Blog Utama Saya :-

Khamis, 11 Jun 2026

الأربعين في أصول الدين - 45 | ذكر الموت (5) بيان أصناف عذاب الآخرة ونيران الروح

 





Ingat Akan Mati (5), dan Penjelasan Mengenai Jenis-Jenis Azab Akhirat dan Seksaan Ruh



Video


الدرس الخامس والأربعون للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي. القسم الرابع: الأخلاق المحمودة: تكملة شرح الأصل العاشر: ذكر الموت (5)

 في مسجد سيدنا جعفر بن أبي طالب، في الكرك، ضمن دروس الدورة العلمية في موسم شهداء مؤتة الأبرار، الأردن

مساء السبت 3 جمادى الأولى 1447هـ

من خلال بيان أصناف عذاب الآخرة؛ يشرح الحبيب عمر بن حفيظ كيف تكون حرقة الفُرقة، وخِزي الفضيحة، وحسرة الفوات من أشدّ ما يعذّب الأرواح.. يربط بين نيران الحس ونيران القلب، ويذكّر أن صفاء السريرة هو النجاة من نيران الباطن قبل نيران الظاهر.

 

نص الدرس المكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

فصلٌ

 في بيانِ أصنافِ عذابِ الآخرةِ 

"وأمَّا مطالبتُكَ إيَّايَ بتفصيلٍ عذابِ الآخرةِ وذكرِ أصنافِهِ.. فلا تطمع بالتَّفصيلِ؛ فذلكَ داعيةٌ إلى المَلالِ والتَّطويلِ، واقنع بذكرِ الأصنافِ؛ فقد ظهرَ لي بالمشاهدةِ ظهوراً أوضحَ مِنَ العِيانِ: أنَّ أصنافَ عذابِ الآخرةِ ثلاثةٌ -أعني: الرُّوحانيَّ منها-: حُرْقةُ فرقة المُشتهَياتِ، وخزيُ خَجْلَةِ الفاضحاتِ، وحسرةُ فواتِ المحبوباتِ.

فهذهِ ثلاثةُ أنواعِ مِنَ النِّيرانِ الرُّوحانيَّةِ، تتعاقبُ على رُوحٍ مَنْ آثرَ الحياةَ الدُّنيا، إلى أن ينتهيَ إلى مقاساةِ النَّارِ الجِسمانيَّةِ، فإنَّ ذلكَ يكونُ في آخرِ الأمرِ، فخُذِ الآنَ شرحَ هٰذهِ الأصنافِ.

الصِّنفُ الأوَّلُ: حُرْقةُ فُرقةِ المُشتهَياتِ:

فصورتُهُ المُستعارةُ مِنْ عالَمِ الحِسِ والتَّخيُّلِ: التِّنِّينُ الذي وصفَهُ الشَّرعُ وعدَّدَ رؤوسَهُ، وهيَ بعددِ الشَّهَواتِ ورذائلِ الصِّفاتِ، تلدغُ صميمَ الفؤادِ لدغاً مُؤلِماً وإن كانَ البدنُ بمَعزلٍ عنهُ.

فقدِّرْ في عالَمِكَ هٰذا مَلِكاً مُستولِياً علىٰ جميعِ الأرضِ، مُتمكِّناً مِنْ جميعِ المَلاذِ، مُستمتِعاً بها، مُستهتَراً بالوجوهِ الحِسانِ، متهالكاً عليها، مشغوفاً بالإمارةِ واستعبادِ الخَلْقِ بالطَّاعةِ، مُطاعاً فيهِم، غافصَهُ عدوُّهُ واسترقَّهُ، واستعملَهُ على ملأ مِنْ رعيَّتِهِ في تعهُّدِ الكلابِ، وصارَ يَتمتَّعُ بنعمِهِ، ويَستمتِعُ بأهلِهِ وجواريهِ بينَ يديهِ، ويَتصرَّفُ في خزائنِهِ وذخائرِ أموالِهِ، فيُفرِّقُها على أعدائِهِ ومعانديهِ!!

فانظرِ الآنَ؛ هل ترىٰ على قلبِهِ تنِّيناً ذا رؤوسٍ كثيرةٍ، تلدغُ صميمَ فؤادِهِ وبدنُهُ بمَعزِلٍ عنهُ، وهوَ يَوَدُّ لو أنَّهُ يُبتلَىٰ بدنُهُ بأمراضٍ وآلامِ ليتخلَّصَ منهُ؟

فتوهَّمْ هذا، فربَّما تَشَمُّ بهِ قليلاً مِنْ رائحةِ الحُطَمةِ، التي هيَ نارُ اللهِ المُوقَدةُ، التي تَطَّلِعُ على الأفئدةِ ، أُعِدَّتْ لِمَنْ جمعَ مالاً وعدَّدَهُ، يَحسَبُ أنَّ مالَهُ أخلدَهُ.

واعلمْ: أنَّ عذابَ كلِّ ميِّتٍ بقَدْرِ رؤوسِ هذا التِّنِّينِ، وعددُ الرُّؤوسِ بعددِ المُشتهَياتِ؛ فلهٰذا مَنْ كانَ أفقرَ، وتمتُّعُهُ في الدُّنيا أقلَّ.. كانَ العذابُ عليهِ في الآخرةِ أخفَّ، ومَنْ لا علاقةً لهُ معَ الدُّنيا أصلاً.. فلا عقابَ عليهِ أصلاً".

-ما شاء الله لا قوة الا بالله-

الحمد لله مُكرمِنا بالأبصار والبصائر، والواهبِ لنا -سبحانه وتعالى- منه الأرواح والسرائر، ومرسلِ الأنبياء والمرسلين منه لنا ليرّقونا في مراقي الاستبصار وصالح وصحيح الأفكار، ما به تذهب عنا الحُجُب والأكدار والأغيار، وندرك الحقيقة فنستمسك بالعروة الوثيقة، ونتبع خيار الخليقة، وتنحل عنا الارتباطات والاقتداءات بمن أبغضهم الجبار، ومن أعرض عنهم، ومن خلقهم صدًا عن سبيله وابتلاءً لعباده؛ من أجابهم قذفوه في جهنم.

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يبصّر من يشاء وينّور من يشاء (وَمَن لَم يَجعَلِ اللَّهُ لَهُ نورًا فَما لَهُ مِن نورٍ) [النور:40]، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله خاتم الأنبياء وسيد الأصفياء، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله المطهرين وأصحابه الأتقياء، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان إلى يوم وضع الميزان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، من رفع الله لهم القدر والمنزلة والشأن، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وفي أيام موسم أهل مؤتة الكرام الذين خصّهم الله بالحظ الوافي من نور البصائر وصفاء السرائر، وكان المتولي تطهيرهم وتزكيتهم سيد الأوائل والأواخر، جامع الفضائل والمفاخر، حبيب الرحمن محمد الشفيع الأعظم في اليوم الآخر صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله، فنِعمَ ما زكّاهم ونِعمَ ما ربّاهم.

وإننا في تأمل عالم البرزخ وعالم الآخرة، والحياة التي لا بد من وصولنا إليها لا محالة كما وصلنا إلى هذه الحياة التي نحن فيها، فمُوصِلنا إلى الحياة التي نحن فيها هو الذي أخبرنا أنه سيوصلنا إلى تلك الحياة وقد نقّلنا وكنا عدمًا، ولم يكن أرضٌ ولا سماءٌ ولا عرشٌ ولا كرسيٌ ولا جنةٌ ولا نار، ولا مَلكٌ ولا إنسانٌ ولا جنٌ ولا حيوانٌ ولا نباتٌ ولا جمادٌ، ولا شيء من هذه الكائنات، قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كما جاء في صحيح البخاري: "كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ معه" جل جلاله وتعالى في علاه "كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ"، ثم خلق الخلق لحكمة وطوى عليها علمه، واختص الملائكة وبني آدم والجن بأنواع من المدارك وشؤون تسمى البصائر والأسرار من بواطن هذه الروح الكريمة الربانية، وبها ندرك ما بلّغنا سبحانه على لسان رسله من الحياة المقبلة.

وجعل لنا في هذه الحياة من الحسيّات ما نستطيع أن نقيس عليها معاني ما أُخبِرنَا عنه في الحياة الأخرى من أنواع النعيم ومن أنواع العذاب، فجعل لنا في هذه الدنيا لذائذ وحلاوات ومتع ومشتهيات، وجعل لنا -سبحانه وتعالى- فيها مكاره وشدائد وبلايا وآفات ورزايا لنقيس، والأمر أكبر، الأمر الآخر أكبر؛ فنعيمها لا يساويه شيء من نعيم الدنيا، وعذابها لا يساويه شيء من عذاب الدنيا (وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ) [الرعد:36] كما قال تعالى، (وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ) [طه: 12]، فهو أشق وأشد من غير شك، كذلك النعيم هناك.

ولكنَّ الله جعل لنا في هذه الحياة ما يكفينا لأن نَدَّكِر وأن نعتبر وأن نصدّق الرسل فيما أخبرونا عنه من أخبار البرزخ وأخبار القيامة وأخبار الجنة وأخبار النار؛ وهذا هو الغيب الذي الإيمان به ركن من أركان الإيمان، لا يصير المؤمن مؤمنًا حتى يؤمن بذلك الغيب كما حدثنا المُنَقُّون عن العيب رُسُل الله وأنبياؤه، المختومون بمحمدٍ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله سيدهم ومصطفاهم.

ذكر الإمام الغزالي -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- أنَّ البصائر تدرك معاني ما تحدَّث عنه رسول الله من أخبار البرزخ والقيامة وتشاهده مشاهدة، وذكر بعد ذلك أنَّه ربما يقول له السائل: فصِّل لنا عذاب الآخرة واذكر لنا أصنافه، قال: "فلا تطمع بالتَّفصيلِ؛" وذلك لأنَّه لا يمكن أن يحيط به أحد، فكلٌ من أرباب البصائر يطَّلِع من شؤون النعيم وشؤون العذاب على ما وسَّع الله له إدراكه وأراد إطلاعه عليه، ولا يحيط بأخبار العذاب وبأخبار النعيم من هؤلاء الخلائق محيطٌ، قال سبحانه وتعالى: (فَيَومَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ * وَلا يوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:26-26]، (وَبَدا لَهُم مِنَ اللَّهِ ما لَم يَكونوا يَحتَسِبونَ) [الزمر:47] كما قال جلَّ جلاله، فلا مطمع في التفصيل، إنَّما بلغنا الأنبياء ما يكفينا لأن نتصور عظمة الأمر ونستعد له ونحذر ونرتجي الفوز الأكبر (فَمَن زُحزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدخِلَ الجَنَّةَ فَقَد فازَ) [آل عمران:185]، اللهم اجعلنا من أهل هذا الفوز الأسنى، وأدخلنا جنتك بغير حساب مع السابقين من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب.

إذًا، لا مطمع في التفصيل، ولكن من خلال أيضًا ما كشف الله لبصيرته، رأى أن الأصناف ترجع إلى هذه الثلاثة الأشياء: 

  • صنف "حُرْقةُ فرقة المُشتهَياتِ". 
  • ثم "وخزيُ خَجْلَةِ الفاضحاتِ".
  • ثم "حسرةُ فواتِ المحبوباتِ".

فترجع أنواع العذاب في الآخرة إلى هذه الأقسام.

يقول: "ظهرَ لي بالمشاهدةِ ظهوراً أوضحَ مِنَ العِيانِ: أنَّ أصنافَ عذابِ الآخرةِ ثلاثةٌ -العذاب- الرُّوحانيَّ"، "مِنَ النِّيرانِ الرُّوحانيَّةِ، تتعاقبُ على رُوحٍ مَنْ آثرَ الحياةَ الدُّنيا،" (فَأَمّا مَن طَغى * وَآثَرَ الحَياةَ الدُّنيا * فَإِنَّ الجَحيمَ هِيَ المَأوى) [النازعات:37-39] كما قال سبحانه وتعالى، قال: "إلى أن ينتهيَ إلى مقاساةِ النَّارِ الجِسمانيَّةِ،" المطابقة للنار الروحانية التي في باطنه، فيجتمع عليه عذاب الحس والخيال والوهم والواقع والحقيقة والروح والجسد -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، ولذلك يُعظِمُ أجسادهم عند دخولهم النار فيُكبِّرُها -سبحانه وتعالى- فتمتد.

أمَّا أجساد أهل الجنة فيعيدها الله إلى أصل الخلقة والنشأة كما جاء في الأخبار: ستون ذراعًا طولًا وسبعة أذرع عرضًا في غاية من الحسن والجمال في أبناء ثلاث وثلاثين سنة؛ يعني بالمقاس على ما يمر بعمر الإنسان في الدنيا من مراحل، فأقيَس مرحلة لما يُؤتَون من شباب وقوة عمر الثلاث وثلاثين سنة، فهو في غالب بني آدم أقوى أيامهم وأعمارهم وأكثرها قدرة على الحركة والاستيعاب وإدراك اللذائذ؛ هذا هو جُعِل مثالًا والأمر أكبر، لكن جُعِل مثالًا فهم أبناء ثلاث وثلاثين سنة، إلا أنَّ الفارق أنَّ الناس في الدنيا أبناء ثلاث وثلاثين سنة في كل يوم ينقص عليهم من الثلاث وثلاثين سنة يوم حتى تنقضي ويدخلون في أربعة وثلاثين ويدخلون في خمسة وثلاثين؛ أمَّا أولئك فالحال ثابت على ما هو عليه أبناء ثلاث وثلاثين سنة إذا مر ألف عام كم مقدار أعمار هؤلاء؟ تريدني أخبرك مقدار ما يمتّعون به من قوة أبناء ثلاث وثلاثين سنة؟ مرت مليار من السنين، كم أعمارهم؟ أبناء ثلاث وثلاثين سنة، ومليار المليار، وهكذا إلى الأبد وهم أبناء ثلاث وثلاثين سنة "إنَّ لكم أن تشِبُّوا -فيها- فلا تهرَموا أبدًا". 

وهكذا سبحانه وتعالى، ولكن جعل هذا التطور في العمر في الدنياوي منوط بهذا التركيب والخلقة والأرض التي نحن فيها ، حتى أن نفس هذه الأجساد لو نُقلت إلى أماكن في الفضاء فإنهم يكتشفون أنها لا تتأثر بمرور الوقت ولا يظهر عليها شيء من الآثار، ولذلك تعرف أيضًا سيدنا عيسى بن مريم -عليه السلام- الآن بالسنين الشمسية ألفين وخمس وعشرون سنة، كيف يخرج إلى الأرض؟ ابن كم؟ وكيف حالته؟ الحالة التي رُفع عليها يخرج بها إلى الأرض وإن مرت هذه السنين كلها، فما كان الأثر على جسده عليه سلام الله إلا أيام العمر الذي هو في الأرض، أمَّا من حين ما رُفع فالجسد على حالته هذه إلى أن يرجع إلى الأرض بنفس الحالة التي عليها الجسد، حتى جاء في الآثار أنه يتزوج، وأنه يُولَد له، وأنه يدفن في الحجرة النبوية في المدينة المنورة، وقد صح في الحديث أنَّه قال: وليقفنّ عيسى بن مريم على قبري هذا فيسلم علي ولأردَّنَ عليه السلام، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

كذلك أجساد الكفار يكبّرها الله حتى تكون أكبر من ذلك، حتى أن الضرس الكافر في النار كجبل أحد، -الضرس كجبل أحد- والثاني والثالث والرابع، كم من أضراس فيه؟! وحتى جاء في بعض الأخبار أنَّ غِلَظ جلد الكافر في النار مسيرة ثلاث، مسيرة ثلاثة أيام هذا جلده، ووراءه اللحم ووراءه العظم -لا إله إلا الله- لأجل أن يذوقوا العذاب (كُلَّما نَضِجَت جُلودُهُم بَدَّلناهُم جُلودًا غَيرَها لِيَذوقُوا العَذابَ) [النساء:56]، اللهم أجرنا من عذابك، اللهم أجرنا من عذابك.

يقول -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-: "فإنَّ ذلكَ يكونُ في آخرِ الأمرِ، فخُذِ الآنَ شرحَ هٰذهِ الأصنافِ".

"الصِّنفُ الأوَّلُ: حُرْقةُ فُرقةِ المُشتهَياتِ":

ويمثلها لنا بتمثيل يقربه إلى المعنى، كيف؟ يقول هذا هو ما ذُكر في الحديث الذي تقدم معنا في رواية ابن حبان في الصحيح مما يكون من عذاب الكافر في قبره، أنه يصور له ذلك التنين كما تقدم معنا، يقول عليه الصلاة والسلام في قوله: (فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا) [طه:124]، قال: "عذاب الكافر في قبره يسلط عليه تسعة وتسعون تنينًا هل تدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية لكل حية سبعة رؤوس يخدشونه ويلسعونه وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون"، هكذا لا إله إلا الله، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من العذاب.

يقول المثال لهذا في عالم الحس: "فقدِّرْ" أنَّ هنا في الأرض "مَلِكاً مُستولِياً علىٰ جميعِ الأرضِ، مُتمكِّناً مِنْ جميعِ المَلاذِ، مُستمتِعاً بها، مُستهتَراً بالوجوهِ الحِسانِ، متهالكاً عليها، مشغوفاً بالإمارةِ واستعبادِ الخَلْقِ بالطَّاعةِ، مُطاعاً فيهِم، -صدفة- غافصَهُ عدوُّهُ واسترقَّهُ، واستعملَهُ على ملأ مِنْ رعيَّتِهِ في تعهُّدِ الكلابِ، وصارَ -ما فيه من النعيم يتمتع به هذا العدو الذي دخل عليه- يَتمتَّعُ بنعمِهِ، ويَستمتِعُ بأهلِهِ وجواريهِ بينَ يديهِ، ويَتصرَّفُ في خزائنِهِ وذخائرِ أموالِهِ، فيُفرِّقُها على أعدائِهِ ومعانديهِ!!".

قال: تصور كيف حالته؟ "هل ترىٰ على قلبِهِ تنِّيناً ذا رؤوسٍ كثيرةٍ،" يا ذا التنين!؟ تنينات، آلام "يَوَدُّ لو أنَّهُ" كل مرض أصابه ولا يصيبه هذا، إذًا الأمر شديد شنيع، قال: هذا مثال للتنين "تلدغُ صميمَ فؤادِهِ وبدنُهُ بمَعزِلٍ عنهُ،" جسمه لا ترى به شيئًا -لا إله إلا الله-، "وهوَ يَوَدُّ لو أنَّهُ يُبتلَىٰ بدنُهُ بأمراضٍ وآلامِ ليتخلَّصَ منهُ؟"

قال: "فتوهَّمْ هذا،" لعلك يبدو لمداركك وأحاسيسك الباطنة شيء "تَشَمُّ بهِ قليلاً مِنْ رائحةِ" التحذير الرباني "الحُطَمةِ،" (وَما أَدراكَ مَا الحُطَمَةُ * نارُ اللَّهِ الموقَدَةُ * الَّتي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفئِدَةِ) [الهمزة:5-7]، (تَطَّلِعُ عَلَى الأَفئِدَةِ) المعنى العميق فيه أنَّه حرقة من داخل الفؤاد شديدة أليمة، وفي الحس نفس النار هذه الجسمانية تخرق الجلد واللحم والعظم وتصدع الفؤاد، تصل للفؤاد وتصدعه، فمصائب كبيرة وعذاب لا يوصف، -أجرنا اللهم من عذابك، أجرنا اللهم من عذابك-.

قال: "فربَّما تَشَمُّ بهِ قليلاً مِنْ رائحةِ الحُطَمةِ، التي هيَ نارُ اللهِ المُوقَدةُ، التي تَطَّلِعُ على الأفئدةِ ، أُعِدَّتْ لِمَنْ جمعَ مالاً وعدَّدَهُ، يَحسَبُ أنَّ مالَهُ أخلدَهُ." وقال: (ما أَظُنُّ أَن تَبيدَ هذِهِ أَبَدًا) [الكهف : 35]، -لا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم-، وهو بعينه يشاهد كم ماتوا في زمانه، ويعرف التاريخ الذين ماتور من قبله قرونًا وقرونًا وقرونًا، وكيف ما تظن؟ وكيف لا تبيد هذه أبدًا؟! من أين جئت بهذا الوهم؟ من أين جئت بهذا الخيال؟ كما قال في سورة الحطمة: (وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ * يَحسِبُ) وفي قراءة (يَحسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخلَدَهُ) [الهمزة:1-3] لا يوجد خلود ولا بقاء، ما أسرع ما ينتهي.

حتى إذا امتلأوا بِشْرَاً بمَا ظَفِروا *** ومُكِّنوا مِن عُلَاها أبْلَغَ المِكَنِ

ناداهمُ هِادِمُ اللذَّات فاقتحموا *** سبلَ المماتِ فأضحَوا عبرةَ الفِطَنِ

تلك القبورُ وقد صاروا بها رِمَمَاً *** بعد الضخامةِ في الأجسَامِ والسِّمَنِ

"واعلمْ: أنَّ عذابَ كلِّ ميِّتٍ بقَدْرِ رؤوسِ هذا التِّنِّينِ، وعددُ الرُّؤوسِ بعددِ المُشتهَياتِ؛" التي كان يتمتع بها في الدنيا على غير الوجه الذي يرضاه الله ويتحسر عليها ولهذا قال: "مَنْ كانَ أفقرَ، وتمتُّعُهُ في الدُّنيا أقلَّ.. كانَ العذابُ عليهِ في الآخرةِ أخفَّ، ومَنْ لا علاقةً لهُ معَ الدُّنيا أصلاً.." بمعنى: لم يأكل ولم يشرب ولم ينكح إلا ما أحل الله وأباح الله كما أباح "فلا عقابَ عليهِ أصلاً." ما حوله من التنينات هذه، ولكن من دخل في مشتهيات الدنيا بالمحرمات والمكروهات، هذا عند الفراق عليها تجيء ويتحرك تنينه ويصلِّح له آلام وأوجاع معنوية في روحه، نار تحرقه -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

فبذلك كله تعرف أن الذين يموتون على وجه العموم، ما من حسرة فيهم على الدنيا إلا لمن كان قلبهم متعلقًا بها وملتفتًا إليها ومعظمًا لها ومتشبثًا بها، وعلى قدر ما يكثر هذا التعلق والتشبث يكثر الألم، تكثر الحسرة، تكثر شدة ما ينازله -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

ومن كان لا التفات له إليها، فهذا لا يحسَر عند الموت أصلًا وعند الانتقال، بل يقول كما قال سيدنا بلال: واطرباه! غدًا ألقى الأحبه، محمدًا وحزبه -صلى الله عليه وسلم-، ويقولون كما قال الكثير منهم عند الموت: مرحبًا وسهلًا، حبيب جاء على فاقة. 

ورؤي سيدنا مالك بن دينار وهو راكب على فرس فرحان، يقول له: ما لكَ يا مالك؟ قال: الآن أفلت من السجن، خرجت من السجن، فانتبه وأنهم إذا بهم يخبروه بوفاة مالك بن دينار، خرج من السجن الذي كان فيه، سجن الدنيا وما يُمنَع عنه وعبء التكاليف التي عليه في الدنيا، خلاص انطلق منها، خرج من السجن -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.

 

وقال المؤلف رحمه الله ورضي الله عنه وعنكم ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"الصِّنفُ الثَّاني: خزيُ خَجْلةِ الفاضحاتِ. فقَدِّر رجلاً خسيساً رذيلاً، فقيراً عاجزاً، قَرَّبَهُ مَلِكٌ مِنَ الملوكِ، ورفعَهُ وقَوَّاهُ، وخَلَعَ عليهِ، وسلَّمَ إليهِ نيابةَ مُلْكهِ، ومَكَّنَهُ مِنْ دخولِ حريمِهِ، وجملةِ خزائنِهِ؛ اعتماداً علىٰ أمانتِهِ، فلمَّا عظُمَتْ عليهِ النِّعمةُ.. طغىٰ وبغى، وصارَ يختزلُ مِنْ خزائنِهِ، ويَفجُرُ بأهلِهِ وبناتِهِ وسُرِّيَّاتِهِ، وهوَ في جميعِ ذلكَ يُظهِرُ الأمانةَ للمَلِكِ، ويَعتقِدُ أنَّهُ غيرُ مُطَّلعِ على خيانتِهِ.

فبينَما هوَ في غمرةٍ فجورِهِ وخيانتِهِ.. إذ لاحظَ رَوزنةً، فرأىٰ فيها المَلِكَ مُطَّلِعاً عليهِ منها، وعلمَ أنَّهُ كانَ يَطَّلعُ عليهِ كلَّ يومٍ، لكنَّهُ كانَ يغضُّ عنهُ، ويُمهِلُهُ حتَّىٰ يزدادَ خُبثاً وفجوراً، ويَزدادَ استحقاقاً للنَّكالِ؛ ليَصُبَّ عليهِ في الآخرةِ أنواعَ العذابِ صبّاً فانظرِ الآنَ إلى قلبِهِ كيفَ يَحترِقُ بنارِ الخِزي والخَجْلةِ وبدنُهُ بمَعزِلِ عنهُ، وكيفَ يَوَدُّ أن يُعذَّبَ بدنُهُ بكلِّ عذابٍ ويَنكتِمَ خزيُهُ!!

فكذلكَ أنتَ تتعاطى في الدُّنيا أعمالاً هيَ مُشتهَياتُكَ ولذَّاتُكَ، ولتلكَ الأعمالِ أرواحٌ وحقائقُ خبيئةٌ قبيحةٌ، وأنتَ جاهلٌ بها، مُعتقِدٌ حُسْنَها، فينكشفُ لكَ في الآخرةِ حقائقُها في صورِها القبيحةِ، فتَختزي وتَخجَلُ خَجْلةً تُؤثِرُ عليها آلاماً بدنيَّةً.

فإن قلتَ: كيفَ تَنكشِفُ لي أرواحُها وحقائقُها؟

فاعلمْ: أنَّكَ لا تفهمُهُ إلَّا بمثالٍ؛ فمِنْ جملتِهِ مثلاً: أن يُؤذِّنَ المُؤذِّنُ في رمضانَ قبلَ الصُّبحِ، فيرىٰ في المَنامِ أنَّ بيدِهِ خاتَماً يَختِمُ بهِ أفواهَ الرِّجالِ وفروجَ النِّساءِ، فيقولُ له ابنُ سيرينَ: هذا رأيتَهُ لِأَذَانِكَ قبلَ الصُّبح.

