Blog Utama Saya :-

Sabtu, 13 Jun 2026

الأربعين في أصول الدين - 50 | خاتمة الكتاب: مناظرة النفس وتزكيتها

 





Penutup Kitab: Perdebatan Diri dan Penyucian Jiwa


Video


الدرس الخمسون والأخير للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي. مواصلة شرح: خاتمة في مناظرة النفس

 في مسجد الحسين بن طلال، عمّان، ضمن دروس الدورة العلمية في موسم شهداء مؤتة الأبرار، الأردن

مساء الإثنين 5 جمادى الأولى 1447هـ

يبيّن الحبيب عمر بن حفيظ في خاتمة الأربعين أن أخطر عدو للإنسان ليس إبليس ولا الخلق، بل نفسه التي بين جنبيه، يجب محاسبتها ومجادلتها، لأن من تركها هلك، ومن ناظرها وصدّها سَلِم..

 

نص الدرس المكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

"وتقولُ: يا نفسُ؛ ما الذي تطلبينَ مِنَ الدُّنيا؟ إن طلبتِ المالَ ووجدتيهِ -وهيهاتَ- فقد تكونُ في اليهودِ جماعةٌ أغنىٰ منكِ.

وإن طلبتِ الجاهَ ونلتِ -وهيهاتَ- فيكونُ في أجلافِ الأتراكِ وحمقى الأكرادِ مَنْ يستولي عليكِ، ويكونُ جاهُهُ أعظمَ مِنْ جاهِكِ.

 

فإن كنتِ لا تدركينَ آفةَ الدُّنيا، وشدَّةَ عذابِها في الآخرةِ وبلائِها.. أفلا تَترفَّعينَ عنها لخِسَّةِ شركائِها؟!

أمَا تعلمينَ أنَّكِ لو أعرضتِ عنِ الدُّنيا، وأقبلتٍ على الآخرةِ.. لكنتِ واحدةَ العصرِ، وفريدةَ الدَّهرِ، لا يُوجَدُ في الأقاليمِ نظيرُكِ؟

وإن طلبتِ الدُّنيا.. كانَ في اليهودِ والحمقى مَنْ سبقَكِ بها، فأُفّ لدنيا سبقَكِ بها حميرٌ، فتفكَّري يا نفسُ، وانظري لنفسِكِ؛ فلا ينظرُ لكِ أحدٌ غيرُكِ.

وكذلكَ لا تزالُ تناظرُ نفسَكَ حتَّىٰ تطاوعَكَ علىٰ سلوكِ الصِّراطِ المستقيمِ إلى اللهِ تعالىٰ".

 

 

الحمدلله مكرمنا بنور البيان وإشراق أنوار الإسلام والإيمان والإحسان وسطوع شموس العرفان؛ لكل مقلل عليه بالصدق تطهر عن الأدران والران، وصدق معه تعالى في السر والإعلان.

ونشهد أن لا إله غيره ولا رب سواه، وحده لا شريك له، أرسل إلينا عبده المختار. فنشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الهادي إليه والدال عليه والمبين السبيل الموصل إليه، والمحذِّر من كل ما يقطع عنه -سبحانه وتعالى- ويمنع القرب من حضرته العلية. 

صلِّ اللهم وسلم وبارك على الهادي إليك والدال عليك عبدك المختار سيدنا محمد، وعلى آله المطهرين وأصحابه الغر الميامين، وعلى آبائه وإخوانه من النبيين والمرسلين، وآلهم وصحبهم وملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

وبعد،،

فقد أقسم الله بمظاهر قدرته وإيجاده وخلقه في الكائنات أن هذه النفس (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)[الشمس:9-10].

فالفلاح منوط بتزكية هذه النفس، وطهارتها عن الرجس وعن جميع الدَّرَنِ، وعن جميع الغش والغل، وما لا يرضى الملك القدوس سبحانه وتعالى. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها يا أكرم الأكرمين. 

والطريق إلى التزكية ما ذُكِرَ وأشار إليه، وما مضى في صفحات هذا الكتاب من العلم المقرون بالعمل والإخلاص والصدق، والأخذ عن أهل التزكية المسلسلة بالتزكية من المزكي صلى الله وسلم وبارك عليه وآله، الذي ائتمنه الله على تزكية عباده:

  • في قوله: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) [آل عمران:164]
  • وفي قوله -سبحانه وتعالى-: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [الجمعة:2].
  • ويقول -سبحانه وتعالى-: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) [البقرة:151-152].

 

وجعل في خاتمة الكتاب مخاطبة النفس ومعاتبتها وإيقافها على الحقائق، والنهوض بها وتحريك همتها وسيرها ووجهتها، وتخليصها مما يطرأ عليها في خلال اليوم والليلة من درن الأغيار والالتفات إلى الكائنات. فبهذا التنبيه ودوام هذا التوجيه تدوم لها التصفية والتنقية، وإذا صفت وزكَت كانت محلًا لتجلي الملك القدوس بعطائه النفيس وجوده الأسنى سبحانه وتعالى.

 

يقول: "وتقولُ: يا نفسُ؛ ما الذي تطلبينَ مِنَ الدُّنيا؟" ماذا؟ مال أو جاه؟ "إن طلبتِ المالَ ووجدتيهِ -وهيهاتَ-" بمعنى: لا تجدين منه إلا جزءًا وبعضًا يأتي بغُصَص وبأتعاب، ويأتي أيضًا وقد أخذ منك جهدًا ومشقة وعناءً. والمصيبة إن أخذَ منك دينًا وأخذَ منك نورًا واستبدلتيه بالظلمة في مقابل أخذ هذا المال، ولكن مهما حصَّلتِ من هذا المال، قال: "فقد تكونُ في اليهودِ جماعةٌ أغنىٰ منكِ"، وهم ممن غضب الله عليهم، وممن لعنهم والعياذ بالله تعالى؛ فلو كان في هذا خير وشرف وكرامة ما أعطاهم إيّاها، و"لو كانتِ الدُّنيا تعدلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربةَ ماءٍ"؛ فضلًا عما يكون من تلك الوفرة؛ بمعنى: أنه يعالج الوهم الذي ينازل النفوس أن بالثروة والمال شرفٌ أو عزة، وما فيه إلا شهوة النفس ثم طريقة استعماله فيما يكون، ومن سلم من آفاته بأن:

  • لم يأخذه إلا من حِلِّه.
  • ولم ينفقه إلا في محلِّه.
  • مع كونه لم يلهه عن ذكر الله.

 فهذا وحده الذي يتقرب بالمال إلى الله. 

فهو أيضًا لن يقدر أن يحصل مال الدنيا كله، ولكن يأخذ الجزء الذي قُسِم له وقُدِّر له، فإذا صدق في أخذه وإنفاقه، لأن كل قليل أو كثير منه يقابله في المرجع سؤالان: من أين اكتسبه؟ وفي ما أنفقه؟ قل أو كثر، لا بد من سؤالين: من أين اكتسبه؟ وفي ما أنفقه؟

وهذا الوهم عالجه الحق -تبارك وتعالى- وقال: "وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً " يعني: بما جعلنا فيهم من هذه الطبيعة والتكوين على هذا الهوى والميل إلى المال، (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي: يرجعون كلهم إلى الكفر -والعياذ بالله تبارك وتعالى- (لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا) قال: ولو خصَّصْنا هذا بالكفار وأغدقناه عليهم لصار أكثر الناس كفارًا أو كلهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى- يكون الناس أمة واحدة (وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) [الزخرف:33-35].

 

ولهذا يقول في منظومته أحد العلماء الأدباء في نصيحة النساء، ورفع همتهن إلى أن لا يتوهمن الفخر والشرف بالمال والكساء والمظاهر، يقول:

 

الفخر ليس بالحرير والذهب *** ولا بلبس سندسٍ ولا قصب
ففي نساء الفرس والنصارى *** من الحلي ما غلا مقدارا
وكله فانٍ وإن جاء الأجل *** أفضت إلى ما قدمت من العمل
فالاقتداء بالبتول الزهراء *** وأمهات المؤمنين أحرى
فالاقتداء بالبتول الزهراء *** وأمهات المؤمنين أحرى

 

وهذا الوهم يقوِّيه الشيطان وينمِّيه في أذهان كثير من الناس؛ حتى يظنون أن حقيقة من حقائق السعادة أو الفخر في المال. قال والله تعالى يعطيه من كفر ومن بعُدَ عنه، اعتبارًا لمن عقل أنه ليس فيه الكرامة.

 

وإن نلتِ منها ما لقارون لم تنلْ *** سوى لقمةٍ في فيكِ منها وخرقةِ
أتنفق هذا في هوى هذه التي *** أبى الله أن تسوى جناح بعوضةِ

 

ويقول الإمام الحداد في أبياته:

 

وَازْهَدْ بِقَلْبِكَ فِي الدَّارِ الَّتِي فَتَنَتْ *** طَوَائِفًا……..

 

تعرف طوائف؟ طوائف.. طوائف.. ما هي طائفة واحدة ولا اثنين ولا ثلاثة! طوائف فتنتهم هذه الدنيا.

 

وَازْهَدْ بِقَلْبِكَ فِي الدَّارِ الَّتِي فَتَنَتْ *** طَوَائِفًا فَرَأَوْهَا غَايَةَ الطَّلَبِ

تَنَافَسُوهَا وَأَعْطَوْهَا قَوَالِبَهُمْ *** مَعَ القُلُوبِ فَيَا لِلَّهِ مِنْ عَجَبٍ 

وَهْيَ الَّتِي صَغُرَتْ قَدْرًا وَمَا وَزَنَتْ *** عِنْدَ الإِلَهِ جَنَاحًا فَالحَرِيصُ غَبِي

 

وتقولُ: "يا نفسُ؛.. إن طلبتِ المالَ ووجدتيهِ -وهيهاتَ-" كم تجدين منه! 

"وإن طلبتِ الجاهَ ونلتِ -وهيهاتَ- فيكونُ في أجلافِ الأتراكِ -يقصد بهم: البادية- وحمقى الأكرادِ -يقصد بهم: البادية كذلك- مَنْ يستولي عليكِ، ويكونُ جاهُهُ أعظمَ مِنْ جاهِكِ"، و"إنَّ العبدَ ليُنشرُ لهُ مِنَ الثناءِ ما بينَ المشرقِ والمغربِ، وما يزنُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ"، وماذا عسى أن تحصِّلي من هذا الجاه؟ ولو حصّلتِ أن أهل الدنيا كلهم احترموكِ ووقروكِ -هذا ما يحصل؛ هذا ما حصل ولا يحصل- لو فرضنا، ما هي إلا سنوات ولا أنتِ ولا هم، وما النتيجة؟ ما الغاية؟ إيش العاقبة؟ ما النهاية؟ ما الثمرة؟ وإذا قد صرتم بين يدي الحكيم القوي القادر يجازيكم على ما فعلتم، وانتهى الجاه وما عاد نفع، كيف وهو ما يستقيم حتى في المدينة الواحدة والقرية الواحدة لواحد؟ ولا بد من مُثْنٍ عليك وشامتٍ. 

ليسَ يخلو المرُْ عنْ ضدٍّ وإنْ *** حاولَ العزلةَ في رأسِ جبلْ

 

معتزل وحده في رأس الجبل فوق! وليش ما معه أحد! فيه شيء عنده لابد، ما يطلع هناك إلا ما أدري ايش تحت رأسه؟ ويتكلمون عليه؛ وهو اعتزلهم وتركهم وجالس وحده في مكان بعيد؛ ولكن لا بد من شامتين ولا بد من معادين، سبحان الله! ولنا العبرة كبرى في ذلك أنبياء الله: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) [الأنعام:112].

