Blog Utama Saya :-

Rabu, 3 Jun 2026

الأربعين في أصول الدين - 27 | حب الدنيا

 



Kasih Akan Dunia


Video


الدرس السابع والعشرون للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي . القسم الثالث: تزكية القلوب: الأصل السابع: حب الدنيا

 ضمن دروس الدورة الصيفية الثانية بمعهد الرحمة بالأردن.

ظهر الأحد 1 ربيع الأول 1447هـ

يوضح الحبيب عمر بن حفيظ معنى الدنيا وحدودها، وكيف تُصبح وسيلةً للنجاة أو سببًا للهلاك، تعريف بالدنيا الظاهرة ومقابلها الدنيا الباطنة التي يجمعها الهوى وما يتولّد عنه من مهلكات؛ ويبيّن معنى أن تكون الدنيا في يدك لا في قلبك..

 

نص الدرس المكتوب: 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسَندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

الأصل السابع

في حبّ الدّنيا

 

"اعلمْ: أنَّ حبَّ الدُّنيا رأسُ كلِّ خطيئةٍ، وليسَ الدُّنيا عبارةً عنِ المالِ والجاهِ فقطْ، بل هما حظَّانِ مِنْ حظوظِ الدُّنيا، وشُعبتانِ مِنْ شُعَبِها، وشُعَبُ الدُّنيا كثيرةٌ.

ودنياكَ عبارةٌ عن حالتِكَ قبلَ الموتِ، وآخرتُكَ عبارةٌ عن حالتِكَ بعدَ الموتِ، وكلُّ ما لكَ فيهِ حظُّ قبلَ الموتِ.. فهوَ مِنْ دنياكَ، إلَّا العلمَ والمعرفةَ والحُرِّيَّةَ، وما يبقىٰ معَكَ بعدَ الموتِ، فإنَّها أيضاً لذيذةٌ عندَ أهلِ البصائرِ، ولكنَّها ليسَتْ مِنَ الدُّنيا وإن كانَتْ في الدُّنيا.

ولهذهِ الحظوظِ الدُّنيويةِ تعاونٌ وتعلُّقٌ بكَ، وتعلُّقٌ بما فيهِ الحظُّ، وتعلُّقٌ بأعمالِكَ المُتعلِّقةِ بإصلاحِها؛ فهيَ ترجعُ إلىٰ أعيانٍ موجودةٍ، وإلى حظِكَ منها، وإلى شغلِكَ في إصلاحِها .

أمَّا الأعيانُ: فهيَ الأرضُ وما عليها؛ قالَ اللهُ تعالى: ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).

ومطلوبُ الآدميّ مِنَ الأرضِ: إمَّا عينُها فللمَسكنِ والمَحرثِ، وإمَّا نباتُها فللتَّداوي والاقتياتِ، وإمَّا معادنُها فللنُّقودِ والأواني والآلاتِ، وإمَّا حيواناتُها فللمَركبِ والمَأْكلِ، وإمَّا الآدميونَ منها فللمَنكحِ والاستسخارِ، وقد جمعَ اللهُ سبحانَهُ ذلكَ في قولِهِ: (زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَآءِ وَالْبَنِين..) الآيةَ .

وأمَّا حظُكَ منها: فقد عبَّرَ القرآنُ الكريمُ عنهُ بالهوىٰ؛ فقالَ: (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ)، وقالَ مُفصِّلاً لهُ: (أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهُوُ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَٱلْأَوْلَٰدِ ) الآيةَ .

وذلكَ يندرجُ فيهِ جميعُ المُهلِكاتِ الباطنةِ؛ مِنَ الكِبْرِ والغِلِ، والحسدِ والسُّمعةِ، والرِّياءِ والنِّفاقِ، والتَّفاخرِ والتَّكاثرِ، وحبِّ الدُّنيا وحبِّ الثَّناءِ؛ وهيَ الدُّنيا الباطنةُ، وإنَّما الأعيانُ هيَ الدُّنيا الظَّاهرةُ.

وأمَّا شغلُكَ في إصلاحِها: فهيَ جملةُ الحِرَفِ والصِّناعاتِ التي الخَلْقُ مشغولونَ بها، وقد نَسُوا فيها أنفسَهُم ومبدأَهُم ومَعادَهُم؛ لاستغراقِهِم باشتغالِهِم بها، وإنَّما شاغلُهُمُ العلاقةُ؛ فإنَّ علاقةَ القلبِ بحبِّ حظوظِها، وعلاقةَ البدنِ بشغلِ إصلاحِها.

فهذهِ هيَ حقيقةُ الدُّنيا التي حبُّها رأسُ كلِّ خطيئةٍ، وإنمَّا خُلِقَتْ للتَّزوُّدِ منها إلى الآخرةِ، ولكنْ كثرةُ أشغالِها وفنونُ شهَواتِها أنسَتِ الحمقىٰ سفرَهُم ومَقصِدَهُم، فقصَروا عليها همَّتَهُم، وكانوا كالحاجِّ في الباديةِ، يشتغلُ بتعهُّدِ النَّاقةِ وعَلْفِها وتسمينِها، فيتخلَّفُ عنِ الرُّفقةِ حتَّىٰ يفوتَهُ الحجُّ، وتُهلِكَهُ سِباعُ الباديةِ".

 

الحمد لله الذي جعل اختباره للعقل من المكلّفين في هذه الدّنيا بالدّنيا وما فيها، وجعلها مع كونها اختبارًا وابتلاءً، محلًا لعمارة الحياة الآخرة، والبَاقية الدَّائمة. فافتَتَن بها أكثر الخلائق، ونجا من نجا بقدرة الإله الخالق وعنايته، جعلنا الله وإيَّاكم من النّاجين الفائزين بقربه ورضوانه مع خواصّ عباده الصّالحين أهل الحقائق.

 

لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. أرسل إلينا خاتم النبوّة والرّسالة، وبيّن أحسن البيان، ودلّ أحسن الدلالة، صلى اللهم وسلم وبارك وكرّم على عبدك المختار سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

يذكر الشيخ في هذا الأصل ما يحصل من تعلّقات القلب بشؤون هذه الدنيا التّي عرّفها "بأنّها حالتِكَ قبلَ الموتِ، والآخرة: أحوالك وشؤُونك "بعدَ الموتِ"؛ ولكن هذه الدّنيا بهذا المعنى تكون آلةً وسببًا: 

  • إمّا للنجاة والفوز. 
  • وإمّا للهلاك والعذاب. 

(لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الكهف:7]. 

 

يقول -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-: والذّي يُصادف الإنسان من شأن هذه الدّنيا وما يتعلّق بعمله فيها منها "الأعيانُ: فهيَ الأرضُ وما عليها" من أنواع النّباتات والجمادات. 

 

"ومطلوبُ الآدميّ مِنَ الأرضِ": 

  • "إمَّا عينُها فللمَسكنِ والمَحرثِ"، -وأمثال ذلك ومنها للاستظلال-. 
  • "وإمَّا نباتُها فللتَّداوي والاقتياتِ"، -ولأجل القوت- والاقتيات -أيضا، وبعضها للنظر في زهورها الى غير ذلك-. 
  • "وإمَّا معادنُها فللنُّقودِ والأواني والآلاتِ" -تستخرج من معادن هذه الأرض-. 
  • "وحيواناتُها فللمَركبِ والمَأْكلِ"، قال: (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ) [يس:72-73]. 
  • "وإمَّا الآدميونَ منها فللمَنكحِ والاستسخارِ" -بعضهم لبعض، ويجعل بعضهم لبعض سُخريا، (لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ) [الزخرف:32].

 

والالتفات إليها، والقنوع بها، والانحسار فيها: هو الهوى! فالمَيل إليها لذاتها، وعمارتها، والانحسار فيها؛ هو الهوى! الذّي يجب أن ننهى أنفسنا عنه؛ (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ) [النازعات:40]. 

 

و قال -وفي شؤون هذه الدنيا-:"يندرجُ فيهِ جميعُ المُهلِكاتِ الباطنةِ؛ مِنَ الكِبْرِ والغِلِ، والحسدِ والسُّمعةِ، والرِّياءِ والنِّفاقِ، والتَّفاخرِ والتَّكاثرِ".

  • (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ)
  • ثم حقيقتها (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ)- أي: الزرّاع- (نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ)؛ 
  • والنتيجة: (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [الحديد:20]

 

قال: ما يتعلّق "التَّفاخرِ والتَّكاثرِ، وحبِّ الدُّنيا وحبِّ الثَّناءِ؛ -وما إلى ذلك- وهيَ الدُّنيا الباطنةُ، وإنَّما الأعيانُ هيَ الدُّنيا الظَّاهرةُ.

 وأمَّا شغلُكَ في إصلاحِها: -من قبل القيام- بالحِرَفِ والصِّناعاتِ -وما إلى ذلك، وما الناس- مشغولونَ بها:

  • إمّا أن يكون مجرّد وسيلة لغرض شريف كريم. 
  • وإمّا أن يكون وسيلة لغرض تافه. 
  • أو يكون مقصودًا لذاتُه، فالذّين قصدوها لذاتها أو للأغراض القصيرة التافهة، نسوا بها أنفسهم، "نَسُوا فيها أنفسَهُم ومبدأَهُم ومَعادَهُم؛ لاستغراقِهِم باشتغالِهِم بها". (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ) [يونس:7-8] -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

 

قال: شاغلهم العلاقة -علاقة القلب بحب حظوظها، وانحباس الإنسان في هذا الأمر الفاني الحقير- قال : "هذه هي حقيقةُ الدُّنيا التي حبُّها رأسُ كلِّ خطيئةٍ"، -سبب كل معصية- "خُلِقَتْ للتَّزوُّدِ منها إلى الآخرةِ" -قال: "ولكنْ -لما صادف الناس- كثرةُ أشغالِها وفنونُ شهَواتِها أنسَتِ الحمقىٰ سفرَهُم ومَقصِدَهُم" وعَكفوا عليها.

 

فَدُو الْحَمَاقَةِ مَنْ قَدْ ظَلَّ يَجْمَعُهَا *** يُعَانِيِ السَّعْيَ مِنْ شَامٍ إِلَىٰ يَمَنِ 

مُشَمّراً يَرْكَبُ الأَخْطَارَ مُجْتَهِداً *** لِأَجْلِهَا يَسْتَلِيْنُ الْمَرْكَبَ الْخَشِنِ 

وَذُوْ الْحِجَا يَقْلُهَا زُهْداً وَيَنْبُذُهَا *** وَرَاءَهُ نَبْذَهُ الأَقْذَارَ فِيْ ٱلدِّمَنِ 

يَرْمِيْ بِقَلْبٍ مُنِيْرِ فِيْ مَصَائِرِهَا *** فَلاَ يُصَادِفُ غَيْرَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ 

يَجُوْلُ بِٱلْفِكْرِ فِيْ تَذْكَارِ مَنْ صَرَعَتْ *** مِنْ مُؤْثِرِيْهَا بِسَعْىِ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ 

مِمَّنْ أَشَادَ مَبَانِيْهَا وَأَحْكَمَهَا *** لِيَسْتَجِنَّ مِنَ الأَقْدَارِ بِٱلْجُنَنِ 

نَالُوا مَكَارِمَهَا أَخْبَوْا مَعَالِمَهَا *** سَلُّوا صَوَارِمَهَا لِلْبَغْيِ وَالضَّفَنِ

 

ثمّ أصبحوا عبرةً كلهم كما قص الله -تبارك وتعالى- علينا، وكما نشاهد في ذلك في أعمارنا وإن كانت قصيرة، نشاهد كل من آثرها وعظّمها، وصرف همّته إليها، ثمّ صار عبرةً للمعتبرين، وذكرى للمدّكرين. 

"فقصَروا عليها همَّتَهُم"، صار مثلهم مثل الحاج الذي يريد السفر لأداء فريضة الله تعالى، فيشْتغل بالدّابة وعلفها وتسمينها، ويخرج النّاس ويمشون، وهو قاعد في طرف البلاد ومعتنٍ بها وبتسْمينها، ووصلوا لمكة وكمّلوا الحج وهو قاعد، هو والراحلة حقّه والزّاد، وتعرَّض في البادية ما عاد فيها، جاءت له السباع وأكلته هو وحقه الناقة، وانتهى. وهذا شأن المُتخلّف عن ركب الوجهة إلى الله -تبارك وتعالى- من جميع الكفّار، والغافلين من النّاس على ظهر هذه الأرض، ونسوا أنّ مقصودهم بالدّنيا: أنّهم عابرين، وأنّهم مسافرين، وأنّ القصد هناك، والمرجع إلى لقاء خالقها -جل جلاله- 

رزقنا الله -تبارك وتعالى- الإنابة والخشية والاستقامة، واستعمال الدّنيا لما خَلقها من أجله، والتّزوّد منها للدّار الآخرة. ولهذا البيت كله والفصل الذي بعده أنّها وهي بهذه المثابة هي نفسها محل الزراعة للآخرة، ومحل إقامة ارتقاء الدّرجات، وارتفاع المراتب، وإلى غير ذلك. 

 

وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

فَصْلٌ

في كونِ الدنيا مزرعةَ الآخرةِ 

 

"هٰذهِ الدُّنيا المذمومةُ المُهلِكةُ هيَ بعينِها مزرعةُ الآخرةِ في حقِّ مَنْ عرفَها؛ إذ يَعرِفُ أنَّها منزلٌ مِنْ منازلِ السَّائرينَ إلى اللهِ تعالىٰ، وهيَ كرباطِ بُنِيَ على قارعةِ الطَّريقِ، أُعِدَّ فيها العَلَفُ والزَّادُ وأسبابُ السَّفِرِ، فمَنْ تَزوَّدَ منها لآخرتِهِ، واقتصرَ منها على قَدْرِ الضَّرورةِ التي ذكرناها في المَطعَمِ والمَلبَسِ والمَنكَحِ وسائرِ الضَّروراتِ.. فقد حرثَ وبذرَ، وسيحصدُ في الآخرةِ ما زرعَ، ومَنْ عَرَّجَ عليها واشتغلَ بلذَّاتِها.. هلكَ.

ومثلُ الخَلْقِ فيها كمثلِ قومٍ ركبوا سفينةً، فانتهَتْ بهِم إلىٰ جزيرةٍ، فأمرَهُمُ المَلَّاحُ بالخروجِ لقضاءِ الحاجةِ، وخوَّفَهُمُ المُقامَ، واستعجالَ السَّفينةِ، فتفرَّقوا فيها.

فبادرَ بعضُهُم وقضىٰ حاجتَهُ، ورجعَ إلى السَّفينةِ فوجدَ مكاناً خالياً واسعاً.

ووقفَ بعضُهُم ينظرُ في أزهارِ الجزيرةِ وأنوارِها، وطرائفِ أحجارِها، وعجائبِ غياضِها، ونغماتِ طيورِها، فرجعَ إلى السَّفينةِ فلم يجدْ إلَّا مكاناً ضيِّقاً حرجاً.

وأكبَّ بعضُهُم على تلكَ الأصدافِ والأحجارِ، وأعجبَهُ حسنُها، فلم تسمحْ نفسُهُ إلَّا بأن يستصحبَ شيئاً منها، فلم يجد في السَّفينةِ إلَّا مكاناً ضيِّقاً، وزادَتْهُ الحجارةُ ثقلاً وضيقاً، فلم يَقدِرْ علىٰ رميها، ولم يجدْ لها مكاناً، فحملَها على عنقِهِ وهوَ ينوءُ بأعبائِها.

وتَولَّجَ بعضُهُمُ الغياضَ، ونسيَ المَركَبَ، واشتغلَ بالتَّفزُّجِ في تلكَ الأزهارِ، والتَّناولِ مِنْ تلكَ الثِّمارِ، وهوَ في تفرُّجِهِ غيرُ خالٍ مِنْ خوفِ السِّباع، والحذرِ مِنَ السَّقَطاتِ والنَّكَباتِ، فلمَّا رجعَ إلى السَّفينةِ.. لم يُصادِفْها، فبقيَ على السَّاحلِ، فافترسَتْهُ السِّباعُ، ومَزَّقَتْهُ الهوامُّ .

فهذهِ صورةُ أهلِ الدُّنيا بالإضافةِ إلى الدُّنيا والآخرةِ، فتأمَّلْها واستخرجْ وجهَ الموازنةِ فيها إِن كنتَ ذا بصيرةٍ.

 

فصلٌ

في كونِ الدُّنيا والآخرةِ ضَرَّتينِ 

 

"مَنْ عرفَ نفسَهُ، وعرفَ ربَّهُ، وعرفَ زينةَ الدُّنيا، وعرفَ الآخرةَ.. شاهدَ بنورِ البصيرةِ وجهَ عداوةِ الدُّنيا للآخرةِ؛ إذ يَنكشفُ لهُ قطعاً أن لا سعادةَ في الآخرةِ إلَّا لِمَنْ قدمَ على اللهِ تعالىٰ عارفاً بهِ مُحِبّاً لهُ؛ فإنَّ المحبَّةَ لا تُنالُ إلَّا بدوامِ الذِّكرِ، وإنَّ المعرفةَ لا تُنالُ إلَّا بدوامِ الطَّلبِ والفكرِ، ولا يتفرَّغُ لهُما إلَّا مَنْ أعرضَ عن أشغالِ الدُّنيا، ولا تستولي المعرفةُ والحبُّ على القلبِ ما لم يَفرُغْ مِنْ حبِّ غيرِ اللهِ تعالىٰ، ففراغُ القلبِ مِنْ غيرِ اللهِ ضرورةُ اشتغالِهِ بحبِّ اللهِ تعالىٰ ومعرفتِهِ، ولن يُتصوَّرَ ذلكَ إلَّا لمُعْرِضِ عنِ الدُّنيا، قانعٍ منها بقَدْرِ الزَّادِ والضَّرورةِ.

فإن كنتَ مِنْ أهلِ البصيرةِ.. فقد صِرْتَ مِنْ أهلِ الذَّوقِ والمشاهدةِ، وإن لم تكنْ كذلكَ .. فكنْ مِنْ أهلِ التَّقليدِ في الإيمانِ، وانظرْ إلى تحذيرِ اللهِ تعالى إيَّاكَ بالكتابِ والسُّنَّةِ؛ وقد قالَ عزَّ وجلَّ: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا…) [هود:15]الآيةَ .

وقالَ تعالىٰ: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ..) [النحل:107] الآية .

وقالَ عزَّ اسمُهُ: ( فَأَمَّا مَن طَغَى  * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) [النازعات:37-38] ولعلَّ ثلثَ القرآنِ في ذمِّ الدُّنيا وذمِّ أهلِها.

وقد قالَ ﷺ: "الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا ، إِلَّا ذِكْرَ ٱللهِ تَعَالَىٰ"

وقالَ ﷺ: "يَا عَجَباً كُلَّ ٱلْعَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدَارِ ٱلْخُلُودِ وَهُوَ يَسْعَىٰ لِدَارِ ٱلْغُرُورِ".

وقالَ ﷺ: "الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا ، فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ".

وقالَ ﷺ: "إِنَّ ٱللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الدٌّنْيَا ، وَإِنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهَا مُنْذُ خَلَقَهَا".

وقالَ ﷺ: "مَنْ أَصْبَحَ وَٱلدُّنْيَا أَكْبَرُ هَمِّهِ.. فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ، وَأَلْزَمَ اللهُ قَلْبَهُ أَرْبَعَ خِصَالٍ: هَمَا لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ أَبَداً، وَشُغْلاً لَا يَتَفَرَّغُ عَنْهُ أَبَداً، وَفَقْراً لَا يَبْلُغُ غِنَاهُ أَبَداً، وَأَمَلاً لَا يَبْلُغُ مُنْتَهَاهُ أَبَداً".

وقالَ أبو هريرةَ -رضيَ اللهُ عنهُ-: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؛ أَلَا أُرِيكَ ٱلدُّنْيَا جَمِيعَهَا ؟"، قلتُ: نعمْ، فأخذَ بيدي إِلَىٰ مزبلةٍ فيها رؤوسُ أناسٍ، وعذراتٌ، وخرق، وعظامٌ، وقالَ: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؛ هَذِهِ الرُّؤُوسُ كَانَتْ تَحْرِصُ كَحِرْصِكُمْ، وَتَأْمُلُ آمَالَكُمْ، ثُمَّ هِيَ ٱلْيَوْمَ عِظَامٌ بِلَا جِلْدٍ، ثُمَّ هِيَ صَائِرةٌ رَمَاداً، وَهَٰذِهِ الْعَذِرَاتُ أَلْوَانُ أَطْعِمَتِهِمُ، اكْتَسَبُوهَا مِنْ حَيْثُ أكْتَسَبُوهَا، ثُمَّ قَذَفُوهَا مِنْ بُطُونِهِمْ، فَأَصْبَحَتْ وَالنَّاسُ يَتَحَامَوْنَهَا، وَهَٰذِهِ الْخِرَقُ ٱلْبَالِيَةُ كَانَتْ رِيَاشَهُمْ وَلِبَاسَهُمْ، فَأَصْبَحَتْ وَالرِيَاحُ تَصْفِقُهَا، وَهَٰذِهِ ٱلْعِظَامُ عِظَامُ دَوَابِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَنْتَجِعُونَ عَلَيْهَا أَطْرَافَ ٱلْبِلَادِ، فَمَنْ كَانَ بَاكِياً عَلَى الدُّنْيَا.. فَلْيَبْكِ".  

وقالَ ﷺ: "لَيَجِيئَنَّ أَقْوَامٌ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَأَعْمَالُهُمْ كَجِبَالِ تِهَامَةَ، فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ"، قالوا: يا رسولَ اللهِ؛ أمُصلُّونَ؟ قالَ: "نَعَمْ، كَانُوا يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ، وَيَأْخُذُونَ هَنَةً مِنَ ٱللَّيْلِ، فَإِذَا عَرَضَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ ٱلدُّنْيَا.. وَثَبُوا عَلَيْهِ ".

وقالَ عيسى عليهِ السَّلامُ: لا يستقيمُ حبُّ الدُّنيا والآخرةِ في قلبِ مؤمنٍ ، كما لا يستقيمُ الماءُ والنَّارُ في إناءِ واحدٍ.

وقالَ نبيُّنا ﷺ: "آحْذَرُوا ٱلدُّنْيَا ؛ فَإِنَّهَا أَسْحَرُ مِنْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ". 

 

هكذا يُبيِّن -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- شأن هذه الدنيا، وأنّها مزرعة الآخرة؛ بكلِّ ما فيها من آفات وكل ما فيها من اختبارات وابتلاءات. 

هي أيضًا: 

  • سبب رقي الدّرجات ونيل المواهب العظيمات. 
  • وسبب الارتقاء لنيل المرافقة للنَّبيِّين، والصدِّيقين، والشّهداء، والصّالحين. 

في هذه الدنيا ما يعمله الإنسان، ما يكتسبه، ما ينويه، ما ينطلق فيه، ما ينتهجه من نهج، يُؤثّر عليه في حيازة الدَّرجات العُلى، ومُرافقة الأنبياء إلى غير ذلك من أنواع العطاء. 

  • إذًا، فمن حرث وبذر فيها، حصد في الآخرة، ما زرع وما بَذر. 
  • ومن الْتهى بها وجعلها مقصده هوت به إلى الهاوية، -والعياذ بالله تعالى-.

 

وضَرب المثل بِسفينة رست في جزيرة، قال لهم ربَّان السَّفينة: اخرجوا إلى الجزيرة، واقضوا حاجاتكم، وارجعوا بسرعة، ولا تتأخرون والسفينة بتمشي وتتحرك إلى المقصد. ولمّا خرجوا للجزيرة، وهذا قصد مجيئنا؛  كنّا في عالم الأرواح، وعالم الذر، وتنقَّلنا في الأصلاب، وثم جئنا، وصلنا إلى عند الولادة وخرجنا للجزيرة وقعدنا في الأرض مدّة محدّدة هي: عمرك! و تعال!، السّفينة ماشية ما بتنتَظرك. 

فلمّا خرجوا للجزيرة، كانوا أصنافًا: 

  • منهم من شاف الحاجة والضّرورة، والأمر المهم، وأخذوه، ودخلوا السّفينة، وأخذوا المَنازل التي يريدونها، أرفع شيء وأوْسع شيء، وجلسوا مُطمئِنٍّين. 
  • والثانيين بعدهم أعجبتهم بعض الأزهار حقّها، والأنهار، وأخذوا يتفرّجون عليها، وعجيبة ألوانهم، زوايا وحجارة، تأخروا، جاءوا حصّلوا مكانًا بدأ يزْدحِم، وحصلوا مكانًا أضيق من مكان الأوّلين. 
  • والنّاس بعدهم أعجبتهم بعض الحجارة، قالوا لا بد نأخذ من هذا الحجر، ومن هذا الشّجر، ولا بد نحمل منه. ما تحتاجونه، أنتم مسافرون! قال: لا، فحملوه وجاءوا وعادوا إلى مكان ضيّق ولا شيء محل إلا الذي فيه وفوق ظهورهم، وقعدوا هكذا مُتعَبين.
  • والثّانيين استغرقوا فيها، وراحوا من مكان لمكان، مشت السّفينة، وهم محلّهم، ولا  عاد حصّلوا سفينة، ولا شيء! وجاءت لهم السِّباع التِّي في الجزيرة، وروّتهم شُغلهم، وأهلكتهم وأنهتهم نهائِيًّا. 

قال: والنّاس في الدّنيا على مثل هذه الأمثلة.

 

وكلّ عاقل في الدّنيا يعرف من أين جاء؟ ولماذا جاء؟ ويقول: "مَنْ عرفَ نفسَهُ، وعرفَ ربَّهُ" والدّنيا ضرّة الآخرة، لا يتّفقان!. وأورد لنا من الآيات والأحاديث ما به نعرف إيثار الآخرة على الدّنيا، وأنّ الله قد جعل لنا قدوة من الأنبياء:

  • قال: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) [ص:46-47].
  • ثمّ اختبر أمّهات المؤمنين -زوجات المصطفى ﷺ- قال له: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب:28-29].
  • (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ) [الشّورى:20].

 

ثمّ ذكرلنا بما ورد من عدد من الأحاديث الشّريفة، والآيات في هذا المضمار، هذا المسلك نفسه. 

وذكر لنا أيضًا حديث أبي نعيم في الحلية والديلمي وغيرهما يقول: "لَيَجِيئَنَّ أَقْوَامٌ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ" -ويجيء لهم أعمال صالحة- "وَأَعْمَالُهُمْ كَجِبَالِ تِهَامَةَ". لكن يؤمر بهم إلى النّار. قالوا: يا رسول الله! كانوا يصلون؟ قالَ: "نَعَمْ، كَانُوا يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ، وَيَأْخُذُونَ هَنَةً مِنَ ٱللَّيْلِ، أو هنئةً من الليل -لكن وصفهم- فَإِذَا عَرَضَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ ٱلدُّنْيَا.. وَثَبُوا عَلَيْهِ "، حلال، حرام، بطريقة صحيحة غير صحيحة، المهم الدّنيا ما يفرّطون فيها، ويأخذونها من غير حلّها، ومن غير محلها، -والعياذ بالله- هؤلاء تذهب أعمالهم سُدى، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، ولا يُدركون حقيقة محبّة المولى ولا قربه ولا رضاه.

"وقالَ سيدنا عيسى عليهِ السَّلامُ: لا يستقيمُ حبُّ الدُّنيا والآخرةِ في قلبِ مؤمنٍ، كما لا يستقيمُ الماءُ والنَّارُ في إناءِ واحدٍ"، نار تشعل وماء ممكن مرة في إناء واحد؟ ما يتأتى! إذا في نار ما في ماء، كما بين المشرق والمغرب: إن قربت من هذا بعدت من هذا، وبعدت من هذا قربت من هذا، والمعنى أنّ أنواع المُلهيات التّي تُوقعك في الغفلة عن الله تعالى: 

  • كُلّما اقتربت منها، ابتعدت عن حقائق الإيمان وعن حقائق القرب من الرحمن. 
  • وكُلَّما أقبلت على الله -سبحانه وتعالى- وصدقت، لم يلتفت قلبُك إلى التُرَّهات، والبطالات، ولا إلى ما يشغلك، أو يلهيك، أو يقطعك عن الدّار الآخرة.

 

وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:

"وقالَ نبيُّنا ﷺ: "آحْذَرُوا ٱلدُّنْيَا؛ فَإِنَّهَا أَسْحَرُ مِنْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ". 

 

وقال عيسى عليهِ السَّلامُ: يا معشرَ الحواريِّين ارضوا بدنيّ الدُّنيا معَ سلامةِ الدِّينِ، كما رضيَ أهلُ الدُّنيا بدنيِّ الدِّينِ معَ سلامةِ الدُّنيا.

وقالَ عيسى عليهِ السَّلامُ أيضاً للحواريِينَ: لَأَكلُ خبزِ الشَّعيرِ بالمِلحِ الجريشِ، ولُبْسُ المُسُوحِ، والنَّومُ على المزابلِ.. كثيرٌ معَ عافيةِ الدُّنيا والآخرةِ ) (٢) .

ورُوِيَ: أنَّ عيسى عليهِ السَّلامُ كُوشِفَ بالدُّنيا، فرآها في صورةٍ عجوزِ شوهاءَ عليها مِنْ كلِّ زينةٍ، فقالَ لها: كمْ نكحتِ؟ فقالَتْ: إنّي لا أُحصيهِم، فقالَ: يُطلِّقونَكِ أو ماتوا عنكِ؟ فقالَتْ: بل قتلْتُ كلَّهُم، فقالَ عيسى عليهِ السَّلامُ: بؤساً لأزواجِكِ الباقينَ كيفَ لا يعتبرونَ بأزواجِكِ الماضينَ؟!".

 

فصلٌ

في أنَّ الغفلةَ سببٌ لدخولِ الدُّنيا إلى القلبِ 

 

"اعلمْ: أنَّ مَنْ ظنَّ أنَّهُ يلابسُ الدُّنيا ببدنِهِ، ويخلو عنها بقلبِهِ.. فهوَ مغرورٌ .

قالَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "مَثَلُ صَاحِبِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ

الْمَاشِي فِي ٱلْمَاءِ ، هَلْ يَسْتَطِيعُ الَّذِي يَمْشِي فِي الْمَاءِ أَلَّا تَبْتَلَّ قَدَمَاهُ ؟!".

وكتبَ عليٌ -رضيَ اللهُ عنهُ- إلىٰ سلمانَ الفارسيِّ -رضيَ اللهُ عنهُ-: مثلُ الدُّنيا مثلُ الحيَّةِ؛ يلينُ مَسُّها، ويقتلُ سمُّها، فأعرضْ عمَّا يُعجِبُكَ منها؛ لقلَّةِ ما يصحبُكَ منها، وضعْ عنكَ همومَها؛ لِمَا أيقنتَ مِنْ فِراقِها، وكنْ أسرَّ ما تكونُ بها أحذرَ ما تكونُ لنها؛ فإنَّ صاحبَها كلَّما اطمأنَّ منها إلى سرورٍ.. أشخصَهُ عنهُ كروهٌ.

وقالَ عيسى -عليهِ السَّلامُ-: مثلُ طالبِ الدُّنيا مثلُ شاربٍ ماءٍ البحرِ؛ كلَّما ازدادَ شرباً.. ازدادَ عطشاً حتَّىٰ يقتلَهُ.

واعلمُ: أنَّ مَنِ اطمأنَّ إلى الدُّنيا وهوَ يَتيقَّنُ أنَّهُ راحلٌ عنها.. فهوَ في غايةِ الحماقةِ، بل مثلُ الدُّنيا مثلُ دارٍ هيَّأَها صاحبُها، وزيَّنَها لضيافةِ الواردينَ والصَّادرينَ، فدخلَ واحدٌ دارَهُ، فقدَّمَ إليهِ طبقاً مِنْ ذهبٍ عليهِ بَخُورٌ وريحانٌ ليَشَمَّها، ويتركَ الطَّبقَ لمَنْ يلحقُهُ لا ليتملَّكَهُ، فجهلَ رسمَهُ، فظنَّ أنَّهُ وهبَ ذلكَ لهُ، فلمَّا نعلَّقَ بهِ قلبُهُ.. استُرجِعَ منهُ، فضَجِرَ وتَوجَّعَ، ومَنْ كانَ عالِماً برسمِهِ.. انتفعَ بهِ وشكرَهُ، وردَّهُ بطيبةِ قلبٍ، وانشراحِ صدرٍ.

فكذلكَ سُنَّةُ اللهِ في الدُّنيا، فإنَّها دارُ ضيافةٍ على المجتازينَ لا على المقيمينَ؛ ليتزوَّدوا منها ما ينتفعونَ بهِ كما يُنتفَعُ بالعاريَّةِ، ثمَّ يتركونَها لمَنْ يَلحَقُ بعدَهُم بطِيبةِ نفسٍ مِنْ غيرِ تعلُّقِ القلبِ بها. فهذهِ أمثلةُ الدُّنيا وما خلقَ اللهُ فيها".

 

 

 

فهذهِ أمثلةُ الدُّنيا وما خلقَ اللهُ فيها فهي تحتاج إلى فكر وتأمّل. 

 

ويقولون عن سيدنا الإمام الحداد فاضح الدُّنيا، فضحها وذكر ما أشرنا إليه من قصيدته المسمّاة بالنُّونيّة:

 

فيمَ الرُكونُ إِلى دارٍ حَقيقَتُها *** كَالطَيفِ في سَنَة وَالطَلِّ مِن مُزنِ

 

-كَالطَيفِ في سَنَة: كالحلم في النوم-

-الطل: من الماء-

 

دارُ الغُرورِ وَمَأوى كُلِّ مُزرِيَةٍ *** وَمَعدِنُ البُؤسِ وَاللأَواءِ وَالمِحَنِ

 

هذه حقيقة الدُّنيا، وخلقها الله ليختبرنا، نميل إليها وننساه، أم نقصده -سبحانه وتعالى- ونقبل بالكُلّية عَليه، ونتَّخذَها وسيلة، وسببًا، نحو بها.

 

 

لا بَارَكَ الله فِيْ الدُّنْيَا سِوَىٰ عَرَضٍ * مِنْهَا يُعَدُّ إِذَا مَا عُدَّتِ الْقُرَبُ

 

يُرِيْدُ صَاحِبُهُ وَجْهَ الإِلَٰهِ بِهِ * دُوْنَ الرِّيَا إِنَّهُ التَّلْبِيْسُ وَالْكَذِبُ

 

يقول:

الزُّوْرُ ظَاهِرُهَا وَالْغَدْرُ حَاضِرُهَا *** والْمَوْتُ آخِرُهَا وَالْكَوْنُ فِي الشَّطَنِ

تُنبِيدُ مَا جَمَعَتْ تُهِيْنُ مَنْ رَفَعَتْ *** تَضُرُ مَنْ نَفَعَتْ فِيْ سَالِفِ الزَّمَنِ

 

لمّا تمثّلت لسيدنا عيسى في صورة عجوز شوهاء، وعليها من كلٍّ زينة، فسألها عن من يطلب نكاح، قالت: كثيرون!. قال: بعدين كلّهم طلَّقوك وماتوا عنها؟ قالت: لا! قتلتهم كلهم. ولا خليت واحد منهم؟ قال: عجبًا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين! قد صنعتي بهم كذا، وبعدهم يخطبونك، وتصنعين بهم نفس العمل، الذي عملت مع الذين قبلهم، -لا إله إلا الله-

قال:

 

تُبِيْدُ مَا جَمَعَتْ تُهِيْنُ مَنْ رَفَعَتْ *** تَضُرُ مَنْ نَفَعَتْ فِيْ سَالِفِ الزَّمَنِ 

النَّفْسُ تَعْشَقُهَا وَالْعَيْنُ تَزْمُقُهَا *** لِكَوْنِ ظَامِرِهَا فِيْ صُوْرَةِ الْحَسَنِ 

سَحَّارَةٌ تُحْكِمُ التَّخْيِيْلَ حَتَّىٰ يُرَىٰ *** كَأَنَّهُ الْحَقُّ إِذْ كَانَتْ مِنَ الْفِتَنِ

إِنَّ الإِلَٰهَ بَرَاهَا كَيْ يَمِيْزَ بِهَا *** بَيْنَ الفَرِيْقِيْنِ أَهْلِ الْحُمْقِ وَٱلْفِطَنِ 

فَذُوْ ٱلْحَمَاقَةِ مَنْ قَدْ ظَلَّ يَجْمَعُهَا *** يُعَانِيِ السَّعْيَ مِنْ شَامٍ إِلَىٰ يَمَنِ 

مُشَمِّراً يَرْكَبُ الْأَخْطَارَ مُجْتَهِداً *** لِأَجْلِهَا يَسْتَلِيْنُ الْمَرْكَبَ الْخَشِنِ 

وَذُوْ ٱلْحِجَا يَقْلُهَا زُهْداً وَيَنْبُذُهَا *** وَرَاءَهُ نَبْذَهُ الأَقْذَارَ فِيْ الدِّمَنِ

يَرْمِيْ بِقَلْبٍ مُنِيْرٍ فِيْ مَصَائِرِهَا *** فَلاَ يُصَادِفُ غَيْرَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ 

يَجُوْلُ بِالْفِكْرِ فِيْ تَذْكَارِ مَنْ صَرَعَتْ *** مِنْ مُؤْثِرِيْهَا بِسَعْيِ الْقَلْبِ وَٱلْبَدَنِ

 

بغيت من المتقدمون؟ بغيت من الأمم السّابقة؟ بغيت من  الأمم اللي نعرفهم واللي ما نعرفهم؟ بغيت من هذه الأمة؟ بغيت من الذين في زمانك، تشُوفهم قدّامك نماذج كثيرة! -لا إله إلا الله- 

كان بعض رؤساء اليمن دخل، إلي كان في الرئاسة أول الثورات حقهم ثم نُفي وأخرج من البلد، ردّوا بعدين واحد من الرؤساء رجع، ودخل إلى المعسكر، وقاموا يصفقون له. فكان الرّئيس السّابق يقول له: لا تصدّقهم! قد كانوا يعملون لي مثل هكذا. قال: كانوا يصلحون لي كذا، أنا لمّا كنت رئيسًا، وأنت ذا الحين لا تصدّقهم. وبعدين رجعوا وقتلوا الثّاني، وصفقوا له، و كم من بعده واحد يصفقون له؟ ورجعوا يحكّمونه، ودخلوه المحكمة في زمنك وحدك، والذي قبلِك والذي قبلِك. تصلّح أخبار والنَّاس وراءها مكانهم سكارى ما يرجعون عنها.

 

مِمَّنْ أَشَادَ مَبَانِيْهَا وَأَحْكَمَهَا *** لِيَسْتَجِنَّ مِنَ الأَقْدَارِ بِٱلْجُنَنِ 

نَالُوا مَكَارِمَهَا أَحْيَوْا مَعَالِمَهَا * سَلُّوا صَوَارِمَهَا لِلْبَغْيِ وَٱلضَّغَنِ 

رَقَوْا مَنَابِرَهَا قَادُوا عَسَاكِرَهَا *** بِقُوَّةٍ وابْتَنُوْا الأَمْصَارَ وَٱلْمُدُنِ 

وَعَبَّدُوا النَّاسَ حَتَّىٰ أَصْبَحُوا ذُللاً *** لأَمْرِهِمْ بَيْنَ مَغْلُوْبٍ وَمُمْتَهَنِ 

وَجَمَّعُوا الْمَالَ وَاسْتَصْفَوْا نَفَائِسَهُ *** ……..

أخرجوا المال سويسرا وغيرها 

 

وَجَمَّعُوا الْمَالَ وَاسْتَصْفَوْا نَفَائِسَهُ *** لِمِتْعَةِ النَّفْسِ فِيْ مُسْتَقْبَلِ ٱلزَّمَنِ 

حَتَّىٰ إِذَا أمْتَلَوُوا بِشْراً بِمَا ظَفِرُوا *** وَمُكُّنُوْا مِنْ عُلاَهَا أَبْلَغَ الْمِكَنِ 

نَادَاهُمُ هَادِمُ اللَّذَّاتِ فَاقْتَحَمُوا *** سُبْلَ ٱلْمَمَاتِ فَأضْحَوْا عِبْرَةَ ٱلْفَطِنِ 

تِلْكَ الْقُبُوْرُ وَقَدْ صَارُوا بِهَا رِمَماً *** بَعْدَ ٱلضَخَامَةِ فِيْ ٱلْأَجْسَامِ وَٱلسِّمَنِ 

بَعْدَ التَّشَهِّيْ وَأَكْلِ الطَّيَّبَاتِ غَدَا *** يَأْكُلْهُمُ ٱلدُّوْدُ تَحْتَ التُّرْبِ وَاللَّبِنِ 

تَغَيَّرَتْ مِنْهُمُ الْأَلْوَانُ وَأَنْمَحَقَتْ *** مَحَاسِنُ ٱلْوَجْهِ وَٱلْعَيْنَيْنِ وَٱلْوَجَنِ 

خَلَتْ مَسَاكِنُهُمْ عَنْهُمْ وَأَسْلَمَهُمْ *** مَنْ كَانَ يَنْصُرُهُمْ فِيْ السِّرِّ وَٱلْعَلَنِ 

وَعَافَهُمْ كُلُّ مَنْ قَدْ كَانَ يَأْلَفُهُمْ *** مِنَ الْأَقَارِبِ وَٱلْأَهْلِيْنَ وَالْخَدَنِ

 مَا كَانَ حَظَّهُمُ مِنْ عَرْضٍ مَا أكْتَسَبُوْا *** غَيْرَ ٱلْحَنُوْطِ وَغَيْرَ الْقُطْنِ وَالْكَفَن

تِلْكَ الْقُصُوْرُ وَتِلْكَ الدُّوْرُ خَاوِيَةٌ *** ………………

 

بعضهم بعده بالحياة ويصلحوا عليه حصر ومنعوه من حقه في الفلوس وحجروه وهو بعده في الدنيا، وما عاد قدر عليه وبعده في الدّنيا، تشوفه لا يقدر عليها -لا إله إلا الله- بعضها باسم أشخاص، بعضها باسم دول، وحجَروا عليها ومنعوهم. ومنهم من صلّح لها مفاتيح وأرقام وما أعطاها لأحد حرص عليها ومات؛ حتى أولاده ما قدروا يحصلونها، ما يعرفون الرقم حقها السري، ولهفها من لهفها من السقطة وهكذا عجائب في الدنيا هذا إلى في وقتك واللي قبلك.. أمور غريبة.

قال:

 

تِلْكَ الْقُصُوْرُ وَتِلْكَ الدُّوْرُ خَاوِيَةٌ *** يَصِيْحُ فِيْهَا غُرَابُ الْبَيْنِ بِالْوَهَنِ

فَلَوْ مَرَرْتَ بِهَا وَٱلْبُوْمُ تَنْدُبُهَا *** فِيْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لَمْ تَلْتَذَّ بِٱلْوَسَنِ

وَلَا تَجَمَّلْتَ بِالأَرْيَاش مُفْتَخِراً *** وَلَاَ أَفْتَتَنْتَ بِحُبَّ الْأَهْلِ وَ السَّكَنِ

وَلَا تَلَذَّذْتَ بِالْمَطْعُوْمِ مُنْهَمِكاً *** وَلَا سَعَيْتَ لِدُنْيَا سَعْيَ مُفْتَتِنِ

وَلاَ اعْتَبَرْتَ إِذَا شَاهَدْتَ مُعْتَبَراً *** تَرَاهُ بِالْعَيْنِ أَوْ تَسْمَعْهُ بِالأُذُنِ 

إِنَّ ٱلْمَواعِظَ لا تُغْنِيْ أَسِيْرَ هَوىً *** مُقَفَّلَ ٱلْقَلْبِ فِيْ حَيْدٍ عَنِ السَّنَنِ

مُسْتَكْبِراً يَبْطَرُ ٱلْحَقَّ الصَّرِيْحَ إِذَا *** يُلْقىٰ إِلَيْهِ لِفَرْطِ الْجَهْلِ وَالشَّنَنِ 

 

يُمَنَّى النَّفْسَ أَمْراً لَيْسَ يُدْرِكُهُ *** إِنَّ الأَمَانِيَ مِقْطَاعَ مَنِ الْمِنَنِ

يَكْفِيُ اللَّبِيْبَ كِتَابُ اللَّهِ مَوْعِظَةً *** كَمَا أَتَى فِيْ حَدِيْثِ السَّيِّدِ الْحَسَنِ 

مُحَمَّدٍ خَيْرِ خَلْقِ اللهِ قُدْوَتِنَا *** مُطَهَّرِ الْجَيْبِ عَنْ عَيْبٍ وَعَنْ دَرْنِ 

عَلَيْهِ مِنَّا صَلاَةُ ٱللهِ دَائِمِةً *** مَا سَارَتِ اَلرِّيْحُ بِالأَمْطَارِ وَالسُّفُنِ

وَٱلآلِ وَٱلصَّحْبِ مَا غَنَّتْ مُطَوَّقَةٌ *** وَمَا بَكَتْ عَيْنُ مُشْتَاقٍ عَلَىٰ وَطَنِ

 

رزقنا الله الاعتبار، والادّكار، والاستقامة على ما يحبّه منّا ويرضى به عنّا في السرِّ والإجهار، وسخَّر لنا خير الدّنيا، وخير الآخرة، وصرف عنّا شر الدّنيا، وشرّ الآخرة. اللهم إنا نسألك خير الحياة، وخير الوفاة، وخير ما بينهما، ونعوذ بك من شر الحياة، وشر الوفاة، وشر ما بينهما. ونسألك صلاح القلب والقالب، والظّاهر والباطن، وصلاح الدّين، والاستقامة على ما هو أحب إليك وأرضى لك، وما ننال به الدّرجات العُلى في الجنّة. ويجعل مُكثنا في الدّنيا ومقامنا فيها المحدود المحصور، وسيلة لنا لارتقاء المعالي والمراتب الرّفيعة، ونيل كل وهبٍ وعطاء غالٍ، وحيازة المرافقة للنّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحَسن أولئك رفيقًا. يا أكرم الأكرمين.

 

صلّ الله عليه أفضل الصّلوات،  اجعل لنا من شريف محبّته، فيجعل الله محبته ومحبة رسوله صلى الله عليه وصحبه وسلم ما يغلب على قلوبنا فنعيش ونحيا ونموت والله ورسوله أحبُّ إلينا مِمّا سواهما، ونزداد من تلك المحبّة ونرتقي فيها رتبة بعد رتبة، حتى يوفّر الله حظنا من ثمرة هذه الحياة وممّا أعدّ لمن اصطفاه عند لقياه، وفي البرازخ ويوم الملاقاة، وفي دار الكرامة والنظر، وأنَّ الله -سبحانه وتعالى- يزيدنا محبّة، و يلحقنا بالأحبّة، ويقينا جميع الأسواء، وكل بلوة، ولا يحرمنا الزّيادة من محبّته ومحبّة رسوله، في كلّ صلاة نصليها، وفي كلّ قراءة نقرأها، وفي كلّ مجمع نجتمع فيه، وفي كلّ مجلس نجلس فيه، وفي كل يوم وفي كل ليلة، وفي ساعاتنا، وأنفاسنا، ولحظاتنا، لحظة بعد لحظة، لا يحرمنا خير ما عنده لشر ما عندنا، وينظموا في سلك أهل ذوق تلك المحبّة من خيار الأحبّة حتّى يقينا جميع الأسواء والشرور، وكل محذور في البطون والظهور، بسر الفاتحة وإلى حضرة النّبيّ محمد بدر البدور…

 

بسرّ الفاتحة

 إلى حضرة النبي مُحمّد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه

 الفاتحة

 

 

يكاد من شدة أشواقي فؤادي يطير *** الى الحبيب الذي حبه سكن في الضمير

متى متى يأذن المولى لنا بالمسير *** نزور خير الورى المختار طه البشير

نزور قبره ونتعطر بذاك العبير *** ويفتح اللّٰه لنا باب

العطايا الكبير

نزور في عافية يسهل علينا العسير *** نزور بأولادنا

كبيرهم والصغير

تقع زيارة مددها من حبيبي كثير *** ننظر إلى ذلك الوجه الصبيح النوير

نشهد جماله ويُمسى الطرف منا قرير *** يا سيد الرسل تحت الباب طالب فقير

مالي طلب غير في لقيا السراج المنير *** دائم خياله معي في مقعدي والمسير 

يا الله بجاهه تقينا حر نار السعير *** واغفر لنا كل زلة وامحوا ما في النظير 

وأدركنا برحماتك يمسي الجو منها مطير *** يا رب صل على المختار طه البشير

 

 والحمد لله رب العالمين







الأربعين في أصول الدين - 26 | الرعونة وحب الجاه (2)

 



Dan Kasih Akan Kemegahan (2)


Video


الدرس السادس والعشرون للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي . القسم الثالث: تزكية القلوب: تكملة شرح الأصل السادس: الرعونة وحب الجاه (2)

 ضمن دروس الدورة الصيفية الثانية بمعهد الرحمة بالأردن.

فجر الأحد 1 ربيع الأول 1447هـ

العلوّ الوهمي… والرفعة الحقيقية؛ لماذا يَميل القلبُ إلى مُلكِ القلوب ويستطيب الصِّيتَ والمدح؟ يشرح الدرس معنى الجاه، وسِرَّ انجذاب النفس لصفات العلوّ، ثم يميّز بين كمالٍ وهمي (مالٌ وجاهٌ يزولان) وكمالٍ حقيقي (علمٌ وحرّيّةٌ بالعبوديّة لا يَفنيان بالموت).

 

نص الدرس المكتوب: 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

فصل

في بيان حقيقة الجاه 

"اعلم أن حقيقة الجاه هي مُلكُ القلوب؛ لتتسخرَ لذي الجاه على حسب مراده، وتُطلقَ اللسان بالثناء عليه، وتسعى في حاجته. وكما أن معنى المال مُلكُ الدراهم؛ ليتوصل بها إلى الأغراض، فكذلك معنى الجاه مُلك القلوب، لكن الجاه أحب؛ لأن التوصل به إلى المال أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه، ولأنه محفوظ عن أن يُسرَق ويُغصَب أو تَعرِضَ له الآفة، ولأنه يسري وينمو من غير تكلف؛ فإن من مَلَكَ قلبه باعتقاد التعظيم، فلا يزال يثني عليه ويقتنص قلوب سائر الناس لصاحبه.

وفيه سر آخر، وهو أن الجاه معناه العلو والكبرياء والعز، وهي من الصفات الإلهية، والصفات الإلهية محبوبة للإنسان بالطبع، بل هو ألذ الأشياء عنده. وذلك سر خفي في مناسبة الروح للأمور الإلهية، وعنه العبارة بقوله تعالى: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي). فهو أمر رباني شغفه من حيث الطبع الاستبداد والانفراد بالوجود، وهو حقيقة الإلهية، إذ ليس مع الله موجود، بل الموجودات كلها كالظل من نور القدرة، فلها رتبة التَبعيّة لا رتبة المَعيّة.

فليس في الوجود مع الله غيره، وكأن الإنسان يشتهي ذلك، بل في كل شيء أن يقول: أنا ربكم الأعلى، لكن أظهره فرعون وأخفاه غيره.

لكن إن فاته الانفراد بالوجود، فيشتهي ألا يفوته الاستعلاء والاستيلاء على الموجودات كلها ليتصرف فيها على حسب مراده، وهو الإلهية. لكن تعذر على الإنسان ذلك في السماوات والكواكب والملائكة والبحار والجبال، فاشتهى الاستيلاء على جميعها بالعلم؛ لأن العلم نوع استيلاء أيضاً. كما أن من عجز عن وضع الأشياء العجيبة، فيشتهي أن يعرف كيفية الوضع، وكذلك يشتهي أن يعرف عجائب البحر وما تحت الجبال. ويَتصوّرُ أن يتسخر له الأعيان التي على وجه الأرض من الحيوان والنبات والمعادن، فيحبّ أن يتملكها ويتمولها، ويَتصوّرُ أن يتسخر له الإنسان، فيحب أن يستسخره بواسطة قلبه، ويملك قلبه بإلقاء التعظيم فيه، ويحصل التعظيم بأن يعتقد فيه كمال الخصال؛ فإن في الإجلال أن يتبع اعتقاد الكمال. 

فلهذا يحب الإنسان أن يتسع جاهه، وينتشر صِيتُه، حتى إلى البلاد التي يعلم قطعاً أنه لا يطؤها، ولا يرى أهلها؛ لأن كل ذلك يناسب صفات الربوبية، وكلما صار أعقل، كانت هذه الصفات عليه أغلب، وشهواته البهيمية فيه أضعف."

 

الحمد لله مُكرمنا بأنوار الوجهة إليه، والدلالة عليه، بإدراك عبوديّتنا له وربوبيته -سبحانه وتعالى- علينا وعلى كل شيء. نشهد أنه الله الملك القيوم الحيّ، أرسل إلينا عبده المصطفى من بني لؤي، محمد بن عبد الله بالحق والهدى لينقذنا من كل ضلال وغيّ، فصلِّ اللهم وسلم وبارك على حبيبك المختار سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرّبين وجميع عبادك الصالحين.

ويذكر الإمام الغزالي -عليه رحمة الله تعالى- في هذا الأصل السادس الذي عقده في الرعونة وحبّ الجاه، ويتحدّث عن سرّ رغبة الناس في الجاه وتحصيله، ومعناه كما ذكره أنه "مُلك القلوب" لتتسخر لمن قام له الجاه عندها، "كما أن معنى المال مُلك الدراهم يُتوصل به إلى الأغراض. فالجاه ملك القلوب، والجاه أحب، لأن التوصل به إلى المال" وإلى بقية الأشياء "أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه"، ولكون الجاه أيضًا لا يتعرّض لما يتعرّض له المال من السرقة والغصب وما إلى ذلك و أنواع الآفات، وكونه ينتشر ويقوى "وينمو من غير تكلّف"، فينتشر من واحد لآخر حتى يعمّ بلدًا وبلدًا وهكذا.

وذلك أن الإنسان لما كوّنه الرحمن -جلّ جلاله- جعل فيه صفاتٍ ربانية، وصفاتٍ سبعية، وصفاتٍ بهيمية -حيوانية-، وصفاتٍ شيطانية. وبحسب السوابق ثم التزكية والتربية، تقوى الصفات الصالحة في الإنسان فيُهذّب شأن السبعُية والبهيمية والتي مظهرها الغضب والشهوة، ويأتي إلى الصفات الشيطانية فيقهرها ويسخرها لكسب القيم والمكارم وارتقاء المراتب العُلا، بدل أن تكون مُسخّرة للمكر والخداع والتغرير واستنباط الحيل لأجل البهيميات ولأجل السبعيات التي في هذا الإنسان.

وأما الصفات الربانية فالمقصود بها أن يعرف ربّه وعظمته ليحوز حقيقة العبودية. فإذا جنح مَجنحًا باطلاً وحاد عن سواء السبيل، أراد أن يدّعي الألوهية والربوبية لنفسه -والعياذ بالله، تبارك وتعالى-، كما صرّح بذلك فرعون. وكم من نفسٍ وسطها هذا الادعاء، لا تساعدها الأحوال والظروف أن تقول: أنا ربكم الأعلى، ولكن هذا قال (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ) [النازعات:24] والعياذ بالله تبارك وتعالى. فكان هذا الانحراف في الإنسان، لِما في خِلقته من الصفات الربوبية، يحيد به عن سواء السبيل، وإلا فكان المقصود أن يعرف به عظمة الربّ، ويعرف عبوديته لهذا الإله -سبحانه وتعالى-.

قال: هذا سرٌّ من أسرار تعلق قلوب بني آدم بالجاه والمنزلة عند الناس، لأنه فيه معنى علوّ وكبرياء وعِز، وهذه "الصفات الإلهية"، وهي بحكم الطبع يميل إليها الإنسان. فأمر الروح أمر عظيم، إذا لم يُحفظ ويُصان من الانحراف والانحطاط، فيرفع الإنسان إلى أعلى مراتب العبودية حتى تتولى الربوبية العبودية، وتندرج العَبدِية في العندية لله -تبارك وتعالى- وإلا ادّعى الإنسان لنفسه وأحب أن يكون المُستبِد والمسيطر والعالي وصاحب الكبرياء والعزة والجاه، ولذا قال الله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ) [القصص:83]؛ لأن العلو في الأرض ليس بحقيقة علو، فهو علو وهمي، مُنقضٍ زائل، وكان فيه الكفار والفجار، قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ) [القصص:4]، لكنه علوّ هابط ساقط، انتهى إلى الغرق والكفر بكل ما كان مغتراً به، (حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [يونس:90].

فكان مقتضى وجود هذه المسحات من الصفات الربوبية في الإنسان أن يعلم عظمة الرب، وأن يطلب العلوّ الحقيقي بعبوديته لهذا الإله وخضوعه لجلاله، وهو الذي يرفع من تواضع له، ويعز من تذلل لعزته سبحانه وتعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8]، ولكن بفعل النفس وما يحبكه العدو من التسويلات، ينحرف الإنسان عن حقيقة ما خُلق لأجله، ويذهب إلى التعالي وإلى الشموخ بنفسه في طلب علو وهمي، سريعًا ما يسقط ويضمحل وينتهي. لا إله إلا الله…

وفي حقيقة الأمر الرباني، أن الإله الحق -سبحانه وتعالى- هو الذي له الاستبداد والانفراد بالوجود، فلا موجود معه. قال: والموجودات التي خلقها بقدرته، لها مرتبة التبعية وليس لها مرتبة المعية، فإنه موجود بذاته وليس فيها موجودٌ بذاته، فكيف تكون لها معية؟ فإنما هي في تبعية، مُوجَدة بإيجاده، ومخلوقة بخلقه ومصنوعة بصنعته سبحانه وتعالى، فلها حق التبعية. فإذا انحرفت، طلبت المعية على غير وجهها فهلكت -والعياذ بالله تبارك وتعالى- فليس في الوجود مع الله غيره، وإنما في الوجود أفعال الله وصنعته التي هي تبع له وعبيد له: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا) [مريم:93]. وكأن الإنسان يشتهي أن يكون له مظهر ألوهية وربوبية، وأنّى له بذلك! ولكنه يدّعيه ادعاءً فيضِلّ عن سواء السبيل.

فتجد الإنسان من هذه الدواعي لمّا تعذر عليه "الاستعلاء و الاستيلاء على كل الموجودات"، أخذ الذي ما يقدر عليها، مثل: "السماوات والكواكب" وكيف يقدر يتصرف فيها! "والملائكة"، مهما كان مغرور ومهما كان... إيش بيصلّح؟! ما يقدر..! يرى نفسه عاجز! فيشتهي "الاستيلاء" عليها "بالعلم"، ويطّلع عليها: كيف؟ كيف هذا؟.. فإن العلم بها والإدراك لشؤونها "نوع من الاستيلاء، كما أن من عجز عن وضع الأشياء العجيبة" يشتهي "يعرف كيفية" وضعها وكيف قامت وكيف تمت، "وكذلك يشتهي يعرف عجائب البحر وما تحت الجبال، ويتصور أن يتسخر له الأعيان التي على وجه الأرض من الحيوان والنبات والمعادن"، يحب "يتملّكها ويتموّلها، ويتصور أن يتسخر له الإنسان، يحب أن يستسخره بواسطة قلبه، ويملك قلبه بإلقاء التعظيم فيه"

فـ "يحب الإنسان أن يتسع جاهه وينتشر صيته" من هذه الدوافع التي عنده، التي إذا لم تنتظم في سلك الوعي الصحيح جَنحت بالإنسان كل الجُنوح.

يقول: فيحتاج إذًا إلى أن يعرف حقيقة الرِّفعة والضّعَة، وما هو الذم وما هو المدح، ويتكلم عنه. 

 

فصل

في بيان حقيقة الرفعة من حيث الذم والمدح 

"لعلك تقولُ: فإذا كان كذلك.. فلِمَ كانَ طلب الرفعة مذموماً وهو من نتائج العقل، وخواص الرُّوحِ؛ لمناسبته الأمور الرَّبَّانِيَّةَ؟

فاعلم: أن الرفعة الحقيقية طلبها محمود غير مذموم؛ إذ مطلوب الكل هو القرب من الله تعالى، وذلك هو الرفعة والكمال؛ إذ هو عز لا ذل فيه، وغنى لا فقر معه، وبقاء لا فناء بعده، ولذة لا كُدُورةَ لها، وطلب ذلك محمود، وإنما المذموم طلب الكمال الوهمي دون الحقيقي.

والكمال الحقيقي يرجع إلى العلم والقدرة والحرية، وهو ألا يكون مقيّدا بغيره، ولا يُتصوَّرُ للعبد حقيقة القدرة؛ فإن قدرته إنما تكون بالمال والجاه، وذلك كمال وهمي؛ فإنه أمر عارض لا بقاء له، ولا خير فيما لا بقاء له، بل قيل: 

أشدّ الغم عندي في سرورٍ ***  تَيَقَّنَ عنه صاحبه انتقالا 

كيف وهذه القدرة العارضة مع سرعة انقضائها بالموت وبآفاتها قبله.. لا تصفو عن المكدرات، فمن توهمها كمالاً فقد زل. 

بل الكمال في الباقيات الصالحات التي يُنال بها القربُ من الله سبحانه، ولا تزول بالموت، بل تتضاعف تضاعفاً غير محدود؛ وذلك هو المعرفة الحقيقية بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، وهو العلم بكل الموجودات؛ إذ ليس في الوجود إلا الله تعالى وأفعاله، لكن قد يَنظرُ فيها الناظر لا من حيث إنها أفعال الله تعالى؛ كالذي ينظر في التشريح لغرض الطب، أو ينظر في هيئة العالَمِ لمعرفة الاستدلال بأحكام النجوم، فهذا لا قدر له. 

ومن الكمال الحقيقي: الحريّة؛ وهي انقطاع علاقتك عن جميع علائق الدنيا، بل عن كل ما يفارقك بالموت، والاقتصار في الالتفات إلى لازمك الذي لا بد لك منه، وهو الله تعالى. كما أوحى الله إلى داود عليه السلام: "يا داود، أنا بُدُّكَ اللازم، فالزم بُدَّك". 

فالعلم والحرية كالباقيات الصالحات، وهما كمالان حقيقيان. والمال والبنون زينة الحياة الدنيا، وهما كمالان وهميان. 

والمنكوسون: هم الذين عكسوا الحقيقة، فأعرضوا عن طلب الكمال الحقيقي واشتغلوا بطلب الكمال الوهمي، وهم الذين يحترقون عند الموت بنيران الحسرة، إذ يشاهدون أنهم خسروا الدنيا والآخرة. أما الآخرة فلأنهم لم يطلبوها ولم يحصّلوا أسبابها من المعرفة والحرية، وأما الدنيا فلأنها ودعتهم وانقلبت إلى أعدائهم وهم ورثتهم.

ولا تظننّ أن العلم والإيمان يفارقانك بالموت، فالموت لا يهدم محل العلم أصلاً، وليس الموت عدماً حتى تظن أنك إذا عُدمتَ عُدِمت صفاتُك، بل معنى الموت: قطع علاقة الروح من البدن إلى أن تُعاد إليه، وإذا تجرد عن البدن فهو على ما كان عليه قبل الموت من العلم والجهل. وفهم هذا يطول وتحته أسرار لا يحتمل هذا الكتاب كشفها."

 

يقول: إذا قلت أن هذه الدوافع بسبب الصفات الربوبية التي في روح الإنسان، فلِما جعلت طلبها "مذمومًا وهي من نتائج العقل"، فترى في حس العقل أنه يتولّع الإنسان في صباه وصغره وكل شيء من الألعاب والمظاهر والمال، وإذا كبر رأى أن السلطة واتساع المال أهم من هذا كله، وصار لا يبالي بأمور المال وما إلى ذلك. فلماذا جعلتها مذمومة وهي "من نتائج العقل، وخواص الرُّوحِ"؟ 

قال: إنما جعلنا المذموم منها المنحرف منها، والمسوّل له والمغرر به. أما حقيقة الرفعة والشرف والكرامة والعلو فإنها مطلوبة، يطلبها كل عاقل وكل مكلف من الإنس والجن. ولكن ما خالطه من الوهم حتى جعله يطلب الكمال الوهمي، هذا الذي صاحبه إذا أفنى عمره في طلبه فارقه عند الموت وحلّت عليه الحسرات الأبدية -والعياذ بالله تبارك وتعالى- فلا عزَّ فيه على الحقيقة.

وإنما عزُّ هذا المخلوق معرفته بخالقه وقربه منه؛ هذه رفعة وكمال حقيقي، "عِز لا ذل فيه، وغنى لا فقر معه، وبقاء لا فناء بعده، لذة ليس فيها كدورة" ولا مُنغصِات فطلب هذا أمر "محمود".

 "وإنما المذموم طلب الكمال الوهمي" الذي وقع فيه أكثر الناس. قال تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) [الانعام:116]. فبالخرص والوهم والظن ضاعت حياتهم وأفكارهم، ومع ذلك يرون أنفسهم العقلاء في ظنونهم وأوهامهم هذه وخيالاتهم! فهم بالنسبة لمن عرف حقيقة العقل أو استنار بنور العقل على الحقيقة، كالأطفال الذين يفضّلون اللعب والشكولاتة على المُلك والرئاسة والزواج وكل شيء، ما الذي يريده من هذاّ يريد لعبة يلعب بها، هات له كرة أحسن له من رئاسة الدولة، هذا عقله. 

وهكذا هؤلاء في طلبهم للرئاسات المنقضية والجاهات المنحلَّة التي تفنى، ينظر إليهم أهل العقل مثل ما ينظرون هم للأطفال، لهذا يرون طلبهم منحط.. فهذا ليس بكمال؛ لأنه لا بقاء له ولا استمرار له، وإنما الحقائق والكمال ترجع إلى القدرة وإلى العلم والحرية.

وهذا الإنسان الكامل الذي يتدرّج، يرفع نفسه: 

  • من الأمّارة بالسّوء إلى اللّوامة. 
  • ومن اللّوامة إلى المُلهَمة. 
  • ومن المُلهَمة إلى المطمئنّة. 
  • ومن المطمئنّة إلى الرّاضية. 
  • ومن الرّاضية إلى المَرضية. 
  • ومن المَرضية إلى الكمال؛ فتكون النّفس كاملة. 

وهذا الكمال الحقيقي: معرفة الإنسان حقيقة اسم عُبوديّته وعظمة الرّبوبية وقربه من الرّبّ ومعرفته بأسمائه وصفاته؛ هذا العلم النّافع الذي لا يفنى بالموت ولا ينقطع فوائده بالموت، بل تظهر فوائده وتبرز بالموت أكثر، وتبقى نتائجه نعيمٌ مؤبّد لا غاية له. هذا هو كمال، هذا كمال الإنسان؛ فما أنكرنا عليه طلب الكمال الحقيقي، لكن أنكرنا عليه انحطاطه وتوهّمه للكمال الذي ليس بكمال، ثم أفنى عقله وعُمره وراء ذلك الوهم والخيال، هذا الذي أنكرنا عليه، وفيه أمام عينه الزوال والانتهاء منه، قال: "لا بقاء له"، ويقول قائلهم: 

أَشَدُّ الغَمِّ عِندي في سُرورٍ *** تَيَقَّنَ عَنهُ صاحِبُهُ اِنتِقالا

هذا ليس سرور هذا!.. سرور ينتقل عنه هذا غمّ هذا، هل معك سرور يدوم ويستمر؟! هذا السّرور بمعرفة الله والسّرور بطاعة الله، هذا يدوم ويستمر شأنه؛ وأمّا السرور بشيء يزول وينتهي يتحوّل، فهو غمّ؛ 

…………………. سُرورٍ *** تَيَقَّنَ عَنهُ صاحِبُهُ اِنتِقالا.

وهكذا، بل وتَوهُّم القدرة في هذه السّلطات الظّاهرية، والعلم في الأشياء الماديّة، توهُّم أنّ هذا هو العلم والقدرة.. هي حتّى قبل انقضائها وانقضاء وقت الاستفادة منها، مشُوبة بغُصَص وبأَكدار وبمَشاكل؛ فلأجل ذلك أقاموا لهم الحرّاس وأقاموا لهم الجنود وتعِبوا وسهِروا لأنها غُصص ونكد، ليست صافية، ما هو المُلك الذي قال: (إِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان:20].

والذي يُعجّل منه في الدّنيا ما يقول بعض العارفين: ملكتُ أعضائي السبعة، ما صرفتها إلا في طاعة! هذا مُلك هذا، هذا مُلك عظيم مؤبّد شأنه وسلطانه وفائدته، هذا مُلك، وأمّا بقية الأشياء وَهْم وخيال، مع ذلك قبل انقضائها وزوالها هي مشوبة بغُصص وأتعاب وأنكاد.. ما تصفو، لا إله إلا الله! فكيف يكون طلبها هو العزّ أو الرّفعة؟

فـ "الكمال في الباقيات الصالحات التي يُنال بها القرب من الله، يقول: ولا تزول بالموت بل تتضاعف تضاعفاً غير محدود."، هذه المعرفة بذات الله وصفاته وأفعاله، والعلم بما علّم الله تبارك وتعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة:255]. هذا العلم النافع الذي لا يُفارقك عند الموت، ولا تُفارقك خيراته وبركاته وآثاره. 

قال: "والحرية من الكمال الحقيقي"، لكن ما هي الحرية؟ أن تكون غير مُقيّد بشيء من عوارض الفناء والزوال، من كل ما يفنى ويزول، لا جاه ولا سلطان ولا تبعيّة لمال ولا لنفس ولا لشيطان ولا لشيء من هذه الأشياء. ما تكون مُلك لها، ما تكون مُقيّد بها، بل تكون حر في عبوديّتك لله وحده سبحانه وتعالى وتعلم لا أحد يَملكك غيره. هذه الحرية الحقيقية، عزّ وشرف وكرامة. 

هم يُفسرون الحرية بتعدّي الحدود في القيم والمكارم وفي اتّباع الشهوات والأهواء، وهذا يسمّونه حريّة!! هذا قيد فوق القيد، وقيد لأخسّ الأشياء التي لا تملك لك حقيقة شرف ولا كرامة وتَضْمَحِلّ وتتلاشى عمّا قريب، فليست بالحرية. 

لكن الحرية الصحيحة نعم، "فالعلم" الصحيح "والحرية" الصحيحة "من الباقيات الصالحات"، أمّا القدرة بمعناها الواسع ما تتأتّى لمخلوق، إنّما هي للخالق. ولكن ما آتى الخلّاق عبده من القدرات، إذا تمكّن بالعلم والحرية، بصرف هذه المقدورات له فيما يحبّه إلهه ويرضى عنه إلهه، فكان عُدَّة من عُدَد الكمال الحقيقي.

قال: "والمنكوسون عكسوا الحقيقة، أعرضوا عن طلب الكمال الحقيقي" الذي قال عنه سيدنا موسى في دعوة فرعون: 

  • (هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ)؛ أدُلّك على كنز ما يفنى وملك يدوم ويتأبّد، تعال بتُطهّر نفسك وتعرف ربك، (هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ * فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ * فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ) [النازعات:18-25]. ولم يبقَ شيء ممّا كان يغترّ به أو كان يعتدّ به. 
  • (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) والنهاية في وهمهم الذي ظنّوه كمال: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) [هود:96-99]. 

ولكن موسى ومَن معه هم الذين نَجُوا واعْتَلَوْا في الدنيا وفي الآخرة، ولهم الشرف والكرامة الأبديّة الحقيقية؛ فجاءنا الأنبياء والمرسلون لنطلب حقائق الشّرف والكرامة والعزّ الصحيح.

قال: "لكن المنكوسون عكسوا الأمر واشتغلوا بطلب الكمال الوهميّ، وهؤلاء يحترقون عند الموت بنيران الحسرة"، فإنهم "يشاهدون" في تلك الساعة "أنهم خسروا الدنيا والآخرة"، (ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الزمر:15]، والعياذ بالله تعالى. 

"أما الآخرة لم يطلبوها ولم يحصّلوا أسبابها من المعرفة والحرية، وأما الدنيا ودعتهم" وتركتهم وانفصلت عنهم وأسلَمَتهم، ولا عاد يقدروا أن يحصلوها ولا تحصّلهم.. انتهت. فخسروا الجميع، والعياذ بالله تعالى. 

قال: "وأما" مثل "العلم" النافع "والإيمان" الصحيح "ما يُفارقانك بالموت. والموت ما يهدم" الروح والقلب "محل العلم أصلاً"، إنّما يُفارق بين الروح والجسد، والذي ينهدم به هذا الجسد. وعاد الجسد إذا أُكرم كرامة خاصة بالحريّة العظمى هذه والكرامة الحقيقية، حتى هو ما عاد تأكله الأرض، هو نفس الجسد يبقى إلى أن تقوم الساعة وترجع الروح إليه ويقوم. 

فانتقل شرف المُلك الحقيقي حتى إلى أجساد الأنبياء، أجساد الشهداء، أجساد العلماء، العاملين بعلوم الدين، الأجساد كلها تروح إلى الأرض، لكن كلّها ترجع إلى التراب ويأكلها الدّود إلا هذه الأجساد. ولو ماتت في وقت واحد ودُفنت في مكان واحد، هذا يُؤكل وهذا لا يُؤكل، هذا يفنى وهذا لا يفنى، لأنّ هذا صُبِغ بصبغة الكرامة الحقيقية ففاضت عليه، فصار مُكرّم ومُشرّف إلى أن يأتي وقت النفخة الثانية وترجع الروح إليه ويقوم. 

قال: لا يُفارقك العلم والإيمان بالموت، "ليس الموت عدماً حتى تظن أنك إذا عدمتَ عُدمت صفاتك، بل معنى الموت قطع علاقة الروح من البدن إلى أن تُعاد إليه"، هذا هو الموت، "وإذا تجرد عن البدن فهو على ما كان عليه قبل الموت من العلم أو الجهل، وفَهْم هذا يطول" وفيه أسرار كبيرة، ولكن مبادئه واضحة لكلّ ذي قلب سليم وعقل مُستنير. فالله ينوّر قلوبنا.

 

فصلٌ 

في بيان علاج داء الجاه. 

إذا عرفت حقيقة الجاه وماهيَّته، وأنّه كمال وهميّ، فقد عرفت طريق العلاج في قمع حبه من القلب. إذا علمت أنّ أهل الأرض لو سجدوا لك مثلا، لما بقي إلى مدة قريبة لا السّاجد و لا المسجود له. كيف ويشَحّ الدّهر عليك بأن يَسلَم لك الملك في محلّتك فضلا عن قريتك أو بلدتك؟ 

فكيف ترضى أن تترُك مُلك الأبد و الجاه الطويل العريض عند اللّه تعالى وعند ملائكته، بجاهك الحقير المنغّص عند جماعة من الحمقى لا ينفعونك ولا يضرونك ولا يملكون لك موتاً ولا حياةً ولا نشورًا ولا رزقًا ولا أجلا؟

نعم مُلك القلوب كملك الأعيان‌، و أنت محتاج منه إلى قدر يسير لتحرس نفسك عن الظلم والعدوان، و عمّا يشوش عليك سلامتك و فراغك الذين تستعين بهما على دينك. فطلبك لهذا القدر مباح، بشرط القناعة بقدر الضرورة كما في المال، وبشرط أن لا تكتسبه بالمُراءاة بالعبادة فذلك حرام كما سيأتي؛ و ألا تكتسبه بالتّلبيس‌ بأن تظهر من نفسك ما أنت خالٍ منه، فلا فرق بين مُلك القلوب بالتلبيس، و مُلك الأموال.

فإذا حصّلت الجاه بطريقه، واقتصرت على قدر التحرّز من الآفات.. فتُرجى لك السلامة، إلا أنك في خطر عظيم أكثر من خطر المال، لأن قليل الجاه يدعو إلى كثيره، فإنّه ألذّ من المال، ولذلك لا يسلم الدين غالباً إلا لِخَامل مجهول لا يُعرف، كما فهمت ذلك من الأخبار.

 

فصلٌ

 في حبّ المدح وأنه من البواعث على طلب الجاه.

من البواعث على طلب الجاه حبّ المدح، فإن الإنسان يتلذذ به من ثلاثة أوجه: 

  1. أحدها أنه يُشعر صاحبه بكمال نفسه، والشعور بالكمال لذيذ لأن الكمال من الصفات الإلهية. 
  2. والثاني أنّه يُشعِر بملك قلب المادح وقيام الجاه عنده وكونه مسخراً له. 
  3. والثالث أنه يُشعِر صاحبه بأنّ المادح يُصغى إلى مدحه فينتشر بسببه جاهه؛ فلذلك إذا صدر المدح من بصير بصفات الكمال، واسع الجاه والقدرة في نفسه، وكان على ملأ من الناس، تضاعفت لذة المدح. 

وتزول اللذة الأولى بأن يصدر عن غير أهل البصيرة، فإنّه لا يُشعر بالكمال. 

وتزول الثانية بأن يصدر عن خسيس لا قدر له، لأنّ مُلك قلبه لا يُعتد به. 

وتزول الثالثة بأن يُمدح في الخلوة لا في الملأ، إلا من حيث يتوقع أنّه أيضاً ربما يُمدح في الملأ. 

وأما الذّمّ فإنه مكروه لنقيض هذه الأسباب. وأكثر الخلق أهلكهم حبّ المدح وكراهية الذّم، ويحملهم ذلك على المراءاة وفنون المعصية، وعلاج ذلك: 

  • أن يتفّكر في اللذة الأولى: 
    • فإن مُدح بكثرة المال والجاه، فليعلم أنه كمال وهمي، وهو سبب فوات الكمال الحقيقي، فهو جدير بأن يحزن لأجله لا أن يفرح به. 
    • وإن مُدح بكمال العلم والورع، فينبغي أن يكون فرحه بوجود تلك الصفات وعلم الله تعالى بها، لا بذكر غيره، ويشكر الله تعالى عليها لا يشكر غيره، هذا إن كان مُتّصفًا به. 
    • وأمّا إن كان غير ُمتّصف به، ففرحه به حماقة، كفرح مَن يُثني عليه غيره ويقول: ما أطيب العطر الذي في أحشائك وأمعائك! ويعلم ما فيها من الأقذار والأنتان، وهذا حال من يفرح بالمدح بالورع والزّهد والعلم وهو يعلم من باطن نفسه أنه خالٍ عنه. 
  • وأمّا اللذة الثانية والثالثة، وهو لذة الجاه عند المادح وغيره، فعلاجُه ما ذكرناه في حب الجاه.

 

يقول: يُعالَج هذا الانحراف عند الإنسان في طلب الكمال الوهميّ ويُحوَّل إلى طلب الكمال الحقيقي، فيُعالج داء الجاه، والذي من أسبابه: محبّة المدح وكراهة الذم. قال:

  • ويحب الإنسان المدح من حيث أنه يُشعِره بأنه صاحب كمال. 
  • ويحب المدح لأنه يُشعِره بأنه "مَلَك قلب المادح" هذا، وقام جاهه عنده. 
  • وكذلك لأنّ "المادح يُصغَى إلى مدحه" من قبل غيره "فينتشر بسببه الجاه". 

قالوا: ولذلك إذا صدر المدح "عن غير أهل البصيرة ما يُشعِر بالكمال، فقد تسقط هذه اللذة".  وأحيانًا حتى مع ذلك، فهو يتعلّق بالوهم، وهم على وهم. 

  • وكذلك إذا صدر المدح عن مَن "لا قدر له" بين الناس، ما تكون اللذة به قوية لأنّه "لا يعتد به"
  • وإذا "مُدح في الخلوة لا في الملأ" كذلك ما يشعر بأنّه سينتشر الصيت له، إلا من حيث يتوقع أنه كما مدح بينه وبينه أنه سيَمدحه عند الآخرين. 

والذّمّ؛ لنقيض هذه الأسباب تكرهه النفس. قال: "وأكثر الخلق أهلكهم حب المدح وكراهيّة الذم". ولِذا جاءت وصايا الصالحين: ولا بالمدح تفرح، ولا تتعب من الذّمّ. وعلاج ذلك يتفكر:

  • فإنّه "إذا مُدح" بشيء من الأوصاف المُنتهية والمُنقضية والتي لا حقيقة لها، فلا ينبغي أن يفرح بذلك مِثل "المال والجاه" وما إلى ذلك، فذا مع قارون أحسن منك وجاه حتى مع النّمرود وفرعون أكثر منهم جاهًا. نفعهم بشيء؟ فكيف يفرح به؟ يُدرك الحقيقة ويدُرك أنّه إنّما ينال العزّة إذا وُصف بما تدوم عزّته من العبوديّة. 
  • "وإن مُدح بكمال العلم والورع"، يقول: فرحه لا من حيث المادح مدحه به، لكن من حيث أكرمه الله تعالى به. ويسأل الله أن يُديمه عليه، وينفعه به، ولا ينزعه عنه.
  • وأمّا "إن كان غير متّصف" بهذه الأوصاف الطيّبة التي ذكروها فيه، "ففرحه به حماقة" وبلادة. مثل أن يُمدح واحد ويقال له: أنت أمعاؤك تحمل عطر ممتاز ورائحة طيبة وجواهر! وهو عالم بنفسه.. قال حقك المسالك البولية مثل العسل، أيّ عسل!! وذاك يفرح، قال: أيش من بلادة عنده هذا! أبلد بليد. 

قال لك: هكذا من مُدح بعلم وهو ليس بعالم، ومُدح بورع وهو ليس بورع، كما هذا يضحك عليه؛ ففرحه به مثل هذا.

أمّا إن كان عنده حقيقة العلم والورع، فهذا يحمله على أن يفرح بإعطاء المعطي له وهو الله، ويخاف من زواله ويتضرّع إليه أن يُثبّته عليه. هذا هو الكلام الصحيح. 

وكذلك قال: "لذة الجاه عند المادح وغيره يُعالجها بما ذكر". يقول: أنت لو فرضنا آل البلاد كلهم، وهذا ما يكون، والذين حوالين بلادك كلهم وأهل الأرض كلهم، فرضا، هذا ما يكون، لكن لو فرضنا كلّهم عظّموك وأحبّوك إلى حد سجدوا لك، كم سيقعدون؟ عشر سنين، خمسة عشر، عشرين، ثلاثين؟!… لا الساجد ولا المسجود له، لا أنت ولا هم، تفرح بماذا؟ وما يبقى بعدها إلا الجزاء على ما كان منك من نيات ومن أعمال، وإذا العالم ثاني، وذاك كله وهم ما فيه حقيقة رفعة، وهذا ما يحصل أصلًا. 

وإن سخّرت نفسك لمحبّة الجاه والمال ما سيحصل لك إلا عند أفراد مخصوصين وناس مخصوصين، وذامّيك كثير ومبغضوك كثير، ومع ذلك كله منقضٍ ومنتهٍ، وبتفوّت بهذا ملك الأبد ومرافقة المقربين والنبيّين في درجات القرب من رب العالمين، وما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، مقابل أيش تُفوّت هذا كله؟!! 

"كيف ترضى تترك مُلك الأبد والجاه الطويل العريض عند الله وعند ملائكته بجاه حقير مُنَغص عند جماعة من الحمقى لا ينفعونك ولا يضرونك؟" لا إله إلا الله.

قال: نعم، أنت مُحتاج إلى شيء من الجاه بحيث لا يتنغّص عليك عيشك ولا يؤذونك الناس، مثل ما تحتاج شيء من المال لتمشّي به حياتك، فبهذا المقدار ما يؤثر عليك. وهكذا والذي يضرك إنما هو التفاتك، أمّا إقبال الناس مثل إدبارهم، ومدحهم مثل ذمهم، وذمهم مثل مدحهم، ما ينفعك شيء في حدّ ذاته. ولكن أنت تنتفع إذا صفا باطنك وتعتبر الاعتبارات في طلب المُلك الحقيقي، سواءً مُدحت أو ذُممت، أقبلوا عليك أو أعرضوا عنك، تستفيد فوائدك بينك وبين المَلِك الحق في طلبك للعزّ الحقيقي والرّفعة الحقيقية وكرامة الأبد، اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشرّ ما عندنا.

ويقول في الدعاء: و اجعلني وَجِيهًا فِي الدنيا  والآخرة ومن المقرّبين. والوجيه في الدنيا والآخرة صاحب المُلك الحقيقي هذا، صاحب الشرف الحقيقي والعزة الحقيقية؛ هذا الوجيه؛ واجعلني وجيهًا في الدّنيا والآخرة ومن المقربين، فإنها مترابطة بعضها البعض. أما ما يشاركه فيه فُسّاق الأرض وشرارها، منقطع عن المُلك الحقيقي، فليس به الوجاهة المطلوبة في الدنيا. 

وفي الآخرة ما تكون الوجاهة إلا لأهل ذاك الشرف بالعبودية، على قدر ذلّتهم لله يُعزّهم، وعلى قدر افتقارهم إليه يُغنيهم، وعلى قدر خُضوعهم لجلاله وتواضعهم يرفع أقدارهم سبحانه وتعالى. 

حقِّقنا اللهم بحقائق الرفعة الحقيقية بالصدق معك، والإخلاص لوجهك والعبودية المحضة الخالصة لك، في خير ولطف وعافية. 

بسرّ الفاتحة

 إلى حضرة النبي مُحمّد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه

 الفاتحة