فتأمَّلِ الآنَ: أنَّهُ لمَّا بَعُدَ بالنَّومِ قليلاً عن عالَمِ الحِسِِّ الجِسمانيِّ. انكشفَ لهُ رُوحُ عملِهِ، لكنْ لمَّا كانَ بعدُ في عالَمِ التَّخيُّلِ لأنَّ النَّائمَ لا يزولُ تخيُّلُهُ بالنَّومِ -غَشَّاهُ الخيالُ بمثالٍ تُتخيَّلٍ؛ وهوَ الخاتَمُ والختمُ بهِ، لكنَّهُ مثالٌ أدلُّ على رُوحِ العملِ مِنْ نفسِ الأذانِ؛ لأنَّ عالَمَ المَنامِ أقربُ إلى عالَمِ الآخرةِ، فالتَّلبيسُ فيهِ أضعفُ قليلاً، وليسَ يخلو عن تلبيس، ولأجلِهِ يُحتاجُ إلى التَّعبيرِ.

ولو قالَ قائلٌ لهذا المُؤذِّنِ: أمَّا تستحيي أن تَختِمَ أفواهَ الرِّجالِ وفروجَ النِّساءِ؟.. لقالَ: مَعاذَ اللهِ أن أفعلَ هٰذا، ولَأَنْ أُقدَّمَ فتُضرَبَ عنقي.. أحبُّ إليَّ مِنْ أن أفعلَ ذلكَ، فهوَ يُنكِرُهُ؛ لأنَّهُ يجهلُهُ، معَ أنَّهُ فعلَهُ؛ لأنَّ رُوحَهُ قاصرةٌ عن إدراكِ أرواحِ الأشياءِ".

سبحان الله ولا إله إلا هو.

يقول: "خزيُ خَجْلةِ الفاضحاتِ" فإن الخجل من ظهور القبائح في الآخرة شديد وشنيع، (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ)[الحاقة:18] يقول جل جلاله وتعالى في علاه: (أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ* وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) [العاديات:9-10] تحصيل ما في الصدور أن يبرز ويظهر ويبدو للكل، كل ما كنت تخفيه صار بارزًا وصار ظاهرًا -لا إله إلا الله الكريم الستار لمن شاء أن يكرمه ويستره-، تُحصَّل ما في الصدور ويجازون على ما كان في صدورهم، وإذا بهم أيضًا تصوَّر صورهم على أنواع ما كانوا يفعلون من المعاصي في الدنيا، ويشاهدها بنفسه ويشاهدها الناس معه -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

يقول: "خزي خجلة الفاضحات" هذا من النيران الروحية في الآخرة -لا إله إلا الله-.

قال: ستتمثله في الدنيا، قال: "فقَدِّر رجلاً خسيساً رذيلاً، فقيراً عاجزاً، قَرَّبَهُ مَلِكٌ مِنَ الملوكِ، ورفعَهُ وقَوَّاهُ، وخَلَعَ عليهِ، وسلَّمَ إليهِ نيابةَ مُلْكهِ، ومَكَّنَهُ مِنْ دخولِ حريمِهِ، وجملةِ خزائنِهِ؛ اعتماداً علىٰ أمانتِهِ، فلمَّا عظُمَتْ عليهِ النِّعمةُ.. طغىٰ وبغى، وصارَ يختزلُ مِنْ خزائنِهِ،" يخبيء ويسرق ويبعدها إلى هنا "ويَفجُرُ بأهلِهِ وبناتِهِ وسُرِّيَّاتِهِ،" يعني: جواريه "وهوَ في جميعِ ذلكَ يُظهِرُ الأمانةَ للمَلِكِ،" والتقوى والعفة -لا إله إلا الله- "ويَعتقِدُ" أنَّ الملك غير داري به "غيرُ مُطَّلعِ على خيانتِهِ".

"فبينَما هوَ في غمرةٍ فجورِهِ وخيانتِهِ.. إذ لاحظَ رَوزنةً،" فتحة وخرق في السقف يسمونها نافذة "فرأىٰ فيها المَلِكَ مُطَّلِعاً عليهِ منها،" يراه والذي سرقه والذي ضمه والذي فعله بأهله، كله أمامه يراه "وعلمَ أنَّهُ كانَ يَطَّلعُ عليهِ" في كل ما فعله في "كلَّ يومٍ، لكنَّهُ كانَ يغضُّ عنهُ، ويُمهِلُهُ حتَّىٰ يزدادَ خُبثاً وفجوراً، ويَزدادَ استحقاقاً للنَّكالِ؛ ليَصُبَّ عليهِ في الآخرةِ أنواعَ العذابِ صبّاً" قال: "فانظرِ الآنَ إلى قلبِهِ كيفَ" في هذه الحالة، ويعرف أن الملك قادر وأنَّه لن يتركه أصلًا سيعاقبه الآن على كل ما فعل، كيف حاله؟ هل يوجد نار في قلبه؟ هل تنين في قلبه؟ حريقة شديد! يقول: "يَحترِقُ بنارِ الخِزي والخَجْلةِ وبدنُهُ بمَعزِلِ عنهُ،" لا يوجد ببدنه نار ولا شيء "يَوَدُّ أن يُعذَّبَ بدنُهُ بكلِّ عذابٍ ويَنكتِمَ خزيُهُ!!" إذا ستنكتم مخازيه فأي عذاب سهل عليه بعد ذلك، لشدة هذا العذاب.

يقول: وأنت كنت عدمًا ولست بشيء فخلقك ملك الملوك من نطفة وعلقة ومضغة ضعيفًا، أخرجك من بطن أمك لا سن يقطع ولا يد تبطش، وجعل لك السمع والبصر وقوّاك، ولمّا كبرت خنت الأمانة وخالفت أمره وفعلت ما نهاك عنه وتركت فرائضه سبحانه وتعالى، وكأنه لا يراك ولا يطلع عليك، وعند الموت ترى الحقيقة واطلاع رب الخليقة القادر القوي، وكيف يكون حالك هذا؟ يقول لهم في عتابهم في الآخرة: (وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ* فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ) [فصلت:22-24]، فالأمر شديد وشنيع جدًا اللهم أجرنا من العذاب ومن الخزي يوم القيامة، (رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران:192].

قال: "تتعاطى في الدُّنيا أعمالاً هيَ مُشتهَياتُكَ ولذَّاتُكَ، ولتلكَ الأعمالِ أرواحٌ وحقائقُ خبيئةٌ قبيحةٌ، وأنتَ جاهلٌ بها، مُعتقِدٌ حُسْنَها،" تستلذ فيها، ويحسنها لك الشيطان "فينكشفُ لكَ في الآخرةِ حقائقُها في صورِها القبيحةِ، فتَختزي وتَخجَلُ خَجْلةً تُؤثِرُ عليها آلاماً بدنيَّةً"، وكل آلام البدن ولا يحصل هذا الخزي ولكنه -والعياذ بالله- 

  • (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ) [مريم:39].
  • وقال سيدنا الخليل إبراهيم في دعاءه لربه العظيم: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء:87-88]، 
  • وبشَّر الله نبيه بأنَّه لا خزي عليه ولا على الذين ارتبطوا به (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ).

قال: وعرض علينا طلب إبراهيم بأن لا يخزيه، وبشراه لمحمد ألا يخزيه من دون أن يطلب، إبراهيم قال: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ)، وقال الحق عن الحبيب صلى الله عليه وسلم: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ)، (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ) [التحريم:8]، اللهم اجعلنا معه ممن (نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم:8]، ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنَّك على كل شيء قدير.

قال: "فإن قلتَ: كيفَ تَنكشِفُ لي أرواحُها وحقائقُها؟" هذه الأعمال التي عملتها في الدنيا؟

قال: نأتي لك بمثال نقربه لعقلك ماذا يفعل فيك، الحقائق التي تخفى وإدراكها ما هو بهيّن وهو عزيز، وكل يدرك منه نصيبه من الذين أذن الله لهم أن يدركوا، سنعطيك مثال واحد رأى أنَّ معه "خاتَماً يَختِمُ بهِ أفواهَ الرِّجالِ" يسدها وعلى "فروجَ النِّساءِ" جاء إلى عند ابن سيرين، في حياة محمد بن سيرين قال له: رؤية أقلقتني وأزعجتني، ماذا حصل؟ قال له: رأيت أني كذا.. قال: أنت مؤذن؟ قال: نعم. قال: تؤذن في رمضان قبل الفجر؟ قبل دخول الوقت؟ ماذا؟! قال: تؤذن قبل دخول الوقت، فلا أحد يأكل ولا أحد يجامع النساء، تُخَتِّم على.. قال: مع أنَّ هذا مثال، وأمَّا العمل لو أحد قال له: أنت "تَختِمَ أفواهَ الرِّجالِ وفروجَ النِّساءِ؟.." لقال: أستغفر الله، أنا أفعل هكذا؟ ولا يخطر على بالي هذا ولن أعمل هذا أبدًا، قال: أنت تفعله في المعنى،  لو عندك روح تدرك تراك تصلح هذه الأشياء، لماذا تتقدم على الأذان؟ أذن في وقته، تجعل الناس يظنون الفجر طلع وهو لم يطلع بعد، وتمنعهم من طعامهم وربهم يقول: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة:187]، فمثل هكذا قالوا ما يخلو عن تلبيس، ولكنه لمَّا كان في النوم أقرب إلى الحقيقة، جيء له بهذا المثال.

وهكذا، لما جاء سيدنا ابن سيرين أيضًا واحد مرة وقال: واحد رأى أنَّه يفقس البيض ويأخذ الأبيض ويترك الأصفر، ما تأويلها؟ قال: أريد الرائي نفسه. قال: أرسلني إليك. قال: لا، هذه ما أؤولها إلا للرائي نفسه. قال: أنا هو. قال: أنت بنفسك؟ تحلف انك أنت؟ قال: نعم، أنا الرائي. قال: ادعوا الشرطي يمسكه! قال: لماذا يا إمام؟ قال: أنت تنبش القبور وتأخذ الأكفان. قال: أستغفر الله، أستغفر الله، أتوب إلى الله، الآن سأتوب إلى على يدك خلاص لا تجيب شرطة، وكان هكذا يرى يفقس البيض، يأخذ الأبيض ويخلي الأصفر.

كيف أوله وعرف التأويل ابن سيرين؟! قال: تفتش القبور، والأكفان بيضاء، تأخذ الكفن وتترك الأموات، وتأخذ الأكفان التي عليهم، فصادف أنه هكذا كذلك، عرفها بروحه وببصيرته ابن سيرين.

والبصيرة هذه التي عنده حتى يفرق بين هذا وهذا، كان في مجلس فدخل عليه رجل ويقول: رأيت أنَّي أؤذن. قال: تحج، تحج في عامك هذا. في نفس المجلس دخل عليه رجل آخر قال: رأيت أني أؤذن. قال: انتبهوا، هذا سارق، امسكوه! قالوا: ماذا؟! هذا يؤذن وهذا يؤذن! لكن ببصيرته يعرف أشكال الناس وحقائقهم في الروح هذا (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) [الحج:27]، وهذا (أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) [يوسف:70]، وكل واحد نزله منزلته -لا إله إلا الله-.

وهكذا كما جاء عن ابن عباس في المجلس، واحد يستفتيه: هل للقاتل توبة؟ قال: نعم، يتوب إلى الله فيصدق فيتوب الله عليه. جاء الثاني وسأل: هل للقاتل توبة؟ قال: لا، ما له توبة، ما يقبل الله توبة قاتل وذهب. قالوا: يا ابن عباس، سؤال واحد وجواب مختلف! قال: الأول وقع في مصيبة قتل ويريد أن يتوب؛ ففسحت له المجال حتى لا يستفحل في السوء والفساد. الثاني بينه وبين قريب له عداوة يريد أن يقتله، لكنَّه يفكر هل للقاتل توبة؟ أقتله بعدها أتوب. قلنا له: لا، ما له توبة، حتى يسلم من المصيبة الكبيرة التي سيقع فيها، فالمسائل راجعة إلى بصائر وإلى أنوار، سواءً فتوى أو تأويل رؤيا، تحتاج إلى بصيرة وتحتاج إلى نور وتحتاج إلى سريرة مع الإنسان.

 

وقال المؤلف -رحمه الله ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"وكذلكَ لو أكلتَ لحماً طيِّباً على اعتقادِ أنَّهُ لحمُ طيرِ، فقالَ قائلٌ: أمَا تستحيي أن تأكلَ لحمَ أخيكَ الميِّتِ فلانٍ؟! .. لقلتَ: مَعاذَ اللهِ أن أفعلَ ذلكَ !! ولَأَنْ أموتَ جوعاً.. أهونُ عليَّ مِنْ ذلكَ، فنظرتَ فإذا هوَ لحمُ أخيكَ الميِّتِ قد طُبِخَ وقُدِّمَ إليكَ، ولُبِّسَ عليكَ، فانظرْ كيفَ تَختزي وتَفْتَضِعُ بهِ وبدنُكَ في مَعزِلِ عن ألمِهِ؛ فكذلكَ يرى المُغتابُ نفسَهُ في الآخرةِ؛ لأنَّ رُوحَ الغِيبةِ تمزيقُ أعراضِ الإخوانِ والتَّفكُهِ بها، وفي عالَمِ الآخرةِ تَنكشِفُ أرواحُ الأشياءِ وحقائقُها.

وكذلكَ لو كنتَ ترمي حجارةً إلى حائطٍ، فقالَ لكَ قائلٌ: أمَا تستحيي أن تفعلَ ذلكَ والحجارةُ ترتدُّ مِنَ الحائطِ وتقعُ في دارِكَ، وتصيبُ حدقةَ أولادِكَ؟! فقد عَمِيَتْ أحداقُهُم كلِّهِم!! فقلتَ: مَعاذَ اللهِ أن أفعلَ ذلكَ، فقالَ: ادخلْ دارَكَ، فدخلتَ؛ فإذا هوَ كذلكَ، فانظر كيفَ تَفْتَضِحُ ويَحترِقُ قلبُكَ تحسُّراً على عملِكَ الذي ظننتَهُ هيِّناً وهوَ عندَ اللهِ عظيمٌ!!

وهٰذا رُوحُ حسدِكَ لأخيكَ؛ فإِنَّكَ تحسدُهُ ولا تضرُّهُ، وينعكسُ عليكَ، ويُهلِكُ دِينَكَ، ويَنقُلُ حسناتِكَ إلى ديوانِهِ، وهيَ قُرَّةُ عينِكَ؛ لأنّها سببُ سعادةِ الأبدِ، فهيَ أعزَّ مِنْ حدقةِ الولدِ، فإذا انكشفَ لكَ هٰذا الرُّوحُ.. فانظر كيفَ تحترقُ بنيرانِ الفضيحةِ وبدنُكَ بمَعزِلٍ عنهُ!!

فالقرآنُ كثيراً ما يُعبِّرُ عنِ الأرواحِ؛ ولذلكَ قالَ اللهُ تعالىٰ في الغِيبةِ: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) [الحجرات:12]، وقالَ في الحسد: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم) [يونس:23].

فيكفيكَ مِنَ الأمثالِ مثالُ الأذانِ والغِيبةِ والحسدِ، فقسْ عليهِ كلَّ فعلٍ نهاكَ الشَّرعُ عنهُ، فذلكَ لقبحِ رُوحِ الفعلِ وحقيقتِهِ، معَ حُسْنٍ ظاهرِهِ؛ أي: ظاهرُهُ حسنٌ للبصرِ الظَّاهرِ، وباطنُهُ قبيحٌ للبصيرةِ الباطنةِ مِنْ مشكاةِ نورِ اللهِ تعالىٰ.

وعن هٰذا عَبَّرَ الشَّرِعُ حيثُ قالَ: (تُعرَضُ الدُّنيا يومَ القيامةِ في صورةٍ عجوزٍ شوهاءَ زرقاءَ، صفتُها كَيْتَ وكَيْتَ، لا يراها أحدٌ إلَّا ويقولُ: أعوذُ بالله منها، فيُقالُ: هٰذهِ دنياكم التي كنتُم تتهالكونَ عليها، فيُصادِفونَ في نفوسِهِم مِنَ الخزي والفضيحةِ ما يُؤثِرونَ النَّارَ عليهِ).

وإن أردتَ أن تفهمَ كيفيَّةَ هٰذهِ الخَجْلةِ.. فاسمغ حكايةَ رجلٍ مِنْ أبناءِ الملوكِ، تَزوَّجَ بأجملِ امرأةٍ مِنْ بناتِ الملوكِ، فشربَ تلكَ اللَّيلةَ وسكرَ، وأخطأَ بابَ الحُجْرةِ، فخرجَ مِنَ الدَّارِ وضلِّ، فرأى ضوءَ سِراحٍ، فقصدَهُ على ظنِّ أنَّهُ مِنْ حُجْرتِهِ، فدخلَ الموضعَ، فرأى جماعةً نياماً، فصاحَ بهِم، فلم يجيبوهُ، فظنَّ أنَّهُم نيامٌ، فطلبَ العروسَ، فرأى واحدةً نائمةً في ثيابٍ جديدةٍ، فظنَّ أنَّها العروسُ فضاجعَها، وأخذَ يُقبِّلُها ويغشاها، ويجعلُ لسانَها في فمِه، ويَمَصُّ ريقَها، مُتلذِّذاً بذلكَ في سكرِهِ غايةَ التَّلذُّذِ، ويتمسَّحُ بالرُّطوبات التي تصيبُهُ مِنْ جميعِ بدنِها علىٰ ظنّ أنَّ ذلكَ عطرٌ ادَّخرَتْهُ لهُ.

فلمَّا أصبحَ.. أفاقَ مِنْ سكرِهِ؛ فإذا هوَ في ناؤوسِ المجوسِ، وإذا النِّيامُ موتىٰ، وهذهِ عجوزٌ شوهاءُ قريبةُ العهدِ بالموتِ، عليها الحَنوطُ وكفنُها الجديدُ، فصادفَ في فمِهِ وأنفِهِ مِنْ رطوباتِ ريقِها ومُخاطِها، وعلىٰ بدنِهِ مِنْ قاذوراتِ أسافلِها؛ فإذا هوَ مِنْ قَرْنِهِ إلىٰ قدمِهِ مُمتلِئٌ مِنْ قاذوراتِها!!

ثمَّ تَفكَّرَ في غشيانِهِ إيَّاها وابتلاعِهِ ريقَها، فهجمَ على قلبِهِ مِنَ الخزي ما تمنَّى أن يَخسِفَ اللهُ بهِ الأرضَ، حتَّىٰ ينسىٰ ما جرىٰ عليهِ، ولا يزالُ يُعاوِدُهُ ذكرُهُ ولا يَنساهُ أصلاً، بل يجدُ ما عملَهُ مِنْ سوءٍ مُحضَراً، يَوَدُّ لو أنَّ بينَهُ وبينَهُ أمداً بعيداً، وبدنُهُ بمَعزِلٍ عن هٰذهِ المخازي والآلامِ، وهوَ في عذابِ دائمٍ مِنَ الغثيانِ والقيءِ، وتذكُّرٍ تلكَ المخازي.

ويحزنُ أن يَطَّلعَ عليهِ أحدٌ فيتضاعفَ خزيُهُ؛ فإذا هوَ بأبيهِ وجميعِ حشمِهِ قد جاؤوا في طلبِهِ، واطَّلعوا على جميعِ مخازيهِ!!

فهذهِ حالُ مَنْ تَمتَّعَ بالدُّنيا، يَنكشِفُ لهُ كذلكَ في الآخرةِ روحُهُ وحقيقتُهُ؛ وهوَ معنىٰ قولِهِ تعالىٰ: (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) [العاديات:10]؛ أي: يُعرَضُ عليها حاصلُها؛ أي: رُوحُها وحقيقتُها، ومعنى قولِهِ تعالى: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) [الطارق:9]؛ أي: يُكشَفُ عن أسرارِ الأعمالِ وأرواحِها القبيحةِ والحسنةِ.

وكما أنَّ أطيبَ الأطعمةِ رجيعُهُ أقذرُ وأنتنُ.. فكذلكَ ألذُّ تنعُماتِ الدُّنيا حاصلُها وسِرُّها في الآخرةِ أقبحُ وأفضحُ؛ ولذلكَ شبَّةَ رسولُ اللهِ ﷺ الدُّنيا بالطَّعامِ، وعاقبتَها بالرَّجيعِ.

صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله.

يقول: "لو أكلتَ لحماً طيِّباً على اعتقادِ أنَّهُ لحمُ طيرِ، فقالَ قائلٌ: أمَا تستحيي" يا هذا، لماذا؟ قال: "أن تأكلَ لحمَ أخيكَ الميِّتِ" قلت: ماذا؟ أخي ميت "مَعاذَ اللهِ أن أفعلَ ذلكَ !!" أحسن لي أن "أموتَ جوعاً.. أهونُ عليَّ" من أن آكل لحم أخي؛ إنسان ميت.

قال: "فنظرتَ فإذا هوَ لحمُ أخيكَ الميِّتِ قد طُبِخَ وقُدِّمَ إليكَ،" وإذا الذي عاتبك بذلك وقع هو الصحيح، "كيفَ تَختزي وتَفْتَضِعُ بهِ وبدنُكَ في مَعزِلِ عن ألمِهِ؛" لا أحد يضربك ولا أحد يهدك ولا أحد يقبصك ولا أحد يلدغك، ولكن اللدغ فيك من داخل وألم ووجع شديد من الباطن، وكذلك المغتاب يرى نفسه في الآخرة آكل للحوم الميتة؛ "لأنَّ رُوحَ الغِيبةِ تمزيقُ أعراضِ الإخوانِ والتَّفكُهِ بها، وفي عالَمِ الآخرةِ تَنكشِفُ أرواحُ الأشياءِ وحقائقُها.".

لذا قال سيدنا الجنيد بن محمد: مررت على شاب في الطريق يسأل، قال: فوقع في قلبي خاطر لو أنَّ هذا صرف قوته إلى كسب خير له من أن يسأل الناس. قال: فجأت إلى البيت فنمت فرأيت بالسائل جيء به ميتاً أمامي، قُدِّمَ إليَّ ميتًا ويقال لي: كل لحمه فقد اغتبته! كل لحمه فقد اغتبته! فقلت: سبحان الله، إنَّ هذا خاطر كان لي. فقيل لي: مثلك لا يُسمح له بمثل هذا، يعني: لا تغتب الناس حتى بخاطرك، حتى بضميرك، أنت في مرتبة من شهود الرحمن والقرب منه، لا تغتب حتى بخاطرك، عُدَّت عليك غيبة، وقيل لك: كل لحمه وهو ميت، وفي القرآن يقول الله: (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) [الحجرات:12].

يضرب أمثلة كيف يحصل الوجع الباطن من دون أي شيء من المؤلمات الحسية على البدن؛ قال: "لو كنتَ ترمي حجارةً إلى حائطٍ، فقالَ لكَ قائلٌ: أمَا تستحيي أن تفعلَ ذلكَ والحجارةُ ترتدُّ مِنَ الحائطِ وتقعُ في دارِكَ، وتصيبُ حدقةَ أولادِكَ؟!" تعمي عيونهم، قال: "مَعاذَ اللهِ" أنا أعمي عيون أولادي، أنت مجنون!! "فقالَ:" أنت تفعل كذلك "ادخلْ دارَكَ،" انظر أين راحت الحجارة اللي رميتها كلها، دخل حصلها فقَّعت عيون أولاده، كيف يفتضح ويحترق قلبه ويتحسرعلى أعماله، ظنّه أنَّه هيِّن ولا يوجد فيه ضرر وطلع فيه المصائب كلها.

قال: "وهٰذا رُوحُ حسدِكَ لأخيكَ؛ فإِنَّكَ" عندما تحسد أخاك "لا تضرُّهُ، وينعكسُ عليكَ، ويُهلِكُ دِينَكَ، ويَنقُلُ حسناتِكَ إلى ديوانِ" أخيك وربَّما نقل سيئاته إلى ديوانك -والعياذ بالله تعالى-.

وهكذا يقول: "تحترقُ بنيرانِ الفضيحةِ وبدنُكَ بمَعزِلٍ عنهُ!!"، وجاء بالآية الكريمة: "(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ)" ومن معاني البغي الحسد "(إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [يونس:23]"، وفي معنى البغي أنَّه بمعنى الحسد كما قال سبحانه وتعالى: (أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا) -يعني:  حسدًا- (أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) [البقرة:90].

قال: "فيكفيكَ مِنَ الأمثالِ مثالُ الأذانِ والغِيبةِ والحسدِ، فقسْ عليهِ كلَّ فعلٍ نهاكَ الشَّرعُ عنهُ، فذلكَ لقبحِ رُوحِ الفعلِ وحقيقتِهِ، معَ حُسْنٍ ظاهرِهِ؛ أي: ظاهرُهُ حسنٌ للبصرِ الظَّاهرِ، وباطنُهُ قبيحٌ" 

"وعن هٰذا عَبَّرَ الشَّرِعُ حيثُ قالَ: (تُعرَضُ الدُّنيا يومَ القيامةِ في صورةٍ عجوزٍ شوهاءَ زرقاءَ، صفتُها كَيْتَ وكَيْتَ، لا يراها أحدٌ إلَّا ويقولُ: أعوذُ بالله منها، فيُقالُ: هٰذهِ دنياكم التي كنتُم تتهالكونَ عليها، فيُصادِفونَ في نفوسِهِم مِنَ الخزي والفضيحةِ ما يُؤثِرونَ النَّارَ عليهِ)" كما جاء في رواية ابن أبي الدنيا.

وهكذا ذكر لنا الأمثلة -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-، وذكر ما جاء فيها في حديث الإمام أحمد في المسند أنَّ النبي ﷺ شبه الدنيا بالطعام، وأن نتائجها من كل من لم يتق الله فيها، وكل من دخلها بشهوة ورغبة وخالف شرع الله فيها؛ نتائجها كرجيع الطعام، ما الذي يرجع الطعام؟ وماذا يرجع؟ وما رجيعه وما خروجه منك؟، لهذا يقول يا ضحاك: "ما طعامك؟"، قال:اللحم واللبن، قال: "ثم يصير إلى ماذا؟"، قلت: ثم يصير إلى ما قد علمت يا رسول الله، قال ﷺ: "إنَّ الله عز وجل ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلاً للدنيا"، فهذا طعام إذا أخذتها من غير حلها وأنفقتها في غير محلها، ترى حقيقتها إلا وسخ.

وكان يقول سيدنا علي بن أبي طالب: من كان همه ما يدخل بطنه، فقيمته ما يخرج منها، أما عندك همة ترجوا القرب من الله؟ نيل رضوان الله؟ مرافقة الأنبياء؟ ما عندك همة إلا الطعام بس؟ إذا همتك هذا، أنت قيمتك هذا، اجعل لك همة من همم الصالحين وهمم العقلاء، الذين همتهم كبيرة، همتهم عالية -عليهم رضوان الله-.

 قال له: "اطلب ما تشاء". قال: ماذا أطلب يا رسول الله؟

ويقول: "كما أنَّ أطيبَ الأطعمةِ رجيعُهُ أقذرُ وأنتنُ.. فكذلكَ ألذُّ تنعُماتِ الدُّنيا" التي هواها الغافلون والفاسقون "حاصلُها" أشد "وسِرُّها في الآخرةِ أقبحُ وأفضحُ؛ ولذلكَ شبَّةَ رسولُ اللهِ ﷺ الدُّنيا بالطَّعامِ، وعاقبتَها بالرَّجيعِ." كما سمعت في الحديث االكريم الشريف، وهكذا ستجد أطعمة الحيوانات أقل من نفائس طعام ابن آدم، فتجد هذه الدواب تأكل الأوراق والتبن، لكن لب الثمرة يأكلها ابن آدم، لهذا تجد فرق بين رجيعه ورجيعها، فتجد رجيعها أخف وأيسر وسهل، ورجيعه أشد وأشنع، وكل ما كان أطيب كان مردوده وكذا.

وكذلك كل ما اتُّبِعَ ظاهر وخديعة حلاوته الحسية من الذنوب والمعاصي، كل ما كان بالتخييل والإيهام من إبليس أحلى وألذ؛ تكون نتيجته أشد وأقبح وأفظع -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

ففي الحقيقة إنَّما نعيم الدارين مع من عرفوا رب الدارين، وخضعوا لرب الدارين، وأطاعوا رب الدارين، وقربوا من رب الدارين؛ معهم نعيم الدارين.

أمَّا من انقطع عن الله؛ فبمقدار انقطاعهم لهم عذاب الدارين، ولهم سوء الدارين -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، أجارنا الله من خزيه وعذابه، وزادانا نعيمًا وقربًا منه، وجعل نعيمنا في الدنيا قبل الآخرة في العبودية له والقيام بطاعته والعمل بما يرضيه عنَّا إنَّه أكرم الأكرمين.

وكم من عارفين عاشوا على ظهر الأرض، وشهوتهم البكاء في آخر الليل والخلوة مع الرحمن، وطول السجود بين يديه، وتأمل معاني كلامه، صارت هذه شهواتهم، أكرم بها من شهوات! وأنعم بها من خيرات! هي لذيذة ونتائجها لذيذة وثمارها ألذ وأطيب. 

  • (ذلِكَ فَضلُ اللَّهِ يُؤتيهِ مَن يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضلِ العَظيمِ) [الجمعة:4].
  • "ذاقَ طعمَ الإيمانِ من رضيَ باللَّهِ ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمَّدٍ صلَّى اللَّهُ عليه وسلم نبيًا".
  • "ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوَةَ الإيمانِ: أنْ يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مِمَّا سِواهُما، وأنْ يُحِبَّ المرْءَ لا يُحبُّهُ إلَّا للهِ، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعودَ في الكُفرِ بعدَ إذْ أنقذَهُ اللهُ مِنْهُ؛ كَما يَكرَهُ أنْ يُقذف في النارِ".

فيخرج من خديعة تصديق الشهوات والكفر والمعاصي وأنها لا خير فيها ولا لذة فيها ويكرهها كما يكره أن يُدخَل في النار، فإذا فعل ذلك أذاقه الله الحلاوة؛ الحلاوة الحقيقة، الحلاوة الروحية الطيبة، ويذوق حلاوة الإيمان، وهي حلاوة ما أعظمها! بل يُخشَى على من لم يذقها أن يزيغ عند السكرات وعند الموت، الله يذيقنا حلاوة الإيمان وبرد العفو وحلاوة الرحمة ولذة المناجاة، اللهم أكرمنا بذلك، اللهم أكرمنا بذلك، اللهم أكرمنا بذلك.

و كان الإمام أبو بكر العدني بن عبد الله العيدروس يقول:

نُصِبَت لأهل المناجاة *** في حندس الليل أعلام

في ظلام الليل تحلو مناجاة الرحمن

نُصِبَت لأهل المناجاة *** في حندس الليل أعلام

واستعذبوا السُّهد وأمسوا *** قياماً إذ نام من نام

السُّهد يعني: السهر.

واستقبلتهم لطائف *** بهجات فضل وإكرام

من لذّة لا تكيف *** ولا تصوّر في الأوهام

قد ذاقها من عناها *** وهام فيها الذي هام

طابوا وفاز المخفون *** ونحن أرباب الآثام

نبني ونهدم بنانا *** ومنتهى أمرنا إهدام

وهل تحققت الدنيا *** دامت لأحد أو لها دام

والعمر فان وان طال*** لا بدّ من كرّة السام

والغيد تمسي أرامل *** منا وأطفالنا أيتام

يا ذا الكسل كم تأخر *** توبتك من عام إلى عام

وليس تدري بعام *** يأتيك من ناقص أو تام

يا رب العالمين.

قال: 

يا من قضى بقدره وإحكام

احفظ علينا جميعاً *** عند انقضا العمر الاسلام

احفظ علينا جميعاً *** عند انقضا العمر الاسلام

يا أرحم الراحمين، قال في قصيدته الأخرى:

يا ذا الذي ناداني *** وقت السحير أشجاني

نداه لي أسقاني *** من قرقفاه الهاني

سكرت به فأفناني *** عن كلّ ضدّ ثاني

سكرت أي: غبت عن الوجود وما فيه

من قاصي أو داني *** في العالم الجسماني

أنست أنس الأنس *** في مهرجان القدس

وأفنيت هيكل نفسي *** وقالبي وحسي

وزال وهم اللبس *** وحندسات الحدس

بالبارق النوراني *** والوارد الرباني

هذا مقام الوهب *** لا يرتقي بالكسب

-لا إله إلا الله-، يقول -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-:

وليس هذا سِربي *** لكنّني به أُنبي

عن حال أهل القربِ *** نعم وإن شاء ربي

 كمثلهم أعطاني *** فهو العظيم الشانِ   

فيا أسارى الغفلة *** ويا سُكارى المهلة

أُنبيكم عن خصلة *** فيها الفضائل جُملة

 أنعم بها من مِلة *** هي دين خاتم رسله

المصطفى العدنان *** دينه محا الأديان

الذي قال له ربنا: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) [المزمل:1-2] تابعه وستحصل اللذة هذه، وستحصل الحلاوة هذه -الله يرزقنا حسن متابعته-، وكان كثير من أسر المسلمين في القرون الماضية يمر آخر الليل والكل مستيقظ حتى أطفالهم، وكان الأطفال الذين لا يعرفوا يقرؤون ولا يميزون يلعبون، لكن لا ينامون في هذا الوقت، الوقت كله مستيقظ أهل البيت فيه، مترقبين عطايا الرحمن -جلَّ جلاله-، حتى أطفالهم وصبيانهم -رضي الله تعالى عنهم-، وأدركنا عددًا من الناس كان أحدهم من أيام طفولته إلى ليلة وفاته لم يفته قيام الليل، ما فاته قيام الليل طول عمره -لا إله إلا الله-.

قال شيخنا الحبيب محمد الهدار: وكنت في مسجد من مساجد تريم، وأحد الأخيار يعد من عوام الناس، ويأتي ويحضر الحزب، يأتي قبل الفجر بساعتين في المسجد مع عالم من كبار العلماء الحبيب علوي بن شهاب -عليه رحمة الله تعالى-، وبعدين سألت الرجل قلت له: كم لك تحضر لآخر الليل في هذا المسجد؟ قال له: الحمد لله، خمسين سنة، قال: في الخمسين سنة ما تركته؟ قال: الحمد لله، لا أنا ولا الحبيب علوي ما تأخرنا ليلة، قلت له: خمسين سنة! وكل ليلة نحن في قراءة القرآن آخر الليل في هذا المسجد، وهذا العمل الديمة يظهر به الأثر، بكثرة الذكر يظهر سر ما في الغيوب.

الله يحيي ما مات فينا وفي المسلمين من الخيرات والبركات والتوفيقات، إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، ويصلح شؤوننا والأمة، ويحول الأحوال إلى أحسنها، يارب النفوس إبليس وشياطين الإنس والجن أغروا أمتنا وقومنا بالفانيات والترهات والبطالات، فشغلوا بها أفكارهم وأعمارهم وعقولهم، وضاع الكثير منا وراءهم، فأنقذ الأمة يا رب، خلص الأمة يا رب، ارحم الأمة يارب، وارزقهم التلبية لندائك ونداء رسولك، وما دعوتنا له من الخير الأعلى والفوز الأكبر والفلاح الأعظم الأدوم، وارزقنا تلبية ندائك وتلبية نداء رسولك حتى نقتدي ونهتدي ونحوز خير الدارين يا رب العالمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ،

اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة



















Selasa, 9 Jun 2026

الأربعين في أصول الدين - 44 | ذكر الموت (4) مراتب الإدراك الإنساني والانتقال من الحس إلى الملكوت

 





Ingat Akan Mati (4), Peringkat-Peringkat Persepsi Manusia dan Peralihan Daripada Alam Pancaindera Kepada Alam Malakut (Kerohanian)"


Video


الدرس الرابع والأربعون للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي . القسم الرابع: الأخلاق المحمودة: تكملة شرح الأصل العاشر: ذكر الموت (4)

 في مسجد الحسين بن طلال، عمّان، ضمن دروس الدورة العلمية في موسم شهداء مؤتة الأبرار، الأردن

فجر السبت 3 جمادى الأولى 1447هـ

رحلة في مراتب الإدراك: من المحسوسات إلى المتخيلات، إلى الموهومات، حتى تُفتح للروح أبواب الملكوت.. يبيّن الحبيب عمر بن حفيظ كيف يخرج الإنسان من حدود البهيمية إلى فضاء الإنسانية، ليرى بعين بصيرته ما وراء الحواس، ويشهد من أنوار الغيب ما لا تدركه الأبصار؛ دعوة للارتقاء عن أسر الحس إلى مشاهدة الحقيقة!

 

نص الدرس المكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

 

فصل

في تفصيلٍ ما ذكرَهُ المُصنِّفُ عن عذابِ القبرِ 

"لعلَّكَ تقولُ: قد أبدعتَ قولاً مخالفاً للمشهورِ، مُنكَراً عندَ الجمهورِ؛ إذ زعمتَ أنَّ أنواعَ عذابِ الآخرةِ تُدرَكُ بنورِ البصيرةِ والمشاهدةِ إدراكاً مُجاوِزاً حدَّ تقليدِ الشَّرائعِ، فهل يُمكِنُكَ -إن كانَ كذلكَ- حصرُ أصنافِ العذابِ وتفاصيلِهِ.

فاعلمْ: أنَّ مخالفتي للجمهورِ لا أُنكِرُها، وكيفَ تُنكَرُ مخالفةُ المسافرِ للجمهورِ، والجمهورُ يَستقِرُّونَ في البلدِ الذي هوَ مَسقَطُ رؤوسِهِم ومحلُّ ولادتِهِم، وهوَ المنزلُ الأوَّلُ مِنْ منازلِ وجودِهِم، وإنَّما سافرَ منهُمُ الآحادُ؟!

واعلمْ: أنَّ البلدَ منزلُ البدنِ والقالَبِ، وإنَّما منازلُ الرُّوحِ الإنسانيِ عوالمُ الإدراكاتِ؛ فالمحسوساتُ منزلُهُ الأوَّلُ، والمُتخيَّلاتُ منزلُهُ الثَّاني، والموهوماتُ منزلُهُ الثَّالثُ.

وما دامَ الإنسانُ في المنزلِ الأوَّلِ.. فهوَ دودٌ وفَراشٌ؛ فإنَّ فَراشَ النَّارِ ليسَ لهُ إلَّا الإحساسُ، ولو كانَ لهُ تخيُّلٌ وحفظٌ للمُتخيَّلِ بعدَ الإحساسِ.. لَمَا تهافَتَ على النَّارِ مرَّةً بعدَ أُخرىٰ وقد تأذَّىٰ بها أوّلاً؛ فإنَّ الطَّيرَ وسائرَ الحيوانِ إذا تأذَّى في موضعٍ بالضَّربِ.. يَفِرُّ منهُ ولم يُعاوِدْهُ؛ لأنَّهُ بلغَ المنزلَ الثَّانيَ، وهوَ حفظُ المُتخيَّلاتِ بعدَ غيبوبتِها عنِ الحِسِّ.

وما دامَ الإنسانُ في المنزلِ الثَّاني بعدُ.. فهوَ بهيمةٌ ناقصةٌ، إنَّما حدُّهُ أن يحذرَ عن شيءٍ تأذَّى بهِ مرَّةً، وما لم يَتأذَّ بشيءٍ فلا يدري أنَّهُ يحذرُ منهُ.

وما دامَ في المنزلِ الثَّالثِ -وهوَ الموهوماتُ- .. فهوَ بهيمةٌ كاملةٌ؛ كالفَرَسِ مثلاً؛ فإنَّهُ قد يحذرُ مِنَ الأسدِ إذا رآهُ أوَّلاَ وإن لم يَتأذَّ بهِ قطُّ، فلا يكونُ حذرُه موقوفاً على أن يَتأذَّى بهِ مرَّةً، بلِ الشَّاةُ ترى الذِّئبَ أوَّلاً فتحذرُهُ، وترى الجملَ والبقرةَ وهما أعظمُ منهُ شكلاً وأهولُ منهُ صورةً.. فلا تحذرُهُما؛ إذ ليسَ مِنْ طبعِهِما إيذاؤُها. 

وهؤلاءِ إلى الآنَ في مشاركةِ البهائمِ.

وبعدَ هٰذا يَترقَّى الإنسانُ إلى عالَمِ الإنسانيَّةِ، فيُدرِكُ أشياءَ لا تدخلُ في حِسّ ولا تخيّلٍ ولا توهُّمٍ، ويحذرُ بهِ الأمورَ المستقبلةَ، ولا يَقتصِرُ حذرُهُ على العاجلةِ اقتصارَ حذرِ الشَّاةِ على ما تشاهدُهُ في الحالِ مِنَ الذِئبِ، ومِنْ ها هنا يصيرُ إلى حقيقةِ الإنسانيَّةِ.

وتلكَ الحقيقةُ: هيَ الرُّوحُ المنسوبةُ إلى اللهِ تعالى في قولهِ: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [الحجر:29]، وفي هٰذا العالَمِ يُفتَحُ لهُ بابُ الملكوتِ، فيشاهدُ الأرواحَ المُجرَّدةَ عن غِشاوة القوالب؛ وأعني بهذهِ الأرواحِ: الحقائقَ المحضةَ المُجرَّدةَ عن كسوةِ التَّلبيسِ وغِشاوةِ الأشكالِ، وهذا العالمُ لا نهايةَ لهُ".

 

الحمد لله تعالى، مختص الإنسان بخصائص يظفَر بها الصادق الخالص، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يحيط بعجائب قدرته محيط، له الحمد وله الشكر، وله الثناء على كل حال من الأحوال في كل مركّبٍ وكل بسيط. 

ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، أعلم الخلائق بعجائب أسراره في الملك والملكوت، وسيد أهل الإنابة إليه سبحانه وتعالى، ومفتاح أبواب الرحموت، صلِّ اللهم وسلم وبارك وكرم على الكنز المطلسم، سيدنا الحبيب الأعظم محمد ابن عبد الله، رحمتك الكبيرة ومنّتك العظيمة الوفيرة، وعلى آله وأصحابه ومن والاه فيك واتبعه على بصيرة، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك سادات أهل الحظيرة، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى ملائكتك المقرّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

تحدث الإمام الغزالي -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- عن شأن الموت الذي جعله الله حتمًا على كل حي وعلى كل نفس، (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) [آل عمران:185]، يشمل هذا الحكم أهل السماوات وأهل الأرض من كل ذي نفس وروح في الأولين والآخرين، بل (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن:26-27] ،جلّ جلاله.

وحدثنا أن الموت عبارة عن انتقال الإنسان والحيوان من حالة إلى حالة، وأنّ ما خصّ الله به المكلفين من الجن والإنس من مدارك يدركون بها عظمته في هذه الحياة ويحملون أنفسهم على امتثال أمره واجتناب نهيه تحقيقًا للعبودية له، وعلى الإقبال الصادق بالكلية عليه ليحظوا بقربه الخاص ووصله سبحانه وتعالى، وما جعل من الاختصاص للخواص -جلّ جلاله وتعالى في علاه- واختلفت مراتبهم في ذلك.

 وحقَّ على الذين أعرضوا عن الله من هؤلاء المكلفين ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها أن يحق عليهم العذاب، ولهم النكال في الحال والمآب، نعوذ بالله من غضب رب الأرباب جلّ جلاله وتعالى في علاه.

وأخبرنا أن ما حدّث به الأنبياء والمرسلون وسيدهم محمد ﷺ من عذاب القبر ونعيمه حق، وأن ما بعده كذلك من أخبار القيامة وأهوالها وما فيها حق. 

وأخبر أنّ ما أخبر به ﷺ شؤون غيبية ومعنوية أُمر الجميع بالإيمان بها، (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [البقرة:2-3]، ولكن أيضًا هذه الغيبيات لها مدارك عند البصائر، كما أن للمحسوسات مدارك عند الأبصار؛ فتبصر العين، وتسمع الأذن، ويذوق اللسان، وتحس اليدُ بأنواع من هذه المحسوسات والمنظورات والمسموعات والمبصَرات والمطعومات وما إلى ذلك. 

وأن هذا الحد الذي يكون فيه الخلق من إنس وجن ومن بهائم كذلك وحيوانات، ولكن وراء هذا الحِس روحٌ وبصيرة، كما أشار الحق تعالى أن الشأن شأن البصيرة لا البصر المحسوس، فقال: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج:46]، وأن هذه البصيرة إذا تجلّت وإذا انفتحت، صار الإنسان يدرك من جملة الحقائق التي تحدث بها رسول الخالق وأخبر بها الخالق في كتابه، يدرك منها ما تهيأ له صفاؤه ونقاؤه، فيشاهد بالبصيرة مشاهدةً ما حُدِّث عنه من الأمور الغيبية، فبمشاهدته البصيرية يكون في قوة من الشهود والنظر أقوى من رؤية البصر إلى المحسوسات التي جعله الله سبحانه وتعالى مدركًا لها ورائيًا لها، وكذلك يسمع من تلك المعاني والحقائق ما لا تسمعه الأذن في عالم المحسوسات، فيكون أقوى: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا) [مريم:38]، (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق:22].

يقول: قد يقول القائل: "إذ زعمتَ أنَّ أنواعَ عذابِ الآخرةِ تُدرَكُ بنورِ البصيرةِ والمشاهدةِ إدراكاً مُجاوِزاً حدَّ تقليدِ الشَّرائعِ، فهل يُمكِنُكَ -إن كانَ كذلكَ- حصرُ أصنافِ العذابِ وتفاصيلِهِ."، قال: فإنك جئت بقول مخالف للمشهور الذي يتكلم به الجمهور. يقول سيدنا الغزالي: أردت بالجمهور عامة المتكلمين وعامة المتحدثين، أنا أحدثك عن خواصّهم وعن الخصائص التي أوتيها الخواص من ذلك… فنعم، أنا لهؤلاء الجمهور مخالف لأني جاوزت ما عندهم، ولكن هذا التجاوز هو الذي دُعينا إليه ونُدبنا إليه لتتنور بصائرنا وندرك هذه الحقائق العظيمة. 

وكما أن الناس غالبًا يستقرون في منازلهم والبلدان التي ولدوا فيها وينشأوون فيها، وفيهم الآحاد الذي يفارق الموطن الذي نشأ فيه ويسافر، فكذلك في عالم الأرواح ما يشابه هذا.

 فإن الخلق أول ما ينتقلون إلى هذا العالم في إخراج الروح التي جعلها الله تعالى مخلوقةً من قبل إلى بطن الأم وحبسها في هذا القفص وفي هذا الجسد، ويخرج من بطن أمه حينئذٍ في هذا العالم، يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل:78].

 ثم يبدأ الفهم ويبدأ الإدراك للأشياء، ويبدأ من حين التمييز، ومن حين ما يفتح الله تبارك وتعالى على الطفل منا إدراك هذا وهذا. فأول ما يسبق وأول ما يستقر فيه ويولد فيه هذا الطفل منا: 

  • المحسوسات.
  • ووراء المحسوسات: متخيلات.
  • ووراء المتخيلات: موهومات. 

وهذه كلها تكون للإنس والجن وللحيوانات، والحيوانات الأخرى والنباتات  ليس فيها الميزة الإنسانية، ليس فيها الخصوصية للإنسان، هو في هذه الأشياء يشاركه فيها أنواع الحيوانات الموجودة، فالحس موجود، والخيال عند بعض الحيوان موجود، وشيء من التوهّم عند بعض الحيوان موجود، ولكن مجاوزة ذلك خاصية الإنسان. 

وأكثر الناس ينحصرون إما في المحسوسات، أو في المتخيلات، أو في الوهم فقط، ولا يجاوزون ذلك. فهؤلاء الجمهور قال: أنا أخالفهم، جاوزت هذا، فضروري أن أخالفهم، ولي الشرف والكرامة أني خالفتهم بهذا، ولكني وصلت إلى ما حدانا إليه الشارع من الترقي إلى علم اليقين وعين اليقين.

يقول: "البلدَ منزلُ البدنِ والقالَبِ، وإنَّما منازلُ الرُّوحِ الإنسانيِ عوالمُ الإدراكاتِ"؛ أولها المحسوسات، ثم المتخيلات ثم الموهومات، قال: "وما دامَ الإنسانُ في المنزلِ الأوَّلِ" يدرك المحسوسات فقط، فهو يشبه من الحيوانات الدود والفَرَاش، فإنها ترى السراج والشمعة مشتعلة فترمي بنفسها فيها، فقد تنجو بألا تقع في عين النار فترجع ثاني مرة، مع أن كثيرًا من أخواتها احترقن ورحن وسط النار، ولكنها ما تدرك هذا، لِمَ؟ لأنها واقفة عند الحس، حتى ما تتخيل. إذا مشت ترجع ثاني مرة، وترى أن هذه النار -التي أحرقت أخواتها وهي نجت منها بأعجوبة- أنها عبارة عن منفذ تنفذ منه إلى ما وراءه، مثل الضوء لما يدخل من كوة وتنفذ من هذه الكوة إلى خلفها، فهي ما تحس إلا هذا الحس فقط، وإن نجت أول مرة ترجع ثاني مرة، وإن نجت ثاني مرة ترجع ثالث مرة، حتى تحترق بهذه النار الموقدة قبلها.

 وبهذا حدّث ﷺ عن عامة الأمة وقال: مَثَلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا فجعل هذا الفَرَاش يتهافت عليه، فأنتم تتهافتون على النار "وأنا آخذٌ بحُجَزِكم". ﷺ، يدعونا إلى أن نرتقي إلى الخيال، إلى الوهم، إلى علم اليقين، إلى عين اليقين، إلى حقائق الإنسانية، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، لننجو من الوقوع في النار.

 

قال: "وما دامَ الإنسانُ في المنزلِ الأوَّلِ" وهو عالم المحسوسات    فهوَ  يشبه الدودٌ والفَراشٌ؛ "فإنَّ فَراشَ النَّارِ ليسَ لهُ إلَّا الإحساسُ، ولو كانَ لهُ تخيُّلٌ وحفظٌ للمُتخيَّلِ بعدَ الإحساسِ.. لَمَا تهافَتَ على النَّارِ مرَّةً بعدَ أُخرىٰ"؛ يكفي أن أصحابي قد هلكوا وخلاص أنا سلمت، وما عاد برجع إلى هذا المكان! الخيال هذا ليس عنده؛ ما يتخيّل.. ثاني مرة كما أول مرة، وثالث مرة كما ثاني مرة، ورابع مرة كما ثالث مرة، وهكذا يجيء ويروح لأنه ما هو إلا في الحس فقط محصور، فهذا أقل الحيوانات إدراكًا، ولو انحصر الإنسان في هذا لكان مثل هذا الحيوان.

قال: "ولو كانَ لهُ تخيُّلٌ وحفظٌ للمُتخيَّلِ بعدَ الإحساسِ.. لَمَا تهافَتَ على النَّارِ"، "وقد تأذَّىٰ بها أوّلاً؛ فإنَّ الطَّيرَ وسائرَ الحيوانِ إذا تأذَّى في موضعٍ بالضَّربِ" مثلًا "يَفِرُّ منهُ ولم يُعاوِدْهُ" بل لو ضربه إنسان معين، إذا شافه ثاني مرة إن كان يقدر يستعدي عليه.. يستعدي عليه وإلا يهرب منه، بقي خيال عنده، ما هو مثل الفراش والدود، عنده بقي خيال، فهو إذًا أحسن في الإدراك من الفراش.

 فهذه أنواع الحيوانات الأخرى مثل الطير ومثل الأنعام تدرك هذا، يعني تتجاوز الحس إلى الخيال."لأنَّهُ بلغَ المنزلَ الثَّانيَ، وهوَ حفظُ المُتخيَّلاتِ بعدَ غيبوبتِها عنِ الحِسِّ". 

قال: "وما دامَ الإنسانُ في المنزلِ الثَّاني" وهو المتخيلات "فهوَ بهيمةٌ" مثل البهائم الناقصة، يحذر من شيء تأذى به مرة ، وأما ما لم يتأذى به من قبل فما يعرف يفرق، ما يعرف، لأنه ما عنده التوهّم، عنده فقط الحس والخيال، فهذا يحتاج كل شيء يجربه أولًا، وأما قبل التجربة ما يعرف ولا يدرك شيء، فهو محصور في الخيال والحِس وليس عنده التوهم، هذا حيوان ناقص، بهيمة ناقصة.

وإذا وصل الإنسان إلى المنزل الثالث ولم يتجاوزه، فهو مثل البهيمة لها كمال في بهيميتها، يصير مثل الفرس مثلًا، الفرس وإن لم يرَ أسدًا أكل فرسًا أمامه، ولم يسبق أن أكله الأسد عاده ما أُكِل، لكن بمجرد ما يشاهده يعلم أن في هذا قوة تعرّض حياته للخطر، وأنه يمكن أن يعتدي عليه، فيفر منه، هذا جاوز حد الحس والخيال إلى حد التوهم، فيدرك وإن كان ما له تجربة سابقة معه، ولكن يدرك أن هذا وراءه خطر وأنه يمكن أن يعتدي عليه ويعدمه حياته، فهو يفر منه.

"فإنَّهُ قد يحذرُ مِنَ الأسدِ إذا رآهُ أوَّلاَ وإن لم يَتأذَّ بهِ قطُّ"، فما يقف على ما يتأذى به، حتى إن الشاة ترى الذئب فتحذره، وترى الجمل أكبر من الذئب ما تفر منه ما تحذره، "ترى الجملَ والبقرةَ وهما أعظمُ منهُ شكلاً وأهولُ منهُ صورةً.. فلا تحذرُهُما"، عندها وهم للأشياء فوق الحس والخيال، تدرك هذا يضر وهذا ما يضر، فما هي واقفة لا عند حدود الأشكال ولا الهيئات ولكن تغوص على أين الضر؟ أين الآفة؟.. فهو إذًا مرتبة فوق الحس والخيال.

قال: وهؤلاء إلى الآن من الناس الذين وقفوا عند الحس والذين جاوزوا الحس إلى الخيال، والذين جاوزوا الخيال إلى الوهم في حدود البهائم، لا زالوا في حدود البهائم، ما جاوزوا البهيمية إلى شرف الإنسانية، لذا قال الله عن الذين رضوا بهذا وما كلفوا أنفسهم أن يجاوزوا هذا الحد، (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الفرقان:44].

(لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا)؛ يعني: خصائص الإنسان ما شغلوها، هي مجمدة فيهم، وقفوا فقط عند حس وخيال ووهم فهم مثل الأنعام، (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ)؛ ما أحسنوا استخدامها ولا استعمالها على ما ينبغي،  (وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف:179]، -والعياذ بالله تبارك وتعالى- عن الحقيقة، الغافلون عن الحق والغافلون عن الحقيقة.

قال: "وبعدَ هٰذا يَترقَّى الإنسانُ إلى عالَمِ الإنسانيَّةِ، فيُدرِكُ أشياءَ لا تدخلُ في حِسّ ولا تخيُّلٍ ولا توهُّمٍ، ويحذرُ بهِ الأمورَ المستقبلةَ، ولا يَقتصِرُ حذرُهُ على العاجلةِ" والفانية والحياة المنقضية، ما يقتصر "اقتصارَ حذرِ الشَّاةِ على ما تشاهدُهُ في الحالِ مِنَ الذِئبِ، ومِنْ ها هنا يصيرُ إلى حقيقةِ الإنسانيَّةِ".

 قال هذه الحقيقة الإنسانية؛ هي خاصية الروح المضافة إلى الله إضافة تشريف، (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر:29]، وأضيفت إلى الرحمن تعالى إضافة تشريف وتكريم لها لما تميزت به، ولأنها بهذه الميزة تدرك من عظمة الله وجلاله وجماله ومعرفته الخاصة ما لا تدركه بقية الحيوانات، إذا أحسنت استخدام هذه الميزة وهذه الخصوصية وهذه الخاصية التي أتاها الله تعالى الإنسان في هذه الروح.

يقول: "وتلكَ الحقيقةُ: هيَ الرُّوحُ المنسوبةُ إلى اللهِ تعالى"؛ أي: تشريفًا لها "في قولهِ: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [الحجر:29]، وفي هٰذا العالَمِ يُفتَحُ لهُ بابُ الملكوتِ"، باب الملكوت ما تجاوز المدارك بالحواس الخمس إلى الغيب. 

  • فعالم المحسوسات وعالم الظاهر يسمّى عالم الملك، وعالم الشهادة عالم المحسوسات عالم الظاهر هذا يسمى عالم الملك، ما يدرك  بالحواس الخمس.
  • وراءه عالم الملكوت.

لهذا قال الله لسيدنا إبراهيم: (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، لا حسها ومعناها الظاهر ولكن ما بَطَن فيها من الدلالات والإشارات، وما حملته من أسرار الدلالة على موجِدها ومكوِّنها وما بث فيها من سر قدرته وإرادته وتكوينه وتدبيره وعلمه وإحاطته سبحانه وتعالى: (نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) [الأنعام:75]. 

اللهم اجعل لنا نصيبًا من إراءتك لنا لملكوت السماوات والأرض حتى نظفر بيقين تام يا ذا الجلال والإكرام.

 قال: هذه الخاصية  "يشاهدُ الأرواحَ المُجرَّدةَ عن غِشاوة القوالب"؛ و"الحقائقَ المحضةَ المُجرَّدةَ عن كسوةِ التَّلبيسِ وغِشاوةِ الأشكالِ، وهذا العالمُ" فسيح   (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء:85].

 نعم عالم الأرواح خيرٌ من الجسمِ *** وأعلى ولا يخفى على كل ذي علمِ

فإذا كان عالم الحس ما تستطيع أن تستوعب فيه المحسوسات في جسدك فضلًا عن البلدان في شرق الأرض وغربها، ما تستطيع أنك تحيط بها.. واسعة، ومن عالم المحسوسات حتى الفضاء وحتى ما فيه من الكواكب كلها محسوسات، وحتى السماء بالنسبة لجِرمها وسمكها من جملة المحسوسات، وأنت ما تحيط بها، عالم وسيع..

أما إذا انفتح لك باب الملكوت وأبصرت الروح، فالعالم أكبر والعالم أفسح والعالم أجل وأعظم من ذلك وأنى تحيطُ بذلك!. وهكذا الآن ابتدأت تصير إنسان أو تتحقق بالإنسانية، صرت متحققًا بالإنسانية، فالله يوفر حظنا من هذا العطاء ومن هذا المَنح، ولا يجعل حياتنا محبوسين في مستوى الحيوانات وهذه البهائم. رقّانا الله مراقي الإنسانية الكريمة الشريفة، ووفر حظنا من الفهم عنه والوعي لما أوحاه.

 

"أمَّا عوالمُ المحسوساتِ والمُتخيَّلاتِ والموهوماتِ.. فمتناهيةٌ؛ لأنَّها مجاورةٌ للأجسامِ، ومُلتصِقةٌ بها، والأجسامُ لا يُتصوَّرُ أن تكونَ غيرَ متناهيةٍ.

والسَّيرُ في هذا العالَمِ مثالُهُ الخياليُّ: المشيُ على الماءِ، ثمَّ يَترقَّىٰ منهُ إلى المشي في الهواءِ، ولذلكَ لمَّا قيلَ لرسولِ اللهِ ﷺ: إنَّ عيسىٰ عليهِ السلامُ مشى على الماءِ.. فقالَ: نَعَمْ، وَلَوِ ازْدَادَ يَقِينا.. لَمَشَىٰ عَلَى ٱلْهَوَاءِ.

وأمَّا التَّردُّدُ على المحسوساتِ.. فهوَ كالمشيٍ على الأرضِ، وبينَها وبينَ الماءِ عالَمٌ يجري مَجرى السَّفينةِ، وفيها تَتولَّدُ درجاتُ الشياطينِ، حتَّى يُجاوِزَ الإنسانُ عوالمَ البهائمِ، فينتهيَ إلى عالَمِ الشَّياطينِ، ومنهُ يسافرُ إلى عالَمِ الملائكةِ، وقد ينزلُ فيهِ ويستقرُّ، وشرحُ ذلكَ يطولُ.

وهٰذهِ العوالمُ كلُّها منازلُ الهدى، ولكنَّ الهدى المنسوبَ إلى اللهِ تعالىٰ يُوجَدُ في العالَمِ الرَّابعِ؛ وهوَ عالَمُ الأرواحِ، وهوَ معنىٰ قولِهِ تعالىٰ : (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللهِ) [آل عمران:73].

ومَقامُ كلِّ إنسانٍ ومحلُّهُ ومنزلُهُ في العُلْوِ والسُّفْلِ.. بقَدْرِ إدراكِهِ، وهوَ معنى قولِ عليّ -رضيَ الله عنهُ-: النَّاسُ أبناءُ ما يُحسِنونَ؛ فالإنسانُ: بينَ أن يكونَ دوداً، أو حماراً، أو فرساً، أو شيطاناً، ثمَّ يُجاوِزُ ذلكَ فيصيرُ مَلَكاً.

وللملائكةِ درجاتٌ: فمنهُمُ الأرضيَّةُ، ومنهُمُ السَّماويَّةُ، ومنهُمُ المُقرَّبونَ المُترفِّعونَ عنِ الالتفاتِ إلى السَّماءِ والأرضِ، القاصرونَ نَظرَهُم علىٰ جمالِ الحضرةِ الرُّبوبَّيةِ، وملاحظةِ الوجهِ خاصَّةً، وهم أبداً في دارِ البقاءِ؛ إذ ملحوظُهُم هوَ الوجهُ الباقي، وما عدا ذلكَ فإلى الفَناءِ مصيرُهُ؛ أعني: السَّماءَ والأرضَ، وما يَتعلَّقُ بهِما مِنَ المحسوساتِ والمُتخيَّلاتِ والموهوماتِ؛ وهوَ معنى قولِهِ تعالىٰ: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍوَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن:26-27].

وهٰذهِ العوالمُ منازلُ سفرِ الإنسانِ؛ ليَترقَّى مِنْ حضيضِ درجةِ البهائمِ إلى يَفاع رتبةِ الملائكةِ، ثمَّ يَترقَّىٰ مِنْ رتبتِهِم إلىٰ رتبةِ العُشَّاقِ منهُم، وهُمُ الكَرُوبِيُّونَ العاكفونَ علىٰ ملاحظةِ جمالِ الوجهِ، يُسبِّحونَ الوجةه ويُقدِّسونَهُ باللَّيلِ والنَّهارِ لا يَفتُرونَ.

فانظرِ الآنَ إلىٰ خِسَّةِ الإنسانِ وشرفِهِ، وإلى بُعدِ مراقيهِ في معارجِهِ، وإلى انحطاطِ درجاتِهِ في تسفُّلِهِ، وكلُّ الآدميِّينَ مردودونَ إلىٰ أسفلِ السَّافلينَ، ثمَّ الذينَ آمنوا وعملوا الصَّالحاتِ يَترقَّونَ منها، فلهُم أجرٌ غيرُ ممنونٍ؛ وهوَ ملاحظةُ جمالِ الوجهِ.

وبهذا يُفهَمُ معنىٰ قولِهِ تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖإِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [الأحزاب:72]؛ لأنَّ معنى الأمانةِ: التَّعرُّضُ للعُهْدَةِ والخَطَرِ، ولا خطرَ على سُكَّانِ الأرضِ؛ وهُمُ البهائمُ؛ إذ ليسَ لهُم إمكانُ التَّرقِّي مِنَ المنزلِ الثَّالثِ، ولا خطرَ على الملائكةِ؛ إذ ليسَ لهُم خوفُ الانحطاطِ إلى حضيضٍ عالَمِ البهائمِ.

وانظرْ إلى الإنسانِ وعجائبِ عوالمِهِ كيفَ يَعرُجُ إلى السَّماءِ العُلْوِيِّ رُقِيّاً، ويهوي إلى أرضِ الحقارةِ هُوِيّاً مُتقلِّداً هذا الخطرَ العظيمَ الذي لم يَتقلَّدْهُ في الوجودِ غيرُهُ؟!

فيا مسكينُ؛ كيفَ تُهدِدُني بالعاقبةِ، وتُخوِّفُني بمجاوزةٍ الجمهورِ، ومخالفةِ المشهورِ، وبذلكَ فرحي وسروري؟!

إنَّ الذي يكرهونَ منِّي.. ذلكَ الذي يشتهيهِ قلبي، فاطوِ طُومارَ الهَذَيانِ، ولا تُقَعْقِعْ بعدَ هٰذا بالشِّنانِ."

  • الشِّنَان: الجلد البالية؛ القِرَب.
  • والشنآن: البغض. 

حتى يقولون شنة للجلد الذي بَلي.

يقول -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-: إذا أكرم الله الإنسان وخرج عن حدود البهيمية، فهناك مجال لا نهاية له، لأن عوالم المحسوسات والمتخيلات مهما كثرت وكبرت، في النهاية هي محصورة، ولكن لا حصر لعوالم المعاني والروح، فشؤونها واسعة لا تقبل الانحصار. لهذا قال الحق تعالى في جزائهم: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة:17]. فإذا لم ينحصر ما أُخفي لهم، فكيف ينحصر ما أوتوا من الوعي والفهم عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

قال: في عالم الخيال السير في هذا العالم المعنوي الروحاني، مثاله في عالم الخيال: الناس يمشون على الأرض، هذا أمر حسي، كل واحد يمشي على الأرض بأرجلنا وبسياراتنا ودراجاتنا، نمشي على الأرض، لكن هناك مشي على الماء، هذا أمر غريب، الإنسان يغرق في الماء؛ إذا دخل الماء يغوص فيه، ما يقدر يمشي على الماء؛ ولكنها رتبة جعل الله فيها من جعل، ومشى فيها سادتنا الصحابة -عليهم رضوان الله تعالى- في عالم الحس هذا، لما جاؤوا بقيادة العلاء الحضرمي ودخلوا البحرين يمشون فوق الماء، يقول: فما هو إلا أن تقدم فضرب البحر فكأنه يضرب في حجر، فمشى الجيش خلفه، ثلاثة آلاف منهم، لِمَا عندهم من يقين وإيمان ما استوعروا الأمر ومشوا وراءه، وقال: سخرت البحر لموسى، فسخره لنا نحن من أصحاب نبيك محمد، خرجنا نجاهد، والكفار حرقوا السفن علينا، فنمشي في الماء. فمشوا فوق الماء يقول أبو هريرة وكان معهم: والله ما ابتلّ لنا خفٌّ ولا حافر، قال أخفاف الجمال وحوافر الخيول ما ابتلت، خرجت من البحر يابسة مابها بلل. 

وهكذا كان من عادة سيدنا عيسى وغيره يمشون على الماء، وأورد هذا الحديث الذي رواه المروزي من حديث معاذ بن جبل يقول ﷺ: عن سيدنا عيسى "لو ازداد يقينًا لمشى على الهواء" والمشي على الماء والمشي على الهواء هذا خارج عن المألوف في الحس، ففي الحس يمشي الناس على الأرض، (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ) [الملك:15].

قال: "وأمَّا التَّردُّدُ على المحسوساتِ.. فهوَ كالمشيٍ على الأرضِ، وبينَها وبينَ الماءِ عالَمٌ" بين المشي على الأرض والمشي على الماء، وسط بينها، عالم الشياطين، الشياطين هم بأجسامهم يطيرون من محل إلى محل. ومثاله أيضًا كما ذكره عالم الشياطين فيما أحدث لنا من الآلات هذه الطائرات التي جاءت تطير بنا في الهواء وتمشي بنا في الماء، هي بين المشي من دون هذه الأسباب وهذه الترتيبات الحسية، مشي الإنسان على الهواء مثلًا أو على الماء، وبين المشي… وكذلك السفينة جعل الله الخشب من خاصيته أنه ما يقبل الغوص في الماء حتى إذا حملت فوقها حمول كثيرة حملته ولا تغوص في الماء، نوع من المخلوقات، خشب!..

يقول: بين ارتفاع الإنسان من عالم المحسوسات والخيالات إلى عالم الروح والملكوت برزخ وحاجز فذاك يمشي على الماء برجليه ولكن ذا يدخل في سفينة ويمشي في الماء، بين ذا وبين ذا…  مشى على الماء نعم لكن بواسطة حسية. وكذلك المشي على الهواء، يمشي بنفسه على الهواء هكذا، وبين يدخل في طائرة ويتخذ له شي من الأسباب التي ترفعه، بين هذا وبين هذا…

قال: الشياطين عندهم شي من البينية هذه، فهم يطيرون من طرف الأرض إلى طرفها ويروح ويجيء بما جُعِل من الخاصية في تكوينه وخلقه جعله الله سبحانه وتعالى كذلك، ولكن ليس المراد هذا ولكن المراد أن تنفذ من هذا إلى ما يشابه عالم الملائكة فليس طيران الملائكة كطيران الشياطين، الشياطين يطيرون من هنا لهنا، ولكن طيران الملائكة بتمكين ربانيّ رحماني رحيمي عظيم مصبوغ عليه الرضا والمحبة، فليس طيران هؤلاء مثل طيران هؤلاء، ومع ذلك فالملائكة أيضًا هم درجات، منهم الأرضيون ومنهم السماويّون ومنهم أعلى الملائكة في السماء:  كروبيون، استغراقهم بشهود الحق تبارك وتعالى، ما عاد أبقى لهم وقت ولا فرصة أن يشتغلوا بالأجسام ولا بتسييرها ولا…. أُخِذوا؛ فهم من أعلى الملائكة. 

يقول: "وهٰذهِ العوالمُ كلُّها منازلُ الهدئ، ولكنَّ الهدى المنسوبَ إلى اللهِ تعالىٰ يُوجَدُ في العالَمِ الرَّابعِ؛ وهوَ عالَمُ الأرواحِ"، ما هو عالم الأرواح؟ العالم الأول عالم المحسوسات، والثاني عالم المتخيلات، والثالث  الموهومات، والرابع هذا العالم الرابع عالم الأرواح، شأن خصائص الروح "الهدى" المخصوص "المنسوبَ إلى اللهِ تعالىٰ"، ويهدي لنوره من يشاء في هذا العالم.

 قال: (إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللهِ) [آل عمران:73]. ومَقامُ كلِّ إنسانٍ ومحلُّهُ ومنزلُهُ في العُلْوِ والسُّفْلِ.. بقَدْرِ إدراكِهِ، وهوَ معنى قولِ عليّ -رضيَ الله عنهُ-: النَّاسُ أبناءُ ما يُحسِنونَ." وقدر كل امرئ ماكان يحسنه، ما الذي تحسنه؟ فأنت من ذلك، يقول: "الناس أبناء مايحسنون"، وروي هذا أيضًا عند ابن عبد البر في بيان فضله: 

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه *** والجاهلون لأهل العلم أعداءُ

 فالإنسان بين أن يكون في مرتبة الدود أو يرتقي للحمار أو فرس؛ أحسن إدراك منه، أو شيطان له بعض الغرائب، ولكن الشأن أن يجاوز هذا كله إلى أن يصير مثل الملائكة. ولذا لما خصّ الله آدم أبانا بالخصائص، أمر الملائكة أن تسجد له ورفع قدره بينهم.

والملائكة درجات: 

  • منهم المقرّبون يترفّعون عن الالتفات إلى المحسوسات والأرض والسماء، وهم المُسَمَّون بالكَرُّوبِيِّين.
  • ومنهم ملائكة الصفيح حوالي العرش، ملازمون للشهود الأعلى، تتصل أرواح الذين فَنُوا من المقرّبين في الأرض، فيتصل تسبيحهم بتسبيح هؤلاء، وتقديسهم بتقديس هؤلاء، يسبحون الله مع الملائكة المقربين.

كما أن الاتصال على وجه العموم مبذولٌ بين حملة العرش وبين من في الأرض من المؤمنين، (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ) [غافر:7]. إلى آخر ما ذكر الله عنهم. فهناك علائق بين حملة العرش وبين من على ظهر الأرض من المؤمنين التائبين، ودعاء الملائكة لهم، ولكن هذه الصِّلة والعلاقة تتقوى كلما نال الإنسان هذه الخصوصية التي تلحقه بأفق الملائكة. 

فإن الإنسان: 

  • قابل لأن ينحط إلى رتبة البهيمة والحيوان.
  • وأيضًا مهيأ لأن يرتقي إلى عالم الملائكة.

قال: "والسماء والأرض وما يتعلق بهما من المحسوسات والمتخيلات، فمصيرها الفناء". (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) [الانشقاق:1-2]، (إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ)[الانفطار:1-2]، هذه كلها تفنى. وهومعنى قوله: "(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن:26-27]. وهٰذهِ العوالمُ منازلُ سفرِ الإنسانِ؛ ليَترقَّى مِنْ حضيضِ درجةِ البهائمِ إلى يَفاع رتبةِ الملائكةِ، ثمَّ يَترقَّىٰ مِنْ رتبتِهِم إلىٰ رتبةِ العُشَّاقِ منهُم، وهُمُ الكَرُوبِيُّونَ العاكفونَ علىٰ ملاحظةِ جمالِ الوجهِ، يُسبِّحونَ الوجةه ويُقدِّسونَهُ" (وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) [الأنبياء:19-20]، عليهم سلام الله تبارك وتعالى.

قال: "فانظرِ الآنَ إلىٰ خِسَّةِ الإنسانِ وشرفِهِ، وإلى بُعدِ مراقيهِ في معارجِهِ، وإلى انحطاطِ درجاتِهِ في تسفُّلِهِ، وكلُّ الآدميِّينَ مردودونَ إلىٰ أسفلِ السَّافلينَ"، إلا "الذينَ آمنوا وعملوا الصَّالحاتِ يَترقَّونَ منها، فلهُم أجرٌ غيرُ ممنونٍ"؛ وغير منقطع فيما يتعلق برضوان الحق عنهم وشهودهم لجماله "(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) [الأحزاب:72]"؛ بعد هذا التهيؤ، من أعرض من هؤلاء الناس ومن أدبر ومن استكبر فهو الظلوم الجهول، هُيِّئَ لشأن عظيم فأبى إلا أن يسقط إلى أسفل سافلين، والعياذ بالله تعالى.

"لأنَّ معنى الأمانةِ: التَّعرُّضُ للعُهْدَةِ والخَطَرِ"، وسكان الأرض من البهائم ليس عليهم خطر، ولا تعرّضوا لهذه العهدة، ولا أوتوا ما يرقيهم، ولا حساب عليهم، تجاوزوا الخطر، "ليسَ لهُم إمكانُ التَّرقِّي مِنَ المنزلِ الثَّالثِ، ولا خطرَ على الملائكةِ"؛ لأنهم ليس لهم انحطاط عن الرتبة العلية التي هم فيها إلى "إلى حضيضٍ عالَمِ البهائمِ."، لكن الإنسان ممكن أن ينحط إلى حضيض البهائم، وممكن أن يرتفع إلى أوج الملائكة، فهذه من خصوصياته.

وهكذا يقول بعد ذلك: فكيف تهددني بقولك جاوزت الجمهور وخالفت الجمهور؟ قال: "بذلك فرحي وسروري"، إذا ما بقيت محبوس في الحس ولا في الخيال ولا في الوهم، وخلّنا أجاوزهم، أنا أحب مخالفة الجمهور هؤلاء.  فـ (أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف:21] (وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [المائدة:103]. خلّنا أبتعد عن الأكثر؛ الجمهور حقك هذا، وأروح إلى الخواص، إلى أهل الاختصاص، إلى أهل الصدق والإخلاص، خلنا معهم. لماذا تريد أبقى مع الجمهور حقك المحبوس في هذا المكان! فما هذا إلا فرحي وسروري أن أجاوزهم. 

"والذي تكرهه مني هو الذي يشتهيه قلبي"، فخلّنا أنطلق مع الخواص وخلِّ الجمهور حقك لك، (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) [الأنعام:116]. "فاطوِ طومار الهذيان، ولا تقعقع بعد هذا بالشِّنان"، بالجلد البالي تضرب به سيتقطع ويتكسر، ليس بشيء! وارتفِع إلى إدراك الحقيقة.

اللهم ألحقنا بخيار الخليقة، برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين، ونسأل الحق أن يوفر حظنا وإياكم.

رزقنا الله الإنابة والخشية والاستقامة، ووفّر الله حظنا من المِنن والمواهب، وكَشَفَ عنّا الحجب، ورفع لنا الرتب، وجعل لنا إدراك وفتح لنا بصائرنا. اللهم نوّر بصائرنا وصفِّ سرائرنا، واجعلنا من الذين سبقت لهم منك الحسنى، وتولنا بما أنت أهله في الحس والمعنى، وارفع درجات معلمينا ومشايخنا وذوي الحقوق علينا وآبائنا وأمهاتنا، واجمعنا بهم في دار الكرامة. واغفر لمؤسس المسجد والقائمين عليه والمتردّدين فيه والسابقين فيه. وخذ بيد ملك البلدة إلى ما هو أحب وأطيب، وتولَّ الراعي والرعية بما به ترفع عنا وعنهم وعن الأمة الكرب وسوء الحاضر والمنقلب، واصلح شأن المسلمين في المشارق والمغارب، وادفع عنا وعنهم جميع البلايا والآفات والمصائب، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأيقظ قلوبنا من كل غفلة وسِنة، بوجاهة حبيبك المحبوب، طب الأجسام والقلوب. ونقِّنا عن كل شوب، واسقِنا من أحلى مشروب. 

نسألك اللهم أن ترقينا في مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، وأن تجعل مستقر اليقين التام قلوبنا ومستقر أربابه ديارنا، وأن تجعل مستقر الورع الحاجز قلوبنا ومستقر أربابه ديارنا، وأن تجعل مستقر المعرفة بالله قلوبنا ومستقر أربابها ديارنا. اللهم ثبّتنا على الحق فيما نقول، وثبتنا على الحق فيما نفعل، وثبتنا على الحق فيما نعتقد، واختم لنا بأكمل الحسنى وأنت راضٍ عنا. 

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ 

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة