطر وتخيُّل ما لا يليق أو ما لا يكون -ما هو مستحيل- يجري مجرى المرض في الجسد؛ فهو في الباطن كالمرض في هذا الجسد محل الأمراض في الأجساد. وكلما زيّن المؤمن باطنه بالحضور مع الله وهو استشعاره أنه يراه ويطلع على ما في ضميره وباطنه، كلما دفع الله عنه خواطر السوء.

وكما علمنا أن الخواطر كلها بإرادة الله:

  • ومرجعُها إما إلى تفضُّل منه مباشرة من دون واسطة، وهذا يقال له: الخاطر الربَّاني.
  • وإما أن يكون بواسطة الملك وهذا الذي يسمى الإلهَام.
  • وإما ما يكون من جهة الشيطان وما تحدِّث به الشياطين العباد في بواطنهم، وهذا يقال له الوسواس.
  • وإما أن يكون من قِبل النفس وهواها؛ حديث النفس. 

فهناك الخاطر ربَّاني، ونفساني، وملكي، وشيطاني؛ وهذه أنواع ما يخطر على بال الإنسان. 

  • والخاطر الربَّاني: قوي لا يستطِيع دفعه.
  • والخاطر الملكي: تصحبه الطمأنينة ويقوى بالذكر؛ يقوى بذكر الله -تبارك وتعالى-.
  • والخاطر الشيطاني: لا تكون معه الطمأنينة ويخنس بذكر الله، يضعف بذكر الله -تبارك وتعالى-.
  • والخاطر النفساني: يكون مُتشبِّث بأمرٍ مُتعلِّق بالهوى لا يضعف إلا بذكر الموت، واستشعار الموت؛ فاستشعار الموت والخروج من الحياة يُضعف الخاطر النفساني.

لأنَّ الخاطر الذي مصدره النفس -يجعله الله بواسطة النفس- تَذكُر الله.. ما تشعر بأثر ضعفه ولا ذهابه! إلا إن غلَبك الذكر واستغرَقَك؛ فإذا لم يستغرِقُك الذكر، ما تجد له أثر؛ بخلاف الخاطر الشيطاني؛ فبمجرد ذكر الله تعالى يخنس (مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ)[الناس:4] الذي يخنس عندما يُذكر الله، وإنما يتسلط على الغافل عن الله. (وَمَن يَعْشُ)؛ أي: يغفَل (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)[الزخرف:36]، فإذا ذكرت الله ذهب. (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ)[الزمر:45] فيضعف بذكر الله. 

والخاطر النفساني مُتشبِّث بالإنسان على أمر معين هواه، يذكر الله.. وما يرى ضعفه! لكن استشعاره للانتقال من هذه الحياة والموت هو الذي يُضعِف هذا الخاطر النفساني. 

  • وإذا استجاب الإنسان لخاطر المَلك، أسلَمَه المَلك إلى مَلك، ومن مَلك إلى مَلك، فيتنقَّل بين خواطر الخير ووارِدَات الفضل الربَّاني. 

  • وإذا أصغى لخاطر الشيطان، أسلَمَه الشيطان إلى شيطان، ومن شيطان إلى شيطان، فلا يزالون يضحكون عليه ويلعبون به في الخواطر السيئة؛ وقانا الله شرَّها.

 

"لا يخرُجُ عن مَشِيئَتِهِ لفتةُ ناظرٍ، ولا فلتَةُ خاطرٍ، بل هو المُبدِئُ المُعِيد" المُبدئُ يعني: المنشئ، المُعِيد الذي يردُّ الشيء من حالِ إلى حال. 

"الفعَّالُ لمَا يرِيدُ، لا رادَّ لحُكْمِه" لا يملك مَلك ولا إنسيّ ولا جنيّ، فرد ولا جماعة ولا كائن من الكائنات، ردَّ شيءٍ حكمَ به -سبحانه وتعالى-. 

"ولا معقِّبَ لِقضائِه، ولا مهربَ لعبدٍ عن معصيَتِه إلا بتَوفِيقهِ ورحمَتِهِ، ولا قوةَ لهُ على طاعَتِه إلاَّ بمَعونَتِهِ وإرَادَتِهِ"، وهذا أحد معاني قولنا: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". 

  • لا حول أي: لا تحوّل عن المعصية والبُعد عنها إلا بالله. 

  • ولا قوة: على الطاعة والعبادة إلا بالله.

وكل حولٍ وقوة لا يكون إلا بالله -جل جلاله-. حتى لا يستطيع أحد رفع رجله، بل ولا حركة إصبعه، بل ولا رَمش عينه، ولا تحريك طائر لجناحه، ولا رفع قائمة من قوائم الحشرات إلا بقدرته وإرادته -سبحانه وتعالى جل جلاله-.

"ولا مهربَ لعبدٍ عن معصيَتِه إلا بتَوفِيقهِ ورحمَتِهِ". وقانا الله بتوفيقه ورحمته جميع الذنوب والمعاصي. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين مَعاصِيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائب الدنيا.

 

قال: "ولا قوةَ لهُ على طاعَتِه إلاَّ بمَعونَتِهِ وإرَادَتِهِ. لو اجتَمعَ الإِنسُ والجِنُّ والمَلائِكةُ والشياطِين على أنْ يُحرِّكُوا في العَالم ذرَّة أو يسكِّنُوها دون إرادَتِهِ ومشِيئَتِهِ.. لعَجَزُوا عن ذلك" لعجزوا، لعجزوا، لعجزوا.. ولا يقدر مَلك ولا إنسيّ ولا جنيّ على أن يحرِّك ذرة ولا يسكِّنها من دون إرادته -سبحانه وتعالى-، ومن دون مشيئته. وهذا حُكم الألوهية والربوبية التي استبدَّت بالخلق والإيجاد، فهو كذلك في عظمته وجلاله. وما يُعطَى الخلائق من إرادة فالحال كما ذكرنا؛ إذا وُصِفَت الإرادة للعبد فإرادة العبد غير معنى الإرادة بالنسبة للحق -جل جلاله-. 

ويُعطَى الإرادة في أشياء محدودة يحدَّها له -سبحانه- بإرادته، فيكون فرق بين ما للإنسان فيه إرادة واختيار وما ليس للإنسان فيه إرادة واختيار. وفي هذا المضمار؛ جاء سر التكليف للمُكلفين من الإنس والجن، فيما أدخله الله بإرادته تحت إرادة لهم واختيار منهم -جل جلاله-.

وما من عاقل في الوجود لا يفرق بين حركة المرتعش بسبب المرض من دون اختيار، وبين حركة من يرفع شيئًا ويحطُّه ويحمل الكأس ويرفعه؛ هذه حركة غير هذه الحركة، هذه حركة فيها اختيار، وتلك بلا اختيار. فكذلك بإرادته رتَّب ما جعل للناس فيه مجال قدرة واختيار، وما لا قُدرة لهم عليه، ولا اختيار لهم فيه. 

  • وأناطَ التَّكليف بما أدخله تحت حيِّز ما أعطاهم من قدرةٍ واختيار -جل جلاله وتعالى في علاه-.
  • وما لا إرادة لهم فيه ولا اختيار، فقد رَفع القلم عنهم فيه، فلا يؤاخِذهم به. 

ولكن يؤاخِذهم بما أدخلَه تحت دائرة إرادتهم واختيارهم؛ وإن كانوا هم وما يختارون وما لا يختارون كله تحت إرادته. 

فدخل ما دخل تحت إرادتهم بإرادته، وخرج ما خرج عن إرادتهم بإرادته، وهو الذي أراد هذا وأراد هذا، فإِرادَته فيما أدخله تحت اختيارنا كإرادَته فيما لم يُدخله تحت اختيارنا.. إرادة واحدة. ما نقدر عليه وما لا نقدر عليه.. كله إرادته فيه واحدة، هو الذي رتب هذا وهو الذي رتب هذا. إنما برحمته جعل المُؤاخذة والتكليف فيما أدخله تحت إرادتنا واختيارنا، وما خرج عن ذلك فـ (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)[البقرة:286] -جل جلاله وتعالى في علاه-.

 

قال: "وأن إرَادَتَهُ قديمةٌ قائمةٌ بذاتِه" وفي أيام -أيضًا- كانت آثار من آثار الشيوعية في بعض نواحي اليمن، وهي شيء من الفتن السابقة؛ وكان قد يتقابل بعضهم يتقاتلون، فكان بعض أرباب التَّمكين في الإيمان؛ وإن كان الأمر أيضًا ليس على وجهِ عموم السنَّة الإلهية؛ يُناوِل المُعادِي -هذا من الذي يغتَر بكلام الشيوعيين- يناوله البُندق ويقول له: "امسك إن كان بقدرتك أو بقدرة جماعتك تضرب، اضرب! ولا يقدر ذلك أن يتحرك بشيء. فالأسباب والمسببات كلها دخلت تحت إرادته واختياره. 

وإذا أراد شيء تحت اختيارك أن يخرج من اختيارك.. خرج! في أي وقت كان. كنت تقدر، والآن ما تقدر؛ أمس كنت تقدر عليه، اليوم ما تقدر عليه؛ أمس كنت عاجزًا عنه، اليوم أقدَرَك عليه. فالأمر كله دائر تحت مشيئته وإرادته -جل جلاله-. والخطابُ عليكَ فيما أدخله تحت إرادتك كيف تتصرف فيه (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك:2] -جل جلاله العزيز الغفور سبحانه-.

 

"وأن إرَادَتَهُ قديمةٌ قائمةٌ بذاتِه، في جُملةِ صفاتِهِ، لم يَزَل كذلك موصُوفًا بها، مُريدًا في أزلِهِ لوجُودِ الأشياءِ في أوقاتِها التي قدَّرها" فلا يتقدم ولا يتأخر شيء عن وقته. وكل الناس الموجودين على ظهر الأرض، من منهم اختار وقت تكوينه؟ وقت تكوين جسده، وقت خروجه من بطن أمه من؟! أحد عبقري هو اختار؟! اختار ماذا؟.. ما يختار. 

هو الله الذي اختار زمانه ويقدّره؛ يقول أحد أنا أحسن أكون في القرن كذا؟ أو قرن كذا أو القرن كذا؟! ولا أنت داري بالقرون.. هو الذي يُسيِّرها. ويوم خلقك ما كنت تعلم شيء،  وجعل لك سمع وبصر فعرفت القرون، وعرفت الأوقات، وإلا متى جئت أنت أصلا؟! وما أحد منهم له اختيار لا في وقته ولا في مكانه. من منهم اختار أنه يولد في المكان الفلاني؟! الموجودون هؤلاء كلهم، أحد منهم اختار؟ ما اختار، لا اختار المكان ولا اختار الزمان، ولكن -سبحانه وتعالى- قدَّرَ هكذا. فيصِل كل شيء على الحال الذي أراده، في الوقت الذي أراده، بالهيئة التي أرادها، بالتقدير الذي أراده، ويبقى أيضًا متطور بالأطوار التي أرادها، وينتهي في الوقت الذي أراد انتهائه فيه -جل جلاله وتعالى في علاه-.

ولا يخرج عن ذلك أحد، لا مقرب ولا مبعود، لا محبوب ولا مبغوض، كلهم تحت هذا القهر الإلهي، والإرادة الربانية؛ وهو في ذلك الحكم العدل. 

 

"وأن إرَادَتَهُ قديمةٌ قائمةٌ بذاتِه، في جُملةِ صفاتِهِ، لم يَزَل كذلك موصُوفًا بها، مُريدًا في أزلِهِ لوجُودِ الأشياءِ في أوقاتِها التي قدَّرها، فوُجِدَت في أوقاتِها كما أرادَهُ في أزَلِه، من غيرِ تقدُّمٍ ولا تَأخرٍ، بل وقعَت على وِفقِ علمِهِ وإرادَتِهِ من غيرِ تَبدُّلٍ ولا تغيُّرٍ".

ومن خلال هذه الحيثيّة أيضًا، يُعلم اختصاص الحق -تعالى- للمؤمنين الذين جعلهم في أزمنة أنبيائه، جعلهم في زمانهم، ما أحد يختار الزمن، هو يختاره. جعله مؤمن في وقت النبي فيصير صاحب من أصحاب النبي، هذا ما يجيء باختيار أحد؛ ومن الذي رتَّب زمانه أن يكون في وقت نبيه؟! ومن هنا يُعرف قدر الصُحبة للمؤمنين الذين لقوا رسول الله ﷺ ورأوه وجَالسوه، فالله رتَّب وقتهم في ذاك الوقت، وخلقَهم في ذلك الوقت والتقدير. لذا يقول: "واخترتهم في سابقِ الإقتِدَار أنَّهم أصحاب نبيك". ما أحد يقدر يُؤخِّر زمان أحد ولا يُقدِّمه. فجعل في زمن أحب أحبابه.. فلان وفلان وفلان من المؤمنين به، فجعلهم صحابته، وجعل من آله فلان وفلان وفلان وجعلهم آله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

"دبَّر الأمورَ لا بترتيبِ أفكَارٍ وتَربُّصِ زمانٍ" فهذا تدبير الخلائق، والخالق أجل وأكبر -جل جلاله-. "فلذلك لم يَشغَلهُ شأنٌ عن شَأن" مُحيط بجميعِ الأشياء، لا تختلط الأصوات عليه، ولو يسأله من في السماء ومن في الأرض كلهم، كل واحد يسمعه، وكل واحد يحيط به، وكل واحد يحيط بما دعا، وكل واحد يتصرَّف في سؤاله، ويذكره بإرادته -سبحانه وتعالى-، ويذكر من ذكره سواء في الأرض أو في السماء في وقت واحد؛ "لم يَشغَلهُ شأنٌ عن شَأن"، فهذا وصف المحصورين من الخلق، مقدار إدراكهم واطلاعهم وعلمهم محدود، وإذا اشتغل بهذا ما يقدر يشتغل بالثاني. أما الحق سبحانه وتعالى فيُحيط بالأشياء كلها في شأنٍ واحد ودفعة واحدة، ونجد في عالم الحس وعالم الخلق اختلاف قدرات الناس، هذا قد يستطيع أن يستوعِب أربعة، وهذا يستطيع أن يستوعب عشرة، هذا يستطيع أن يستوعب أكثر منهم، وهذا استطاعته أقل. ثم عالم الروح وقدرته واستيعابه أكثر من عالم..؛ وكله محصور بالنسبة للخلق. 

أما بالنسبة للخالق، فمطلق في كل شيء، محيط بكل شيء، من كل وجه، بكل معنى. وهذا وصف الإلوهيّة، وهذا وصف الربوبيّة، هكذا يكون الله -جل جلاله وتعالى في علاه، ولا إله غيره-.

 

وقال -رضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين: 

الأصل السادس

 في السمع والبصر 

"وأنَّهُ تعالى سميعٌ بصيرٌ، يسمعُ ويرى، لا يَعزُبُ عن سمعِهِ مسموعٌ وإن خفيَ، ولا يغيبُ عن رؤيتِهِ مرئيُّ وإن دقَّ، ولا يحجبُ سمعَهُ بُعدٌ، ولا يدفعُ رؤيتَهُ ظلامٌ. 

يرى من غيرِ حَدَقةٍ وأجفانٍ، ويسمَعُ مِن غيرِ أصمِخةٍ وآذانٍ، كما يَعلَمُ مِن غيرِ قلبٍ، ويَبطِشُ بغيرِ جَارحةٍ، ويَخلُقُ بغيرِ آلةٍ، إذ لا تُشبِهُ صفاتُهُ صفاتِ الخَلقِ، كما لا تُشبِهُ ذاتُهُ ذاتَ الخَلقِ". 

 

جل جلاله وتعالى في عُلاه.

قال: الأصل السادس في السمع والبصر، (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[الشورى:11] كما تعرَّف إلينا بذلك على لسان رسوله في قرآنه الكريم. فهو تعالى سميع.

فإذا قلنا الله سميع، فاحذر أن تتصور ما يوصف به المخلوق من كونه سميع! وبعضهم أصم وبعضهم سميع. والسميع هذا -أحسن الخلق سمع- سمعه حادث، ومحصور، وبواسطة آلة، وبترتيبات من عنده -سبحانه وتعالى- يُسمِع بها الأشياء. 

وأما إذا قلت: الله سميع، فالسمع شيء آخر؛ محيط بكل شيء من دون واسطة آلة، ولا شيء من تكوين الأعضاء ولا غيرها، فهو السميع على الحقيقة، وهو يجعل من يشاء من عباده سميعًا بمقدار. فسمع الكائنات حادث به، فلا يسمعون إلا ما أسمَعَهُم -جل جلاله-.

قال تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ) مشيرًا إلى نوع من أنواع السَماع الذي تنصرف عنه قلوب أهل الشقاوة من المُعرضين والمُتكبرين والُمعاندين. (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ)[الأنفال:22-23]؛ (فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) [الأعراف:100] والذين يسمعون الذين استجابوا وأنابوا. 

  • يُطلق السمع -أيضًا- على مجرد سمع الصوت.

  • ويُطلق السمع -أحيانًا- على المقصود من سماع الصوت بامتثال الأمر. 

ولهذا يقولون: كلمنا فلان وما سمع كلامنا؛ لا يقصدون نَفي سماع الألفاظ.. ما هو أصم، هو يسمع؛ لكن لا اعتبِر بالكلام ولا نفذه ولا أخذ به! فهو ما يسمع هذا، هذا ما يسمع!.. فيُطلق أحيانًا على السمع المَعنوي المُتعلِّق بالإنسان.

"وأنه تعالى سميع بصير" وبصره -سبحانه وتعالى- لائق بعظمته وجلاله، قديم أزلي، يحيط بكل شيء، "سميع بصير" يُبصر الحسيَّات والمَعنويَّات؛ يستوي إبصاره للحسِّ وللمَعنى. "يسمع ويرى" قال تعالى لسيدنا موسى وسيدنا هارون لما (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ * قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ)[طه:45-46] -جل جلاله-. 

 

"لا يَعزُبُ عن سمعِهِ مسموعٌ وإن خفيَ مثل دبيب النمل، ولا يغيبُ عن رؤيتِهِ مرئيٌّ وإن دَقَّ"، فالكل عنده سواء -جلَّ جلاله-. 

  • وبَصر المخلوقين: مُرتّب على مسافة مُعينة، وعلى وجود ضوء وعلى عدم وجود حِجاب، هذا كله بصر المخلوقين. 

  • أمّا بصر الله: فلا فرق بين ظلمة ولا نور ولا حجاب ولا شيء، لا يحجبه شيء، فهو يرى كل شيء جلَّ جلاله وتعالى في علاه. 

ويقول: "ولا يَحجبُ سمعَهُ بُعدٌ، ولا يدفعُ رؤيتَهُ ظلامٌ"، فهذا شأن سمع المخلوقين، إنّما يذكُر هذه الأشياء؛ ليبعد الأوهام، لمّا يُطلق على الحق -سبحانه وتعالى- لفظ السمع والبصر؛ الناس بطبيعة مداركهم أسماعهم وأبصارهم محصورة في أشياء محددة فينفي؛ ينفيها من أجل أن يبعد الوهم أنّ سمعه يشبه سمع شيء من الخلق، أو بصره يشبه بصر شيء من الخلق، فيبعد هذه الأوهام.

"يرى مِنْ غيرِ حَدَقةٍ وأجفانٍ"؛ لأن هذه طريقة رؤية الحيوانات بأبصارهم، هذه السُّنّة التي سَنّها ليبصرَ الحيوانات بأبصارهم؛ لكن هو خالق البصر جلَّ جلاله. "ويسمَعُ مِنْ غيرِ أصمِخةٍ وآذانٍ، كما يَعلَمُ مِنْ غيرِ قلبٍ"، فهذه آلات خلقها للكائنات والمخلوقين ليتوصلوا بها إلى شيء من علم أو سمع أو بصر.  "ويُبطِشُ بغيرِ جارحةٍ، ويَخلُقُ بغيرِ آلةٍ، إذ لا تُشبِهُ صفاتُهُ صفاتِ الخَلْقِ، كما لا تُشبِهُ ذاتُهُ ذوات الخلق" جلّ جلاله.

 

وقال -رضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين: 

الأصل السابع 

في الكلام

"وأنَّه تعالى مُتكلِّمٌ، آمرٌ ناهٍ، واعدٌ مُتوعِّدٌ، بكلامٍ أزليٍّ قديمٍ، قائمٍ بذاتِهِ، لا يُشبِهُ كلامَ الخَلْقِ؛ فليسَ بصوتٍ يَحْدُثُ مِنِ انسلالِ هواءٍ واصطِكاكِ أجرامٍ، ولا بحرفٍ ينقطعُ بإطباقِ شفةٍ أو تحريكِ لسانٍ. 

وأنَّ القرآنَ والتَّوراةَ والإنجيلَ والزَّبورَ كتبُهُ المُنزلَةُ على رُسلِهِ. 

وأنَّ القرآنَ مقروءٌ بالألسنةِ، مكتوبٌ في المصاحفِ، محفوظٌ في القلوبِ. 

وأنَّه مع ذلك قديمٌ، قائمٌ بذاتِ اللهِ تعالى، لا يقبلُ الانفصالَ والافتراقَ بالانتقالِ إلى القلوبِ والأوراقِ. 

وأنَّ موسى -عليهِ السَّلامُ- سمعَ كلامَ اللهِ تعالى بغيرِ صوتٍ ولا حرفٍ؛ كما يرى الأبرارُ ذاتَ اللهِ سبحانَهُ مِنْ غيرِ شكلٍ ولا لونٍ. 

وإذ كانَتْ لهُ هذهِ الصِّفاتُ، كانَ حيًّا، عالمًا، قادرًا، مريدًا، سميعًا، بصيرًا، مُتكلِّمًا؛ بالحياة، والعلمِ، والقدرةِ، والإرادةِ، والسَّمعِ، والبصرِ، والكلامِ، لا بمُجرَّدِ الذَّاتِ".

 

جلَّ جلاله وتعالى في علاه. 

هذا الأصل السابع في الكلام؛ أخبرنا الحق -تعالى- في كتابه أنه متكلم، قال تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا) [النساء:164] -جلّ جلاله وتعالى في علاه-. فإذا جئنا إلى الكلام، وما أنّزله على الأنبياء من كلامه، وما أنزله على خاتم الأنبياء من القرآن الكريم، كلامه -جلّ جلاله وتعالى في علاه- له معنى إذا أطلقنا صفة الكلام عليه، أو أطلقنا صفة القرآن؛ 

إذا أطلقنا صِفة القرآن فالمُراد به صفته القائمة به -سبحانه وتعالى-.

ثم إنّا قد نريد بالقرآن وكلام الله -تبارك وتعالى- ثمراته ونتائجه وأسباب وصولنا نحن إلى معرفة معاني هذا الوصف القائم بذات الله تعالى من الكلام؛ وذلك ما نسمعه بالآذان، أو ما نتلوه بالألسن، أو ما نبصره مكتوبًا في الألواح، كل هذه الأشياء لما تَرجمت عن معاني الصِفة القائمة بذات الله -تعالى- سُميت كلامًا، وسُميت قرآنًا.

  • ما نتلوه بألسنتنا يُسمى قرآنًا.
  • ما نسمعه بآذاننا يُسمى قرآنًا.
  • ما نكتبه في المصاحف يُسمى قرآنًا.

ولكن أصل القرآن ليس هذا المكتوب، أصل القرآن صفة مِن صفات الحق -تبارك وتعالى- قائمة بذاته -جلّ جلاله-، ليست بشكل ولا بصورة ولا بحرف ولا بِلُغة من اللغات، هذا إذا عرفنا أو وصفنا الحق -تبارك وتعالى- وتكلمنا عن صفته.

فلهذا يكون من الواجب على المؤمن معرفته أنّ الحق -سبحانه وتعالى- مُتكلم بكلام أزليّ قديم؛ هذا الكلام الأزلي القديم في حدِّ ذاته ليس بِلُغة في اللغات حوادث أحدثها الله -تبارك وتعالى-؛ ولكن تَرجمت معاني كلام الله -تبارك وتعالى- على أي قوم بلسان رسولهم، بلسان القوم الذين أرسل إليهم الرّسُول، حتى اختار الله -تعالى- أن يكون الكتاب الخاتم والكلام الخاتم له الذي أراد إبرازه من كلامه لخلقه على وصف مخصوص.

فإنّ أعلى ما يبرزه -سبحانه وتعالى- من الكلام ما أوحاه إلى الأنبياء ليبلّغوا أُممهم عنه ذلك الكلام:

  • كمِثل التوراة المُنزلة على سيدنا موسى.
  • والإنجيل المُنزل على سيدنا عيسى.
  • والزبور المُنزل على سيدنا داود.
  • والقرآن المُنزل على سيدنا محمد ﷺ؛ (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)[المائدة:48]. 

فاختاره بلسان عربي مُبين، كما ذكر، يعني: بيانه في وصوله معانيه إلينا باللسان العربي المبين، لا أنّ ذات كلام الله تعالى بشيء من اللغات. ومن العجيب أن يقول بعض المبتدعة الذين ما يفقهون كلام أهل التوحيد وأهل السُّنّة: في أنّ كلام الله ليس بِلُغة ولا بصوت ولا بحرف، فيذكرون ما ذَكر ﷺ من تلاوتنا للقرآن، وأنه قرأ حرفًا، قد يقول تمام هذه قراءتي، قراءتي أنا حروف، ما هو وصف ربي. فرق بين وصف ربي وبين قراءتي أنا لكلام ربي، وحفظي أنا لكلام ربي في ذهني، وتلاوته بلساني عبارة عن حروف، وكتابته في الأوراق. هذه لمّا اتصلت بسر معنى كلام الله ووصفه القديم، أُطْلِق عليها الاسم مجازًا لتتميز عن غيرها، لكونها تُتَرْجِم معاني كلام الله -تبارك وتعالى-. فلو ما هناك قوة ولا قدرة ولا استعداد عند الإنسان لمعرفة هذا الكلام الإلهي إلّا بهذه الوسائط، فجعل الله هذه الوسائط تدل على معنى الكلام القديم الذي ليس بحرف ولا بصوت. قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) [الشورى:51] -جلّ جلاله-.

فبذلك كله نعلم معنى كلام الله ومعنى القرآن والتوراة والإنجيل، الوصف القائم بذات الله -تبارك وتعالى-، ثم ما يتوصل الخلق إليه من معرفة معاني كلامه القديم -جلّ جلاله- فيُطلَق عليه سواء كان ملفوظًا باللسان أو محفوظًا في الذهن أو مكتوبًا بالقلم أو مسموعًا بالأذن؛ يُطلق عليه كلام الله، يطلق عليه القرآن بهذا المعنى؛ لأنه يُترجِم معاني الوصف القديم القائم بذات الله -تبارك وتعالى-؛ لهذا قالوا: 

كلامه كوصفه القديمِ *** لم يحدث المسموع للكليمِ

سيدنا موسى سماعه حادث، وإدراكه لكلام الله حادث، لكن كلام الله نفسه ليس بحادث، فلا إشكال في مثل هذا عند تَبيُّن العقل واتّساعه، وأنّه -تعالى- متكلمٌ بكلام، هو بكلامه ذلك:

  • آمرٌ بأوامر.
  • وناهٍ عن أشياء.
  • وواعدٌ بكثير من الجزاء الحَسن والدرجات والمثوبات والنّعيم.
  • متوعدٌ أيضًا بكلامه بأنواع من العذاب والآلام والعقوبات على السيئات والذنوب؛

 بكلام أزلي قديم قائم بذاته، لا يشبه كلام الخلق، "فليسَ بصوتٍ يَحْدُثُ مِنِ انسلالِ هواءٍ واصطِكاكِ أجرامٍ" هذا كلام الخلق، "ولا بحرفٍ ينقطعُ بإطباقِ شفةٍ أو تحريكِ لسانٍ" هذا كلام الخلق. "وأنَّ القرآنَ والتَّوراةَ والإنجيلَ والزَّبورَ كتبُهُ المُنزلَةُ على رُسلِهِ"، صلوات الله وسلامه عليهم.

"وأنَّ القرآنَ مقروءٌ بالألسنةِ" يعني: نقرأ معاني هذا الكلام، ما هو نحن نتّصِف بوصف الله -حاشا الله-، لكن هذا الوصف القائم بذاته وصل نوره إلينا وتجلّى إلينا، فعبّرنا عنه بألسنتنا وتكلمنا به نحن. ووصفه ما هو نحن نتصف به، ولكن نحن نتلقى من تجلّي هذا الوصف وسرّ هذا الوصف، كمن تلقّى من سرّ قدرته ما نقدر عليه ونقوم به في الأشياء، ما اتّصفنا نحن بصفة الله، ولا خرجت قدرتنا هذه عن قدرة الله -تبارك وتعالى- ما هي إلا بقدرته، ما نقدر على شيء إلّا بإقداره، فكل ما نتحرك فيه بقدرتنا الموهوبة لنا منه -سبحانه وتعالى- متصلة بصفته القائمة بذاته وهي القدرة، قدرته -جلّ جلاله تعالى في علاه-.

فلا خلط بين الصفة القائمة به وبين آثارها؛ لأن كما أن الشمس هذه مخلوقة، مخلوقة، ومكوّنة في الفضاء فوق، ومع ذلك ترى نورها يشرق هنا حتى يدخل الغرفة ونقول: هذه الشمس. يجيء واحد يقول: هذه شمس؟ شمس أين .. بينك وبينها كذا؟ هذا سطوع نورها الذي وصل إلينا فسميناه شمسًا، أو لا؟!  أمّا هي  لا أقدر أطلع عندها، وإذا قربت منها بتحرقنا. ولكن الشمس تدخل معي وأمشي فيها، كيف تمشي فيها؟! بينك وبينها كم مسافة! نعم، أمشي فيها يعني في سطوع نورها الذي سطع منها فهو منسوب؛ فنحن نسميه شمسًا. فهكذا قدرة الله، كلام الله، نسمّيه كلام الله وهو أثره الذي وصل إلينا، وأمّا حد ذات وصفه نفسه .. أين! لا إله إلّا هو -جلّ جلاله- هو أكبر وأجلّ مِن أن أُحيطَ أنا به؛ ولكن هذه آثار جودُه علينا مثل ما تصل آثار الشمس إلينا وإلى ديارنا وإلى منازلنا وعلى الأرض ونراها، واحد يقول: لحقت الشمس.  الشمس؟! أنت أين وهي أين؟! بينك وبينها ملايين من الأميال، كيف وصلت إلى الشمس؟! ولحقت الشمس؟! هذه أثرها وضَوءها هذا الذي وصل إلينا، ويُسمّى شمسًا. فهكذا صحّت التسمية مع عدم الخلط بين الآثار وبين الأصل، وإنما هذه آثارُه، فكذلك كلام الله -سبحانه وتعالى-.

قال -وهو مع ذلك مع كون نحن آثاره عندنا مقروءة ومنظورة ومسموعة ومحفوظة، لكن الوصف قائم بذاته-:

"وهو على ذلك قديم قائم بذاته، لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق، لا ينتقل الوصف، قائم بذاته -جلّ جلاله-. فهو متكلم. وأن موسى عليه السلام سمع كلام الله بغير صوت ولا حرف، كما يرى الأبرار ذات الله تعالى من غير شكل ولا لون".
نقول: الذي  أنكره  مثل المعتزلة وغيرهم  من رؤية الحق سبحانه وتعالى، لماذا؟ وهو تصورهم أنه إنما تُرى الأجسام. نقول نفس الشيء، كتصور من يتصور أنه ما يُسمع إلا الأصوات، فيُنكِر سماع كلام الله -تعالى-. نقول له: لا يختلط الأمر عليك، يمكنك أن تسمع كلام الله، وأمّا ذات كلام الله فليس بصوت وليس بحرف وليس بِلُغة، لكن تجلّيه عليك بمعاني ذلك الكلام بالوسيلة التي تحويها أنت وتقدر عليها وتصل بها إلى مفهوم معنى الكلام. هذا أيضًا سُمّي كلام الله -تبارك وتعالى- من حيث كونه أثره.

كذلك هذه الرؤية، فما أراد نفيه المعتزلة وغيرهم من النظر إلى وجه الله ومن رؤية الله؛ الذي تخيلوه هو منفي عند أهل السنة كذلك، أهل السنة عندهم يقولون الرؤية ليست بِجِهة ولا بِجسم ولا بإحاطة أصلًا؛ هذا هم منفي عندهم، لكن لمّا كان المستعمَل بين الناس يترقى في ظهوره على الأجسام في جهات معينة، أنكروا رؤية الحق هم نهائيًا. لكن جاء به النص، فبقي أهل السنة عند أهل النص، لكن أنزلوا النص مقرونًا ببقية النصوص لا يتناقض معها، فتبين أن ذات وصفه -سبحانه وتعالى-، أو ذاته الشريفة، جلّت من أن تكون في جهة، وجلّت من أن يحيط بها بصر أو غيره، ولكن تجلّيه بنوره بما يكشفه من الحجب حتى يُعبَّر عنه بالرؤية، هذا الذي عبَّر عنه رسوله، ورسوله أعرف الخلق به "إنكم سترون ربكم"، قال كذا: "إنكم سترون ربكم". الرؤية هذه ليست رؤية جهة ولا أجسام ولا صور ولا أشكال، هذا أمر منفي نهائيًا. فمن لم يتصور كيفية نفي هذه النقائص، اضطر إلى أن ينكر الرؤية من أصلها مع وجودها في النص، مع وجود النص بها، ومن غير شك أنه ﷺ لم يرد بذلك شيئًا من التشبيه ولا التمثيل، وهو أعظم الخلق تنزيهًا للرب عز- وجل- وأعرفهم بتسبيحه وتقديسه -جلّ جلاله-.

وهكذا فكما يقولون: "رؤية ذات الله تعالى من غير شكل ولا لون". لما كان هذا التجلي في الدنيا ما يتسعون إلا لتجلّي الصفات والأسماء، وتجلّي الذات يقوون عليها في الآخرة فقط، ولكنه لا يحيطون بالأوصاف فضلًا عن الذات، لا في الدنيا ولا في الآخرة. لا يحيط به محيط -جلّ جلاله وتعالى في علاه-. ولا يزالون يزدادون من معرفة الله وأسرار سماع كلامه ورؤيته في الآخرة، ولا يحيطون به، وهم على مراتبهم كل واحد يزداد ولا يصل إلى غاية، ما يمكن الوصول؛ لأنه لا منتهى له -جلّ جلاله-.

قال: "وإذ كانَتْ لهُ هذهِ الصِّفاتُ"، وثبتت عقلًا وشرعًا، فلا بد أن يكون حيًّا، ما تكون هذه الصفات إلا للحي العالِم القادر المريد السميع البصير المتكلم، فهو حي بالحياة، وعالِم بالعلم، وقادر بالقدرة، وهذه اضطروا إليها لنفي بعض تصورات الفلاسفة وغيرهم. فلهذا يقولون: نثبت ما جاء عن الله ورسوله، فهو -سبحانه وتعالى- عالِم وله وصف العلم، فهو إذًا عالِم بعلم، وليست الأوصاف عين الذات ولا منفصلة عن الذات، "فهو حي عالِم قادر مريد سميع بصير متكلم بالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، لا بمجرد الذات، فهذه أوصاف تتعلق بذاته -سبحانه وتعالى- تتعلق بذاته"

كما أنّا نرى الإنسان أيضًا وهو مخلوق كله، مكوَّن، الإنسان شيء ثم له وصف العلم، ووصف العلم شيء زائد على مجرد الذات. فكذلك فيما نقول أن الله -تعالى- عليم وأن الله سميع، بصير، وما إلى ذلك بسمع وعلم وبصر، لا مجرد الذات، لا إله إلا هو جلّ جلاله وتعالى في عُلاه. 

 

وقال -رضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين: 

الأصل الثامن 

في الأفعال

 

"وأنَّهُ -تعالى- لا موجودَ سواهُ إلَّا وهوَ حادثُ بفعلِهِ، وفائضٌ مِن عدلِهِ على أحسنِ الوجوهِ وأكملِها وأتمِّها وأعدلِها. 

وأنَّهُ حكيمٌ في أفعالِهِ، عادلٌ في أقضيتِهِ. ولا يُقاسُ عدلُهُ بعدلِ العبادِ؛ إذِ العبدُ يُتصوَّرُ منهُ الظُّلمُ بتصرُّفِهِ في مِلْكِ غيرِهِ، ولا يُتصوَّرُ الظُّلمُ مِن اللهِ -سبحانَه-؛ فإنَّهُ لا يُصادِفُ لغيرِهِ مِلْكًا حتَّى يكونَ تصرُّفُهُ فيهِ ظلمًا. 

فكلُّ ما سواهُ، مِن جنٍّ وإنسٍ، وشيطانٍ ومَلَكٍ، وسماءٍ وأرضٍ، وحيوانٍ ونباتٍ، وجوهرٍ وعَرَضٍ، ومُدرَكٍ ومحسوسٍ.. حادثٌ، اخترعَهُ بقدرتِهِ بعدَ العَدَمِ اختراعًا، وأنشَأهُ بعدَ أن لم يكنْ إنشاءً؛ إذ كانَ في الأزلِ موجودًا وحدَهُ، ولم يكنْ معَهُ غيرُهُ، فأحدثَ الخلقَ بعدَ ذلك إظهارًا لقدرتِهِ، وتحقيقًا لِمَا سبقَ مِن إرادتِهِ، ولِمَا حَقَّ في الأزلِ مِنْ كلمتِهِ، لا لافتقارِهِ إليهِ وحاجتِهِ. 

وأنَّهُ مُتفَضِّلٌ بالخَلْقِ والاختراعِ والتَّكليفِ لا عن وجوبٍ، ومُتَطوِّلٌ بالإنعامِ والإصلاحِ لا عن لزومٍ؛ فلهُ الفضلُ والإحسانُ، والنِّعمةُ والامتنانُ؛ إذ كانَ قادرًا على أن يَصُبَّ على عبادِهِ أنواعَ العذابِ، ويبتليَهُم بضروبِ الآلام والأوصابِ، ولو فعلَ ذلك.. لكانَ منهُ عدلًا، ولم يكن قبيحًا ولا ظلمًا. 

وأنه يثيبُ عبادَهُ على الطَّاعاتِ بحكمِ الكرمِ والوعدِ، لا بحكمِ الاستحقاقِ واللُّزومِ، إذ لا يجبُ عليهِ فعلٌ، ولا يُتَصوَّرُ منهُ ظلمٌ، ولا يجبُ عليهِ لأحدٍ حقٌّ. 

وأن حقَّهُ في الطَّاعاتِ وجبَ على الخَلقِ بإيجابِهِ على لسانِ أنبيائِهِ، لا بمُجَرَّدِ العقلِ، ولكنَّهُ بعثَ الرُّسلَ وأظهرَ صدقَهُم بالمعجزاتِ الظَّاهرةِ، فبلَّغوا أمرَهُ ونهيَهُ، ووعدَهُ ووعيدَهُ، فوجبَ على الخلقِ تصديقُهُم فيما جاؤوا بِهِ".

 

آمنا بالله ورسله، وجميع رسله في كل ما جاءوا به عن الله -تعالى-. 

يقول في الأفعال: "والأفعال كل ما سواه"، كل ما سواه فهو فعله -جلّ جلاله-؛ أرض، وسماء، وعرش، وكرسي، وجنة، ونار، وروح، وجسد، وحس، ومعنى، وظاهر، وباطن، ومُلك، وملكوت.. كل ما سواه فهو فعله. 

"وأنَّهُ -تعالى- لا موجودَ سواهُ إلا وهوَ حادثُ بفعلِهِ - تعالى- ، وفائضٌ مِن عدلِهِ على أحسنِ الوجوهِ" قال تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ)[السجدة:7]؛ وفي قراءة: خلْقَه. "على أحسنِ الوجوهِ وأكملِها وأتمِّها وأعدلِها" يعني: أنَّ له حكمة في خلق هذا الوجود على هذه الصورة وعلى هذه الأحوال، وهو بحكمته محيط بتلك الحكمة، وهو محيطٌ بحكمته ولا يحيط بحكمته غيره. خلق الخلق لحكمة وطوى عليها علمه -سبحانه وتعالى-؛ فهو الذي يحيط. وإنما يُبرِز لعبادِه من آثار الحكمة ما يُبرز، فهم على مقادير في معرفة حكمة الله في هذا التقدير والتصوير والتقديم والتأخير. حتى كان يقول سيدنا علي بن أبي طالب: لو كُشف الغطاء لأدركتُم الحقائق؛ أي: ما اخترتُم إلا الواقع؛ لأن الواقع وقع بإرادة وقدرة من حكيم عظيم، فلا يحيط بحكمته محيط، ولا يمكن أن يكون غيره مُدبِّر أحسن من تدبيره، ولا مُصوِّر أحسن من تصويره. فهو الذي تفرَّد بالخلق والإيجاد بحكمته البالغة -سبحانه وتعالى- (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [الفرقان:2].

 

كل شيء من هذا الوجود "حادثُ بفعلِهِ، وفائضٌ مِن عدلِهِ على أحسنِ الوجوهِ وأكملِها وأتمِّها وأعدلِها. وأنَّهُ حكيمٌ في أفعالِهِ، عادلٌ في أقضيتِهِ وأقداره -جلّ جلاله-. لا يُقاسُ عدلُهُ بعدلِ العبادِ". العبد يُتَصوَّر منه الظلم، لماذا؟ 

لأنه يأخذ حق الغير، ويتصرف في حق الغير؛ وأمَّا هو، وجميع الكائنات كلها مُلك الله -سبحانه وتعالى- (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[المائدة:120].

"ولا يُتصوَّرُ الظُّلمُ مِن اللهِ -سبحانَه-؛ لأنَّهُ لا يُصادِفُ لغيرِهِ مِلكًا حتَّى يكونَ تصرُّفُهُ فيهِ ظلمًا، فكلُّ ما سواهُ، مِن جنٍّ وإنسٍ، وشيطانٍ ومَلَكٍ، وسماءٍ وأرضٍ، وحيوانٍ ونباتٍ، وجوهرٍ وعرضٍ، ومُدرَكٍ ومحسوسٍ.. كل ذلك حادثٌ، اخترعَهُ بقدرتِهِ بعدَ العَدَمِ اختراعًا، وأنشَأهُ بعدَ أن لم يكنْ إنشاءً" وقدَّره تقديرًا وفطره وأوجده -سبحانه وتعالى-. 

"إذ كانَ في الأزلِ -سبحانه- موجودًا وحدَهُ ولم يكنْ معَهُ غيرُهُ" هو الأول  "فأحدثَ الخلقَ بعدَ ذلك إظهارًا لقدرتِهِ، وتحقيقًا لِمَا سبقَ مِن إرادتِهِ، ولِمَا حقَّ في الأزلِ مِن كلمتِهِ، لا لافتقارِهِ"؛ لشيء من الكائنات، ولكن هو خالقها وهي المُفتقرة إليه -جلّ جلاله وتعالى في علاه-.

"وأنَّهُ مُتفَضِّلٌ بالخَلقِ والاختراعِ والتكليفِ لا عن وجوبٍ" تفضَّل بالخلق والإيجاد، ثمَّ تفضَّل بتكليفنا وبيان الشرعِ لنا. ويقول سبحانه: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ)[التوبة:115] لا عن وجوب، لا يجب عليه شيء.

 "ومُتَطوِّلٌ بالإنعامِ والإصلاحِ لا عن لزومٍ" فلا يلزمه شيء، فالإيجاب والإلزام يكون من أعلى لمن دونه، ولا أعلى من الله، هو الأعلى -جلّ جلاله-. فكيف يجب عليه شيء؟! ولهذا؛ (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)[الأنبياء: 23] لأنهم مخلوقون، وتحته، وهو الأعلى.

قال: "فلهُ الفضلُ والإحسانُ، والنعمةُ والامتنانُ؛ إذ كانَ قادرًا على أن يَصُبَّ على عبادِهِ أنواعَ العذابِ، ويبتليَهُم بضروبِ الآلام والأوصابِ، ولو فعلَ ذلك.. لكانَ منهُ عدلًا" لأنهم خلقه وملكه يفعل ما يشاء "ولم يكن قبيحًا ولا ظلمًا"؛ ولكن اقتضت رحمته ورأفته أن يكونوا بهذا التفضُّل الرباني، والجود الامتناني. 

"وأنه يثيبُ عبادَهُ على الطَّاعاتِ بحكمِ الكرمِ والوعد" وهو لا يخلف الميعاد "لا بحكمِ الاستحقاقِ واللُّزومِ"، فإن العبد وطاعته مخلوقة لله -تعالى-، وهو الذي وفق وأكرمه بالطاعة، أفيلزمه بعد ذلك بشيء؟ كيف يلزمه؟ لا يلزمه شيء، ولكنه بفضله وعد من أطاعه بأن يثيبه وأن يعلي درجاته وأن ينعِّمه، فهذا كله بحكم الوعد والفضل من الله. ما في غير الله تعالى يفرض على الله شيء ولا يلزم الله بشيء، بل هو الذي يلزم من يشاء بما شاء؛ لأنه فوق الكل وخالق الكل -جلّ جلاله وتعالى في علاه-. 

قال: "ولا يُتصوَّرُ منه ظلمٌ، ولا يجبُ عليهِ لأحدٍ حقٌّ. وأنَّ حقَّهُ في الطَّاعاتِ وجبَ على الخَلْقِ بإيجابِهِ على لسانِ أنبيائِهِ"، فلا تستقِلُّ العقول بمعرفة الواجب والمُحرَّم والمكروه؛ نظام الله لكل الأمم، وما ختم به الشريعة التي جعلها لجميع المكلفين؛ من هذا واجب، وهذا مندوب ومستحب، وهذا حرام، وهذا مباح، وهذا مكروه. هذا لا يُستقل به عقل أحد. (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) [النحل:116]؛ لأن الحق له هو الذي يقول هذا حلال وهذا حرام -جلّ جلاله وتعالى في علاه- ليس لأحد من خلقه. فلهذا ما يكون لوجوب شيء بمجرد العقل، ولا تحريم شيء بمجرد العقل، ولكن ما أمر به فهو الواجب، إن أمر به على سبيل اللزوم، وإن أمر به على سبيل الاستحباب فهو المستحب، والمندوب، والمسنون. وما نهى عنه على سبيل الجزم فهو الحرام، وما لم يكن على سبيل الجزم فهو المكروه. وما أباحه فهو المباح -جلّ جلاله-. 

فإذًا لا يثبت هذا بمجرد العقل، "لا بمُجَرَّدِ العقلِ، ولكنَّهُ بعثَ الرُّسلَ وأظهرَ صدقَهُم بالمعجزاتِ الظَّاهرةِ"، وكل رسول جعل له من المعجزات ما يكفي قومه دليلًا واضحًا وحجة ظاهرة في أنه مرسل من عند الله، "فبلَّغوا أمرَهُ ونهيَهُ، ووعدَهُ ووعيدَهُ، فوجبَ على الخلقِ تصديقُهُم فيما جاؤوا بِهِ". آمنا وصدَّقنا برسل الله. 

رزقنا الله محبتهم ومتابعتهم وحشرنا في زمرتهم اللهم آمين. نسألك إيمانًا دائمًا يباشر قلوبنا، ويقينًا صادقًا حتى نعلم أنه لن يصيبنا إلا ما كتبته علينا، ورضِّنا بما قسمته لنا.

  • (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)[القمر:17].
  • وقال الله تعالى في الآية: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ)[مريم:97] أي: أقدرناهم على النطق بمعاني كلامنا بلسانك -لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- بلسان عربي مبين.
  • وقال الله تعالى في الآية: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [الدخان:58].
  • (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا) [مريم:97]. في سورة مريم وفي سورة الدخان (يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ)

 (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) قال مطر الوراق -كما في البخاري-: هل من طالب علم فيُعان عليه. 

يسّر القرآن: 

  • يسّر تلاوته. 

  • ويسّر فهم معناه لمن تدبّر وتأمّل 

جلّ جلاله وتعالى في علاه.
 

رزقنا الله كمال الإيمان واليقين ويسّرنا لليُسرى وجنّبنا العُسرى، ويسّر لنا تلاوة القرآن والعمل بالطاعات، وأبعد عنا الآفات والأسواء في الظاهر والباطن إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وزادنا وإياكم زيادة وأسعدنا بأعلى السعادة، وتولانا في الغيب والشهادة. 

 

بسرِّ الفاتحة

 إلى حضرة النبي مُحمّد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه

 الفاتحة














الأربعين في أصول الدين - 1 | الذات، التقديس، الحياة والقدرة

 



https://www.youtube.com/live/J9HOWGE9fB8?si=BRgndzAJpMCOCpth


الدرس الأول للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي .

 ضمن دروس الدورة الصيفية الثانية بمعهد الرحمة بالأردن.

مساء الأربعاء 19 صفر 1447هـ


شرح القسم الأول: في جمل العلوم وأصولها (الأصل الأول: الذات، الأصل الثاني: التقديس، الأصل الثالث: الحياة والقدرة)


نص الدرس مكتوب :

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

 

الحمدُ لله رب العالمين حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، والصلاة على رسوله محمد وآله أجمعين، والعاقبة بالفوز والتمكين لِمَنْ بنى الابتداء بالاقتداء على سبيل المتقين .

 

كتبنا من كتاب (الجواهر في القرآن) القسم الثالث المُصنَّفَ للإمام حُجَّةِ الإسلامِ لقَّاهُ اللهُ رضوانَهُ، وأسكنهُ جِنانَهُ ؛ بعدَ إِذْنِهِ لِمَنْ أراد أن يكتب منه هذا القسم مفرداً؛ إِذْ هو قد أفرده بالاسم، وسمّاه كتاب (الأربعين في أصول الدين)؛ فَإِنَّها مُنقسمة إلى علوم يرجع حاصلها إلى عشرة أصول، وإلى أعمال؛ وهي تنقسم إلى أعمال الظاهر وأعمال الباطن، وإنَّ الأعمال الظاهرة ترجع جملتها إلى عشرة أصول أيضاً، وإنَّ العمل الباطن ينقسم إلى ما يجب تزكية القلب عنهُ مِنَ الصفات المذمومة، وترجع مذمومات الأخلاق أيضاً إلى عشرة أصول، وإلى ما يجب تحلية القلب به من الصفات والأخلاق، وإنَّ محمودات الأخلاق أيضاً ترجع إلى عشرة أصول.

فيشتمل قسم اللواحق على أربعة أقسام: المعارف، والأعمال الظاهرة، والأخلاق المذمومة، والأخلاق المحمودة، وكلُّ قسم يتشعبُ إلى عشرة أصول؛ فهي أربعون أصلاً".

 

 

الحمد لله الذي يفتح أبواب المعرفة لمن سبقت لهم منه سوابق السعادة بالتوفيق للعمل والتحقق بحقائق الأعمال والصفات والأخلاق التي بها يتخلقون نشهد أنَّه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، منه المُبتدأ وإليه يرجعون، يعلم ما يُسرون وما يُعلنون، ونشهد أنَّ سيٍدنا مُحمدًا عبده ورسوله الأمين المأمون، بعثه بالهدى ودِين الحقِّ ليظهره على الدين كله ولو كَرِه المُشركون. فصلِّ اللهم وسلم وبارك وكرِّم على من جائنا يتلو علينا آياتك ويزكّينا ويعلمنا الكتاب والحِكمة، إمام الأئمَّة، سيَّد المُرسلين، وخاتم النبيين، مُحمّد بن عبد الله، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الغُرِّ الميامين، ومن والاهم فيك واتبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم.

وبعدُ،، 

فكما سمعتم في هذه الخُطبة، أنَّ الكتاب هذا جزء من كتاب "جواهر القرآن" للإمام -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-، خاطب فيه المؤمن إلى كم يقف على ساحل البحر ولا يغترف من جواهره شيئًا؟ والقرآن البحر  الكبير العظيم، وجواهره فيها المعرفة بالله تبارك وتعالى، وحقائق الأشياء، وأمر الحاضر والمستقبل، وأمر المعاش وأمر المعاد، وأمر الظاهر وأمر الباطن، كما قال: ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) [الأنعام:38]. فتحدث هناك عن واجب المؤمن نحو هذا الكتاب، وذَكرَ مقاصد القرآن العظيم وأرجعها إلى ثمانية مقاصد.

وتكلَّم عن تلك الجواهر المُتعلِّقة بصفات الحق -تعالى- وأفعالِه وصفاته وأسمائه وذاته العلية -جلَّ جلاله- وأخبار النبوة والرِّسالة والمصير والمرجع إليه جلَّ جلاله.

من جُمّلة ذلك في أثناء الكتاب أذِن أن يُكتب هذا الجزء من الكتاب كتابًا مُستقلًا خالصًا؛ لما حواه من أُسس مُهِمة للسائرين إلى الله -تبارك وتعالى- تكفيهم فيما رتَّبه من هذه الأربعة الأقسام. كل واحدٍ من هذه الأربعة الأقسام يتفرع إلى عشرة أصول، فصارت أربعين أصلًا؛ فهي (الأربعين في أصول الدين) فيشتمل: 

  • على المعارف؛ والمعارف لها عشرة أصول.
  • وعلى الأعمال الظاهرة، وهو يشتمل أيضًا على عشرة.
  • والأخلاق المذمومة؛ ويشتمل على عشرة أصول.
  • والأخلاق المحمودة؛ ويشتمل على عشرة أصول.

 

فهو يتحدَّثُ عن ذلك إلى أعمال في الظاهر والباطن، وأعمال الظاهر ترجع جُملتها إلى عشرة، وأعمال الباطن تنقسم إلى ما يجب تزكية القلب عنه من الصفات المذموم؛ ترجع أيضًا مذمومات الأخلاق إلى عشرة أصول، وما يجب تحلية القلب به؛ وهي ترجع إلى عشرة أصول كذلك. والمعارف كذلك، أو أصول الأخلاق أو محمودات الأخلاق؛ ترجع إلى عشرة.

فتبيَّن أنَّه ذكرَ في المعارف عشرة أصول، ثم في الأعمال الظاهرة عشرة أصول، ثم في الأخلاق المذمومة عشرة أصول، ثم في الأخلاق المحمودة عشرة أصول -نفعنا الله بها ومافيها-؛ لأنها عبارة عن شرح لما دُعينا إليه، وأُمرنا به على لسان الحقِّ بلسان رسوله ﷺ، وما رسمه الحقُّ لنا مسلكًا للوصول إليه، وللعمل بشريعته، وللوفاء بعهده على ظهر هذه الأرض. 

فالله يوفقنا للفهم والمعرفة وللعمل والذّوق والتحقُّق، إنّه أكرم الأكرمين.

ويسرد لنا الآن فهرسة لهذه الأقسام العشرة والعشرة والعشرة والعشرة. 

 

وقال -رضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه في الدارين آمين:

"قال أما قسم المعارف فعشرة أصول: أصل في ذات الحق تبارك وتعالى، وأصل في تقديس الذات، وأصل في القدرة، وأصل في العلم، وأصل في الإرادة، وأصل في السمع والبصر، وأصل في الكلام، وأصل في الأفعال، وأصل في اليوم الآخر، وأصل في النبوّة. وخاتمة في التنبيه على الكتب التي منها تُطلب حقائق هذه الأصول.

القسم الثاني في الأعمال الظاهرة وهي عشرة أصول: أصل في الصلاة، وأصل في الزكاة، وأصل في الصوم، وأصل في الحج، وأصل في قراءة القرآن، وأصل في الأذكار، وأصل في طلب الحلال، وأصل في حسن الخلق مع الناس، وأصل في الأمر بالمعروف، وأصل في اتباع السنة. وخاتمة تنعطف على الجميع في ترتيب الأوراد.

القسم الثالث في أصول الأخلاق المذمومة التي يجب تزكية النفس عنها: وهي عشرة أصول: أصل في شره الطعام، وأصل في شره الكلام، وأصل في الغضب، وأصل في الحسد، وأصل في حب المال، وأصل في حب الجاه، وأصل في حب الدنيا، وأصل في الكبر، وأصل في العُجب، وأصل في الرياء. وخاتمة تنعطف على الجملة في مجامع الأخلاق ومواقع الغرور منها.

القسم الرابع في أصول الأخلاق المحمودة وهي عشرة أصول: أصل في التوبة، وأصل في الخوف والرجاء، وأصل في الزهد، وأصل في الصبر، وأصل في الشكر، وأصل في الإخلاص والصدق، وأصل في التوكل، وأصل في المحبة، وأصل في الرضا بالقضاء، وأصل في ذكر الموت وحقيقته.  وأصناف العقوبات الروحانية، وخاتمة تنعطف على الجميع في التفكر والمحاسبة.

فهذه فصول الكتاب وترجمتها، وهو القسم الثالث من أقسام كتاب "الجواهر"، وهو قسم اللواحق.

ولعلك تقول: هذه الآيات التي أوردتها في القسم الثاني تتشتمل على أصناف من العلوم والأعمال مختلطة، فهل يمكن تمييز مقاصدها وشرح جملها على وجه من التفصيل والتحصيل حتى يمكن معه التفكر في كل واحدة منهما على حيالها، ليعلم الإنسان تفصيل أبواب السعادة في العلم والعمل ويتيسر عليه تحصيل مفاتيحها بالمجاهدة والتفكر؟ فأقول: نعم ذلك ممكن، وأنا أميزه لك إن شاء الله تعالى، فإنه ينقسم جمل مقاصدها إلى علوم وأعمال، والأعمال تنقسم إلى ظاهرة وباطنة، والباطنة تنقسم إلى تزكية وتحلية، فهي أربعة أقسام: علوم، وأعمال ظاهرة، وأخلاق مذمومة تجب التزكية عنها، وأخلاق محمودة تجب التحلية بها. وكل قسم يرجع إلى عشرة أصول. واسم هذا القسم (كتاب الأربعين في أصول الدين). فمن شاء أن يكتبه مفردًا فليكتبه، فإنه يشتمل على زبدة علوم القرآن".

 

 هكذا زبدة علوم كتاب الله -تبارك وتعالى- الجامع للخير كله. فالله يرزقنا السِّعه في العلوم والفهوم فيها، ويرزقنا القيام بالأعمال على الوجه الذي يرضيه، ويَخلِّينا -سبحانه وتعالى- عن الأخلاق المذمومة كلها ويصفّينا عنها، ويثبتنا على الأخلاق المحمودة ويُحلِّينا بها، ويجعلنا من الرَّاسخة أقدامهم فيها. اللهم آمين، اللهم آمين، اللهم آمين.

فهذا هو البيان عن (الأربعين في أصول الدين)، فيبدأ في جُمل العلوم وأصولها في المعارف، وهي عشرة أصول.

 

وقال -رضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه في الدارين آمين:

القسم الأول: في جُمل العلوم وأصولها وهي عشرة.

الأصل الأول:

 في الذات

 

"فنقول: الحمدُ لله الذي تعرّف إلى عباده بكتابه المُنزل على لسان نبيه المرسل، بأنه في ذاته واحد لا شريك له، فرد لا مِثل له، صمد لا ضد له، متوحد لا ندّ له. 

وأنه قديم لا أول له، أزلي لا بداية له، مستمر الوجود لا آخر له، أبدي لا نهاية له، قيوم لا انقطاع له، دائم لا انصرام له، لم يزل ولا يزال موصوفًا بنعوت الجلال، لا يَقضي عليه بالإنقضاء تَصرُّم الآماد وانقراض الآجال، بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم".

 

هذا أوّل ما يجبُ على كل مُكلف فيما أرسل الله -تعالى- أنبياءه إلى عباده: أن يعرفوا الله؛ والمعنى: يعرفوا وجود ذاته العليّة وصفاته السنيَّة سبحانه وتعالى. فجعل هذا الأصل الأول فيما يتعلَّق بذات الإله -سبحانه وتعالى- من خلال معرفتنا بالصِفات اللازمة الثابتة المُتعلقة بالذات، وأشار إلى أنَّ الحق تعرَّف إلى عباده بكتابه المنزل على لسان نبيه، وأنَّ أوسع أبواب المعرفة بالله والإهتداء إلى تحصيل النصيب منها هو من خلال الإصغاء والاستماع إلى كتاب الله ووحيه وما أنزله على رسوله، وما بيّن هذا الرسول ﷺ فيما أوحى الله إليه.

  • فلا يتوصّلُ إلى اليقين إلا بحُسن الإصغاء والاستماع إلى ذلك والعمل بمقتضاه.
  • وغاية العقل أن يهدي أو يدُل صاحبه على أنّ لهذا الوجود مُوجِد، ولهذا الكون مُكوِّن، ولهذا الخلق خالِق ضرورة، فيهتدي إلى ذلك.
  • ولكن لا يستطيع أن يعرف ما هي صفات هذا الحق وماهو معنى ذاته وبقية صفاته إلا من خلال تعرُّف الحق نفسه إلى عباده فيما أوحاه على نبيه ﷺ. 

وكذلك الأمم من قبلنا فيما أوحاه إلى أنبيائهم، فبإصغائهم إلى ما أُوحيَ إلى أنبيائهم ينالون نصيبًا من المعرفة بالله -تبارك وتعالى- على العموم أولًا، ومنهم من يترقىَّ إلى الخُصوص، فيكون شأنه في المعرفة أدقّ وأحقّ وأوثق وأقوى وأعظم. وجميع ما ينالونهُ من المراتب والمقامات ولذائذ الروح في الدنيا، ثم في البرزخ، ثم في القيامة، ثم في الجنة؛ مُرتبٌ على قدِرِ هذه المعرفة بالله. 

فمن كان بالله أعرف؛ فهو أشرف، وهو أذوق، وهو شأنه أحلى في جميع أنواع النعيمّ، وفي جميع ما يواصَل به المؤمنون وهم في الدنيا قبل الآخرة من أذواق القُرب والمعرفة والمحبّة والرِّضا وما تعلَّق بذلك من لذة المناجاة وما يدخل فيها، ثم ما يكون من نتائج ذلك في البرزخ، ثم في مواقف القيامة، وحتى عند العرض عليه -جلَّ جلاله- ثم في دار الكرامة والنّعيم الدَّائم المُقيم؛ النّصيب من كل ذلك على قدر المعرفة بالله، فلا شيء أعلى من المعرفة بالله، ولا شيء يحصّله مخلوق في السماء أو في الأرض أجلّ وأجمل من معرفته بالله، وإنَّ هذه المِعرفة مَعرفة عامة ومعرفة خاصة. 

وعلى المَعرفة الأساسية والعامة يقوم الدخول في الدِّين وحقائق الإسلام والإيمان، ويُترقّى بها إلى مراتب الإحسان إذا قام بها على وجهها أفضت به إلى المعرفة الخاصة، وذلك نتيجة للتحقق بهذه المعرفة الأوّلية.

فتحدَّث -عليه رضوان الله- أنَّ الله تعرّف إلينا في كتابه على لسان رسوله بأنَّه في ذاته واحدٌ لا شريك له. 

  • وقال: (وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ) [البقره:163].
  • ولما سألوه: صِف لنا ربِّك؟ أنزل: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص:1-4]

يقول: تعرّف إلينا إلهنا الذي خلقنا "بأنه في ذاته واحد لا شريك له"؛ لم يشاركه في الخلق ولا في الإيجاد ولا في الإبداع شيء من الكائنات. "كان الله ولم يكن شيء غيره" كما جاء في صحيح البخاري: "كان الله ولم يكن شيء معه"، فخلق الخلق، فكل ما سِوى الله ففعل الله، كل ما سِوى الله مخلوق لله. فلذا لا يوجد في الوجود إلا الله تعالى وأفعاله، وأفعاله جميع الموجودات بأصنافها وصفاتها كلها فعله -سبحانه وتعالى- وكلها خلقهُ وإيجاده. قال تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ) [الزمر:62].

 

"فهو في ذاته واحد لا شريك له، فردٌ -متفرد: مُتنزه- لا مثلٍ له"؛ لا يُماثله ولا يُناظره ولا يشابهه شيء من الكائنات كلها، من أولها إلى آخرها، لا يُشبهُهُ منها شيء ولا يُشبِهْهُ منها شيءٌ -جلَّ جلاله- فهو أجلّ وأكبر، وهذا من معاني قولنا الله أكبر:

  • أكبر من أن يُشابه شيئًا من الكائنات.
  • أو أن تشابهه شيء من الكائنات.
  • أو أن يحيط به شيء من جميع المخلوقات.

فهو أكبر من كل ذلك -جلَّ جلاله-،وليس المُراد نسبته إلى غيره من الكائنات أنّه أكبر، كيف أكبر؟ أكبر من ماذا؟ من مخلوقاته وكائناته؟ وهل من نسبة بينه وبين الكائنات حتى تقول هو أكبر؟ شيء كبير! وأما المخلوقات في أصلها عدم، ومن الوجه الذي أوجدها وخلقها فهو وجهه، فلا يقال الله أكبر من وجهه؛ ولكن:

  • الله أكبر مِن أن يُحاط به.
  • الله أكبر مِن أن يشبهه شيء.
  • الله أكبر مِن أن يُتخيل بخيال أحد.
  • الله أكبر من أن يُحاط بوصفه أو أسمائه فضلًا عن ذاته العلية.

فهذا معنى الله أكبر رزقنا الله حقيقة التكبير له.

 

"فرد لا مثل له، صمد لا ضد له"؛ يعني: يُصمد إليه أي: يُقصد في الحوائج والشدائد، لا يمكن أن يكون له ضد، فإنّه لا يحدث حدث إلا بإرادته وقضائه وقدره -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-، ولا يملك شيء من مخلوقاته أن يعلو عليه، ولا أن يضاده، ولا أن يكون على غير إرادته -جلَّ جلاله-.

"صمدٌ لا ضد له"؛ فالصّمد: الذي يُصمد إليه، يُقصد على الدوام في الحوائج والشدائد، والأمر له.

"مُتوحد لا ند له"؛ لا يمكن أن يكون له نديد، لا يمكن أن يكون له ضد، لا يمكن أن يكون له مُماثل ولا شبيه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11]. 

تعرّف إلينا الحق بهذا في آيات كثيرة وبيانات على لسان رسوله ﷺ، وأخبرنا أنَّه الأول

  • (هُوَ الْأَوَّلُ) وهذا معنى قوله: "وأنه قديم"؛ أي: وجوده ذاتي، لا افتتاح لوجوده، لا ابتداء لأوليته.
  • (هُوَ الْأَوَّلُ)؛ الأولية المُطلقة، وجوده ذاتي، موجود بذاته، وهذا وصفه الذي لا يوجد في شيء من جميع الكائنات والمخلوقات، لا علويها ولا سُفليها، لا سماويها ولا أرضيها، لا دنيويها ولا أخرويها، لا شيء من هذه الكائنات إلا وكان عدمًا ثم وُجد، لكن هو موجود بذاته، (هُوَ الْأَوَّلُ).

 

"قديمٌ لا أول له، أزليٌّ"؛ أي: موجود بذاته لا بداية له.. ماشي له بداية، موجود بلا بداية -سبحانه وتعالى-، فهو أصلُ جميع الكائنات والموجودات، جميعها فعله وليس لها من مُوجد ولا خالق ولا مُصوّر سواه، فهذا معنى قوله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ) .

 

ومعنى قوله -سبحانه وتعالى-: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) [الحديد:3]؛ أنّه مُستمر الوجود لا آخر له، أبديٌّ لا نهاية له: 

  • فكما لا ابتداء لأوليته، فلا انتهاء لآخريته.
  • وكما أنّه موجود بذاته، فهو دائم بذاته -سبحانه وتعالى- أبدي لا نهاية له؛ وهذا معنى قوله (وَالْآخِرُ).

وبهذا تعلم أنّه لما يأتي وصف من أوصاف الله أو اسم من أسمائه فيطلق عليه، فيكون معناه غير ما يطلق هذا الوصف على أي كائن من الكائنات، قد يقال: هذا أول، أول في وصوله للمُصلى هنا أو الأول أي: هذا الأول في الاختبار؛ طلع الأول، لكن هذه أولية بعيدة من معنى "الأول" عندما يُنسب الأول لله تعالى، لا قربى من قريب لها بأي وجه من الوجوه، هذا معنى آخر.

فكُل اسم أُطلق على الإله: فمعناه أمر عظيم لائق بذات الإله، لا يشابه الكائنات في شيء؛ فمهما سُمي أي شيء آخر "أول" فأوليته نسبية، إضافية، حادثة، وقد سبقته أشياء كثيرة. 

ولكن الأول على الإطلاق هو الله. 

  • فإذا قلنا الله هو: الأول: فالأول هنا ليس كما نقول لأي شيء "أول".
  • وإنْ قيل: القلم الأول، أو العرش الأول، أو الكرسي الأول، أو قلنا: العقل الأول، كلها أولية حادثة، وأولية بمعانٍ تليق بالكائنات والمخلوقات، وهذه الأولية بالنسبة للخلق بعيدة جدًا عن معنى الأولية للحق -جلَّ جلاله-.

 وكذلك إذا قلنا الآخِر: 

- إذا قلنا الآخِر لأي مخلوق: آخر واحد وصل، أو آخر واحد يقوم، أو آخر واحد في ترتيب الصف في المدرسة، وإلا آخر... لكن أين هذه الآخرية؟ 

- إذا قلنا "الله الآخر"، يعني: دائمًا مؤبدًا لا نهاية له. وأين هذا؟ هذا ما ينطبق على أحد؛ ما يتأتّى لأحد من الكائنات أن يُوصف بالآخر بهذا المعنى أصلًا. 

وهكذا جميع الأسماء والصفات، إذا انطلقت على الحق فمعناها بعيد عما يوصف به الخلق. وإذا انطلقت على المخلوقين فمعناها لائق بذوات المخلوقين وشؤونهم ونقصهم. فلا هناك مشابهة ولا مماثلة وإن كان اللفظ واحدًا: أول وأول، وآخر وآخر، وظاهر وظاهر، وباطن وباطن، وعالم وعالم؛ هذا بمعنى وذا بمعنى ثاني آخر بعيد لا يشابههُ هذا المعنى ولا يماثله قط.

 

"مستمر الوجود لا آخر له، أبديٌّ لا نهاية له". تعرّف إلينا -سبحانه وتعالى- في كتابه على لسان رسوله أنه قيوم، قال تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة:255]. قيوم لا انقطاع له: 

  • قائم على كل نفس بما كسبت.
  • قائم على التقديم والتأخير، والنفع والضُر، والرفع والخفض، والإعطاء والمنع، والتصوير، وجميع ما يتعلّق بشؤون الكائنات. 

وما من شيء ولو ذرة في الكون، خارجة عن قيوميته، ما خلق شيئًا من الكائنات وسيّبه وتركه لغيره. 

  • (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[المائدة:120].
  • (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ)[الملك:1]. 

فهو قيوم -جلَّ جلاله- لا تقديم إلا به، ولا تأخير إلا به، ولا نفع إلا به، ولا ضُر إلا به، ولا عطاء إلا به، ولا منع إلا به، ولا رفع إلا به، ولا خفض إلا به؛ فكل ما يجري في الوجود فالحق قيوم عليه، قائم به لولاه ما كان. فهو قيوم لا انقطاع له.

 

"دائم لا انصرام له. لم يزل ولا يزال موصوفًا بنعوت الجلال والعظمة والكبرياء، لا يقضى عليه بالانقضاء تصرُّم الآماد وانقراض الآجال"؛ فالآماد والآجال مخلوقة بخلقه، هو المتحكم فيها، وجعلها مؤثرات على الكائنات، سواءً كانت شجرة أو حيوانًا أو إنسانًا، مرور الوقت عليه يؤثر فيه ويقضي عليه ويبدله؛ لكن الحقّ تعالى منزه عن مثل ذلك، فهو على ما هو عليه كان، لا يغيره شيء، يغيِّر ولا يَتغيّر، ويُبدِّل ولا يتبدل، ويقدِّم ويؤخِّر، ويرفع ويخفض، ويعطي ويمنع، ويُعز ويُذل. (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:26]. 

فهذه العوارض العارضة للكائنات من بداية خلقها إلى أي نهاية كتبها لها، قائمة بعينه وإرادته وقدرته ونظره. فهو قيوم عليها -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-. 

ولا تؤثر فيه مُرور الأيام، هو خالق الليالي وخالق الأيام وخالق الزمن. جعل الأزمنة مؤثرة في الكائنات، تطوّل ذا وتقصّر ذا، وتُحيي ذا وتُميت فيها ذا، ويحيي فيها ذا؛ لكنه لا تمرّ ولا يؤثر عليه شيء، بل هو المؤثر في كل شيء -جلَّ جلاله- بل: "هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم".

فإذا قيل: إن الله عليم، من وصفه العلم، فلا معنى يقارب أن نصف إنسانًا بأنه عليم أو عنده علم أصلًا لا من قريب ولا من بعيد. عِلم كل عليم من أول الخلق إلى آخرهم:

  • حادث.
  • ومحصور.
  • ومحدود.
  • ويقبل الزيادة ويقبل النسيان والنقص. 

هذا علم الخلق، كل عالم من خلقه؛ فهذه كل النقائص ليست في علم الله تعالى. وإذا قلنا الله عليم، فليس فيه شيء من هذا قط، علمه أزلي أبدي محيط بكل شيء. 

وهكذا تعالى أن يشابه خلقه أو يُشابهُ أحد من خلقه. (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ). 

آمنا بالله كما هو.

فهذا الأصل الأول من أصول المعرفة في الذات، نتعرفّ ما ذات ربنا وما صفاته؟ لا نستطيع إلا أن نتعلم من صفاته هذا التقديس، وهذا التعظيم، وهذا الإجلال، وهذه الخصائص التي لا يمكن أن تكون لمخلوق أصلًا كائنًا من كان. 

ويواصل لنا -عليه رضوان الله تعالى- معاني هذه المعرفة الأولية بالله -تبارك وتعالى- والعلم بصفاته.

 

وقال -رضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه في الدارين آمين:

الأصل الثاني

في التقديس

 

"وأنه ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدود مقدَّر، وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام. وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر، ولا بعَرَضٍ ولا تحله الأعراض. بل لا يماثل موجودًا ولا يماثله موجود، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، ولا هو مثل شيء. وأنه لا يحدّه المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرض والسماوات".

 

يقول -عليه رضوان الله تعالى- في التقديس لله، ومعنى التقديس: التنزيه له -سبحانه وتعالى- والتسبيح، تسبيحه وتقديسه وتنزيهه عن كل ما لا يليق بعظمته، فمنها مسألة الأجسام المُصورة، وهذا أمر ملازم لكل جسم مصور، من العرش إلى ما تحت الثرى، كلها أجسام مصورة، فهذا وصف الكائنات الجِسمانية، والحق منزه عن ذلك، "ليس بجسم مُصور ولا جوهر محدود مقدّر". 

فإن 

  • الجوهر: ما قام بنفسه من الكائنات هذه والأجسام.
  • والعَرَض: ما لا قيام له بنفسه إلا من خلال ذلك الجوهر.

فمثلًا: جسم الإنسان جوهره، وأمّا طوله وعرضه هذه أعراض ليست بجواهر؛ ما يمكن شيء طويل من دون جسم.. كيف يعني! بس هو طويل بس ما في جسم..! الطول ما يقوم إلا بجسمانية، فلا بُدَّ من جسم ليقال إنه طويل أو قصير. فالطويل والقصير هذه أعراض، أبيض، أسود، أحمر، أصفر، هذه أعراض؛ 

  • فالعَرض: ما يقوم بغيره.
  • والجوهر: ما يقوم بنفسه. 

فهذه الجواهر والأعراض في الكائنات والجسمانيات الموجودة بأعراضها في العوالم العلوية والسفلية، لا يشابهها ولا تشابهه، "فليس هو بجسم مصوّر، ولا جوهر محدود مقدّر، لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في الانقسام"؛ الأجسام تقبل القسمة، وتقبل التعدّد، وهذا شي كله وصف الكائنات والمخلوقات مُنزّه عنه الخالق المكون -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-.

لهذا قال: "ليس بجوهر ولا تحله الجواهر"، لا يحل في شيء من الجواهر وهذه الكائنات. 

"ولا بعَرَضٍ يقوم بالجواهر ولا تحله الأعراض، بل لا يماثل موجودًا"؛ من جميع ما أوجد "ولا يماثله موجود". 

والحال كما وصف نفسه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)[الشورى: 11]. 

"ولا هو مثل شيء"، لا إله إلا هو آمَّنا به.

"وأنه لا يحدّه المِقدار"، فهذا شأن المخلوقات، سواء كانت حسيات أو معنويات، لها قدر واحد محدود؛ فسواء جسمك أو وجودك أو سمعك أو بصرك كلها لها حدود ولها مقدار مُحدّد به ما تتجاوزه. فهذه شؤون الكائنات والأجسام، وهو الحق منزه عنه. "لا يحدّه المقدار، "ولا تحويه الأقطار". وما هي الأقطار؟ لم يكن قطر ولا شيء، ولكن هو الذي خلق هذه الأقطار، فهي مُجرد أفعال من أفعاله، هو المحيط بها وبكل شيء، حاشا أن تحويه أو أن يحل في شيء، أو أن يحلّ فيه شيء، تعالى الله عن الحلول في شيء أو عن أن يحلّ فيه شيء،فهو رب كل شيء، وهو المُنزّه عن مشابهة أي شيء.

 

"ولا تحيط به الجهات"، لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف. هذه حوادث بحدوث هذه الهيئة للإنسان. 

ولمَّا خُلق الإنسان:

  • جُعِلَ له جانبً قوي، وجانب أضعف غالبًا؛ فسُمي: هذا أيمن وهذا أيسر.
  • وجانب بتلقاء وجهه: هذا سُمي قُدّام وأمام.
  • وجانب وراء ظهره: يُسمى خلف ووراء.
  • وجانب الذي يلي رأسه: يسمى فوق.
  • وجانب يلي رجلاه -قدمه-: يسمى تحت.

هذا الآن خلفه كذا يقول كذا، ورجع خلفه كذا، ويقول كذا، ويرجع خلفه كذا، ما هناك شيء اسمه خلف ثابت إلا بوجود الجسم، جاء خلف، وجاء أمام، وجاء قدّام، وجاء وراء، وجاء يمين، وجاء يسار، وجاء فوق وجاء تحت، هذا شأن الكائنات.

أما الحق، لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ولا قدام ولا وراء؛ الجهات الست كلها هو مُنزّه عنها -جل جلاله-، ولا تحيط به وهو يحيط بها كلها، وهو خالقها والمتصرف فيها. رزقنا الله كمال الإيمان واليقين.

 

"لا يحدَّ المِقدار ولا تحويه الأقطار. ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرض والسماوات"؛ بل هو المُحيط بها، وهو الماسك لها، وهو المسيّر المدبر لشأنها جلّ جلاله: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ) [فاطر:41]؛ أي: ما أمسكهما من أحدٍ من بعده، لا يقدر أحد أن يُمسك الأرض ولا يمسك السماء.

والمغترون على ظهر الأرض مهما اغتروا لا يستطيعون أن يمسكوا بقعة من الأرض عن اهتزاز -عن هزة أرضية-، ولا عن خسف ولا عن زلزال. حتى الدول المتقدمة يجئ فيها زلزال!! لا كرسي حق قائد وحق ملك يجيء زلزال، ما يملكون شيئًا في الأرض ولا تسييرها، ما عدا ما اختبر الله به عباده من هذه الأمور الحسّية (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ)[الملك:2]؛ فيما آتاهم والملك له وحده جل جلاله وتعالى في عُلاه.

فهو الذي يُسيّر هذه السماوات والأرض ويمسكها ويقدّرها ويطورها وينهيها متى ما شاء على ما يشاء -جلّ جلاله-.

 

وقال -رضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"وأنه مستوٍ على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواء مُنزّهاً عن المُماسة والاستقرار، والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، بل العرش وحَمَلَتُهُ محمولونَ بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته.

وهو فوق العرش، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قربًا إلى العرش والسَّماءِ، كما لا تزيده بعداً عن الأرض والثرى، بل هو رفيع الدرجات عن العرش، كما أَنَّهُ رفيع الدرجاتِ عن الثرى.

وهو مع ذلك قريبٌ مِنْ كلّ موجود، وهو أقرب إلى العبيد مِنْ حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد؛ إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام، كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام.

وأَنَّهُ لا يَحُلُّ في شيء، ولا يَحُلُّ فيه شيء، تعالى عن أن يحويه مكان، كما تَقدَّسَ عن أن يَحُدَّهُ زمان، بل كان قبل أن خلق الزَّمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان.

وأنَّه بائن عن خلقه بصفاته، ليس في ذاته سواه، ولا في سواه ذاته.

وأَنَّهُ مُقدَّس عنِ التَّغير والانتقال، لا تَحلُّهُ الحوادث، ولا تعتريه العوارض، بل لا يزال في نعوتِ جلالِهِ مُنزَّهاً عنِ الزَّوالِ، وفي صفات كماله مستغنياً عن زيادة الاستكمال.

وأنَّه في ذاته معلومٌ الوجود بالعقول، مرئيٌّ الذات بالأبصار، نعمة منه ولطفًا بالأبرار في دار القرار، وإتمامًا للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم". جلَّ جلاله وتعالى في علاه. 

 

يقول فيما جاءنا من تعرُّفه في القرآن، أوصافه في القرآن قوله تعالى: 

  • (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه:5].
  • (ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف:54]، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

هذا الاستواء، كما ذكرنا في "الأول"، كما ذكرنا في "الآخر"، كما قلنا في: "القادر"، كما ذكرنا في: "العليم"، كما ذكرنا في "الرحيم"؛ كلها أوصاف لا تشابه صفات الكائنات والمخلوقات. 

فإذا قلنا (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى):

فلا معنى للاستواء الذي يكون في الأجسام، لا بالقعود عليها، ولا بالقيام فوقها، ولا بالجلوس، لا شيء من جميع هذه التصورات للجسمانيات؛ استواؤه -سبحانه وتعالى- على الوجه اللائق به وهو بعيد عن تصور الأذهان

لهذا قال "مستوٍ على العرش على الوجه الذي قاله"، قال: (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).. هل يمكن أن يكون استواؤه كاستواء كائن على كائن! جسم على جسم! استغفر الله العظيم. 

لا علمه كعلم المخلوقين، ولا استواؤه كاستواء المخلوقين، ولا أوصافه كشيء من أوصاف المخلوقين. والاستواء على العرش كذلك (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ)[الشورى:11].

قال: "على الوجه الذي قاله، بالمعنى الذي أراده"؛ ولم يكلفنا أن ندرك هذا المعنى ولا نعرفه، يكفينا أن نؤمن أنه كما قال على العرش استوى، وأن هذا الاستواء لائق بجلاله لا يشابه استواء الكائنات من قريب ولا من بعيد؛ هذا يكفينا، وهذا الذي أُمرنا به ولم نكلّف غير ذلك. 

لهذا يقول: "استواءً منزهًا عن المماسة والاستقرار"، فهذا بين الأجسام والأجسام، ليس بين مخلوق وخالق.

"عن المُماسة والاستقرار"، هذه شؤون وأوصاف الأجسام.

"والتمكن والحلول والإنتقال"، فالعرش وحملة العرش، ومن فوقه ومن تحت، محمولون بلطف قدرته، وهو الحامل لهم جل جلاله: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)،  يحمل العرش.. نعم؛ لكن الذات أعلى وأجل وأكبر من أن يكون لها وصف حملٍ وغيرها، هذه أوصاف الكائنات، أوصاف الجسمانيات، والحق مِنزه عن ذلك، (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص:4].

فما معنى الاستواء؟ 

المعنى الذي أراده -سبحانه وتعالى- على الوجه الذي قال، لسنا بمكلفين بإدراكه، كما لا نستطيع أن نحيط بصفات قدرته ولا إرادته ولا علمه، فلا نحيط بمعنى استوائه -جلَّ جلاله-. فهو على الوجه الذي قاله، وهذا الذي كُلفنا به وأُمرنا بالإيمان به.

 

قال: "لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته". 

(مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا)[هود:56]. فالذين يريدون أن يمثلوا من استواء العرش تمثيل الأجسام يقولون: "وآخذ بناصيتها"، كيف هذا؟ هاتها على التفسير حقك ورجّعه الآن عند النواصي ولا في العرش؟ يا أبله! يا بليد! الحق أكبر وأجلّ من أن يحل في مكان أو يحل فيه مكان. (هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) على الحقيقة. 

وبعضهم ينكر المجاز في اللغة، هذا حقيقة! طيب، على الحقيقة، وبعدين (عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) على الحقيقة.!! وبعدين رجع فين؟ هنا عند النواصي آخذ بناصيتها ولا فوق العرش؟ وبعدين يؤول يقول: " بقدرته"، بسم الله الرحمن الرحيم، خلاص سلم بالتأويل وخذه لك، وابعِد لك عن التشبث بأن تشبهه، من التشبث بأن تجسّمه. فالأجسام وأعراضها ومعنويات المخلوقات كلها، هو أجلّ منها وأكبر -جلّ جلاله- ولا يحل فيه ولا تحل فيها، ولا تشابهه ولا يشابهها. هكذا عقيدة الأنبياء وأتباعهم -عليهم صلوات الله وتسليماته-، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11].

 

يقولُ: "وهو فوق العرش"؛ لكن إيش من فوقية! ليست فوقية مسافة، وفوق السماء وفوقك أو لا؟   (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ)[الأنعام:18]، وأنا واحد من عباده، وهو فوقي!..فوقي؟! أين ذِكر الذات أو ذِكر المكان؟! وهذه الفوقية. ويقولون عندهم باللغة التي نزل بها القرآن، لغة العرب: "فلان فوق فلان"، هل يجيء واحد يتصور -يحس كذا فوق رأسه- ينظر، يقول: لا أحد فوقه، لا ليس فوقه؟ وقد يكون هذا الفلان الدي فوقه يقول لك مثلًا: الملك فوق الأمير. يجيء أحد يقول تكذب أنت؟ أنا رأيت الأمير لا أحد فوقه -ملك-، الأمير كان في الطابق الخامس، والملك عند السيارة في الأرض، كيف فوقه؟ هل هذا فوق أم هذا فوق؟ يقول لك: المسافات والجسمانيات، جسم هذا في مكان وهذا في مكان، أما الفوقية المعنوية؛ أبعد لك عن البلاهة حقك والبلادة. هذا فوقه ويكون في أي مكان، فوقية معنوية ليست جسمانية. يقال: لا، انظر! الملك تحت، ماشي تحت، هو في المنزلة فوق، وإن كان ذا صعد للطابق مائة حتى، فوقه.. فوقه في الرتبة، في المكانة. ما دخلنا في هذه الجسمانيات. فإذا أردنا نفسر الفوقية للرب فوقية الجسمانية أعوذ بالله من غضبه-؛ شبّهناه بخلقه، فهو فوق كل شيء، (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ)؛ كما أنه فوق العباد، وفوق السماء، وفوق الأرض، وفوق العرش، وفوق الملائكة، وفوق الجنة، وفوق النار، وفوق كل شيء سبحانه، -جلّ جلاله-. هذه فوقية معنوية لا دخل لها بالجسمانية ولا بالمسافات. 

"فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قربًا إلى العرش والسماء، ولا تزيد بعدًا عن الأرض والثرى"، الكل في قبضته، وهو أقرب إلى الواحد منّا من حبل الوريد كما ذكر -سبحانه وتعالى-. 

فقُرْبه معنوي، وفوقيّته معنوية، وأخذه بالنواصي معنوي، كلها أمور ليس لها دخل في الأجسام. تريد لك صنمًا أم ماذا ؟ تريد صنم أم تريد ربًّا منزهًا كما وصف نفسه؟ ولا نقدر نعرفه إلا من خلال ما تعرّف إلينا -جل جلاله-.

قال: "بل هو رفيع الدرجات عن العرش"؛ كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى، فهو أرفع من كل شيء، وأعلى من كل شيء، وهو أجل وأكبر من أن يحيط به عرش وأن يحدّه عرش، كما أنه أكبر وأجل من أن يحدّه هذا الكأس، تنزّهّ عن أن يحدّه هذا الكأس كتنزّهّ عن أن يحدّه العرش سواء بسواء. هو مُنزه عن هذا تمامًا، لا فرق بين أنه مُنزه عن أن يحدُّه عرشه، أو أن يحدُّه أي شيء في الوجود والكائنات؛ بل هو الذي يحيط بكل شيء ولا يحيط به شيء، وهو بكل شيء محيط جلّ جلاله. 

 

قال: "وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد".

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)[ق:16]؛ ما هذا القرب العظيم؟ ومع ذا، هذا قرب جسماني أو معنوي؟ ما لك وللأجسام أنت؟ تريد صنم أم ماذا؟ الأجسام كلها مخلوقة، الأجسام من أولها إلى آخرها مخلوقة. نحن نتحدث عن الخالق -جلّ جلاله- ليس بجسم. فالقُرب قُرب معنوي، قربه معنوي -سبحانه وتعالى- فأقرب إليَّ من حبل الوريد. حبل الوريد داخل وسط حلقي وعند قلبي، وكيف هذا؟ هو أقرب إليّ من هذا. ليس مثله، حاشاه عن المثلية! أقرب، يعني قرب لا حدَّ له ولا يتصور. فقال:

  • (أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) جلّ جلاله.
  • (وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [سبأ:47].
  • (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ)[الأعراف:6-7]. شهيد على كل شيء -جلّ جلاله-.

"وعلى كل شيء شهيد، إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام، كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام. وأنه لا يحل في شيء، ولا يحل فيه شيء -تعالى الله- تعالى عن أن يحويه مكان، كما تقدّس وتنزّه وترفع عن أن يحده زمان. بل كان قبل أن يخلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان".   

 

فالحمد لله القديم الأول **** الآخر الباقي بلا تحوّل

 

التحولات هذا شأن الكائنات، أن تتحول من حال إلى حال، من طور إلى طور، مسكينة، مصنوعة، كائنة. أما هو؛ على أعلى معاني الكمال من الأزّل إلى الأبد -جلّ جلاله وتعالى في عُلاه-.

 قال: "وأنه بائن"؛ يعني: لا يُماثل شيئًا من خلقه. 

"بائن عن خلقه بصفاته، ليس في ذاته سواه، ولا في سواه ذاته"؛ ذاته العليّة لا تحل فيها سواه، وليس سواه يحل في ذاته.

"وأنه مقدَّس عن التغير والإنتقال، لا تحله الحوادث ولا تعتريه العوارض"؛ فما تحلُّه الحوادث فهو حادث.

"بل لا يزال في نعوت جلاله مُنزّهًا عن الزوال، وفي صفات كماله مستغنيًا عن زيادة الاستكمال". فهو رب الكمال، والكمال كله له، وما يقال لغيره من الكائنات كامل إلا كمالًا بمعنى آخر، وهو كمال نسبيٌّ حادثٌ محدود؛ أما إذا قلنا لله كمال فهذا الكمال المُطلق.

وأول نقص لكل من وُصِف بالكمال من خلقه لهم رُتب كمال:

  • الشجرة لها رتبة كمال.
  • والبيت له رتبة كمال.
  • والعرش له رتبة كمال.
  • والإنسان له في العلم رتبة كمال.
  • والبصر له رتبة كمال ورتبة نقص.

لكن كل هذه الموصوفة بالكمال، كلها فيها نقص الحدوث. ليس منها موجود بذاته كلها؛ لكن كمالهُ هو ما له دخل في هذا؛ كمال مطلق.. كمال مطلق. مهما كان كاملًا في الخلق، لكنه حادث ويقبل العدم، وأصله عدم. إيش من كمال! بس خلاص، كمال نسبي، كمال مقيّد بقيد، كمال بالنسبة؛ أما الكمال الِمطلق فله وحده سبحانه وتعالى.. سبحانه. 

قال: فهو ما يحتاج إلى أن يكتسب كمال؛ أما غيره يترقى في الكمال وكماله قابل للزيادة، هذا غيره. أما هو؟ هو في منتهى الكمال أزلًا وأبدًا. لا إله إلا هو. 

 

وقال -رضي الله عنه وعنكم ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

الأصل الثالث 

في الحياة والقدرة

 

"وأنَّه حيّ قادر جبَّار قاهر. لا يعتريه قُصور ولا عَجْز، ولا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم، ولا يعارضه فناء ولا موت. 

وأنَّه ذو الملك والملكوت، والعزة والجبروت، له السلطان والقهر، والخلق والأمر، والسموات مطويات بيمينه، والخلائق مقهورون في قبضته. 

وأنَّه المتفرَّد بالخلق والاختراع المتوحد بالإيجاد والإبداع، خَلقَ الخَلقَ وأعمالَهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، ولا يشذّ عن قبضته مقدور، ولا يعزُبُ عن قدرته تصاريف الأمور، لا تُحصى مقدوراته ولا تتناهى معلوماته". 

جلَّ جلاله. 

فهذه أصول ثلاثة من عشرة، كفيلة إذا استشعرنا معانيها وحقائقها أن تملأنا بالإله تعظيمًا، وإجلالًا، وإكبارًا، ومراقبة له في أحوالنا، وأن ننام ليلتنا على حال أحسن مع هذا الإله، ونصبح على حال أجمل معه -جلّ جلاله- في تقديسه وتعظيمه وإكباره.

ذكرَ لنا الأصلين: الأصل الأول في الذات، والثاني في التقديس، وهذا في الحياة والقدرة. 

من أوصافه الحياة والقدرة. فتعرّف إلينا في كتابه على لسان رسوله أنه حي قادر؛ وهذه الحياة ليست مثل حياة شجرة، ولا حياة آدمي، ولا حياة حيوان؛ حياتهم طور من أطوار الخلق، يتعلّق بحدوثه في مدة وقابل للزوال، دعك من هذا. الحق حي.. حي.. حيٌّ الحياة الأزلية الأبدية، حياة ليست بسبب، ولا مكتسبة من شيء، فهو حي بذاته -جلّ جلاله-، وما سواه من حي إلا وهو بإحيائه؛ لا شيء غيره حي إلا بإحيائه، ما يوجد حيّ غير الله إلا بإحياء الله، هو الذي يحيي وهو الذي يميت جلّ جلاله.

فإذًا حياة الملائكة والإنس والجن حياتهم حياة قصيرة، ناقصة، حادثة، قائمة بإحيائه هو، ولو لَم يحيهم ما حِيوا، وما أحد منهم حيي إلا بإحياء الله له -جلّ جلاله- على الوجه الذي يرتضيه والرُّتبة التي يرتضيها؛ حتى إحياء الأرض، إحياء الأرض بعد موتها، فلها معنى يقال له حياة. والحياة: حياة الأرض -مثلًا- وحياة الشجرة مثل حياة الإنسان؟ تختلف.. إذا هي بينهما البين، حياة كل مخلوق مع مخلوق تختلف. وأنت تريد أن تنزل حياة الخالق إلى شيء من هذه الكائنات يا مجنون؟ ما يتأتى! أنت لو بنزل حياتك مثل حياة الأرض والشجرة ستزعل. تقول: تمثلني بأرض أنا أو  بشجرة أنا؟ حياتي كريمة أكبر من هذا. وأنت تريد تنزل حياة الله، يا قليل الحياء، يا قليل الأدب! حياته أكبر وأجل من كل حياة. فلا معنى للحياة لغيره إلا مجازي حادث بإحيائه هو، بل ولا لموتهم أيضًا، ما يكونون ميتين إلا بإماتته هو، -جلّ جلاله- فلا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا يملكون شيئًا من تقديم أو تأخير إلا به -جلّ جلاله-.

"حي قادر جبَّار"، -سبحانه وتعالى- على كل شيء.

"قاهر" (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ)[الأنعام:18] جلّ جلاله. 

(لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)[غافر:16] 

"لا يعتريه قُصور ولا عَجْز، ولا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم" (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) [البقرة:255].

فهذه عوارض للكائنات وللمخلوقات التي تنام من أنواع الحيوانات، ولا يعارضه فناء ولا موت، فهي شؤون خلقها للكائنات التي أوجدها -سبحانه وتعالى-.

 

"وأنَّه ذو الملك والملكوت"، يعني: خالق الحسّ والمعنى، والأجسام والأرواح، والشهادة والغيب:

  • فالمُلك: ما كان من شهادة ومن حس ومن جسم يُقال له مُلك.
  • والملكوت: ما كان من معنى، من روح، من غيب، يُقال له ملكوت.
  • فعالم الشهادة يُقال له: عالم الملك.
  • وعالم الغيب يُقال له: عالم الملكوت.
  • عالم الحسّ يُقال له: عالم الملك.
  • وعالم المعنى يُقال له: عالم الملكوت.

فجسد كل واحد مِنّا من عالم المُلك، والروح التي في الجسد من عالم الملكوت. (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)[الإسراء:85] جلّ جلاله. 

وقال تعالى عن سيدنا الخليل إبراهيم (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[الأنعام:75]؛ ليس مُلك واحد، مُلك السماء والأرض هذا كل واحد يراه، حتى أكّفر كافر مُلحد يراه؛ لكن نريه ملكوت، الغيب الذي انطوى من سرّ عجائب قدرته وإرادته، سيره في الكائنات كان يطالعها الخليل إبراهيم، نريه ملكوت السماوات والأرض. لهذا لما قال (قُل انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [يونس:101]. 

على ماذا تنطوي؟ ما ملكوتها؟ ما غيبها؟ 

أما صورتها هذه أمامك صورة كذا، ولكن تدُّل غيبها ومعناها يدُّل على عظمة للخالق المِوجد -جلّ جلاله- فهو  "ذو المُلك والملكوت".

"والعزة والجبروت، له السلطان والقهر، والخلق والأمر، والسموات مطويات بيمينه، والخلائق مقهورون في قبضته. 

وأنَّه المتفرَّد بالخلق والاختراع المتوحد بالإيجاد والإبداع، خَلقَ الخَلقَ وأعمالَهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، ولا يشذّ عن قبضته مقدور، ولا يعزُبُ عن قدرته تصاريف الأمور، لا تُحصى مقدوراته ولا تتناهى معلوماته". 

جلَّ جلاله. 

 

"والعزَّة والجبروت"، وأيضًا العِزّة المُطلقة اللائقة به -جلّ جلاله- في تنزّهه وتقدّسه وترفّعه. 

والجبروت ما يكون من معاني أيضًا قهره في عالم الملكوت، يُقال له: جبروت. 

"له السلطان والقهر" فهو مَلِك كل شيء، والقاهر لكل شيء. 

"له الخلق والأمر" (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف:54]. 

  • والخَلْق: ما يتعلّق بالمُدَركات بالحواس الخمس؛ يقال له: خَلْق.
  • والأمر: ما لا سبيل للحواس الخمس في إدراكه، أمر. (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء:85]، لاتراها بالعين ولا تلمسها باليد. وهذا عالم الأمر.

فارق بين الخلق والأمر (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ). لهذا قال الإمام البُخاري في آخر صحيحه: فبيّن الخلق عن الأمر، فرّق هذا خلق،  وهذا أمر (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ). 

 

قال: الله.. "والخلق والأمر، والسماوات مطويات بيمينه"، تعرّف إلينا بهذا لندرك المعنى، أنها كلها تحت قهره وقدرته ومسيرات بأمره؛ لأن العرب إذا أرادوا أن يعبروا عن قوة استيلاء أحد على شيء وقهره يقولون: هذا في يمين فلان، الأمر الفلاني في يمينه، يعني ماذا؟ يعني: تحت طوعه ويقدر يتصرف فيه تمامًا. فجاء التعبير عن أوصاف الحق بلغة العرب: (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر:67]، يعني: جميع السماوات تحت قبضته وقدرته وتصريفه وتدبيره، لا شيء منها يفلِت عنه -جلّ جلاله- وكلها صغيرة له، حقيرة له، بالنسبة له، مدبَّرَة به سبحانه وتعالى.

ولهذا قال على سيدنا إبراهيم لما تسلّط على الأصنام وهدمها وكسرها، قال: (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ)[الصافات:93]، يعني: صاروا تحت قدرته وقبضته، ولا عاد ترك واحدًا منهم وانتهى أمرها.

وهكذا (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) "والخلائق مقهورون في قبّضته" جلّ جلاله، فكلهم تحت حُكمه وقهره.

"وأنّه المتفرد بالخلق والاختراع"، فخلق وأوجد واخترع وأبدع -سبحانه وتعالى- وحده، لم يشاركه أحد في خلق أرض ولا سماء ولا عرش ولا كرسي ولا إنسان ولا جان ولا ملك ولا ظاهر ولا باطن، وحده. (قُلْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ)[فاطر:3]، قال سبحانه خلق الخلق. 

ويقول: "المتوحد بالإيجاد والإبداع"، (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[البقرة:117]. بمعنى مبدعها ومنشئها ومكونها وفاطرها، خلق الخلق وأعمالهم. 

قال تعالى على لسان الخليل إبراهيم: (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)[الصافات:95-96]. فنحن وأعمالنا خلْقُ الإله.

 قال: "وقدّر أرزاقهم وآجالهم" كل ما ينفعهم وأعمارهم بالأنفاس معدودة، من حين خروجه من بطن أمه إلى أن تُقبض روحه، أجل محدود بالأنفاس واللحظات، لا يزيد ولا ينقص. ولكل شيء أجل؛ يعني: وقت مُقدّر له فيه بقاؤه في هذه الحياة وينتقل عنها. 

"لا يشذّ عن قبضته مقدور، وكل شيء مقدور له. ولا يعزُب عن قدرته تصاريف الأمور" ؛ أي: ما ينفصل عن قدرته تصاريف الأمور، لا تقديم ولا تأخير ولا رفع ولا خفض ولا عطاء ولا منع.

"لا تُحصى مقدوراته وهو على كل شيء قدير. ولا تتناهى معلوماته وهو بكل شيء عليم"، (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)[ الطلاق:12]. 

 

رزقنا الله كمال الإيمان، ورزقنا النّصيب الوافي من المعرفة الخاصة والمحبة الخالصة في لطف وعافية، وزادنا توفيقًا، وألحقنا -سبحانه وتعالى- بمن وهبهم ذوقًا وتحقيقًا، ولا حرمنا خير ما عنده لشرِّ ما عندنا، وزادنا إيمانًا ومعرفة في كل نفس أبدًا سرمدًا. لا تحرمنا اللهم خير ما عندك لشرِّ ما عندنا، وزِدنا بالإيمان واليقين، ورقِّنا أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، مع كمال التمكين في كل مقام من مقامات عِلم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، في لطف وعافية. 

 

بسر الفاتحة

 إلى حضرة النبي محمد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه 

الفاتحة.