 

يقول بعد ذلك: "فإن كنتِ لا تدركينَ آفةَ الدُّنيا، وشدَّةَ عذابِها في الآخرةِ -يعني: على حرامِها- وبلائِها.. أفلا تَترفَّعينَ عنها لخِسَّةِ شركائِها؟! أمَا تعلمينَ أنَّكِ لو أعرضتِ عنِ الدُّنيا، وأقبلتٍ على الآخرةِ.. لكنتِ واحدةَ العصرِ، وفريدةَ الدَّهرِ، لا يُوجَدُ في الأقاليمِ نظيرُكِ؟  -في المنزلة والشرف والكرامة الحقيقية وعند الله تبارك وتعالى- وإن طلبتِ الدُّنيا.. كانَ في اليهودِ والحمقى مَنْ سبقَكِ بها".

لذا يقول بعض العارفين: ما مددت يدي إلى شيء من الدنيا إلا وجدت فاجرًا قد سبقني إلى مثله. 

يقول: "فأُفّ لدنيا سبقَكِ بها حميرٌ"، أُناسٌ أقل من الأنعام كما وصفهم ذو الجلال والإكرام -جل جلاله وتعالى- فعلًا يقول جل جلاله وتعالى: (أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف: 179]

 

يقول: "فتفكَّري يا نفسُ، وانظري لنفسِكِ؛ فلا ينظرُ لكِ أحدٌ غيرُكِ"، إذا لم يكن للإنسان واعظ من نفسه لم تنفعه المواعظ، من لم يكن له من نفسه واعظٌ لم تغنه المواعظ. 

 

إذا لم يسُقْها سائقٌ من ضميرها *** وإلا فأعيَتْ سائقًا بعد سائقِ

قال: وما حكَّ جلدك مثل ظفرك. 

 

ولهذا يقول: ما حد بينظر لك الخير، لا إبليس ولا أقران سوء، ولكن انظري لنفسك وانتبهي. "وكذلكَ لا تزالُ تناظرُ نفسَكَ حتَّىٰ تطاوعَكَ علىٰ سلوكِ الصِّراطِ المستقيمِ إلى اللهِ تعالىٰ" يقول:

 

والقبرُ إمَّا روضةٌ نعيمه *** نعم وإلا حفرةٌ جحيمه

فاعمل لنفسك لا تكن بهيمه *** تجري ولا تدري بعظم

الأخطار

 

فكذلك تُناظِرُ هذه النّفس وتوقفها على اليقين بأنّ مصلحتها طاعة ربّ العالمين، وأنّ خير الدّنيا والآخرة في تقوى الله وطاعته، وأنّ شرّ الدّنيا والآخرة في معصية الله ومُخالفته، حتى تُطاوعك على سلوك الصراط المستقيم إلى الله تبارك وتعالى؛ فإنّها إذا أُلِّفت الخير أَلِفَته؛ إذا اعتادت الخير ألِفَته، النّفس تألَف الخير بعد ذلك إذا ألِفَته وإن كان شاقًّا عليها في البداية، ثم تصير تستحليه، ما عوَّدْتَها تَعوَّدت.

 

والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شَبَّ على *** حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِم

فاصرفْ هواها وحاذرْ أنْ تُوَلِّيَهُ *** إنَّ الهوى ما تولَّى يُصمِ أوْ يَصمِ 

 

الهوى: هَوَى النّفس، إمّا يُصمِ يعني: يقتل، أو يَصِم: يوقعك في الوَصْم والعار. 

إمّا يُصمِ: يقتل، أو يَصِم: يوقعك في الوصم وفي العار وفي الخِزْي والعياذ بالله تبارك وتعالى. 

…….……. *** إنَّ الهوى ما تولَّى يُصمِ أوْ يَصمِ 

لا تتبع النفس في هَواها *** إن اتباع الهوى هوان

ولهذا يقولون عن الهوى: هو هَوَان سُرِقت نونه، نُونُه حُذفت، وإلا هو هَوَان. 

  • قال تعالى لنبيّ من أنبيائه: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص:26]
  • ولِذَا يقولون: إنّ قُطرة من الهوى تُخمِّج بحرًا من العلم؛ لو كان بحرًا من العلم وجاءت قُطرة من الهوى يتخمّج البحر كلّه. 

فكيف إذا صِرنا في زمن يحمل النّاس فيه بحرًا من الهوى وقُطرة من العلم؟ أيش القطرة عند هذا البحر؟ لو كان بحر من العلم ولكن قطرة من الهوى لأفسدته. 

 

اعْلَمْ هُدِيْتَ وَخَيْرُ العِلْمِ أَنْفَعُهُ *** أنَّ اتبَاعَ الهَوى ضَرْبٌ مِنْ الخَبَلِ. 

فَكَمْ وَكَمْ ضلَّ بالأَهْوَاءِ وَطَاعَتِهَا *** مِنْ عَاقِلٍ جَامِعٍ لِلْعِلْمِ وَالعَمَلِ. 

عاقل وعنده علم وعنده عمل؛ جاءه الهوى! تركه إنسانًا ثانيًا ما عاد يعرف ولا يتراجع وهَوَى -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. 

اللهم اجعل هوانا تبعًا لما جاء به نبيّك محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم، وهو القائل: "لا يُؤٔمِنُ أَحَدكم حتّى يكون هواه تبعًا لما جِئْت به". اللهم اجعل هوانا تبعًا لِمَا جاء به حبيبك المصطفى.

 

وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"هٰذهِ المناظرةُ أهمُّ لكَ -إن كنتَ عاقلاً- مِنْ مناظرةِ الحنفيَّة والمعتزلةِ وغيرِهِم، فلِمَ تُعاديهِم وتُجادلُهُم ولا يَضرَّكَ خلافُهُم ولا خطؤُهُم ولا خطأَ غيرِهِم، ولا هم يقبلونَ منكَ، ولا أنتَ تقبلُ منهُمُ الصَّوابَ وإن صارَ أظهرَ مِنَ الشمَّسِ، وتتركُ أعدىٰ عدوّكَ بينَ جنبَيكَ، لا تنازعُهُ ولا تناظرُهُ، بل تساعدُهُ علىٰ ما يُطالِبُكَ بهِ مِنْ شهَواتِهِ الباطلةِ الباطنةِ، فتستنبطُ بالفكرِ الدَّقيقِ الحِيَلَ لقضاءِ شهَواتِهِ؟! هل هٰذا إلَّا عينُ الانعكاسِ والانتكاسِ علىٰ قِمَّةِ الرأسِ؟!

هل رأيتَ قطَّ رجلاً يشاهدُ تحتَ ثوبِهِ حيَّاتٍ وعقاربَ، أقبلَتْ عليهِ لتُهلِكَهُ، فأخذَ المِروحةَ ليدفعَ الذُّبابَ عن وجهِ غيرِهِ ؟! فهل يَستحِقُّ مَنْ يفعلُ ذلكَ إلَّا الخزيَ؟!

فاعلمْ: أنَّ هٰذا حالُكَ في اشتغالِكَ بمناظرةِ غيرِكَ، وإعراضِكَ عن مناظرةِ نفسِكَ، وفي هٰذا المَعرِضِ يَنكشِفُ لكَ رُوحُ عملِكَ يومَ تُبلى السَّرائرُ، كما نبَّهتُكَ على كيفيَّةِ مُكاشفاتِ الآخرةِ بأسرارِ الأعمالِ وأرواحِها، وما لم تناظرْ نفسَكَ مُدَّةً طويلةً.. فإنّها لا تُخلِّيكَ لمناجاةِ ربِّك وذِكرِهِ والإقبالِ عليهِ".

 

جل جلاله

إن شَغَلْتها وإلا شَغَلَتَك: 

  • إن شَغَلْتها بالخير وإلّا شَغَلَتَك بالشر.
  • إن شَغَلْتها بالهدى وإلا شَغَلَتَك بالضلال.
  • إن لم تشْغَلها بالنور شَغَلَتَك بالظلمة. 

فالنفس قاعدة وجاهزة للشُّغل، إما تشغلها بخير وإلا تشغلك بشر. 

وهكذا يقول، فالمُناظرة هذه للنفس خير، وعاب عما يتعلّق ببعض المسلمين يُناظرون بين المذاهب وهي مذاهب صحيحة ثابتة بالأدلّة واجتهادات أربابها، أو حتى بينهم وبين المخالفين للسنة الآخرين، قال: الشغل الكبير بهذه المناظرات مع الاسترسال في هوى النفس وتركها من دون مناظرة وهي أعدى الأعداء؛ هذا من الحمق ومن الغفلة وممّا يُسبب لك الهلاك -والعياذ بالله تبارك وتعالى-؛ فاشتغالك بهذه النّفس أولى. 

وأمّا مُجادلات لا تقبَل فيها الحق ولا يقبَلُه منك المناظر لك ولو وَضَح لك وضوح الشمس؛ فهي مجادلات عقيمة نُهينا عنها. 

  • "ما ضَلَّ قومٌ بعدَ هدًى كانوا عليه إلا أُوتوا الجَدَلَ".
  • إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَتْحَ لَهُ بَابَ الْعَمَلِ، وَأَغْلَقَ عَنْهُ بَابَ الْجَدَلِ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا فَتْحَ لَهُ بَابَ الْجَدَلِ، وَأَغْلَقَ عَنْهُ بَابَ الْعَمَلِ. 

عملهم صفر؛ لا له قيام ولا له حضور مع الله، ولا له تدبر في التلاوة، والجدال مستعدّ ليل ونهار، بيُجادِل وبيُخاصِم؛ فاشتغاله بالعمل المُقرِّب لله خير له وأولى.

 

  • (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [العنكبوت:46] يقول الله سبحانه وتعالى.

 

والجدال بغير الحسنى نوع من الفساد الذي يُؤدي إلى العذاب -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، وإلى إضاعة الحق كذلك. 

فما ينبغي أن تساعد نفسك الأمّارة وتروح تجادل غيرك من الناس، قال: ويصير مَثَلَك مثل: واحد رأى حية وعقرب عند ثوبه فأعرض عنها وأخذ مروحة… مالَك؟ قال: بأُبْعِد الذباب عن وجه أخي… أولًا نقِّ نفسك من الحيّة تراها بتقتلك في سَمِّها، والعقرب بيلسعك لسعة شديدة، وبعدين احمل المروحة وذُبَّ الذباب عن وجوه الناس، لكن أول انتبه لنفسك. 

 

أو واحد أقبل عليه سبع مفترس وأسد، وأقبلت بعوضة؛ قام اشتغل بيدافع البعوضة، قال: هذه تلسع وتجئ بالملاريا. طيب شوف الأسد بيأكلك كَُلّك! تخلص أولًا من الأسد، وخلّ البعوضة تلسع وشأنها فيما بعد؛ هذا الأمر الخطير الكبير يتركه الذي يؤديه إلى الهلكة، ويقوم يشتغل بشيء حقير ويسير يدّعي أن فيه نفعًا. 

قال: "هٰذا حالُكَ في اشتغالِكَ بمناظرةِ غيرِكَ، وإعراضِكَ عن مناظرةِ نفسِكَ"

قال: "وفي هٰذا المَعرِضِ يَنكشِفُ لكَ رُوحُ عملِكَ يومَ تُبلى السَّرائرُ"، كما تقدّم انكشاف الحقائق للتّنين والعذاب في الآخرة، الذي يترتب على حرقة فراق المألوف والمرغوب فيه، وكذلك خجل ظهور الفضيحة والقبائح، ثم الحسرة على فوات المحبوب، (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) [مريم39-40]، وبئست النّدامة ندامة يوم القيامة. نعوذ بك اللّهمّ من الحسرة في يوم القيامة، ومن نَدامة يوم القيامة، وجنِّبنا ما يوجب النّدامة، ونعوذ بك من كلّ حركة أو سكون يعقِبها حسرة أو ندامة في الدّنيا ويوم القيامة، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.

 

قال: "وما لم تناظرْ نفسَكَ -وتُهذِّبها وتُتابِعها- مُدَّةً طويلةً.. فإنّها لا تُخلِّيكَ لمناجاةِ ربِّك وذِكرِهِ والإقبالِ عليهِ" أبدًا، بل تشغلك وتجيب لك كذا كذا فكرة، وكذا كذا همّ، وكذا كذا غمّ، ولا تَصفُو لك المناجاة مع الله -سبحانه وتعالى- حتّى تَصفو نفسك وتتزكّى. اللّهمّ آتِ نُفُوسنا تقواها وزكّها أنت خير مَن زكّاها أنت وليُّها ومولاها. 

"أَعْدَى عَدُوَّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ".

 

وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"ثمَّ طريقُكَ معَ النَّفْسِ إذا خالفَتْكَ: أن تعاقبَها بما يَزجُرُها، وتعلمَ أنَّها كالكلبِ، لا يَتأدَّبُ إلَّا بالضَّربِ.

وإن أردتَ أن تَتعلَّمَ طريقَ مُناظرتِها ومُراقبتِها، ومُحاسبتِها ومُعاقبتِها.. فاطلبْهُ مِنْ (كتابِ المحاسبةِ والمراقبةِ) مِنَ (الإحياء)، فإنَّ هٰذا الكتابَ لا يَحتمِلُهُ.

واللهُ تعالىٰ يُوفِّقُنا وإيَّاكَ لإقامةِ الخيراتِ واكتسابِ الطاعاتِ بفضلِهِ وسَعةِ جُودِهِ".

 

آمين آمين اللهم آمين.

قال: "ثمَّ طريقُكَ معَ النَّفْسِ إذا خالفَتْكَ -وعاندتك-: أن تعاقبَها"؛ لأنها ما ترجع إلا بذلك. العجيب أنّ خاطر الشّيطان وَمَن معه من الشّياطين ينصرف بذكره الرّحمن، إذا ذكر الرّحمن انصرف عنه؛ لكن مراد النّفس وهواها ما ينصرف؛ ما ينصرف بالذكر إلا إذا استغرق الذّكرُ القلبَ، أما دون الاستغراق؛ ما ينصرف خاطر النّفس بالذّكر.

وما يضعف إلا باستشعار الموت؛ إذا استشعر الموت والانتقال من الحياة؛ يبدأ خاطر النّفس هنا ينكسر ويضعف، وإلا من دون ذلك..لا، تقول لها: الدّنيا فانية، تقول لك: نعم، الدنيا فانية -لكن تحرص عليها-، تقول لها: لكن الآخرة باقية، تقول: نعم، الآخرة باقية لكن ما تلتفت إليها،... طيب قومي… خلّك عاد الحياة طويلة معك -لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم-، ما تنتهض إلا إذا استشعرت موت؛ فالشيء الذي يُؤلمها هو الذي تتذكّر عنده وترجع، ولهذا مَضَوا على مُعاقبة نفوسهم بما تكره. 

 

وهكذا يقول بعض شيوخنا -وكان من الذّكّارين- قال: كنت في البداية إذا أردت أن آتي مثلًا: بألف من سورة الإخلاص، فإذا أحسستُ من نفسي بأدنى استثقال؛ خاطر يخطر عليّ، قلت: يا نفس تستثقلين؟ اقرئي ألفين، أزيد عليها. وهكذا كلما استثقلت أمرًا ضاعفته عليها؛ حتى اطمأنّت بذكر الله -تبارك وتعالى-، صار يذكر الله ليلًا ونهارًا، صار وِرده في اليوم والليلة سبعين ألفًا من قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. كان يأتي بهذه الصيغة في كل يوم سبعين ألف مرة، غير أوراده الأخرى الثانية، وسَهُل عليه الذكر، فكان يَنْدَرِج له ويتبَارك له الوقت. 

حتى جاءه مرة بعض الأخيار والمحبين وقال له: سمعت أنّكم تتمكّنون من قراءة ألف من سورة الإخلاص في مدة ربع ساعة قال له: أنت عندك اعتراض؟ قال له: لا، ما عندي اعتراض إلا ما عندي؛ اضبط ساعتك وأحمل السبحة، عدّ وأنا بأذكر. ضبط الساعة وأخذ يسمع، بس ما يقدر يقرأ معه، لكن يسمعه حروف كاملة من أول السورة لآخرها، عدّ الألف، قال له: يا حبيب، سبع دقائق ونصف، قال له: قل لنفسك، أنتِ استثقلتِ على الله يَطويها لي في ربع ساعة؟ شوف في نصف ربع ساعة طواها -جلّ جلاله وتعالى في علاه-. لكن ما جاء هذا في البداية، ولا جاء إلا بعد مجاهدة؛ بعد مجاهدة طويلة.

 

وهكذا ما سمعنا في جواب شيبان الراعي -عليه رحمة الله تعالى-، وكان من العوام الذين لا يؤبه لهم، وهو صاحب نور، وكان يزوره سيدنا الشافعي يأتي أيام كان في بغداد، كان يأتي من وقت إلى وقت إلى شيبان الرّاعي ويطلب منه الدعاء. وقالوا: كان الإمام الشافعي يجلس بين يديّ شيبان كما يجلس الطفل بين يدي المعلم. 

ويومًا ذكره للإمام أحمد، قال له: أزوره معك؟ قال له: تفضل، وراحوا إلى المكان الذي يرعى فيه غنمه، وجدوه يصلي، لما أحس بهم خفف الصلاة وسلَّم، وقال الإمام أحمد: تأذن لي أسأله؟ قال: إن سألته تجد علمًا ما خطر على بالك، فسأله؛ قال: يا شيخ، هذه الركعات التي ركعتها لو شككتَ فيها ما تدري هي اثنتين أو واحدة، كيف تعمل؟ قال: على مذهبنا أو على مذهبكم، قال: فيها مذهبان؟! قال: نعم، قال: ما هي على مذهبنا؟ قال: على مذهبكم أنه يحتاط؛ ويبني على الأقل ويزيد ركعة ويسجد للسهو، قال: صح هذا… فما هي على مذهبكم؟ قال على مذهبنا: هذا قلب قليل أدب مع الله، ما يدري كم صلى بين يدي ربه! يحتاج له تأديب، هذه نفس بغت لها تأديب صوم سنة… صاح الإمام أحمد، قال له الشافعي: قلت لك! قال: باقي أسأله سؤال، قال: اسأل، قال: الغنم التي معك هذه كم زكاتها؟ قال: على مذهبكم أو على مذهبنا، قال: وأيضًا فيها مذهبان؟ قال: نعم، قال: ما هي على مذهبنا؟ قال على مذهبكم:

  • في الأربعين؛ شاة.
  • إذا وصلت مائة وواحد وعشرين؛ شاتان.
  • إذا وصلت مائتين وواحدة؛ ثلاث شياه، ثم في كل مائة شاة. 

قال: هذا الذي أعرفه من مذاهب العلماء كلهم… ما هي على مذهبكم؟ قال على مذهبنا: العبد وما مَلَك لسيّده. واحدة ايش هذا؟!.. أنا وغنمي كلها لله -سبحانه وتعالى-، إيش حقكم هذا؟ صاح الإمام أحمد وكاد يُغمى عليه لمّا سمع هذا الكلام؛ قال: مذهبنا العبد وما مَلَك لسيّده، ما نُحصي على ربنا شيء.

 

  • ولهذا قال الحق -تبارك وتعالى- لما ذكر أهل البِرّ وذَكَر: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [المعارج: 24-25]؛ أي: محدود.
  • لكن لمَّا ذكر المحسنين ما قال معلوم: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)؛ ما شيء معلوم، (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، ما قال: معلوم؛ حق واسع كامل، (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [الذاريات: 16-19]، عليهم رضوان الله. 

مثل سيدنا أبي بكر الصديق في مقام الإحسان، ينفق على مِسطَح، ومِسطَح تأثر بكلام المنافقين وقام يتكلم على السيدة عائشة أم المؤمنين -والعياذ بالله تعالى- وقع في مصيبة، واستمر سيدنا أبو بكر ينفق عليه طوال خمسين يومًا وهم يتكلمون، وقبل نزول الوحي وهو ينفق عليه؛ لما نزل الوحي ببراءة السيدة عائشة، حلف سيدنا أبو بكر ما ينفق عليه، كيف ينفق عليه طول السنين ويقوم يتكلم على بنته؟ فأنزل الله: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ) [النور: 22]، فاستدعى أبو بكر؛ استدعاه رسول الله ﷺ جاء، قال: يقول الله تعالى (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ)، قال: يعني أنت صديق في مراتب الإحسان الأعلى، لا تنظر إلا للمحاسن، إيش تبغى من المساوئ إن أساء أليك في شيء لا تلتفت، أنت تُنفِق عليه من أجلي ولا من أجله؟… من أجلي أنا، فليش تنظر إلى ما صَدَرَ منه؟ انظر إلى ما أعطيته من المحاسن؛ مسكين فقير، مهاجر في سبيل الله، انظر المحاسن، خلِّ المساوئ، واستمِر في النفقة؛ لأنك تنفق من أجلي ما هو من أجله، أنا شيء قصُر من عندي؟! شيء تغير فيّ؟! أنا ربك…فليش تتغير أنت؟!... الله!. هذا مقام الصديقية وإلّا ما هو واجب النفقة أصلًا عليه، ولكن مقام الصديقية يقتضي هذا؛ فلما تلا الآية ﷺ على سيدنا أبي بكر، قال: "ألا تحب أن يغفر الله لك؟" قال: بلى، أحب أن يغفر الله لي، بلى أحب أن يغفر الله لي؛ وردَّ النفقة إلى مِسطَح كما كان. 

فما قبل الحق منه هذا النزول عن الدرجة هذه، وهو غير واجب عليه في حكم الشرع، ولكنه من خواص المحسنين ومن أهل الصديقية الكبرى -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-.

الله أكبر ولا إله إلا الله. 

قال: "تعاقبَها بما يَزجُرُها، وتعلمَ أنَّها كالكلبِ، لا يَتأدَّبُ إلَّا بالضَّربِ"، فإذا جاء فوقه ضرب تعلم وصار يمتثل الأمر، وإلا دون ذلك فهي مارقة وماردة. 

وقال: "وإن أردتَ أن تَتعلَّمَ طريقَ مُناظرتِها ومُراقبتِها، ومُحاسبتِها ومُعاقبتِها.. فاطلبْهُ مِنْ (كتابِ المحاسبةِ والمراقبةِ) مِنَ (الإحياء) -إحياء علوم الدين-، فإنَّ هٰذا الكتابَ -مختصر- لا يَحتمِلُ -هذا التطويل -"، فالله سبحانه يعيننا على نفوسنا ويزكيها لنا ويطهرها فهي تبدو:

  • أمَّارة، ثم إذا جاهدها الإنسان وخالف هواها وحملها بالرجاء والخوف تتحول إلى:
  • لوامة، واللوامة هي حال شرف أقسم الله بها في القرآن: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)[القيامة: 1-2]، وهي تلوم صاحبها، تُزَيِّن له الشر ثم تلومه عليه، تُزَيِّن له ترك الخير ثم تلومه عليه؛ تقول له: عيب عليك.  فوجود هذا العتاب؛ هذه النفس اللوامة، فإذا تابع مجاهدتها وترقيتها صارت:
  • ملهَمَة تلهم الخير: ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) [الشمس: 8]، فإذا تابعت تزكيتها صارت:
  • مطمئنة لا تأنس إلا بالخير، لا تأنس إلا بالحق والهدى، لا تأنس إلا بالنور، فإذا تابعها بالتزكية والوجهة الصادقة لله، صارت:
  • راضية فوق الطمأنينة الرضا، وصارت بعد ذلك:
  • مرضية من قِبَل الحق مرضِي عنها، ثم تصير:
  • النفس الكاملة هذا الكمال الإنساني. 

فهي سبع: من أمَّارة إلى لوامَّة إلى مُلهَمَة إلى مطمئنة إلى راضية إلى مرضية إلى كاملة، وأهل الصدِّيقية في أهل النفوس الكاملة الذي هو الكمال الإنساني؛ غاية ما يصل إليه الإنسان في هذه التزكية والتربية والتطهير، وأَنعِم بأهل النفوس المطمئنة الذين يُنادَون من قِبَل الحق: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) [الفجر: 27-30].

 

ولها غرائب في المخادعة والتلبيس والتدليس، وحتى من معاني قولهم: من عَرَف نفسه فقد عَرَف ربه؛ أنَّ مَن عَرَف غوائل النفس وتلبيسها وكذبها؛ أيقن أنه ما يستطيع أن يتخلص منها إلا بالله، فيُلِحّ على الله ويرجع بصدق؛ فينال المعرفة بذلك، لأنه هو وحده الذي يُخَلِّص سبحانه وتعالى. 

علينا بذل الوسع والجهد والتضحية بما قدرنا، وهو الذي يُخَلِّص وهو الذي يُصَفِّي وهو الذي يتفضل سبحانه وتعالى. 

والله يوفقنا وإياكم لإقامة الخيرات، واكتساب الطاعات بفضله وسعة جوده؛ فهذا الذي أوحى إلى الأنبياء: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء: 73]، هذا المسلك من عهد آدم إلى اليوم، لا طريق إلى الوصول إلى الله إلا بهذا المسلك، إلا بهذا القيام. 

وهذا غاية ما يمكن تحصيله في هذا العالم القصير والحياة الفانية: 

  • إقام الصلاة.
  • وإيتاء الزكاة.
  • وفعل الخيرات والمسابقة، (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء: 90] صلوات الله وسلامه عليهم. 

والتوفيق بيد الله تعالى؛ قالوا: لم يُذكر لعزَّته في القرآن إلا في آية واحدة في قول سيدنا النبي شعيب: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ) [هود: 88]، وأمَّا قوله: (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) [النساء: 62]، وقوله: (يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) [النساء: 35]، فالمراد بالتوفيق في الآيتين هذه: التقريب بالإصلاح والتئام الشمل، ما هو التوفيق هذا الذي هو الإمداد بالقدرة على فعل الخير وترك الشر؛ التوفيق بهذا المعنى فقط في الآية التي قال فيها شعيب: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) [هود: 88].

اللهم يا من وفق أهل الخير للخير وأعانهم عليه، وفقنا للخير وأعنا عليه، بمحض فضلك وجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.

 

إني لمدَّاحٌ أُجِلُّ محمدًا ** وأراه في سِفْر العُلا عنوانا
أمحمدٌ والمجد بعض صفاته ** مَجَّدتَ في تعليمك الأديانَ
ونشرتَ ذكر الله في أميةٍ ** وثننيّة ونفحتها إيمانًا
إني لمدّّاح أُجِلُّ الحبيب محمدًا ** وأراه في سُفْر العُلا عنوانا
وأُطأطئ الرأس الرفيع لذكر من ** صاغ الحديث وعلَّم القرآن
إني أباهي بالرسول لأنه ** صَقَلَ النفوس وهَذَّبَ الوجدان
ولأنه داس الجهالة وامتطى ** سيف الجهاد فحطم الأوثان

                   ****************

إذا ما الناس يوم الدين قاموا إلى الرحمن واجتمع الجميعُ 

وجَلَّ الخَطبُ وانقطع الرجاءُ ونادى العالَمون من الشفيعُ؟
هناك يقوم أحمد في يديه لواء الحمد منعقد رفيعُ
فيسجد ثم يشفع بالبرايا ويمتاز المخالف والمطيعُ

**********
صلوا على هذا النبي العربي *** الهاشمي المطلبي

أحمد زكي النسبِ *** من وصفه في الكتبِ


صلوا عليه؛ اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله.

 

انفعنا اللهم بما أسمعتنا، انفعنا اللهم بما جمعتنا، انفعنا اللهم بما قرأنا في هذا الكتاب، وحَلِّنا بما فيه من الأخلاق والآداب، وارزقنا يا رب يا مولانا حُسنَ طَرْقِ الباب، وافتح لنا الباب، وأدخلنا مع الأحباب، واسقنا من أحلى شراب. 

اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، إنا نستهديك فاهدنا، إنَّا نستهديك فاهدنا، إنا نستهديك فاهدنا، وإنا نستطعمك فأطعمنا، وإنا نستكسوك فاكسنا، اكسنا حُلل تقواك وحُلل رضاك، وأطعمنا اللهم مما أطعمت أنبياءك وأولياءك وأهل رضاك، وأذقنا اللهم ببرد عفوك وحلاوة رحمتك ولذة مناجاتك، ولا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، يا فاتح الأبواب افتح لنا في الخير كل باب، وادفع عنا البلايا والرزايا في الظواهر والخفايا. 

اللهم اجعلها ساعة من أبرك الساعات علينا وعلى أحبابنا هؤلاء ومن اتصل بنا وبهم، واجعل اللهم الجميع في دائرة الاقتداء بالحبيب الشفيع، وفي أهل الطاعة مع كل مطيع ممن تنظر إليهم بعين عنايتك؛ فتُقرِّب لهم كل بعيد وتهوِّن عليهم كل شديد، وتحوِّل كل شقي منهم إلى سعيد وترقّي السعيد إلى ذرى السعادة مع خواص أهل السعادة في الغيب والشهادة، يا من له الجود والكرم عادة، يا حي يا قيوم يا منان يا كريم. 

ساحات قلوبنا أمطر عليها سحابَة وغادة، واجعلها اللهم للخير منقادة، واجعلها بنور معرفتك وقّادة، وتولنا بما توليت به أهل الصدق من خيار الخلق. 

اللهم يا جامعنا على هذا التواصي بالحق والصبر، اجعل لنا يا مولانا من عنايتك ورعايتك ما تصلح لنا به السر والجهر، وما ترفعنا به إلى أعلى مراتب الصبر والشكر مع خواص الصابرين الشاكرين الذاكرين المذكورين المحبين المحبوبين الذين ترعاهم عين عنايتك في كل شأن وحال وحين، فلا يمنعهم من دخول حضرتك قبيح الأوزار، ولا يحجبهم عن مواهب فضلك سيئ الإصرار. 

أدمنا في الشهود الكامل، وتولنا بما توليت به الكامل من هذه الأمة، واكشف عنا وعن الأمة كل غمة. وأعلِ درجات من ألف الكتاب سيدنا محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي وشيوخه وتلامذته ومن انتفع بهذا الكتاب ومشايخنا في الدين وذوي الحقوق علينا وأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، بسر الفاتحة إلى أرواحهم، وإلى أرواح من تقدم في هذا المسجد ومؤسسه وجميع القائمين بالخير فيه وذوي الحقوق علينا خاصة وأموات المسلمين وأحياءهم إلى يوم الدين عامةً. 

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة







الأربعين في أصول الدين - 49 | خاتمة في مناظرة النفس: طريق اليقظة والمحاسبة

 




Penutup Dalam Perdebatan Diri: Jalan Menuju Kesedaran dan Muhasabah


Video


الدرس التاسع والأربعون للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي. خاتمة: في مناظرة النفس

 في مسجد الحسين بن طلال، عمّان، ضمن دروس الدورة العلمية في موسم شهداء مؤتة الأبرار، الأردن

فجر الإثنين 5 جمادى الأولى 1447هـ

كيف تخاطب نفسك؟ يوجه الحبيب عمر بن حفيظ للنفس نداءاتٍ توقظها من الغفلة: هل أصغيت إصغاء من يريد النجاة؟ هل نظرت في مبدئك ومعادك؟ مُذكِّراً لها بأنك تاجر مع الله، وربحك سعادة الأبد وخسارتك شقاوة الأبد، ويؤكد أن هذا العلم لا يُؤخذ بسماع الأذن بل بإصغاء القلب، ولزوم ما يبقى إلى الأبد: ذِكر الله، القرب منه، والاستعداد للقاء..

 

نص الدرس المكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبِسندكم المتّصل إلى سيّدنا حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

خَاتِمَة

في مناظرةِ النّفس

 

"اعلمْ: أنَّا قد نبَّهناكَ وشوَّقناكَ؛ فإن أعرضتَ عنِ الإصغاءِ، أو أصغيتَ بظاهرِ قلبِكَ كما تُصغي إلى الكلامِ الرَّسميِّ.. فقد خِبْتَ وخسرتَ، وما ظلمتَ إلَّا نفسَكَ؛ (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) [الكهف: 57].

وإن أصغيتَ إصغاءَ ذي فطنةٍ وبصرٍ حديدٍ، وتفكَّرتَ تفكُّرَ مَنْ لهُ قلبٌ عتيدٌ، (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق:37].. فاخرجْ عن جميع ما يَصدُّكَ عن سلوكِ الصِّراطِ المستقيمِ؛ فلا يَصُدُّ عنهُ إلَّا حبُّ الدُّنيا، والغفلةُ عنِ اللهِ تعالىٰ واليومِ الآخرِ.

واجتهدْ أن تُفرِّغَ قلبَكَ كلَّ يومٍ ساعةً عَقِيبَ صلاةِ الصُّبحِ، وذلكَ عندَ صفاءِ الذِّهنِ؛ فتُفكِّرَ في شأنِكَ، وتنظرَ في مَبدئِكَ ومَعادِكَ، وتُحاسِبَ نفسَكَ، وتقولُ لها: إنّي مسافرٌ تاجرٌ، وربحي سعادةُ الأبدِ ولقاءُ اللهِ تعالىٰ، وخسراني شقاوةُ الأبدِ والحجابُ عنِ اللهِ تعالىٰ، ورأسُ مالي عمري، وكلُّ نفَسٍ مِنَ الأنفاسِ كنزٌ مِنَ الكنوزِ، وجوهرةٌ مِنَ الجواهرِ؛ إذ تُصادُ بهِ سعادةُ الأبدِ، وأيُّ كنزٍِ أعظمُ مِنْ هذا؟!".

 

الحمدُ لله الموفّق لمن أراد لسُلوك سبيل الرشاد والإقبال الصّادق عليه -سبحانه وتعالى- في الخافي وفي الباد، وإيثار دار البقاء والدوام على دار الفناء والزوال، وصدق الوجهة إلى الحقّ -تبارك وتعالى- بملازمة حميد الصّفات والنّيات والأقوال والأفعال، ومجانبة رذائلها ما دام في هذه الحياة والعمر المعدود الأيّام والليال، نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، واسع الإفضال جزيل النّوال، تعرَّف إلى عباده وتنزَّل إليهم بتوْجيهه وإرشاده، وإرساله الخيرة ممّن يصطفي من بينهم (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)[النساء:165]، فتُلبّي قلوب وأفئدة مَن عَقَل ووَعَى وسبقت له السّعادة في الحاضر والرُّجعَى، ويُعرض الخَؤون الكفور، والمعاند المغرور، ويُؤثِر القصور، ويُؤثِر الحقير في هذا العيش القصير، حتى تمرّ به الأيّام والليال في غفلة وحجاب، وإذا انكشف الحجاب خاب مع من خاب، وتيقن بسوء المآب، نعوذ بالله تعالى من كلّ سوءٍ أحاط به علمه في الدنيا والمآب.

ونشهد أنّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، المنزل عليه الكتاب، المحسن البيان للهدى والصواب، التارك أمته على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها، بما بيَّن من البيان الحَسنِ، وأدَّى الأمانة على الوجه الأتمِّ، وأوضح الحقيقة، لكلّ من استجاب وأناب. صلِّ اللهم وسلم وبارك وكرم على المخصوص منك بأشرف خطاب، عبدك المصطفى محمّدٍ سيد الأحباب، وعلى آله والأصحاب، وعلى من سار في منهجه إلى يوم المآب، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، أهل المراتب العُلا سادات أولي الألباب، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقرَّبين، وجميع عبادك الصّالحين من كل منيب أوّاب، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا رب الأرباب، ويا مسبّب الأسباب، ويا غفور يا توّاب.

 

أمَّا بعدُ،، 

فإنّ الشّيخ -عليه رحمة الله- يختم الكتاب بهذه الخاتمة؛ في شأن مناظرة النّفس ومخاطبتها ومحاسبتها ومعاتبتها وتقويمها وتنبيهها وتوجيهها وتذكيرها وتنويرها وتطهيرها وإدامة التذكير لها؛ فبذلك ترقى النّفس مراقي السّعادة: 

  • من أمّارة.
  • إلى لوّامة. 
  • إلى مُلهَمة. 
  • إلى مطمئنّة.
  • إلى راضية.
  • إلى مرضيّة. 
  • إلى نفس كاملة في ميادين الوعي والفهم عن الله، بل والشهود له جائلة، (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ)[الجمعة:4]، فيغدق عليه فيوضاته الهاطلة سبحانه وتعالى.

 

  • وكلّ من أحسن محاسبة نفسه في هذه الدّار؛ خفّ عليه الحساب في دار المصير، وكان له الحساب اليسير. 
  • وكلّ من أهمل نفسه، ولم يعاتبها، ولم يخاطبها؛ اشتدّ عليه الحساب، و"من نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ"، ووجب عليه العذاب والعياذ بالله رب الأرباب. 

 

فمَسلك السّعادة في هذا العالم والحياة؛ هو حسن المخاطبة للنفس والمعاتبة والمحاسبة والمراقبة والتّنبيه والتوجيه والتذكير لها، لا يستغني عن ذلك صغير ولا كبير، وأرباب النّفوس المطمئنّة والرّاضية المرضية والكاملة، لا يستغنون عن تذكيرات على مستواهم في أحوالهم التي هم فيها، فكيف بمن عداهم؟

لذلك رأينا فيما يوحي الله إلى أنبيائه تكرير ومعاودة ذكر التّنبيه والتّوجيه والخطاب، والتّذكير بالعبوديّة، وبعظمة الرّبوبيّة، وهكذا خطابات الله لأصفى خلائقه من الأنبياء والمرسلين، إلى سيّدهم المصطفى الأمين محمّد صلى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله، وكم نقرأ من آيات: 

  • خاطبه فيها بذكره. 
  • وخاطبه فيها بالتسبيح له. 
  • وخاطبه فيها بتلاوة آياته.
  • وخاطبه فيها بالإعراض عن أهل الغفلة. 
  • وخاطبه فيها بالتّوجيهات الخاصّة 

وهو سيّد أهل الحضرة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم، فمن ذا يغتني عن مخاطبة النّفس، وعن محاسبة النّفس، وعن تنبيه النّفس، وعن توجيه النّفس؟ فلا بُدَّ لنا من ذلك.

ويقول -عليه رحمة الله- في الخاتمة: "اعلمْ: أنَّا قد نبَّهناكَ وشوَّقناكَ" بما أوردنا عليك من الآيات والأحاديث والمعاني الواضحات البيّنات، والدلائل والأذواق الرفيعات، "فإن أعرضتَ عنِ الإصغاءِ، أو أصغيتَ بظاهرِ قلبِكَ كما تُصغي إلى الكلامِ الرَّسميِّ.. -الحسيّ الظاهري- فقد خِبْتَ وخسرتَ"؛ فإنَّها بضاعة ما تقبل إلا السّماع بالكليّة، وبالقلب. 

  • (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)[الزمر:17-18]. 
  • (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ)[المائدة:83]. 
  • (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ) -اللهم اهدنا فيمن هديت- (وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ) [الزمر:23-24]

 

يقول: "نبَّهناكَ وشوَّقناكَ؛ فإن أعرضتَ عنِ الإصغاءِ"، أو كان إصغاؤك لا يتناسب مع هذا الكلام، لا يتناسب مع هذه المعاني، لا يتناسب مع هذه البِضاعة الغالية؛ إصغاءً ظاهريّ، بظاهر قلبك كما تصغي إلى كلام الصبيّ، وكلام الأهل، وكلام الأصدقاء وتنتهي.. المسألة أكبر من ذلك! لأنّه ترجمة خطابُ الرَب، ترجمة خطاب الإله، الذِّي خَلَق وإليه المرجع والمآل، مترجَمًا بلسان محمّد صلى الله وسلم وبارك وعلى آله، معبَّرًا عنه بألسُن ورثتِه، ويحتاج إلى نوع خاصٍّ من الاستماع والإصغاء.

وهكذا قلوب الموقنين تصغى إلى هذا الكلام الرَّفيع، كما أنَّ المحجوبين، ومن سبقت عليهم الشّقاوة، تميل قلوبهم إلى الإصغاء، إلى كلام الغافلين والفاسقين ووحي الشّياطين؛ (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) [الأنعام:112-113].

فعلى قدر ضُعف الإيمان بالآخرة؛ يتكوّن إصغاء لأرَاجيف المُبطلين والمفتنين، ووحي شياطين الإنس والجن إلى بعضهم البعض، من كل ما تترجم في حياتكم، وظهر في زمانكم: 

  • شيء باسم المثليّة. 
  • وشيء باسم القوميّة. 
  • وشيء باسم الحُرّية. 
  • وشيء باسم وحي شياطين الإنس والجن.

(شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)؛ (لِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ).

  • على قدر الإيمان بالآخرة؛ يستنكف المؤمن من سماع هذا، ومن أنْ يتأثّر به ويعلم أنّه قبيح، وأنّه باطل وأنّه فسق وأنّه ضلال، فلا يغترّ بشيء منه.
  • ولكن كُلّما ضعف إيمانه بالآخرة؛ أصغى إليه، (وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ)، يرضون به -والعياذ بالله تعالى-، وينحطّون أشد الانحطاط.

(وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ * أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا) أُعرِض عن وحي ربي وتنزيله، واستَمِع لأراجيف هؤلاء المفسدين على ظهر الأرض، لا خلقوني ولا رزقوني، ولا إليهم مرجعي ولا مآبي، ولا ينفعوني ولا يضرّوني. 

  • (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا) [الأنعام: 113-115].
  • (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) [ازمر:17-18].
  • (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) [الإسراء:9]. 

 

فيقول: فلا بد من إصغاء خاص إلى هذا الكلام الرّفيع الشّريف بالكليّة، قال: وإن لم تصغِ أصلاً أو "أو أصغيتَ بظاهرِ قلبِكَ كما تُصغي إلى الكلامِ الرَّسميِّ.. فقد خِبْتَ وخسرتَ، وما ظلمتَ إلَّا نفسَكَ؛ (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) [الكهف:57]"، نعوذ بالله من غضب الله والإعراض عن كلام الله، وعن كلام رسوله.

  • (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) [طه:124].
  • (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ -أي: يغفل ويُعرض- نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) [الزخرف:36-37].
  • وإذا انكشفت الحقائق (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) [الزخرف:38].
  • (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)[الزخرف:67]، فلنصغِ لهذا الخطاب! 

 

قال: "وإن أصغيتَ إصغاءَ ذي فطنةٍ وبصرٍ حديدٍ،"، فطنة: إدراك ووعي، قال: "ذي فطنةٍ وبصرٍ حديدٍ"؛ بصر حاد نافذ، والمراد بهذا البصر: بصر البصيرةالحاد القوي النافذ، الذي يدرك المعاني وسط هذا الخطاب والكلمات، كما يدرك البصر الحاد دقائق الذرّات والألوان فيما يبصر من الأجسام، قَرُبَ ما قَرُبَ منها وما بعد بعداً محدوداً يدرك فيها الدقائق، كذلك بصرُ القلب، بصر البصيرة، يدرك دقائق وخفايا في معاني الكلام الذّي يَرِدُ من الله ومن رسوله، والذّي يُفسَّر به كلام الله وكلام رسوله، من قِبل ورثة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله و صحبه وسلم.

قال: "ذي فطنةٍ وبصرٍ حديد"، وهذا البصر يحتد لكل أحد بحكم انكشاف الحجاب إذا وصلوا إلى الآخرة، (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق:22]، الكل يدرك عظمة خطاب الله وصدق أنبيائه، سواء كان ملحد أو فاجر أو كافر، يوم القيامة الكل يدرك هذا؛ بل من عند الموت، الكل يدرك هذا؛ (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)، أين الحقيقة؟ وأين الحقّ؟ وأين الهدى؟ وأين الرّفعة؟ وأين الكرامة؟ وأين الشرف؟ وأين المهانة؟ وأين الفسق؟ وأين الفجور؟ وأين السّقوط؟ وأين الذلّة والهوان؟

 

يقول: "وإن أصغيتَ إصغاءَ ذي فطنةٍ وبصرٍ حديدٍ، وتفكَّرتَ تفكُّرَ مَنْ لهُ قلبٌ عتيدٌ،" -أي: حاضر- (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) -معنى عتيد: حاضر يتفهّم المعنى- "(أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)[ق:37]"، أيضاً بمعنى: مشاهد حاضر غير غافل، (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ)؛ ألقى السّمع إلى ما يُلقى عليه من رفيع وغالي هذا الخطاب. 

 

قال: "فاخرجْ عن جميع ما يَصدُّكَ عن سلوكِ الصِّراطِ المستقيمِ؛ "وإن أصغيتَ إصغاءَ ذي فطنةٍ وبصرٍ حديدٍ، وتفكَّرتَ تفكُّرَ مَنْ لهُ قلبٌ عتيدٌ، (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق:37].. فاخرجْ عن جميع ما يَصدُّكَ عن سلوكِ الصِّراطِ المستقيمِ"، (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ)[الأنعام:153]، يقول: "فاخرجْ عن جميع ما يَصدُّكَ عن سلوكِ الصِّراطِ المستقيمِ؛ فلا يَصُدُّ عنهُ إلَّا:

  • "حبُّ الدُّنيا": وهي كلّ ما قطعنا عن الله، وكلّ ما أوقعنا في معصية الله، وكلّ ما حال بيننا وبين القرب من الله -تبارك وتعالى- والفهم عن الله، فهذه الدنيا المذمومة! 
  • " والغفلةُ عنِ اللهِ تعالىٰ واليومِ الآخرِ.". (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) [الأعراف:146].

الغفلة عن الله والدّار الآخرة، من أقوى الحُجب التّي تمنع إدراك الخطاب، وفهم الخطاب، وحسن الإصغاء إلى خطاب رب الأرباب، ونبيّه النّاطق بالصّواب صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.

يقول: "ما يَصدُّكَ عن سلوكِ الصِّراطِ المستقيمِ؛ فلا يَصُدُّ عنهُ إلَّا حبُّ الدُّنيا"، أي: إرادة الظّهور والجاهات والمنزلة بين الخلائق، والتّمتّع بالمتع المحرمة في دين الله -تبارك وتعالى- أو المكروهة، أو الصادَّة عن الحضور مع الله، ووجود "الغفلةُ -والعياذ بالله تعالى- عنِ اللهِ تعالىٰ واليومِ الآخرِ".

  

وبهذا ربّى الرّحمن -سبحانه وتعالى- أمّهات المؤمنين، لعيشِهنّ في بيت النّبوّة، ولرُقِيهنّ في المرقى السامي، الذّي استحقّت به كلّ واحدة منهُنّ أن تكون صاحبة أمومة لمن آمن؛ أمومة لكلّ من آمن بالله -تبارك وتعالى- بسبب القرب من الجناب الشّريف؛ (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ) [الأحزاب:6]، ولا يُدركن هذا المقام إلّا بهذه التّربية؛ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ) -نعطيكنّ من هذه الدّنيا- (وَأُسَرِّحْكُنَّ) -ما تصلحن للجناب الأشرف ولا لهذا المقام الأعلى- (وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) -إن انبعثت من عندكنّ صدق الإرادة- (وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب:29:28]، وكلّهنَّ مررن بهذه المراحل، وتربيّن على يد المُنزَل عليه الكتاب، صلّى الله عليه و صحبه وسلّم. 

وكلّما خاطب واحدة منهنّ، يقول: إنّه نزل لكِ تخيِيرٌ من الله، فلا تستعجلي في الأمر واستشيري أبويك وأهلك ومن أردتِ ثم أجيبي، فإذا تلا عليها الآيات قالت: أفيك أستشير أبوَيْ أو غيرهما؟ لا والله يا رسول الله، أريد الله ورسوله والدّار الآخرة.. الأولى والثانية والثالثة، والجواب واحد إلى التاسعة، والتّسع كلهنّ أجبن بنفس الجواب، وكان نزول الآية وهو في بيت السّيدة عائشة، فتلا عليها الآية وقال: لا تستعجلي حتّى تستأمري أبويك، فلمّا تلا الآية قالت: أفيك أستأمر أبوَيْ يا رسول الله؟ لا أبي ولا أمي ولا أحد من هذا الوجود استأمر فيك، أريد الله ورسوله والدّار الآخرة، وقالت له: ولكن إذا تلوتَ الآية على أزواجك وسألْنَك عمّا قلتُ، لا تُخبرهنّ بما قلت لك، قال ﷺ: إن سألتني إحداهن أخبرتها.. فجاء إلى الثّانية، ولمّا تلا الآية وقال لها: لا تستعجلي، قالت: فيمَن أستشير فيك يا رسول الله؟ ﷺ، لا أستشير أحداً، ولا أشاور أحداً، أريد الله ورسوله والدّار الآخرة.. والثالثة والرابعة، والجواب واحد نفسه، عليهنّ رضوان الله. 

 

 عن تسع نسوة وفاة المصطفى *** خُيّرن فاخْترن النّبي المُقتفى

 

(وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب:29].

 

فنِعم الأمّهات لنا باختيار ربّنا -جل جلاله-، ربطهنّ بنبيّنا، فلهنَّ علينا حقّ الأمومة، ونحن لهنّ في هذا المعنى: بالرّوح أبناء؛ لمكانتهنّ عند الحقِّ ورسوله ﷺ. جزاهنّ الله عنّا خير الجزاء وأفضله وأكمله وأتمّه، وجمعنا بهنّ في دار الكرامة وهو راض عنّا، اللّهمّ آمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

قال: "واجتهدْ أن تُفرِّغَ قلبَكَ كلَّ يومٍ"؛ لأنّك لا تستغني عن هذا التجديد للخطاب والعتاب والتنبيه، يوماً بعد يوم فتحتاجه، قال: مثل "عَقِيبَ صلاةِ الصُّبحِ" -وقت- "وذلكَ عندَ صفاءِ الذِّهنِ" بعد أن أخذ الجسد نصيبه من الرّاحة والنّوم، ويقوم نشيطاً لأعماله؛ فهو وقت من أوقات صفاء الذّهن والفكر. 

"فتُفكِّرَ في شأنِكَ، وتنظرَ في مَبدئِكَ ومَعادِكَ، -بدايتك ونهايتك- وتُحاسِبَ نفسَكَ، وتقولَ لها:" 

  • يا نفسُ: أنا بإيماني بربي ورسوله، أصبحت تاجراً في هذا السفر الذّي أنا فيه، أنا مسافر وأنا متاجر، وأنا في سفرٍ لا بُدّ أن أخرج من هذه الحياة: 
    • إمّا إلى ربحٍ وفوزٍ أبدي. 
    • أو إلى خسران وهلاك أبدي. 

 

  • يا نفس: هذه الحقيقة الواقعة، لا تغالطينني ولا تضحكي على نفسك ولا عليَّ، ولا تحيدين بي عن سواء السبيل؛ "إنّي مسافرٌ تاجرٌ"، آمنت بالله ورسوله، و قدّامي الدّار الآخرة، وما عندي إلّا ربح وفوز، أو هلاك وخسران. 

 

  • يا نفس: ربحي كبير وعظيم، ليس ملك الثروات الفانية، ولا ملك السلطات الفانية، ولا ملك الجاهات الزائلة؛ "وربحي" -أكبر من ذلك- "سعادةُ الأبدِ ولقاءُ اللهِ تعالىٰ"، والقرب منه، والمعرفة به، ورضوانه عني، هذا الربح الذي أكسبه من التّجارة، "وخُسْراني" إذا خسرت، ما هو موت جسد ولا هو سجن، ولا هو تقطِيع أيادي وأرجل، ولا هو جوع، ولا هو مرض، بل  أكبر وأخطر من ذلك، إذا خسرت "وخسراني -هو- شقاوةُ الأبدِ والحجابُ عنِ اللهِ تعالىٰ" الواحد الأحد، (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ) [المطففين:15-16]، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

 

  • يا نفس: هذه الحقيقة لا تغفلي لا تُزيغي ولا تتهالكي ولا تتناسي الحقيقة ولا تُغالطي والحجاب عن الله أشدّ ما يكون من العذاب.

"ورأسُ مالي عُمري،"، وما معي إلّا هذه السّاعات التّي كتبها الله لي، والذي قد فات فات، ولا أدري كم بقي لي؛ فشأني أن أغْتنمها، "وكلُّ نفَسٍ مِنَ الأنفاسِ كنزٌ مِنَ الكنوزِ، وجوهرةٌ مِنَ الجواهرِ؛ إذ تُصادُ بهِ سعادةُ الأبدِ، وأيُّ كنزٍِ أعظمُ مِنْ هذا؟!" من كسب سعادة أبديّة سرمديّة دائمة، بل خيراتها المعجّلة شأن عظيم! خيراتها المعجلّة شأن عظيم، يتصاغر عندها لذائذ الدّنيا. 

المُعجَّل من هذه السّعادة في عالم الدّنيا للصّادقين المخلصين، يُعَبِّر عنه سيّدنا بلال حتّى أيّام كان في التّعذيب في مكّة المُكرّمة، لما سُئِل قالوا له: ما كنت تشعر بألم الضّرب والتّعريض في بطحاء مكة لِحرارة الشّمس حتّى أنّه يتأثّر جلدك ويظهر ودَكَك من بطنك وأنت قاعد تترنّم: أحدٌ أحد؟ فقال -عليه رضوان الله-: خلطتُ ألم التعذيب بحلاوة الإيمان فزادت حلاوة الإيمان، زادت حلاوة الأيمان على ألم التّعذيب، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

 

فانظر ما ينازلهم من السعادة وهم في الدنيا، ومع ذلك حتّى في عالم الحس ما مرّت سنوات إلّا وهو يصعد على ظهر الكعبة ليُنادي: الله أكبر.. لله أكبر، ويُؤذّن ويشهد الشّهادة التي كانوا يعذبونه من أجلها ويؤذونه من أجلها، وعاده في الدنيا وطلع فوق الكعبة وصعد، حتّى قال أهل الكفر في شموخهم وعنجهيَّتهم: أحسن لو مات فلان وفلان قبل ما يشوفون هذا الأسود يطلع فوق الكعبة ويجهر بهذا النّداء. هو نداء الحق الذّي جاءهم،  ورَغِمَت أنوفهم، (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف:9].

وهكذا حتّى مرّت به الأيّام، وهو بقرب خير الأنام ﷺ، وقد ائتمنه على شؤون ماله وصرفياته، ودخله وخرجه ﷺ، وكان بلال القائم عليها والخبير بها، إلى أن توفي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وشَقّ عليه البقاء في المدينة لقُوّة تذكُّره له، حتّى استأذن سيّدنا الخليفة أبا بكر الصدّيق وذهب إلى الشَّام، وهكذا كما يروي ابن عساكر قصّته ورؤيته للحبيب ﷺ يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورنا؟ وجاء في زيارة وكان ما كان. 

وعند الوفاة وهو في الشّام حضرته الوفاة وقالت زوجته: واكرباه! فتح عينيه وهو في سكرات الموت يقول: بل واطرباه! بل واطرباه! غداً ألقى الأحبّة، محمداً وحزبه. 

فرضي الله عن بلال وعمّا حصّله من هذا الجمال وهذا الكمال، وما نازله من جزيل النّوال، أرانا الله وجوههم في الدنيا والبرزخ وفي المآل، ولا حرمنا المرافقة لهم، إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"وإذا فَنِيَ العمرُ.. انقطعَتِ التِّجارةُ، وحصلَ اليأسُ، وهذا اليومُ يومٌ جديدٌ، قد أمهلَني اللهُ تعالى فيهِ، ولو تَوفَّاني.. لكنتُ أشتهي أن يُرجعَني إلى الدُّنيا؛ لأعملَ صالحًا.

فاحسِبي -يا نفسُ- أنَّكِ قد تُوفِّيتِ، ورجعتِ إلى الدُّنيا يومًا واحدًا، فاجتهدي في هٰذا اليومِ الواحدِ، وانظري لنفسِكِ، فإن لم تُمهَلي للغدِ.. فقدِ استوفَيتِ ربحَ هٰذا اليومِ ولم تَتحسَّري، وإن أُمهِلتِ.. فاستأنفي للغدِ مثلَ ذلكَ.

ولا تَخدعَنَّ نفسَكَ بتمنّي العفوِ؛ فإنَّ ذلكَ ظنُّ قد يَكذِبُ، ولا يَنفعُ التَّحسُّرُ، ثمَّ هبْ أنَّهُ قد عُفِيَ عنكَ؛ أليسَ قد فاتَكَ ثوابُ المحسنينَ؟! وناهيكَ بهِ حسرةً وندامةً.

فإذا قالَتْ نفسُكَ: ماذا أعملُ؟ وكيفَ أجتهدُ؟

فتقولُ: اتركي ما يُفارِقُكِ بالموتِ، والزمي بُدَّكِ اللَّازمَ؛ وهوَ اللهُ تعالى المَلِكُ العظيمُ، واطلبي الأُنسَ بذكرِهِ".

لا إله إلا هو.

 

 وهكذا يقول يخاطِب نفسه في الصباح من أجل أن تستقيم في خلال يومها، على ما يوجب عزها وشرفها وكرامتها في الدّارين. 

يقول: "وإذا فَنِيَ العمرُ.. انقطعَتِ التِّجارةُ"، وأنا تاجر والربح حقي قد عرفتيه كيف هو، ورأس مالي هذا هو العمر. 

 

"وهذا اليومُ يومٌ جديدٌ" -جاءني- "قد أمهلَني اللهُ تعالى فيهِ،"؛ ما تَوفَّاني البارحة حتى أصبحت في هذا اليوم. 

  • "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور".
  • (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى) [الزمر:42].

أَرسلَنا أمس وأَرسلَنا اليوم، ولا ندري إلى كم أيام يُرسلنا -سبحانه وتعالى-، حتى يأتي يوم ما عاد يُرسِل أنفسنا إلى أجسادنا، ولا نمشي في هذه الأرض وهذه الحياة.

 

قال: "وهذا اليومُ يومٌ جديدٌ، قد أمهلَني اللهُ تعالى فيهِ، ولو تَوفَّاني.. لكنتُ أشتهي أن يُرجعَني إلى الدُّنيا؛ لأعملَ صالحًا.

فاحسِبي -يا نفسُ- أنَّكِ قد تُوفِّيتِ، ورجعتِ إلى الدُّنيا يومًا واحدًا، فاجتهدي في هٰذا اليومِ الواحدِ".

وهكذا كان بعض العارفين في القرون الأولى، حَفر له  قبره في البيت، ويدخل في كل يوم ويتذكر وفاته، وأنه يمكن عند الموت أن يقابل ويرى ما كان منه، ويتذكر حسرة المتحسّرين وقولهم: (رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) [المؤمنون: 99-100]، ثم يقوم يقول: يا نفسي، لقد رجعتِ؛ وإلا كان بييجي يوم ما عاد تقدرين ترجعين؛ اليوم رجعتِ، هيا انتبهي من يومك هذا،اعملي فيه الصالح وانتبهي منه…وهكذا يومًا بعد يومٍ، حتى عُمِرت أيّامه كلها بالخيرات واستعد للقاء رب البريات جل جلاله.

قال: "فاحسِبي -يا نفسُ- أنَّكِ قد تُوفِّيتِ، ورجعتِ إلى الدُّنيا يومًا واحدًا، فاجتهدي في هٰذا اليومِ الواحدِ، وانظري لنفسِكِ، فإن لم تُمهَلي للغدِ.. فقدِ استوفَيتِ ربحَ هٰذا اليومِ ولم تَتحسَّري، وإن أُمهِلتِ.. فاستأنفي للغدِ مثلَ ذلكَ".

ربحا جديدا وفوزا جديدا ومقامًا حميدا وشرفًا أكيدًا ورفعة عالية ومننًا غالية تكسبينها من خلال هذه الأيام التي قدرت لك ما دمت في هذه الحياة.

"ولا تَخدعَنَّ نفسَكَ بتمنّي العفوِ؛ فإنَّ ذلكَ ظنُّ قد يَكذِبُ، ولا يَنفعُ التَّحسُّرُ، ثمَّ هبْ أنَّهُ قد عُفِيَ عنكَ؛ أليسَ قد فاتَكَ ثوابُ المحسنينَ؟! وناهيكَ بهِ حسرةً" 

ولهذا كان سيدنا الحسن البصري يبكي ثلاثين سنة!… ما أبكاك؟ قال: كلمات سمعتها لسيدنا علي بن أبي طالب… ما هي؟ قال: قال سيدنا علي: هب أنّ الله تجاوز عن المسيئين، أليس قد فاتَهم ثواب المحسنين؟ فله ثلاثين سنة يبكي من أثر هذه الكلمات. 

 

وكان بعض العارفين يقول: واخجلتاه وإن عفوتَ! أنت عفوت، ونسألك العفو، ولك الفضل تعفو عنّا، ولكن؛ أنا أقابلك كيف؟ أنا عصَيتك وخالَفتك؟ واخجلتاه وإن عفوتَ! 

اللّهم إنّك عفو تحبّ العفو فاعف عنا، يا كريم يا كريم. 

فلا يفوتك ثواب المحسنين، "وناهيكَ بهِ حسرةً".

-لا إله إلا الله- 

قال: "فإذا قالَتْ نفسُكَ: ماذا أعملُ؟ وكيفَ أجتهدُ؟ فتقولُ: اتركي ما يُفارِقُكِ بالموتِ"، ولا تتعلقي به؛ الذي ما ينفعك بعد الموت لا تتعلقي به ولا تشْغليني به في يومي هذا، خليني اشتغل بما ينفعُني بعد الموت.

"والزمي بُدّكِ اللازم"، وبأدلّكِ ما هو، ما الأمر الذي تلزمينه والذي لا غنى لك عنه والذّي لك الشّرف كله في القرب منه وملازمته؟…الله.

"الزَمي بُدّكِ اللازم"، ما هو بُدّي اللازم؟ يقول: "الله الملك العظيم"، لازمي ذكره، ولازمي التّقرب إليه واستشعار فضله عليك إذا فتح لك الأبواب في عظمته وهو الغني عنك؛ هذا الذّي يُشرّفك، وهذا الذّي يَرفع قَدرك في الدارين.

 

"الزَمي بُدّكِ اللازم"؛ الذي لا بد منه، ولا ملجأ ولا منجأ منه إلا إليه، والمرجَع إليه والحُكم له.

إذًا فاغنمي صلتك بهذا الإله "الملك العظيم"،  واطلبي الأنس بذكره، فإنّه يذكُر مَن ذكره، ومَن اشتغل بذكره -سبحانه وتعالى-، أفاض الله عليه سر ذكرَهُ له؛ فأنِس بمولاه -جل جلاله وتعالى في علاه- أُنسًا ذا لذة تفوق لذائذ متاع الدنيا؛ الأنس بالله سبحانه وتعالى.

 

وبذلك كان يقول الإمام علي بن محمد الحبشي: 

 

ليلة الأنس ماشي *** مثلها في الليالي

ليلة الأنس ماشي *** مثلها في الليالي

 -ما الذي حصل؟…الأنس بذكره- قال:

 ظفرت أرواحنا *** فيها بمشروب حالي 

 وارتقت في العُلا *** معراج مطوله عالي

عندي أنُّه ذَكَره *** الله مولى الموالي 

قال: أشار الله إليه في كتابه وأشار رسوله، (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:153]، ونازله من سر ذكر الله:

ظفرت أرواحنا *** فيها بمشروب حالي 

 وارتقت في العُلا *** معراج مطوله عالي

عندي أنُّه ذَكَره *** الله مولى الموالي 

 ثم أخذ يقول: 

ما كَمُل غير مَن *** جالس رجال الكمالِ

 فاسألوني ترَوْ *** عندي جواب السؤالِ

فإن ذا فَنّ في *** مذهبي هو رأس مالي 

قد ورثته من أهلي *** سلَّم الله رجالي

 

ثم يقول في منّة الله عليه: 

ما وجدته بكسبي *** ………

-وإن كنت اكتسبت واجتهدت؛ ولكن- 

ما وجدته بكسبي *** لا ولا باحْتيالي

 غير ذى قد سرَى *** بالسر لأهلي سرى لي

 الفضل الذي تفضل الله به على شيوخي وسلسلة سندي إلى الحبيب؛ تفضَّل به على رجالي.

 

لا إله إلا الله، اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

وقال سيدنا الإمام أبو بكر العدني بن عبد الله العيدروس: 

آنَستُ أُنسَ الأُنسِ *** في مهرجان القدس

تعرف مهرجان القدس؟ ما هو مهرجان في سوق، ولا في ملعب، إن ما تعرف… مهرجان القدس في الحظيرة القدسية.

آنستُ أُنسَ الأُنسِ *** في مهرجان القدسِ

وأفنيتُ هيكل نفسي *** وقالَبي وحِسّي

وزال وهمُ اللَّبسِ *** وحندسات الحبسِ

وكيف هذا حصّلته؟ قال:

بالبارق النوراني *** والوارد الرباني

وما حصّلوه إلا بالاعتكاف على ذكر الله، والوجهة الصادقة إلى الله تعالى. 

بالبارق النوراني *** والوارد الرباني

ثم قال:

هذا مقام الوهبِ *** لا يُرتَقَى بالكَسبِ 

وليس هذا سرّ بي *** لكنني به أُنبِي

عن حال أهل القرب *** نعم، وإن شاء ربي 

كمثلهم أعطاني *** فهو عظيم الشانِ

جل جلاله وتعالى في علاه.

 

يقول: "فلا تَخدعَنَّ نفسَكَ"، لا بتمني العفو ولا بالإهمال للمهمات، ويقول لها: "اتركي ما يُفارِقُكِ بالموتِ، والزمي بُدَّكِ اللَّازمَ؛ وهوَ اللهُ تعالى المَلِكُ العظيمُ، واطلبي الأُنسَ بذكرِهِ" الله أكبر.

فمن أصبح والرب تعالى همُّه، كفاه كل همّ.

وقال بعض العارفين: كانت في القلب همومٌ متفرّقة، ثم إني صدَقت فجعلت الهمّ همًّا واحدًا، فكفاني كل همّ،  فكفاني كل همّ؛ كان همه الله -جل جلاله وتعالى في علاه-.

وفي ذلك أيضًا، جاء في الخبر: من أصبح والدّنيا همّه، شتّت الله عليه شمله، وجعل فقره في قلبه، ولم يأته من الدّنيا إلّا ما كُتب له. ومَن أصبح والآخرة همّه، جمع الله عليه شمله، وجعل غِناه في قلبه، وأتته الدّنيا وهي راغمة.

 

وهكذا؛ فكيف مَن ارتقى؟ ولم يَقصد من الآخرة إلا الله -تبارك وتعالى- فأصبح وهمّه الله، ومراده الله، ومقصوده الله، وغايته الله، ومطلبه الله، وعِشقه لله سبحانه وتعالى؛ 

فيا فوز أهل تلك القلوب، كيف يصبحون؟ وكيف يُمسون؟ ما أسعد صَباحهم! وما أسعد مسَاءهم! -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-، (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) [الروم:17-18].

 

اللهم انظر إلى هذه القلوب وعلّقها بك، ووجّهها إليك، وارزقها قصدك وإرادتك، واجعلك يا ربي غاية مبتغاها ومنتهى رضاها، يا حيّ يا قيّوم، لا تقصد سواك، ولا تريد غيرك، ولا تلتفت إلى مَن عداك. اللهم نزّه قلُوبنا عن التّعلّق بمَن دونك، واجعلنا من قوم تحبّهم ويحبّونك، برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين.

 

وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"فإذا قالَتْ: فكيفَ أتركُ الدُّنيا وقدِ استحكمَتْ علائقُها في قلبي؟

فتقولُ: أقبِلي على قطعِ علائِقِها مِنْ باطنِ القلبِ، كما علَّمناكِ في الأصولِ العشرةِ مِنَ المُهلِكاتِ، ففتِّشي عن أغلبِ علاقةٍ مِنْ علائقِها؛ مِنْ حبِّ مالٍ أو جاهٍ، أو حَسَبٍ أو عداوةٍ، أو شهوةٍ بطنٍ أو فَرْجٍ، أو غيرِ ذلكِ مِنَ المُهلِكاتِ.

فليسَ لكَ إلَّا أن تتفكّرَ في عِظمِ آفاتِها وإهلاكِها إيَّاكَ، فتنبعثَ لمجاهدتِها، ومخالفةِ مقتضاها، وقد تخلَّصتَ منها، وأيَّدَكَ اللهُ بتوفيقِهِ ومعونتِهِ".

ثمَّ تقولُ: فقدِّري أنَّكِ مريضةٌ مُدَّةَ العمرِ، والعمرُ مُدَّةُ الاحتماءِ، وقد أنبأَكِ طبيبٌ تظنِّينَ صدقَهُ: أنَّ مَلاذَّ الأطعمةِ تضرُّكِ، وأنَّ الأدويةَ البَشِعةَ تنفعُكِ؛ ألستِ تَتصبَّرينَ لقولِهِ على مَرارةِ الدَّواءِ طمعًا في الشِفاءِ؟ ألستِ تَتصبَّرينَ على الكَدِّ والتَّعبِ في السَّفرِ الطَّويلِ طمعًا في الاستراحةِ في المنزلِ؟! فأنتِ مسافرةٌ، ومنزلُكِ الآخرةُ، والمسافرُ لا يستريحُ، ويَتحمَّلُ التَّعبَ والكدَّ، فإنِ استراحَ، انقطعَ في الطَّريقِ وهلكَ".

 

والعياذ بالله تبارك وتعالى.

 

قال: "فإذا قالَتْ نفسُكَ: ماذا أعملُ؟ وكيفَ أجتهدُ؟ فتقولُ: اتركي ما يُفارِقُكِ بالموتِ"، تقول لك : كيف هو؟ وعلائق الدنيا قد استحكمت بقلبي فكيف أتركها؟ فتقول لهذه النفس: قد ابتليت بهذه العلائق، فعندنا طُرُق لقطعها عنكِ ولتخليصكِ منها؛ "أقبِلي على قطعِ علائِقِها مِنْ باطنِ القلبِ، كما علَّمناكِ في الأصولِ العشرةِ مِنَ المُهلِكاتِ" - فيقول للنفس:- "ففتِّشي عن أغلبِ علاقةٍ مِنْ علائقِها؛ مِنْ حبِّ مالٍ أو جاهٍ، أو حَسَبٍ أو عداوةٍ" -لأحد بغير حق- "أو شهوةٍ بطنٍ أو فَرْجٍ، أو غيرِ ذلكِ مِنَ المُهلِكاتِ. فليسَ لكَ إلَّا أن تتفكّرَ في عِظمِ آفاتِها" -هذه المهلكات وما تجلب لك من هلاك- "فتنبعثَ لمجاهدتِها، ومخالفةِ مقتضاها" (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) [النازعات:40-41]، "وقد تخلَّصتَ منها، وأيَّدَكَ اللهُ بتوفيقِهِ ومعونتِهِ"، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت:69]، له الحمد وله المنّة.

 

يقول لها: لا تتعذرين عليّ؛ تقولين: أنا ضعيفة، وأنا قد تعلقتُ بالدنيا وما عاد لي فَكَّة منها… يقول: بنفكَّكِّ، فيه طريقة للفكّة؛ تعالي تفكري تذكري.. بماذا أنتِ معلقة؟ وعلى ماذا أنتِ مُقبلة؟ على أيٍّ من أنواع هذه الشهوات؟ تعالي نتذكر مغبَّتها ونهايتها، ونتذكر طريق الخلاص منها وذلك كلّه ممكن؛ (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس:9-10]، تعالي بنزكيكِ وبنخلصكِ من هذا الذي تشكين منه و"فتِّشي عن أغلبِ علاقةٍ مِنْ علائقِها؛ مِنْ حبِّ مالٍ أو جاهٍ، أو حَسَبٍ أو عداوةٍ، أو شهوةٍ بطنٍ أو فَرْجٍ، أو غيرِ ذلكِ مِنَ المُهلِكاتِ.

فليسَ لكَ إلَّا أن تتفكّرَ في عظمِ آفاتِها وإهلاكِها إيَّاكَ، فتنبعثَ لمجاهدتِها، ومخالفةِ مقتضاها" -وإذا أنت- "قد تخلَّصتَ منها، وأيَّدَكَ اللهُ بتوفيقِهِ ومعونتِهِ".

(فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) [النساء:76] كما قال جل جلاله، ومِن أولياء الشيطان: النفسُ الأمارة، النفسُ الأمارة واحدة من أولياء الشيطان؛ قاتِلها، وإذا بها تصفو وتتنقى وتزكو بفضل الله تبارك وتعالى.

 

يقول: "ثمَّ تقولُ: فقدِّري أنَّكِ مريضةٌ مُدَّةَ العمرِ، والعمرُ مُدَّةُ الاحتماءِ، وقد أنبأَكِ طبيبٌ -حاذق ماهر- تظنِّينَ صدقَهُ"، وتظنين إطلاعه ومهارته، ماذا قال لكِ؟ قال: الطعام الفلاني اللذيذ يضركِ، والطعام الفلاني اللذيذ يضركِ، والطعام الفلاني يضركِ، وأنتِ واثقة بأنه حاذق وماهر، كيف تعملين؟ "وأنَّ الأدويةَ البَشِعةَ -المُرّة- تنفعُكِ؛" -فماذا تصنعين؟- "ألستِ تَتصبَّرينَ لقولِهِ على مَرارةِ الدَّواءِ طمعًا في الشِفاءِ؟" وتتصبرين على ترك المشتهيات التي تشتهينها وتحبينها، لكن إذا قيل لكِ هذه المادة تضركِ، وتعرّض عمركِ إلى الخطر، فتتركها وأنت تشتهيها؛ تتركها من أجل الرغبة في المتعة في العمر. 

 

"ألستِ تَتصبَّرينَ لقولِهِ على مَرارةِ الدَّواءِ طمعًا في الشِفاءِ؟ ألستِ تَتصبَّرينَ على الكَدِّ والتَّعبِ في السَّفرِ الطَّويلِ طمعًا في الاستراحةِ في المنزلِ؟! فأنتِ مسافرةٌ، ومنزلُكِ الآخرةُ، والمسافرُ لا يستريحُ، ويَتحمَّلُ التَّعبَ والكدَّ،" -حتى يواصل السفر- "فإنِ استراحَ، انقطعَ في الطَّريقِ وهلكَ"؛ "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل".

 

وهكذا يصير المثل كما ذكر رسول الله ﷺ، أن قوم نزلوا في طريقهم في فلاة من الأرض، فجاءهم منذرٌ يقول: هنا جيش مُقبِل من يحصِّله يقتله؛ فلا تناموا في المكان هذا؛ فالذين صدقوه حملوا متاعهم ومشَوا، والذين قالوا: أي جيش؟ متى بيجيء الجيش هذا؟ خلُّوا نحن نرتاح، تعبانين بنرقد… فرقدوا، قال: فجاء الجيش واجتاحهم وقتلهم واحدًا بعد الثاني وخسروا كل ما معهم، وأولئك نجَوا؛ قال: وكذلك من لبى نداء الحق ورسوله ومشى في الطريق. 

"من خاف أَدْلَجَ، ومن أَدْلَجَ بلغ المنزلَ" -معنى أَدلَج: مشى في الدُّلجة؛ في الظلام- "أَلا إن سِلْعَةَ اللهِ غاليةٌ، أَلا إن سِلْعَةَ اللهِ الجنةُ".

 

فالله يجمعنا في الدنيا على طريق الجنة، وأوصاف أهل الجنة وعمل أهل الجنة، ويجمعنا في الآخرة في الجنة وفي أعلى الجنة، ومع سيد أهل الجنة ﷺ، اجمعنا به في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة وفي مواقف القيامة كلها وفي دار الكرامة، قد أدرك سادتنا الصحابة من قبلنا أن جميع ما في الجنة من نعيم ما يعوِّض عن رؤيته، ما يعوِض عن رؤيته ﷺ ولا عن مكالمته، وقد ذاقوا في الدنيا نعيم مكالمته ﷺ ومصافحته والجلوس معه؛ فأدركوا وأيقنوا أن كل ما وُصف من نعيم الجنة ما يعوِّض عن هذا؛ ولكن حتى بُشِّروا بأنهم يلقونه هناك ويكونون معه واطمأنت نفوسهم عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

 

عندكم سيدنا جعفر لما استشهد وفاضت روحه، أليس من أهل الجنة؟ وله جناحان يطير بهما في الجنة؟ لكن قال: أين حبيبي؟ ما اكتفى بالجنة، وطلب من ربه، قال: بغيت عند رسولك الذي بسببه دخلت الجنة، الذي بسببه أدركت الجنة؛ فجاءت به الملائكة تحفه بروحه إلى المدينة المنورة من شأن أن يلقى حبيب الله، ورفع الحبيب رأسه يقول: "وعليك السلام" وأخذ يتكلم، نكَّس الصحابة رؤوسهم؛ أدبًا مع رسول الله لأنهم يعرفون أنه يكلم من أهل الغيب أحد، فلما انتهت المحادثة؛ ردّ نظره إليهم، قالوا: مَن تخاطب يا رسول الله؟ قال: هذا جعفر بن أبي طالب قد وقف علي في نفر من الملائكة وسلم علي، يعني: ما ألْهَتهُ الجنة عني، ولا رضيَ بالجنة عِوَض عني، ولا رضي بالنعيم الذي فيها وجاء إليّ، قد أبدله الله مكان يديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء، لكنه ما ارتضى بالجنة دون الاتصال بهذا الجناب والجمال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهو يتذوق بروحه -وإن رأى الجنة وما فيها- معاني قوله ﷺ: "أشبهتَ خَلْقي وخُلُقي"، -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- ويُسقى من كأسها، وإلى ساعتنا هذه وهو يذوق حلاوتها بروحه الكريمة، يقول له: "أشبهتَ خَلْقي وخُلُقي"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكان له المنزلة عند الحق ورسوله عليه الصلاة والسلام.

 

والله يجمَعنا بهذا الحبيب، ونَطيب مع مَن يطيب في التقريب والعطاء العجيب والفضل الرحيب، لا تحرمنا خير ما عندك لشرّ ما عندنا. وكما جمعتنا على ذكر هذه المعاني، فاجعلنا من أهل سر المثاني، ومن أهل التداني والشرب الهاني من كؤوس محبتك ومحبة صاحب الشرف العدناني، بلِّغنا به الأماني وفوق الأماني هنا وهناك، كما يليق بجودك يا ملك الأملاك.

وفرّج كروب أمته، وادفع البلاء عن أمته، وأصلح شؤون أمته، واجعلنا في خيار أمته، واجعلنا في أنفع أمته لأمته، وأبرك أمته على أمته، واجعلنا في خواص مَن يُسَرُّ قلبه بهم من أمته، ولا تبلغه عنا إلا ما يَسر فؤاده، ولا تبلغه عنا إلا ما يُقر عينه، بجاهه عليك، لا تبلغه عنا قبائحنا ومعايبنا، وبلغه عنا ما به يفرح وما به يُسَرُّ وما به ننال رضاك الأكبر ورضاه عنا برحمتك يا أرحم الراحمين يا أكرم الأكرمين. 

واجعلنا نمسي ونصبح ونحيا ونموت وأنت راضٍ عنا وهو راضٍ عنا، ونلقاك وأنت راضٍ عنا وهو راضٍ عنا برحمتك يا أرحم الراحمين. وتعيد علينا عوائد ما دعاك للصحابي الجليل، وما قال لذي البجادين ويناديك وقد وضعه في قبره: "اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ أَمْسَيْتُ رَاضِيًا عَنْهُ، فارض عنه". نسألك رضاك ورضى رسولك وأنت المخاطِب لنا أن لا يكون اهتمامنا إلا بذلك، وقلت في كتابك: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ)[التوبة:62].

آمنا بك وبرسولك فاجعل رضاك مآل مطلبنا ومرادنا، وارض عنا وأرضِ نبيك عنا، واربطنا به ربطًا لا ينحل، واحشرنا جميعًا في زمرته، وأسعِدنا بكريم مرافقته، فضلًا ومنًّا وإحسانًا وجودًا لائقًا بك يا معطي العطايا، يا كاشف البلايا، يا دافع الرزايا، يا مصلح الظواهر والخفايا، يا من يَسقي كؤوس المحبة للأحبة، اسقنا من هذا الكأس، وألحقنا بسيد الناس، وانفِ عنا كل علّة وبأس، وادفع عنا كل غفلة ووسواس، واكفنا شر الخناس واكفنا شر كل ذي شر من الجِنة والناس، واجعلنا اللهم في رفيع الإدراك والذوق والإحساس. 

أنت وحدك مرادنا، وبُدّنا اللازم الذي لا نميل إلى التعلق بمن سواك ولا الالتفات إلى ما عداك يا حي يا قيوم. 

وهذا قبلتنا إليك، ووجهتنا إليك، وكعبتنا التي بها نصل إليك، فصلِّ عليه أفضل الصلوات، صلاةً تتصل بها أسرارنا بسره، وتتصل بها أرواحنا بروحه، وتتصل بها أجسامنا بجسمه، ويتصل بها عملنا بعمله، ويتصل بها قولنا بقوله، ويتصل بها سيرنا بسيره، حتى تتولانا به حيث ما كنا وأينما كنا ولاية تليق بجودك، تعاملنا فيها بمحض فضلك وإحسانك وواسع امتنانك، وترفعنا به أعلى مكان، وتدنينا من هذا الجناب في مراتب أهل الاقتراب، وتسقينا من حال ذلك الشراب ما به نطيب في الدنيا وفي المآب، يا كريم يا تواب، يا جزيل العطاء، يا غافر الخطأ، يا من يعطي ولا يبالي، ويمنح ولا يبالي، ويجود ولا يبالي، ويكرِم ولا يبالي، يا مولى الموالي، يا كريم يا والي، ما لنا غيرك وما لنا رب سواك، أين نذهب يا إلهنا؟ ومن نطلب يا خالقنا وبارئنا؟ وأنت الذي فتحت لنا هذه الأبواب، وأنت الذي يسّرت لنا هذه الخيرات، وأنت الذي وفقتنا لهذه القربات، وأنت الذي أوقفتنا على بابك ونعم الباب بابك، فأتم نعمتك علينا، وافتح الباب لنا وتولنا حيثما كنا وأينما كنا، لا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين. 

ياكريم عبادك ببابك 

عبيدك بفنائك، فقراؤك بفنائك، مساكينك بفنائك، سؤّالك  بفنائك.

عبيدك بفنائك، سؤّالك  بفنائك، فقراؤك بفنائك، مساكينك بفنائك. 

يا رب الأرباب عبيدك بفنائك، فقراؤك بفنائك، مساكينك بفنائك، سؤّالك  بفنائك.

فجُد علينا وانظر إلينا وأقبل بوجهك الكريم علينا وانظر إلى كلٍّ من أهالينا وأولادنا وذرياتنا وذوينا مَن يوالينا، ولا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، فقد مددنا أيدينا إليك بالفضل منك، ولك الفضل ولك الحمد والإحسان فأتمم نعمتك علينا وتولنا بما أنت أهله حسًّا ومعنًى، ظاهرًا وباطنًا. وأصلح البلاد والعباد والأمة، وحوِّل الأحوال إلى أحسنها، واختم لنا بأكمل الحسنى. 

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة